اكتشاف بقايا معبد أثري جنوب اليمن
صنعاء ـ (الوطن): تمكن فريق تابع
للهيئة العامة للآثار اليمنية من اكتشاف بقايا معبد أثري يعود
للعصر الحميري بمنطقة مودية بمحافظة أبين جنوب العاصمة صنعاء
،وذكرت وكالة الأنباء اليمنية سبأ أن العمل لازال جاريا حاليا
على دراسة وتحليل النتائج الأولية كشف تفاصيل اكثر حول عمر المعبد
المكتشف وتحديد أي من الفترات الزمنية المتقدمة أم المتأخرة
من العهد الحميري التي يعود لها.
وأوضح مصدر من فريق العمل في الموقع أن الحفريات التي يتم تنفيذها
تأتي ضمن برنامج الهيئة العامة للآثار الساعي للقيام بحفريات
إنقاذية للموقع الذي طالت أيادي العبث الكثير من أجزائه ،وأضاف
المصدر أن حجم الأحجار الكبيرة المستخدمة في البناء المكتشف
، ومدى التفنن في صقلها وتهذيبها ، بالاضافة إلى كمية البلاطات
الرخامية والافاريز والمذابح ذات الاشكال الزخرفية ، وغيرها
من المكونات المكتشفة ، تشير مجتمعة الى انها لاحد المعابد القديمة
، يذكر أن الهيئة العامة للآثار اليمنية كانت قد كشفت الأسبوع
الماضي عن جود سد اثري في مأرب شرق العاصمة صنعاء تحت السد الأثري
القديم المعروف حاليا يعود للقرن الخامس الميلادي وعلى صعيد
آخر وجه رئيس الوزراء اليمني عبد القادر باجمال وزارة الثقافة
والسياحة اليمنية ممثلة في الهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات
بإعداد استراتيجية وطنية لحماية الآثار والتنقيب عنها .
وأكد باجمال في اجتماع وزارة الثقافة والهيئة العامة للآثار
ورئاسة جامعة صنعاء وعدد من الأكاديميين والمختصين في مجال الآثار
على ضرورة إعادة النظر في القانون الحالي للآثار بما يعزز من
دور الهيئة والأجهزة الحكمية ذات الصلة في الجوانب المتعلقة
بحماية الآثار بما تمثله من قيمة إنسانية وتاريخية وحضارية وأدبية
للإنسان اليمني ، وجرى خلال الاجتماع مناقشة جملة من القضايا
المتصلة بواقع الآثار في اليمن وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالإمكانيات
المادية والبشرية المحلية المتوفرة لدى الهيئة وإيجاد العملية
المؤسسية في نشاط الهيئة وتفعيل دورها الأساسي والإشرافي تجاه
الآثار والتنقيب عنها وحمايتها بما في ذلك تأطير العلاقة مع
البعثات الأجنبية العاملة في مجال التنقيب عن الآثار وفق أسس
بروتوكولوية وقانونية إلى جانب عملية التدريب والتأهيل للكوادر
المحلية في المحافظات في مجال الآثار وكذا تطوير وتوسيع دور
الجامعات في المجال البحثي الميداني والتنقيب عن الآثار .
وأكد رئيس الوزراء اليمني على ضرورة توحيد مصدر المعلومات المتعلقة
بالاكتشافات الأثرية ودعم الكوادر الوطنية العاملة في هذا المجال
, وقال ( ينبغي أن يكون هناك تواجد لنظراء يمنيين في جميع البعثات
الأجنبية لتحقيق الاستفادة من العمل المشترك بما في ذلك مشاركة
الأكاديميين الجامعيين المختصين وطلاب الآثار في الجامعات اليمنية
في أعمال التنقيب والحماية والترميم للآثار) .
أعلى
رحلة خاصة في عمق المجتمع العُماني
( 3 ـ 3 )
بروفيسور هيثم غالب الناهي
لم يمر على الرقاد ليل طويل حتى كانت وجهتنا لمدينة أصيلة أخرى
كانت في العهود الماضية عاصمة لعُمان سواء من الناحية الاقتصادية
أو السياسية أو الناحية العلمية التي تتلمذ فيها كبار الفقهاء.
كانت بلا شك وجهتنا مدينة نزوى؛ وفي مسيرنا نحوها كنت أتابع
شبكات الطرق الحديثة التي تمكن العاملون في هذا المجال من ربط
كل نقطة بنقطة لتسهيل التواصل والانتقال بين ابناء البلد والواحد.
وعلى الرغم من تشابه الطبيعة في مناطق عُمان إلا أن المتبحر
لا بد أن يرى أن هناك فرقا شاسعا ما بين جبل في منطقة وجبل في
منطقة أخرى. ولكل منها صفاته وشموخه الذي يناطح به السحاب المار
خجلا أو خوفا من فوقه. وبين هذه وتلك المتضادات بانت بواشر الوصول
إلى نزوى التي كانت تختلف تماما عن المدن التي مررنا بها؛ فهي
محيطةٌ بالجبل الأخضر الواقف شامخا وأتوقع أن ابناء نزوى يستمدون
القوة من شموخ هذا الجبل الواضح كبرياؤه لتسلطه على طبيعة المكان
ولتحكمه بمياه الفلج المار من الأعلى ويشق نزوى بشطرين متوازيين.
فإن غضب الجبل أصبح الماء باردا أو حارا وان مرض قل الماء وان
كان حاله فرحا تدفق الخير من مياهه التي تنشر في حوضها ريح التبر
والعنبر.
كانت وجهتنا الأولى في نزوى إلى السوق الشعبي والمجاور للقلعة؛
وكنت أتوقع أن من في السوق لا يمثلون إلا الحالة التجارية لأي
بلد من بلدان العالم؛ إلا أنني وجدتُ عكس ذلك تماما فالكل يحمل
صفات مجتمعه الأخلاقي السامي والكل كان يلقي علينا السلام وحين
يعرف احدهم أننا غرباء عن المنطقة تراه يصمم على دعوتنا إلى
دياره؛ فحمدتُ الله وشكرته على هذه الاصالة والنبل والشرف وعرفتُ
أن هناك مجتمعات إسلامية عربية لم تشتتها الحضارة بمفهومها الداعي
لتفتيت الروابط الاجتماعية والقبلية السامية. وبينما نحن في
عجالة لاجترار ما تقع عليه عيوننا رن هاتف الدكتور عبدالله وكنت
لا اعرف مع من يتكلم ثم أدار وجهه لي وقال إننا على موعد مع
الشيخ محمد بن غصن السيفي حفيد العلامة محمد بن خميس السيفي
والذي درس على يديه نور الدين السالمي وهو بانتظارنا. كان هذا
الهاتف لي نصرا جديدا لاطلع على عادات المدينة وقيمها من أناس
المنطقة؛ وفي طريقنا إليه وجدتُ في هذا الإصرار لأننا في مدينتهم
خلقا اجتماعيا لا يمكن أن يصل إليه أيا كان من المدن المتحضرة
في العالم وكتبتها في مذكراتي لعُمان فقط. وبين هذه وتلك الكلمات
التي ارددها وأتمتم بها مع نفسي توقفنا أمام بيت الشيخ محمد
السيفي فخرج مرحبا حتى بدأ الخجل بكرم الضيافة يأخذ شيئا مني..
حينها وجدتُ نفسي متطفلا بعض الشيء للسؤال عن نزوى وتاريخها
الحضاري وأصول القبائل فيها فراح متحدثا متسلسلا كأنه نور يسطع
رويدا رويدا ليغطي المكان الذي يسع لأي يريد أن ينهل من منهل
العلم والأخلاق. وما أن توقف الشيخ السيفي عن الحديث وطلبه للدعاء
لله رفعنا أيدينا إلى السماء دعاء لكل إنسان أراد لأمته ودينه
خيرا. وعندها فارقنا نزوى والمركبة تسير بنا عودة إلى مسقط فدخلنا
مع الغروب والشمس تأخذ موقعا لها ما بين جبلين لتتكئ عليهما
وتقول سلاما .
في المرابع الثقافية
قد لا أكون مخطئا أن هناك عقدة لدى الكاتب
والباحث يمكن ان تكون مزمنة وهي عندما تطأ قدماه أي مكان من
العالم المترامي لا بد أن يطلع على المعالم الثقافية والتحدث
في هذا المنوال مهما كانت أهداف رحلته. حين عودتي إلى مسقط لاح
في ذهني نوايا التعرف على التقدم الثقافي والعلمي والتكنولوجي
في عُمان وكان أثناء الحديث معنا يوسف المخيني المتخصص بالحاسب
الآلي وتكنولوجياته. وبدون أن اطلب من يوسف راح يجوب بنا المناقب
والمناطق التي تحتوي على مكتبات مسقط ويعدد موارد التعليم والأدب
فيها مما جعلني اكتشف نواحي جديدة صقلت الشخصية العُمانية بأدائها
الاجتماعي المتزامن مع التحضر العام. وأعطتني صورة حية عن الفلك
الذي يدور فيه نوع الثقافة التي يتمتع بها العُماني. ناهيك كنتُ
كلَ صباحٍ اطلع على صحفهم ومجلاتهم لأقرأ ما يدور من اطر ثقافية
وأدبية فيها؛ وكنتُ في كلَ يوم اطلع على كاتب جديد وباحث أو
باحثة تعطيني صورة جديدة في أداء الثقافة التي لا يرتقي إليها
احدٌ بعد. وعلى الرغم من تخصصية المواضيع إلا أنها تنتهي باختيار
محسوب لا بد أن يعكس الواقع المشرق لهذه الثروة الأدبية الثقافية.
عند ساعات الصباح الأولى غادرنا للاطلاع على جامعة السلطان قابوس
والتي تعتبر بحق موقعا إشراقا ثقافيا وعلميا مهما؛ ليس من ناحية
المجاملة ولكن من اصل وحقيقة لمستها نتيجة طبيعة عملي في بريطانيا
وكيفية تعامل الجامعات الراقية مع خريجيها لما يتمتعون من رصيد
أكاديمي عريق ومتين. كنتُ أود الاطلاع على هذا الصرح كي تكتمل
خواص الاهتمام الأكاديمي بجامعة السلطان قابوس؛ فعلى الرغم من
البناء المتكامل الذي يحوي مختبرات ومكاتب وأجهزة لا تقل عما
وجدناه في الجامعات العريقة لا بد أن نشيد بالشخصيات التي تدير
مثل هذا العمل الجبار. قال لي الدكتور الحارثي إن له شخصا عزيزا
يشغل منصب عميد كلية العلوم لعلنا نهب للقياه. وبالتالي ساقتنا
خطانا إلى مكتب العميد الدكتور عبدالعزيز بن يحيى الكندي وما
هي إلا دقائق ويطل علينا بهندامه البهي وابتسامته الأنيقة التي
يتفجر من خلالها شخص متواضع في علمه وأدبه ومعلوماته القيمة.
لم أر في شخصية الدكتور الكندي تلك الغطرسة التي عرفناها في
عمداء الكليات والشخصيات المهمة بل وجدنا إنسانا متواضعا يهتم
بالترحيب بضيوفه وبعلمه. وبعد أن تجاذبنا الآراء والأحاديث انسلخ
من خلال شخصية الدكتور الكندي صورة علمية عرفتنا بمقامه اللائق
وراح يسرد لنا بسلاسة مواضيع طبية قد تبدو لي أن الكثير ممن
يعمل في هذه العلوم الحديثة يحتاج إلى ساعات للاطلاع على تلك
النظم المسطرة بأكاليل من أزهار. همستُ في أذن الدكتور الحارثي
قائلا يبدو عليه انه من بيت علم وأدب؛ فقال إن والده صديق عزيز
لوالدي وهو من الذين تتلمذ عليهم الكثير من الفقهاء والعلماء
وان مجتمع عُمان مدين لهذا الرجل بالتحصيل العلمي والثقافي.
عندها تمتمت بين نفسي إن هذا الشبل من ذاك الأسد. الحديث مع
الدكتور عبدالعزيز له طعم خاص جدا فعلى الرغم من معرفتي القصيرة
بجنابه إلا انه كان يكن الاحترام والتقدير والخلق النبيل والذي
اعتبرته في داخلي نموذجا للشخصية العُمانية الجامعة كل الحصافة
الفكرية والثقافية. كانت ضيافته لا يرقى إليها احد وهو يودعنا
ويدعونا للقائه مرة أخرى وزيارة معلم جامعة نزوى الذي تحدث عنه
بإسهاب يشوبه الطموح للوصول بهذا البلد إلى مناص الدول العلمية
المتقدمة ؛ وكيف لا إذا كان من أمثاله على هرم المسؤولية. قبلنا
دعوته لزيارة نزوى في اليوم التالي ورتب مشكورا اللقاء مع الدكتور
رئيس الجامعة الدكتور احمد الرواحي.
لم نتوقف في الحديث عن المعاني الأدبية والثقافية التي وجدناها
عن الدكتور عبدالعزيز وعرفتُ الكثير عن والده الذي لا بد أن
يفتخر بعلمه وإلمامه وما أعطى من ثقافة مسموعة ومنتشرة بين جوانب
هذه البلاد الآمنة. وكنا قبل التوجه إلى نزوى قد مررنا على يوسف
المخيني في مكتبه المتواضع الذي لا بد أن يكون فخورا بوجوده؛
وأصر المخيني على إلقاء محاضرة ولو قصيرة حول التكنولوجيات الحديثة
في الحاسوب ومقارنتها بما وصلت إليه عُمان في ذلك. وحين استماعي
انبهرتُ انبهارا شديدا على الطاقة الفردية العُمانية التي أوصلت
مشاريع الربط الحاسوبي لهذا المستوى من التقنية. ولم أكن اقدر
أن أتمالك نفسي فتحدثتُ عن التطور التكنولوجي وعرجتُ قائلا إنني
فخور بما وصلتم إليه.
كانت وجهتنا جامعة نزوى وكنا على موعد مع الدكتور احمد الرواحي
رئيس الجامعة؛ فوصلنا وفق الموعد ونحن على طول جادة الطريق نتحدث
عن نزوى ومكانتها العلمية والتاريخية؛ وعلى الرغم من أن مكان
الجامعة كان مؤقتا إلا انه كان مرمما بصورة جمعت فنون العلم
والجمال والأبناء اليافعين يتنقلون من صوب إلى صوب لينهلوا من
مناهل المعرفة. وبين هذه وتلك استقبلنا الدكتور الرواحي ولم
يكن اقل استقبالا وضيافة من الدكتور الكندي وراح يتحدث عن الجامعة
وتجربة إنشائها والأهداف التي من اجلها أقدموا على إنشائها.
كدتُ أتمنى أن استمع فقط لشوقي في استماع الإنجازات وهي تسرد
بأسلوب قصصي جميل يجمع فيه أركان الرواية المفهوم والهدف المتأطر
بمصابيح نور العلوم الحديثة. هذا الحديث الشيق عن البداية والأمل
والدافع للوصول شدني كثيرا وتمتمت مع نفسي إن عُمان بخير لما
فيها من شخصيات مهمة تعيش نهار الليل وليل النهار ساعية نحو
البناء. وعلى الرغم من مشاغله الكبيرة إلا أن تواضعه أبى أن
يتركنا دون أن يقوم بالضيافة على أتم وجه وإطلاعنا على الجامعة
ومستقبل عملها؛ وكنتُ قبل الدخول إلى مكتب الدكتور قد أطلقت
نظرة على المجمع الجامعي المنشود إنشاؤه فتمازج الحديث مع الصورة
فتوصلت الى غد مشرق زاه برجال لا يعرفون إلا البناء من اجل المستقبل.
في واقع الأمر كنتُ قد سمعتُ عن سعود الجفيلي الكثير الكثير
وكنت في شوق للقياه وما هي إلا دقائق بسيطة ويطل علينا شاب يافع؛
البسمة لا تفارق فمه والجد والعمل جزء من تقاسيم وجهه ويجتمع
معنا على طاولة واحدة مرحبا ومهلهلا وسائلا عن الدكتور عبدالعزيز
الكندي. وكما هو حال المجدين المخلصين لم يترك ثواني قليلة وراح
يتحدث ويناقش بمواضيع مهمة أهمها ما يتعلق بالتضاريس الأرضية
والأنواء الجوية وكان بين حين وآخر يتفوه بما يشبه النظريات
التي تحتاج إلى بحث علمي فعرفت أن موقعه ينم عن دراية لشخصية
مهمة تعنى بالعلوم والثقافة الأدبية والعلمية والاجتماعية. وبينما
نحن هكذا انضم إلينا الدكتور احمد الرواحي ومعتذرا اعتذار النشامى
عن تأخره وراح يتحدث بالموضوع الذي كنا نتحدث فيه عن المجتمع
واصالته والتزام القيم التي حافظ الناس من خلالها على جوهر الدولة
العُمانية. وكالعادة لا بد أن يكون التاريخ فاكهة مائدة النقاش
فتحدث إلينا عن علماء عُمان وأين تفقه هؤلاء وعن كتبهم. وكانت
هذه حقيقة معلومات جديدة لم أتمكن من أن اجنيها حتى ولو قرأت
كتبا عديدة.
كان الحديث معهم لا يمل لأيام وأسابيع عديدة ولكن الوقت محسوب
علينا خصوصا وعلينا العودة لمسقط فاعتذرنا فأصر الجفيلي أن يوصلنا
لنقطة انطلاقنا فصاحبنا وهو يتحدث إلينا بلباقة الفنان وشدو
الشاعر الموهوب باحترام فتركنا نزوى ونحن ندين لهذه النخبة الحية
بالامتنان والاحترام؛ وسرنا عائدين في كنف الظلام لمسقط لنرى
النجوم الزاهيات يحتفلن بعرس جديد لأقمار قد انضمت حديثا لفلك
عُمان.
كانت ليلتي الأخيرة بعد عودتي من نزوى ليلة قصيرة جدا؛ وحاولت
فيها أن استنشق ما أتمكنه من هواء عُمان قبل الرحيل فجلسنا قرب
البحر نراقب هموم القمر ونسمع همسات الأسماك وغضب الأمواج من
الرحيل وما هي إلا ساعات ويطلع الفجر لأكون في مطار مسقط ليكون
الوداع بعد رحلة عميقة جعلتني اردد أن هناك تاريخا منسيا اسمه
عُمان لا بد أن يظهر إلى الأعيان فينشر الأدب والعرفان والحب
والسلام في بلد امن أهلها بالدين والأمان.
* كاتب عربي مقيم في لندن
أعلى
كم سعيد قنديل في عالمنا العربي؟!
ما هي المعالم المفصلية في معرض كتاب القاهرة 2006؟!
ثمة معلم أراه الأبرز.. سعيد قنديل.
***
المعلن في الصحف.. في برامج معرض الكتاب ونشراته.. أن تلك الليلة..
الخميس 26 يناير 2006 ستشهد الأمسية العروس.. عروس المعرض..
حيث ضيف الأمسية الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي!!
وفي مصر.. يترقب الكثير من الناس.. معرض الكتاب من العام إلى
العام ليخصبوا ذائقتهم الجمالية بزفير الأبنودي الشعري..!!
وقبل بدء الأمسية بساعتين تهافت الناس على القاعة.. كل أبكر
في المجئ ليقتنص مقعدا.. ليته يكون قريبا من المنصة.. قريبا
من أنفاس الأبنودي.. وعلى بعد خطوات من الباب الخارجي للقاعة
وقف سعيد قنديل مع صديقه د.سعيد الصاوي يتبادلان الحديث عن ماذا
كان يتحدثان..؟! عن أي شيء وفي أي شيء؟ إلا في الحدث الكبير
الذي على وشك أن يبدأ!! انضممت اليهما.. فكرت أن أسأل سعيد قنديل
عن الأمسية.. لكنني تراجعت من الحكمة الآن أن نجذب سعيد قنديل
بعيدا عن مجهول اللحظات التالية.. فشاركتهما أحاديثهما القلقة
في شتى الموضوعات.. دون أن نتطرق إلى موضوع الأمسية.
جمهور غفير يجتازنا في طريقه إلى القاعة.. ولا أحد يلتفت إلى
سعيد قنديل.. لكن بعد ساعتين بدت الصورة مغايرة تماما.. الصحفيون
يحاصرون المنصة وكاميرات التليفزيون تبحث عن منفذ إلى فرسان
المنصة.. والجمهور يكابد ليصل إلى المنصة وما كان الأبنودي هو
المستهدف.. بل سعيد قنديل..!!
***
وفي البدء حين أمسك الأبنودي بناقل الصوت.. تملكتني رغبة في
أن أصعد إلى المنصة.. وأدثر سعيد قنديل بمعطفي.. حماية له من
مجهول قاس آت لا ريب فيه وقرأ جاري مشاعري.. فتمتم:
كان ينبغي أن يبدأ سعيد قنديل وليس الأبنودي!
نعم.. فليس من الحكمة أن يبدأ الأبنودي الأمسية ليصول ويجول
مزلزلا وجدان القاعة.. ثم يترك حافة صغيرة يتأرجح فوقها سعيد
قنديل أمام مقاعد حتما سيهجرها شاغلوها.. ومعهم كاميرات الفضائيات
بعد أن يغادر الأبنودي المنصة.. والصحيح أن تستهل الأمسية بسعيد
قنديل ليضمن ولو شيئا من اهتمام الجمهور والإعلاميين..
ويبدو أن الخطأ كان خطئي.. وليس خطأ الأبنودي.. فما أمسك شاعرنا
الكبير بالبداية ليبكينا بأشعاره عن الاستعمار العربي وبغداد..
وكم نحن في شوق إلى ذلك.. بل ليقدم للقاعة شاعرا مغمورا يقول
انه يكتب شعرا جيدا.. هذا الشاعر اسمه سعيد قنديل!!
إلا أن صنفا آخر من الخوف استبد بي.. منذ سنوات وأنا أعرف سعيد
قنديل.. استمعت إلى شعره.. واستمتعت به في صالون الروائي أحمد
ماضي بقرية القرضا في دلتا مصر.. لكن قاعة 6 أكتوبر كبرى قاعات
معرض القاهرة الدولي للكتاب.. أحد أهم وأكبر أسواق الثقافة العالمية..
ليست قرية القرضا..!! فهل يقدر سعيد قنديل على مواجهة جمهور
يزيد عن الألف.. كثيرون منهم رموز كبار في مملكة الثقافة العربية؟!..
وهل يطيق سعيد قنديل هذا اليم من أضواء الفضائيات؟!
وباغتنا سعيد قنديل قامة طويلة تطاول قامة الأبنودي.. لقد حلق
الشاعر المغمور بالقاعة عبر آفاق شعرية وعلى أجنحة مدموغة بختمه
الشعري هو.. لا شيء فيها تايواني.. ولقد شهد الأبنودي بهذا حين
قال: سعيد قنديل صوت شعري خاص.. يقول شعره هو لا شعر أحد..!!
هذا إذن الحدث الأكبر في معرض كتاب 2006.. الانتقال الفجائي
لسعيد قنديل من قبو قصر الثقافة إلى البهو..!! لكن البعض يرى
أن ما حدث ولادة لسعيد قنديل.. والقابلة عبدالرحمن الأبنودي..!!
ولا أرى الأمر كذلك.. سعيد قنديل البالغ من العمر 52 سنة.. ينزف
شعرا عظيما عالى الهيموجلوبين منذ 52 سنة.. ومن الخطأ الجسيم
القول إنه كان عدما.. لكنه الآن ولد.. حين أخذ بيده أحد وجهاء
الثقافة وسمح له بمقعد على يمينه في معرض القاهرة للكتاب..!!
كان سعيد قنديل موجودا.. وتعرفه بروليتاريا المثقفين في مصر..
يستمتعون بشعره في مجالسهم الشعرية التى لا يعرفها وجهاء الثقافة
في مصر.. والخطأ ليس خطأ البروليتاريا.. وبين صفوفهم المئات
إن لم يكن الآلاف من صنف سعيد قنديل.. ان الصف الأول في المشهد
الثقافي المصري.. بل العربي فرسانه متكاتفون كالبنيان المرصوص..
لا يسمحون بثغرة يمكن أن يطل منها أحد من صفوف بروليتاريا الثقافة
الخلفية.. لكن فارسا أصيلا فعلها.. عبدالرحمن الأبنودي حين أخذ
بيد سعيد قنديل من القبو المظلم ليلقي به في الحديقة الأمامية
لقصر الثقافة.. في مواجهة الفضائيات والجمهور العريض والنخبة..
وحاملي مفاتيح الشهرة.. ليحظى بآهات الإعجاب.. والتساؤل:
ـ أين كان هذا الشاعر..؟!
والاجابة كان في الصفوف الخلفية.. مع آلاف مثله.. ومثلهم يقتات
عتمة التجاهل.. لينزف شعرا وقصة وتشكيلا..
وهؤلاء المترقبون في الصفوف الخلفية.. كل يحلم بثغرة مثل تلك
الثغرة التى طل منها سعيد قنديل..!! فهل هذا ممكن..؟ يقول الأبنودي:
هذا دور النقاد..!!
لكن مصر كل العالم العربي الآن يشهد وفرة في محاصيل الابداع
غير مسبوقة في التاريخ.. وكم النقاد قليل.. وكل ناقد لكي يلاحق
ما تطرحه المطابع.. أو يلقي نظرة على كل ما يتلقاه من مخطوطات
مبدعي العتمة في حاجة إلى يوم بامتداد يوم المشتري.. فلا يكفيه
هذا اليوم الأرضي المؤطر في أربع وعشرين ساعة فقط..
النقاد في حاجة إلى عون كبير من الاعلاميين.. على الاعلام أن
يغمر بأضوائه ساحات الابداع الخلفية في المشهد الثقافي العربي.
لكن ثمة مشكلة أن الغالبية من الاعلاميين ملكة التذوق لديهم..
مثل عامة الناس صدأة.. ليس بمقدورها التمييز بين الغث والسمين..
لذا يتطلعون إلى كبار النقاد.. يتلقون منهم الأوامر.. على من
نسلط كاميرات التصوير.. ونحجبها عن من..؟! والناقد الكبير وقته
الضيق.. ينفقه عادة في اللهث نحو الاتجاه الذي تشير إليه بوصلة
المصالح!!
محمد القصبي
* كاتب مصري