بإزاء تبدل خطوط الجغرافيا
والتباس الحيز الزمني، تزداد علاقتنا بالغرب تشوشاً بفعل حركة العولمة
التي أطلقتها منذ نحو ثلاثة وعشرين عاماً ثورة الاتصالات المتسارعة.
فاستعمالنا للهاتف الجوال وللتليفزيون الفضائي ولشبكة الإنترنت يثير
فينا شعوراً عميقاً بأننا نشترك مع الغرب في زمن واحد. لكن هذا الشعور
لا يلبث أن يتلاشى حين نرى أننا في موقع المستهلك لمنتوجات ثورة
الاتصالات بينما الغرب في موقع المنتج لها،
نحو علاقة عادلة بين العرب والغرب
أحمد أسعد*
يبدأ الالتباس في علاقة العرب بالغرب من تحديد هوية كل من طرفي العلاقة،
فالعرب أعراب، لغتهم واحدة غير أن كلمتهم متفرقة. تاريخهم جلّة واحدة
ولكنهم يستشرفون المستقبل كلّ بمفرده. دولهم قادرة لكن جامعتهم تختزل
مراراً خلافاتهم وبأقل قدرات دولهم. يقفون في امتداد جغرافي متصل،
لكن حدودهم القاسية تكسّر ذاك التواصل، لذا فالـ"أنا"
العربية غير مكتملة العناصر لا سيما في مجال السياسة والمؤسسات كي
نعتبرها، دونما تحفظ أو تردد، كياناً دولياً فاعلاً.والغرب أيضاً
أغراب، فإن كان المحيّا العربي غير مكتمل، فالمحيّا الغربي متعدد
الملامح، حتى بات السؤال مشروعاً ـ وقد سئل من قبل أهل الغرب أنفسهم
ـ هل ان الغرب موجود فعلاً؟ ففي الغرب أميركا وهي قارة في دولة،
وفيه أوروبا وهي إن استمرت في سيرورة توحدها فهي قد تصل إلى إلغاء
مفهوم الغرب من أساسه (بمعنى آخر أوربته). وفي الغرب أيضاً بعض وسط
أوروبا وشرقها الذي كان حتى الأمس القريب من ملحقات موسكو، بل في
موسكو اليوم من بات يعتبر أن الغرب لن يكتمل بدون إندماج روسيا فيه،
وناهيك عن اليابان وهو من الغرب في الاستراتيجية وخارجه في التاريخ
والجغرافيا، أو أميركا اللاتينية وهي من ضواحي الغرب ثقافياً ولغوياً
ودينياً وخارجه في مستوى المعيشة وطرقها. لا الـ" أنا"
العربية إذن مكتملة ككيان دولي فاعل ولا الآخر الغربي مستقر في كيانه،
فإن كانت صورة طرفي المعادلة مشوشة إلى هذا الحد فكيف تنجو العلاقة
نفسها من التشوش؟ولا يخفف الحيز الزمني من تشوش المدى المكاني بل
يفاقم منه. فلأوروبا كما للعرب ذاكرة عميقة وحيّة تلهم مسلكها، بينما
يعيش الأميركان إجمالاً، على عكسنا، وعلى عكس أوروبا، في الراهن
من الزمن وفي الجنوح لصنع المستقبل القريب. وبالأمس كان الغرب غرباً
بقدر ما كان يواجه شرقاً، تحدد الإيديولوجيا الماركسية معالمه من
هانوي إلى هافانا.لكن الغرب خرج من الحرب الباردة منتصراً، فإندثر
شرق الأمس، وبقي الغرب يبحث عن شرق جديد يساعده من خلال التنافس
والتسابق، على إعادة بناء هويته، وإعتقد الغرب أنه وجد الشرق الجديد
في الصين ثم توهم أن الشرق الضروري "وجوده" لكي يكون هناك
بالفعل غرب، هو الإسلام.والحق أن الغرب لم يجد بعد شرقه والمرشحون
كثر، والغرب يدرك أن ليس هناك من غرب إن لم يكن هناك من شرق، وليس
بعد من شرق ولكنه لا ريب آتٍ.وبالانتظار فإن غرب اليوم لم يعد كغرب
الأمس. فمركزه بات في دولة واحدة تضم خمسة بالمائة من سكان الأرض
فقط، لكنها تمثل في الواقع خمسة وعشرون بالمائة بمفردها، من إنفاقه
العسكري، ولم يجد الغرب بعد دواء لهذا الإنعدام الصارخ في توازنه
الداخلي المتأتي من انعدام التناسق في مصادر قدرات الدولة الأعظم
فيه.
وبإزاء تبدل خطوط الجغرافيا والتباس الحيز الزمني، تزداد علاقتنا
بالغرب تشوشاً بفعل حركة العولمة التي أطلقتها منذ نحو ثلاثة وعشرين
عاماً ثورة الاتصالات المتسارعة. فاستعمالنا للهاتف الجوال وللتليفزيون
الفضائي ولشبكة الإنترنت يثير فينا شعوراً عميقاً بأننا نشترك مع
الغرب في زمن واحد. لكن هذا الشعور لا يلبث أن يتلاشى حين نرى أننا
في موقع المستهلك لمنتوجات ثورة الاتصالات بينما الغرب في موقع المنتج
لها، وإننا واهمون إن اعتقدنا أن بوسعنا الانتقال من موقع المستهلك
الى موقع المسهم في الإنتاج إن اكتفينا باستيراد المنتجات دون تبني
المنظومة الفكرية والعلمية التي تسمح للغرب بأن يكون منتجاً لها.هكذا
تزداد العلاقة التباساً إذ يرى كثيرون منا أن العولمة خطر داهم بل
شكل من أشكال الهيمنة، وقد تزّيت بملابس تكنولوجية جديدة. ونحن العرب
عموماً حساسون لكل مشاريع الهيمنة لأننا عرفناها وذقنا مرارتها،
غير أن رفضنا لها ينبغي ان لا يلهينا عن التنبه للخطر الأكبر المتأتي
عن سيرورة العولمة وهو ليس إنتاجها لأشكال من الهيمنة جديدة، بقدر
ما هو تهميشها لغير المنخرطين فيها حتى إشعارهم بأنهم مندثرون من
جراء عجزهم عن المشاركة أو رفضهم لها.وحساسيتنا إزاء الهيمنة لا
تلهينا فقط عن خطر التهميش، وهو الأعظم، بل تنسينا أيضاً أن العولمة
هي فرصة لتعزيز موقفنا في العالم الرحب بقدر ما هي خطر على مجتمعاتنا.
لهذا كله، فإن علاقتنا بالغرب ملتبسة في كينونة طرفيها، وهي بالتالي
إشكالية في سيرورة صياغتها، تثير فينا قدراً من المخاوف المشروعة
وتدفع ببعضنا لإشاحة النظر عن التفكير بها أو عن الاقتناع بجدواها
كما تحمل بعضنا الآخر إلى العجز عن تصورها إلا من خلال مفردات العداء
والنزاع.وإن نحن تخوفنا من التواصل مع الغرب فلأنه يثير فينا في
آن معاً إعجابنا وحفيظتنا. ونحن نعبّر بالإجمال عن الأول لذواتنا
وللتخلّص من مخاطبينا، وعن الثانية في خطابنا المعلن. والخوف من
التواصل مشروع أيضاً لأن الندّية بين الطرفين غير متوفرة ولا هي
قابلة للاكتمال في المستقبل المنظور لا في القدرة العسكرية ولا في
مستوى المعيشة. فالغرب خرج من القرن العشرين منتصراً على ذاته في
حرب عالمية أولى، وعلى أبشع ما أنتجه من أفكار شريرة في حرب عالمية
ثانية، وعلى غريمه السوفياتي في الحرب الباردة، بينما خرجنا نحن
من القرن العشرين وقد فزنا باستقلالنا السياسي غير أننا لم ننجح
تماماً في تنميتنا، وفشلنا في تحقيق قدر معقول من وحدتنا، وهزمتنا
إسرائيل غير مرة في ساح القتال. وإسرائيل سبب آخر لخوفنا من التواصل
مع الغرب، صحيح أن علاقة العرب بالغرب لم تكن دوماً سمناً وعسلاً
عبر التاريخ وقبل فقداننا فلسطين، ولقد التقينا معه في ساحات القتال
مراراً، على أرضه حيناً وعلى أرضنا أحياناً عديدة. ولكن نشؤ دولة
إسرائيل (في قلب الوطن العربي) لعب دوراً أساسياً في تفاقم العلاقة
إذ نشعر جميعاً بأن الغرب قد قذف إلى قلب أمتنا بمشكلة عجز عن حلها
فدفعها إلى خارج أراضيه وحمّلنا بالتالي مسؤولية خطيئته تجاه اليهود
وتبعة إقترافه جريمة كبرى بحقهم. ولم يكتف بذلك فإذ به ينحاز لعدونا
دون تردد حتى وصل إنحياز أميركا لجانب إسرائيل اليوم إلى ما يقارب
التماهي التام في الأهداف والوسائل. والخوف من التواصل مع الغرب
مشروع أيضاً لأن انعدام الندّية بين طرفيه يدفع الغربي أحياناً كثيرة
الى مسلك يصعب على أي كان القبول به. فإعجاب الغربي بنظامه السياسي
والاقتصادي يتحول بسهولة إلى تبجّح مفرط، وإستعراضه لقدراته العسكرية
أو التكنولوجية لا يخلو يوماً من الاعتداد، وشعوره بالتفوق المادي
يحمله على الاقتناع بنوع من التفوق الأخلاقي أو الحضاري. ونصائحه
المسداة لنا ولغيرنا تبدو نصائح في الشكل، أوامر في المضمون.هذا
المسلك الفردي أو الجماعي لدى الكثيرين في الغرب تفاقم طبعاً بعد
أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو لا يشكل اليوم لا بداية التاريخ
ولا نهايته لكنه حدث خطر وخطير وما بات يمثل خطورته هي تلك الاستنتاجات
التي توصل إليها بعض الغرب من جراء حصوله كالحرب المعلنة على الإرهاب
وكمثل استسهال استعمال القوة العسكرية لتغيير أنظمة الحكم في العالم
(حرب العراق)، أو كمثل اعتبار المنظمات الدولية بلا جدوى إن لم تتبنّ
منطق الأقوى، أو كمثل القانون الدولي ملزماً للضعيف دون القوي، أو
كمثل النظر إلى العالم وكأنه هرم من الحضارات والأديان المختلفة
بعضها في القمة وبعضها الآخر في الدرك الأسفل، أو كمثل توقع صدام
محتم بين الحضارات وكأنها أطراف مكونة فعلاً تتصادم أو تتحاور، علماً
بانها ليست أطرافاً إنما مجرد منابع لقيمنا وأذواقنا وطرق عيشنا
نعود إليها تكراراً لإعادة بناء هوياتنا.لقد كان الحادي عشر من سبتمر
يوم شؤم على العالم وعلينا أكثر من غيرنا، فزاد من صعوبة بناء علاقة
سويّة بين العرب والغرب، (وشوه صورتنا لدى الغرب) وقد يكون ذلك هو
تماماً ما قصده فاعلوه، ويجب أن نعترف لهم آنذاك بنجاح فعلتهم. لكن
الخلاصات التي توصل إليها الغرب منذ ذلك اليوم لا تقل خطورة عن الحدث
نفسه، مما ينبغي أن يحمل من تحمسوا لتلك الفعلة أن يعيدوا النظر
بتمعن في نتائجها الحقيقية البعيدة المدى.
وبعد ماذا عسانا نقول؟
قد تكون كلمة واحدة تشي بمفردها بكل هذه المخاوف المتراكمة. فنحن
نبحث اليوم عن علاقة "عادلة" مع الغرب وشعورنا الدفين
بأن البحث عن العدالة يلهمنا ولكنه لن يؤثر أو يغير في مسلكنا، وكان
العرب يريدون من ميزان العدالة أن يصحح ميزان القوى والغرب يتصرف
من جانبه وكأنه ميزان القوى هو هو، هو عينه ميزان العدالة. فما العمل؟
علينا أولاً تحكيم الدقة في تشخيصنا للعلاقة والاعتدال في أحكامنا
فلا تعمم نظرتنا من الجزء للكل ولا نختزل الغرب إلى بعضه ولا علاقتنا
المعقدة منه إلى جانب واحد من جوانبها دون غيره. وعلينا ثانياً أن
يكون لدينا استغراب يضاهي إستشراقهم فتكون معرفتنا بالغرب بمستوى
دراسته الطويلة لنا ولأفكارنا ولمجتمعاتنا ولتاريخنا ولقدراتنا.
وهذا يعني نقلة حازمة في نوعية تعليمنا. فإذا كان هاجسنا في القرن
العشرين هو انتشار التعليم بمختلف مستوياته فهاجسنا في القرن الجديد
يجب أن يتركز على إنتاج المعرفة وليس الإكتفاء بإنتشار ما هو متوفر
لنا منها على أكبر عدد من أبنائنا. وإنتاج المعرفة يبدأ بالتعريف
الدقيق، العلمي، الرصين إلى الآخر وإلى الآخر الغربي بالذات، وعلينا
أيضاً أن نعي أن تملكنا الحقيقي للقدرات التقنية لا يكون فقط باستعارة
منتجاتها من الغرب بل أيضاً وأساساً بتملكنا للمنظومة المفهومية،
بل والأخلاقية، التي سمحت للغرب أن يكون مصدراً لتلك المنتجات.علينا
أن نكوّن لأنفسنا موقفاً راشداً من العولمة، فلا نعتبرها مجرد شكل
من أشكال التغرب أو الأمركة فلا ننخرط فيها دون تردد ولا نرفضها
دون واقعية بل نعتبرها فرصة لنا بقدر ما هي خطر علينا. وأن نخرج
بحزم من منطق الخلوة الثنائية بيننا وبين الغرب فالعالم مكوّن من
حضارات عديدة، وعدد منها يعيش إشكاليات العلاقة بالغرب بالحدة، التي
نشعر بها نحن. فلنخرج إذاً من الثنائية المفرطة في العلاقة مع الغرب
ولنعمل مع آخرين كثيرين لتعزيز التنوع الثقافي، وتعدد مراكز القوى
في عالم الغد. يجب أن نتمسك بثوابتنا وأن يكون لنا الصبر الضروري
لتجاوز مرحلة من أصعب مراحل تاريخنا المعاصر، ولا تتحول تخوفاتنا
إلى هلع، ولا آمالنا المشروعة إلى أوهام، ولا نتنازل عن قناعاتنا
تحت ضغط اللحظة. فالعالم الأحادي القطب ليس إلا فاصلاً في مسار النظام
الدولي، إستثنائي في طبيعته قصير في مدته. وعلينا أخيراً أن نثق
أكثر بخبرة شبابنا وحكمتهم ومعرفتهم وهم أكثر إدراكاً منا بمسارات
العولمة وبوسائلها، وعلينا أن نثق أكثر بجالياتنا في الخارج وهي
أعمق معرفة منا بالغرب الحقيقي، بالغرب المعيوش فعلاً لا المتصور
من بعد أو المتوهم عن جهل. هذا ما علينا، أما ما على الغرب فهو كثير،
لكن الغرب أدرى بمصالحه، ولن نفرض عليه شكل العلاقة مع الشرق. ويبقى
على الأجيال الصاعدة مهمة تقريب المسافات وتقليص ـ إن لم نقل كسر
ـ حواجز الدهشة والغربة بين الأنا (العربية) والأخرى (الغربية).
* مراسل جريدة الوطن في بيروت
* Email:beirut50@hotmail.com
أعلى