أعلى
(خواطر السنين) يرسم المشهد المعماري العراقي في زمان العمارة
الكويت ـ من أنور الجاسم:جاء كتاب (خواطر
السنين) متضمنا خمسة فصول موزعة في (البدايات) و(الدراسة في
بريطانيا) و(العودة الى العراق)؛ في حين جاء الفصلان الرابع
والخامس عن (مشروع جامعة الكوفة ودليلها الوثقائي).
حرر الكتاب الدكتور رشيد الخيون، وبهذا العمل، فقد اضاف الباحث
العراقي المعروف صنيعا مضافا الى منجزه المهم، الدارس بعناية
الباحث ووثائق وشهادات موروثنا الثقافي. ويذكر عمله هذا في تحرير
الكتاب، يذكر بعمل عطا عبدالوهاب الذي انكب هو الاخر من قبل،
على تحرير كتاب المعمار (رفعة الجادرجي): الاخيضر والقصر البلوري،
الصادر في سنة 1993، واعتبر شخصياً، جهد المحررين في هذا الشأن،
جهدا مفيدا واساسيا ومهما، ترتقي اهميته الى نفس أهمية الافكار
الواردة في طيات الكتابين، اذ لولاهما، ولولا مثابرتهما الدؤوبة
في تسجيل تلك الخواطر والافكار العائدة لثيمة غير شائعة، بل
وحتى غير متداولة كثيرا في المشهد الثقافي المحلي، وتنبع اهمية
الكتاب من اهمية مؤلفه، فحضور محمد مكية في المشهد المعماري
العراقي والعربي اصبح امرا معروفا لانه احد مؤسسي المدرسة المعمارية
العراقية الاولى، المدرسة التعليمية الرصينة والمميزة ضمن مدارس
العمارة بمنطقة الشرق الاوسط.
ثمة شعور خاص وفريد يغلف نصوص صفحات كتاب خواطر السنين باكملها،
شعور مفعم بالحنين, ويسعى الكاتب الى تبيانه جلياً ومن دون مواربة،
ويدعونا ايضا لمشاركته بهجة وفرح ولوعة ما مرّ به من حوادث عاشها
في امكنة اقترنت بزمانها الذي مرّ (سريعا؟)، والمترعة بالاحلام
والاماني السعيدة. لكن القارئ وان اغتبط لانجازات المعمار المتحققة،
التي يشير الى بعض منها مؤلف الكتاب، فانه سرعان ما يتلمس خيطا
من المرارة، يجده حاضرا في ثنايا تلك الحوداث السعيدة، سببها
غصة المشاريع غير المتحققة، التي ظل انجازها مؤجلا، تنتظر التحقيق
لتلتئم بها، عند ذاك سعادة المصمم وهناؤه. ولعل إفراد الكاتب
فصلين كاملين من كتابه لمشروع جامعة الكوفة غير المنجز، يعكس
ما يتوق ان يوصله لنا. بل وحتى مشروع صفقة شراء بيت الطفولة
في محلته صبابيغ الآل ليجعل منه متحفا لذكريات العائلة، امسى
هو الاخر مشروعا غير قابل للتحقيق، هذا عدا عن حرمانه متعة المشاركة
في تصميم وتنفيذ مشاريع بلده، ومطاردته من قبل النظام الدكتاتوري
التوتاليتاري البائد، هو وعائلته لفترة تجاوزت ربع قرن!
ومن خلال نصوص الكتاب يبدو المؤلف محب لمحلته وسكانها، واجدا
فيها الالفة والتكافل، وكاشفا بمهنية عن اسرار فطنة الحلول المعمارية
لمبانيها التي ترعرع فيها ايام شبابه، ويحرص لاحقا على ان تكون
تلك الحلول حاضرة دوما في صميم معالجاته المعمارية. وتقطر كلمات
نصوص كتابه، ولاسيما الفصل الاول، ولعاً متيماً بكل ما يمس فضاء
محلته، ويتطلع بدافع نوستالجيا عارمة للمحافظة على خصوصية نسيج
مخططات احياء مدينته كما هي خالية من عشوائية البناء وسرطان
العمران واستقامة الطرق.
كثيرة هي الثيمات المعمارية وغير المعمارية التي يعرضها كتاب
خواطر السنين، لكن طبيعة المقال المختصرة تقف حائلا دون مهام
تناولها جميعا، فتتبع سيرة معماري، وتصفح يوميات محلة بغدادية،
لهي متعة نادرة، في حد ذاتها، يزيدها امتاعا مشاهدة لقطات لصور
مدينة يتوارى اميجها سريعاً وبعيدا عن انظار محبيها وعشاقها
والمهتمين بها عمرانيا واجتماعيا.
سيرة شفوية ضمتها دفتا الكتاب، نطالع فيها ما يميز البيت البغدادي
التقليدي عن البيوت الحديثة، لجهة توزيع غرفه حول الفناء الداخلي
للدار، حيث تتقابل الأبواب مع احتفاظ كل غرفة بكيانها وشخصيتها،
بالرغم من اشتراكها في علاقات البيت الداخلية، في معنى التعامد
بينهما، بما يجعل الفضاء الخارجي امتداداً لفناء الدار. وربما
نجد في ذلك تفسير العلاقة الحميمة بين البيت التقليدي والمحلة،
الفناء الوسطي المعروف بالحوش هو أهم مفردات البيت البغدادي،
تليه الطارمة أو الشناشيل وهي محل اللقاء اليومي والألفة بين
العائلة. المداخل المفضية إلى الحوش تأخذ غالباً أشكالاً منحرفة.
فبعد تجاوز الباب الخارجي يستقبلنا الممر، الذي يعرف أيضاً باسم
المجاز، وهو في مثابة التهيئة لدخول البيت، وفيه يحاول الضيف
إسماع أهل الدار كلمات الدعاء أو البسملة. وفي لحظة استقبال
الضيف يقول صاحب البيت أو من ينوب عنه من الرجال: سَوُّوا طريق.
المقصود هنا تواري النساء في الغرف، والإشارة إلى استعداد العائلة
لاستقبال ضيف غريب وعزيز في الوقت نفسه.
في فصل الصيف تبدأ وظيفة سرداب البيت، إذ يرتبط بما يُعرف بالبادكير
(حائط مجوف يصعد من السرداب إلى السطح) والزنبور (مجرى الهواء
المتحرك داخل البادكير يأتي بالهواء الجاف من القسم العلوي كي
يتحول رطبا داخل السرداب)، وهما عنصران مهمان في عملية التكييف
الطبيعية صيفاً، وقد ظلا يؤثران في قياس المعماريين المحليين
لسمك الحائط. لكن دوراً لم يكن لهذه المجاري الهوائية في عملية
التدفئة شتاء. والحاصل أن هذا النوع من التكييف كان معروفاً
في بغداد منذ العهد الساساني، كما تدل على ذلك تسمية البادكير
الفارسية، ويمضي المؤلف في ذكرياته فيذكر مشروع الكوفة بقوله:
اهتم مشروع جامعة الكوفة، الذي تقدم به محمد مكية وعطّله وصول
حزب البعث إلى سدة الحكم في العراق بحجة خطر التحالف بين رجال
الدين والأساتذة الجامعيين بتهذيب مراسم عاشوراء، عبر تحقيق
مسيرات تليق بمستوى المناسبة، كإقامة مهرجان كبير يشترك فيه
الأدباء والشعراء والفنانون في لوحات فنية، إضافة إلى تسخير
الخط الكوفي في تأدية التعبير عن الحدث العاشورائي بعيداً عن
التعصب والأداء المتخلف.
الكوفة نقطة ربط بين الوادي الخصيب والصحراء، فعندها تنتهي رحلة
القوافل في إيابها، ومنها تبدأ رحلة السفن حيث ساحل الفرات وامتداد
شرايينه في كيان جغرافي طبيعي. وقد ورثت هذه المدينة إنجازات
إقليم العمران الحضاري الممتدة من سومر إلى بابل، وكان اختيارها
عاصمة الإسلام على يد الإمام علي يتجاوز الدلالة الجغرافية،
في معنى التوسط ما بين أمصار الدولة العباسية، إذ لم يكن هذا
الاختيار بعيداً عن قيمة تلك المدينة، وامتدادها الحضاري. هذه
الأسباب وغيرها من الاعتبارات المرتبطة بالتنمية الاجتماعية
والاقتصادية والفكرية جعلت من تكريم تلك الحاضرة عبر قيام جامعة
دولية على أرضها أمراً ملحاً. لكن ما حصل للأسف هو قيام مصنع
أحذية الكوفة بدلاً من جامعتها!
واخيرا السيرة مليئة بالذكريات والتفاصيل والخيبات، ليس فيها
من تحديد تجربة معمارية إلا ما يتعلق بجامع الخلفاء والقسم المعماري
في كلية الهندسة. وإذا كنا لا نجد في هذا الكتاب خلاصة لتاريخ
لبغداد كما في بغداد مدينة السلام لطه الراوي، أو تفصيلاً توثيقياً
لها كما في بغداد ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات لحيدر حيدر،
فإن الأمل، على ما يقول مكية، معقود على إنجاز كتاب بغداد ألف
صورة وصورة بالصور الحية، مع مقارنة الواقع بالمحتمل: مقارنة
بين ما هي بغداد عليه اليوم وما يريدها الراوي، خالية من عشوائية
البناء وسرطان العمران واستقامة الطرق.
أعلى
العرب في الوثائق العثمانية
القاهرة ـ الوطن:تستعد دار الكتب
والوثائق القومية المصرية لعقد مؤتمرها السنوي والذي حددت أن
يحمل هذا العام عنوان (العرب في الوثائق العثمانية) فمصر وحدها
يوجد عنها أربعة ملايين وثيقة في الوثائق العثمانية.
أعلى
لوحة جرينسبان بـ (150.400) دولار
واشنطن ـ رويترز: انها ليست لوحة لبيكاسو
لكن بثمنها يمكنك شراء لوحة لهذا الرسام الشهير، فقد بيعت لوحة
زيتية لـ"آلان جرينسبان" رئيس المجلس الاحتياطي الاتحادي
البنك المركزي الاميركي الذي تقاعد حديثا رسمتها الفنانة الشابة
ارين كروي البالغة من العمر 25 عاما على موقع ايي باي للتسوق
عبر الانترنت للبيع بمبلغ 150.400 دولار.ويمكنك بواسطة هذه المبلغ
الضخم الحصول على لوحة زيتية للرسام الاميركي الشهير جون سينجر
سارجانت في مزاد بنيويورك في نوفمبر أو ان تنال لوحة لبيكاسو
في مايو وسيفيض معك من الاموال ما يمكنك ان تنفقها،الا انه وليس
لشيء آخر تبدو لوحة كروي تعد متفردة،فقد رسمتها في يوم واحد
تحت بصر المشاهدين في قناة سي.ان.بي.سي التليفزيونية ولم يكن
هذا اليوم كأي يوم بل انه جاء متوافقا مع اليوم 6749 والاخير
في حياة جرينسبان المهنية، وقالت كروي التي بدأت في رسم رئيس
المجلس الاتحادي البارز في عام 2003 وانجزت 56 صورة له في اوضاع
مختلفة أنه امر مذهل حقا،وعرضت قناة سي.ان. بي.سي اللوحة التي
تبلغ ابعادها 24 بوصة في 30 بوصة والتي تسجل تعبير الوجه المهموم
لرئيس البنك المركزي الاميركي بمنتهى الدقة في المزاد لجمع الاموال
اللازمة لمنظمة اوتسيم سبيك المكرسة للبحث في اضطرابات النمو،وقال
هاني درزي المتحدث باسم ايي باي الاشخاص عادة ما يدفعون مبالغ
كبيرة في الاشياء المعروضة اذا كانوا يعتقدون ان تلك الاموال
ستوجه للاغراض الخيرية،وبسؤاله عما اذا كان هذا هو السبب وراء
هذا المبلغ الباهظ رد دوري ليس لدي فكرة،انني لست خبيرا فنيا،وبالنسبة
لكروي وهي من سكان فرجينيا وتدرس الفنون في كلية جولد سميث بلندن
والتي بيعت اغلى اعمالها الفنية في السابق بمبلغ 12 الف دولار
فان مزاد ايي باي ورحيل جرينسبان عن المنصب يمثل لها نهاية حقبة
في حياتها،وقالت في مقابلة عبر الهاتف هذه آخر صورة ارسمها لجرينسبان،ولا
يوجد لدى كروي خطط لرسم رئيس مجلس الاحتياطي الجديد بن بيرنانكي
الذي كان يشغل منصب المستشار السابق في البيت الابيض والذي تولى
منصبه الجديد يوم الاربعاء الماضي،وأضافت كروي انا اقل استثارة
للافصاح عما اريد عمله فيما بعد نظرا لوجود هذا العدد من الرسامين
الذين يحاكون تعبيرات وجه جرينسبان مشيرة في ذلك الى عدد آخر
من صور جرينسبان التي طرحت للبيع على موقع ايي باي خلال الاسبوع
الحالي،وتابعت لو قلت ما اريد ان اقوم به لاحقا فانه بامكاني
ان اغرق السوق،ولم يمكن الوصول الى مشتري اللوحة على الفور،
بينما رفض جرينسبان التعليق.
أعلى
الأديب السعودي محمد الدبل لـ(الوطن):الأدب لا جنسية له وأقل
غاياته الإمتاع
دمشق ـ من وحيد تاجا: الدكتور محمد الدبل
ناقد وشاعر سعودي يحمل الدكتوراه في البلاغة والنقد وله عدد
من الدواوين الشعرية,وعدد من الدراسات والمؤلفات التي تبحث في
خصوصية الإبداع في الشعر العربي الإسلامي المعاصر.
* ما المنهج الذي تتبعه في النقد؟
** النقد كفرع من الفنون الأدبية متشعب,والناقد لا يستطيع أن
يحدد له منهجاً ,ولكن يمكن القول،أنني من النقاد الذين يتبعون
المنهج الكلاسيكي القديم, فيتناولون النص بالتشريح ويميزون رديء
النص الأدبي من جيده بما يشبه التحليل الأدبي,فأتناول الالفاظ,ثم
المعاني,ثم الصورة.
* وكيف تنظر إلى بقية المناهج النقدية
؟
** المناهج النقدية القديمة والحديثة ضرورية للسير في العمل
الأدبي إلى ما هو أفضل,وكل المناهج تصب في مصب واحد ووظيفتها
معرفة جيد النص الأدبي من رديئه،وأنا أحترم وأقدر جميع المناهج.
* نشرت أكثر من دراسة حول الأدب الإسلامي,فما
هو مفهومك لهذا الأدب ؟
** الأدب,لا جنسية له ولا حدود,والعطاء الفكري عند الإنسانية
جميعاً إذا لم يصطبغ بصبغة إسلامية تخدم القيم فلا روح له،وأكبر
وظيفة للأدب الإسلامي أن يكون له روح تعطي المتلقي علاوة على
ما تمنحه من المتعة والإبداع فهي تعطيه منهجاً حياتياً يتجه
فيه،لذلك رأيت أن اتجه في عملي الشعري,وفي القصص التي أكتبها,لأن
تكون مصبوغة بالصبغة الإسلامية التي تخدم الفكر الإسلامي،وأشير
هنا إلى أن الأدب الإسلامي موجود قدم الأدب العربي،ومنذ أن سطعت
شمس الإسلام,بل وحتى قبل الإسلام.
* وكيف يكون الأدب إسلاميا قبل الإسلام ؟
** حال الأدب العربي بعد الإسلام هو حال الآداب العالمية اليوم
والتي لا تنتمي إلى الشعوب المسلمة،فهذه الآداب تحمل قيماً سامية
نبيلة,ومنها بالطبع ما هو سيئ,فالصالح من هذا الأدب هو من روح
الأدب الإسلامي,لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:إنما بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق؛فإذا قرأنا نصاً أدبياً جاهلياً أدركنا
أن بعض النصوص تحمل قيماً إسلامية,فالأدب الجاهلي في شعره يدعو
إلى الأمانة والعفة والصدق والتكافل,وإلى إشاعة المثل الرشيدة
بين الناس، وهذه كلها من خصائص الأدب الإسلامي،فالأدب الإسلامي
هو ذلك اللون من الأدب النبيل الهادف الذي يخدم القيم الروحية
ويعمل على إيصال البشرية كلها إلى شاطئ السلامة والطمأنينة والأمان.
* كيف ترون واقع الأدب الإسلامي اليوم؟
** الأدب الإسلامي نابع من عقيدة إسلامية ومن نظم إسلامية,ولا
بد في يوم من الأيام أن يطل هذا اللون من الأدب على الآداب العالمية
جميعها..لماذا؟لأن الإسلام دعوة تشمل جميع البشر,دعوة لانتشال
البشرية من واقعها الذي تردت فيه إلى واقع أفضل يرفع من قدر
الإنسان وقيمته,فليس من الصعب أن يطل الأدب الإسلامي على الآداب
العالمية الأخرى,وخاصة الأدب العربي فينتشله من واقعه حيث المستوى
الفني والفكري إلى أفق جديد،والأدب الإسلامي اليوم في نمو وازدهار،وكما
أن هناك صحوة إسلامية عارمة تشمل العالم أجمع,فالأدب الإسلامي,وهو
جزء لا ينفصل عن الإسلام,هو أيضاً في صحوة وازدهار.
* أفردت كتاباً خاصاًً للبحث في خصوصية الإبداع في الشعر الإسلامي
المعاصر؟
** هذا صحيح،وقد اشتمل هذا الكتاب على نقد لنصوص معينة تخيرتها
لتكون مادة لهذه الفكرة،وتحدثت فيه عن مفهوم الإبداع ومعناه,لأن
البعض يرى الإبداع مقصوراً على التجريد في الصورة أو المعنى،الإبداع
قد يكون في الصورة,وقد يكون في تناول الفكرة,وقد يكون في اللفظ
أو العبارة أو الأسلوب كل هذه الوسائل فصلتها ليكون مفهوم الإبداع
أشمل وأوسع,ولم يعتمد الكتاب على تصنيف معين لبعض الشعراء لنقول
هؤلاء أبدعوا,أو لم يبدعوا,فالإبداع قد يكون في قصيدة أو قد
يكون في بيت واحد.
* انتقل النقد إلى النخبة وابتعد عن الجماهير, فكيف ترون دور
النقد في تصحيح العلاقة أو تقريب الأدب من الجماهير؟
** إذا أردنا أن نقيم علاقة مقبولة فلا بد أن يكون نقدنا نقداً
موضوعياً لا يخضع للعواطف أو الأهواء,فإذا استطعنا أن نحقق هذه
الغاية أمكننا إن نقيم جسراً بيننا وبين الجماهير في مختلف الأوساط
فضلاً عن الصلة الوثيقة التي ستربط بين الناقد والأديب.
* ما موقفك من الحداثة؟
** الطريف بالأمر أنني, وفي كل لقاء صحفي أو نقاش,يوجه لي سؤال
عن الحداثة وعن التجديد في الشعر العربي,وسؤالي:هل اختصاصهم
لي بالسؤال لأنهم يظنون أن الأدب الإسلامي أو من ينتمي إليه
يقف حجر عثرة أمام الحداثة؟ أم أنهم يظنون أنني في المدرسة المتقوقعة
لأنني أنتمي إلى المدرسة الإسلامية؟
ولا بد من توضيح هذا الالتباس فإن الإسلام في فكره وأدبه لم
يكن أبدا أدباً متقوقعاً,ولم يكن أدباً منزوياً,بل كان دائماً
أدباً فاعلاً ومنفعلاً، يؤثر ويتأثر مع التجديد دائماً،والحداثة
في الأدب إذا كانت تعني التجديد بكل معانيه,فهي مقبولة ولا ينبغي
أن نخسرها لمجرد أنها ابتدعت بعض الطرق الفنية في تناول النص,
فكل شيء قابل للأخذ والرد,ولا يجوز للناقد المنصف أن يقف ضد
الأدب الحداثي لمجرد أنه استغربه أو استنكره فكل شيء يستجد على
مسرح الحياة يقابل بالاستنكار للوهلة الأولى، فإذا استطاع هذا
اللون من الأدب أو ذاك أن يعطي عطاءاً,ثرياً أو يوجه اتجاهاً
صحيحاً فهو مقبول ولا ينبغي أن نرفضه لمجرد أننا لم نعرفه,فالأدب
لا جنسية له وغاياته كثيرة اقلها الإمتاع والمنفعة.
* وكيف تنظر إلى شعر التفعيلة وأنت المصر على الشعر العمودي؟
** هذا الموضوع يختلف فيه الناس اختلافاً كثيراً،منهم المؤيد
ومنهم المعارض وقسم ثالث المعتدل،وأنا رغم إصراري على كتابة
القصيدة العمودية,إلا أنني من المعتدلين في نظرتي إلى الشعر
الحداثي،فمنه ما هو جميل يخدم اللغة والقيم والأدب وبالتالي
لا ضير من الأخذ به،ولماذا أقف حجر عثرة أمام التجديد, كما أسلفت؟
أما ما كان يخدم قيماً أخرى لا روح فيها فلست معه،والشعر الحديث
في نظري صنفان:الأول ما يسمى بـ (الشعر الحداثي) وهذا فيه تسرع
من قبل عشاقه ورواده أدى بهم إلى ضياع عقائدي وفكري ولغوي وأسلوبي،
أما بالنسبة للصنف الثاني فهو ذاك النوع من التجديد،وفرق هناك
ما بين التجديد والمعاصرة والتجديد والحداثة.
* وما رأيك بقصيدة النثر تحديداً؟
** قصيدة النثر قصيدة هشة,وإن كانت تؤثر في المتلقي,فهي تؤثر
من جانب واحد هو أنها استطاعت اختصار المسافات,ولكني أجدها قصيدة
هشة مجتزأة.
* كيف تنظر إلى ظاهرة الغموض في الشعر؟
** الغموض كظاهرة في الشعر العربي موجود منذ القدم,فالشعر الجاهلي
مثلاً ما زال النقاد يختلفون في وصفه للوقوف على الأطلال, فالغموض
إذا انفك عن الشعر قديماً وحديثاً فقد الشعر قيمته لأن اللغة
الشعرية ليست وظيفتها توصيل المعلومات,وإنما اللغة الشعرية أنها
تمتع,فإذا أراد الشاعر إن يمتع فعليه أن يستخدم هذه التقنية
التي قد تكون من خلال الدلالة اللفظية,وقد تكون في استخدام الرمز,أو
قد تكون في استخدام الأسطورة،كل هذه التقنيات ضرورية, إلى جانب
أن الشاعر كان يتكلم عن حقائق واقعية موجودة في الواقع,يتكل
عن الواقع،وأصبح يتكلم عن الذات الإنسانية,فإذا كانت الذات الإنسانية
بطبيعتها غامضة فلا بد إن يكون الشعر غامضاً أيضاً،والغموض مبدأ
في الحياة,وقيمة الحياة بأنها غامضة.
* ولكن ماذا عن الإغراق في الرمزية والغموض الشديد ؟
** مثل هذه الأغطية يمكن أن تكون مجرد غطاء فني,ويمكن أن تكون
عيباً يستر به الشاعر ضحالة الرؤيا وضحالة الفكرة وقناعاً يرهب
به القارئ ويحسسه بالدونية,فكأنه يعيش فكر النخبة, ويتكلم بصوت
النخبة,والقارئ عندما يقرأ هذا الشعر الردئ يشعر بعدم التعاطف
معه بهذه القصيدة ومن هنا تأتي تبريرات الشاعر بأن هذا الشعر
مكتوب لطبقة خاصة, والمتلقي لا يجد فيها الأشياء التي يبحث عنها،
ولعل هذا ناتج عن أشياء كثيرة منها التلاعب بالحس اللغوي,ومنها
استخدام هذه الرموز والأساطير التي نبتت في بيئة غير البيئة
العربية ومنها رؤى الشاعر التي تكون أحيانا غير واضحة.. هذا
كلها وسائل تدخل في غموض القصيدة لكنها ليست غموضا بناء وإنما
غموض هدم والنظر إلى هذه المسائل يحتاج إلى ثقافة من المتلقي,لأن
كثيراً من الرؤى يجب إن تكون غامضة والحديث عنها بكلام واضح
يفسد الرؤيا فهي عملية تحتاج إلى قدرة إبداعية من الشاعر,وإلى
ثقافة من المتلقي،ولكن هذه العملية عملية مربكة جداً,فالشاعر
يقول:أنا شاعر ولي رؤيتي الخاصة اشعر بما لا يشعر به الآخرون
ويجب أن تكون لشعري طبقة مثقفة,وأنا أتعامل مع مستوى ثقافي نسبة
الأمية فيه تصل إلى 80%،والمتلقي يقول أنا وليد بيئة وليد ثقافة
ومجتمع ألفت أن البيان العربي فيه شبه واضح, ولا أقول أنه واضح
تماماً؟
* سؤال أخير,هل هناك سمات خاصة تميز الأدب السعودي؟
** لعل أهم ما يميز الأدب السعودي هو انتمائه إلى بيئة إسلامية
محافظة ومن هنا تنبع عالمية هذا الأدب حيث أن رسالة الإسلام
جاءت للعالمين أجمع، وبالتالي أخم خصائصه الأصالة والإبداع والمحافظة
على روح القصيدة العربية الأصيلة،فهو أدب يدعو إلى القيم الروحية
وإلى المثل الرشيدة بالإضافة إلى المحافظة على أصالة اللغة العربية
ويتصف بجزالة اللفظ وفخامته عند كثير من الشعراء، ولكن هذا لا
يعني عدم وجود خصائص سلبية أيضاً,ونجد مثلاً من خصائص القصيدة
في الشعر السعودي أن الكثير منهم سبكي قديم,وإن الشاعر إذا تناول
قصيدته يمكن أن يضمنها العديد من الموضوعات,كما أن الشاعر يمكن
أن ينتمي إلى أكثر من مدرسة،وفي مجال النثر والقصة هناك نهضة
جيدة قد ظهر كتاب مهمون في هذا المجال وقدموا كتابات جيدة.
أعلى
صوت
لحظات عابرة مع الكتاب
يشكل الكتاب للمثقف والكاتب على وجه الخصوص
وكل من يمتهنون حرفة الكتابة زادا وخبزا يوميا باعتباره الغذاء
الوحيد لمواصلة مشوار الكتابة لان كتابة بدون قراءة لا يمكن
لها ان تصمد او تحقق تلك الاهداف في تشكل الوعي للكاتب او الشاعر
ولكل كاتب مزاجه الخاص ولحظاته الجميلة التي يقضيها مع الكتاب
حتى ولو كان ذلك على حساب صحته والتزاماته اليومية وحتى ولو
تطلب ذلك تصفحا عابرا لمجرد الاستمتاع لمعرفة ما يتضمنه الكتاب
ابتداء من غلاف الكتاب وألوانه الزاهية وانتهاء بالتصميم واللوحة
التي يحملها الغلاف وكل كاتب له توجه معين وشروط محددة في كيفية
اقتناء الكتاب وأي مجال اقرب الى نفسه.
والكتب أنواع فهناك الكتب السياسية والاسلامية والادبية وغيرها
لكن الشيء الذي نريد ان نقوله من خلال هذا الموضوع ان لكل كاتب
لحظات عابرة مع الكتاب ويتمثل ذلك في ان بعض الكتاب ينجذبون
اكثر لقراءة السيرة الذاتية والمذكرات والروايات واي شيء يتعلق
بالكتاب المشاهير لكن هذه القراءة ربما لا تكتمل فيتوقف الكاتب
عند فصل معين او صفحات معينة بسبب ظرف ما أو لان الكتاب قد تم
استيعابه بمجرد قراءة جزء منه وربما هذا ينطبق على بعض الكتاب
والمشاهير وليس كلهم وعندما أتحدث عن نفسي فان اقرب الكتب الى
نفسي هي الكتب الادبية بانواعها والكتب الفكرية ذات البعد التاريخي
واستطع ان اقول بانني خلال العام الماضي قرأت بعض الكتب ولو
بشكل متقطع مثل كتب الشاعر اودونيس الشعرية الصادرة حديثا والشعراء
محمود درويش ومحمد بنيس الشاعر المغربي وعبدالعزيز المقالح الشاعر
اليمني واحيانا يشدني الرحال مرة اخرى للرجوع الى دواوين الشعراء
الكبار وأعمالهم الكاملة مثل صلاح عبدالصبور والسياب وغيرهم
وبين يدي الآن كتاب مذكرات الروائي العالمي ماركيز (سيرة ذاتية)
بعنوان نعيشها لذويها لقد احسست بمتعة وانا اتنقل بين هذه الكتب
خاصة السيرة الذاتية لماركيز التي سرد من خلالها كل الذكريات
منذ ان كان في بداية الطفولة والكتب التي اثرت فيه مثل كتاب
ألف ليلة وليلة وقد قرأه كما يقول في طبقة الكبار وهو ما زال
يافعا كما انه استفاد من المناخ الثقافي في كل من الارجنتين
واسبانيا اللتين كان لهما الدور المؤثر في اثراء المعرفة لديه
في بداية حياته ومشواره حتى انتقاله الى عالم الكتابة والشهرة
التي حققها على المستوى العالمي.
وقد ذكر ماركيز طرفة في مذكراته هذه من خلال قراءته للكتب ومن
بينها كتاب دون كينخوته لسرفانتس بانه لم يؤثر فيه وكان يمله
ولا يتقبله الى ان نصحه صديقه بان يضع الكتاب على رف المرحاض
وان يقرأه مع قضاء حاجاته اليومية.
بهذه الطريقة فقط اكتشف ماركيز أهمية هذا الكتاب حتى اصبح يحفظ
فصولا منه عن ظهر قلب وقد كان الجاحظ بسبب عشقه للكتاب وللقراءة
لا ينام الا بين الكتب وكان زاده الوحيد وغذاؤه الوحيد هو الكتاب
رغم معرفتنا انه لا يملك المال ليوفر لنفسه لقمة العيش حتى كانت
وفاته شهيدا في محراب الكتاب وفي العصر العباسي هناك قصة تروى
ان واحدا من الخلفاء العباسيين اصابه مرض وتم استدعاء شخص من
عامة الناس لكي يعالجه وهذا الشخص من المحبين والعاشقين للكتاب
ولما شفي الخليفة اراد ان يكافئ هذا الشخص وكان الخليفة في اعتقاده
انه اي هذا الشخص سيطلب المال أو احد القصور لكن جاء كلامه اي
هذا الشخص على عكس ما يتصور الخليفة فكان طلبه بان يسمح له الخليفة
بالدخول الى مكتبته التي كانت تحتوي على خزائن الكتب التي تقدر
بمئات الآلاف وظل يقرأ ليل نهار حتى استطاع ان يقرأ كل الكتب.
وعندما نذكر هذه الحادثة فاننا نصاب بالدهشة وبالحسرة لعدم قدرتنا
على التواصل مع الكتاب ولعدم تخصيص الوقت المناسب لكي نجلس ولو
ساعة مع الكتاب او حتى مع صحيفة معينة ان مثل هذا الوضع لن يقود
الى شيء كما انه لا يعود لصالح المجتمع في اي شيء بقدر ما يشكل
عقبة لتشكل الوعي والقدرة على التطور والعطاء وتحقيق الانجازات
سواء كانت تنموية او ثقافية وخير جليس في الزمان كتاب.
محمد الرحبي
أديب عماني
أعلى