
كل يوم
حتى لا يتحول الغضب المحمود إلى (فتنة عمياء) مذمومة
اجتاحت موجات من الغضب الساطع والعنف الشارع
العربي والاسلامي احتجاجا على نشر رسوم كاريكاتورية في صحف الدنمارك،
ودول أوروبية، تسيء إلى شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتشكل
إهانة شديدة للعرب والمسلمين جميعا.
وحتى يوم أمس، ظلت الامور تسير في اطارها الصحيح: مسيرات، ومظاهرات،
وبيانات استنكار وشجب وتنديد .. ثم دعوات الى مقاطعة المنتجات والبضائع
الدنماركية .. ودعيت الحكومات الى سحب سفرائها من الدنمارك وقد فعل
بعضها ذلك، بدرجات متفاوتة معروفة في الاطار الدبلوماسي.
لكن مالم يكن متوقعا هو ان تصل الامور الى الاعتداء على بعض الكنائس،
او اشعال النار فيها، كما حدث في مظاهرات لبنان، أمس الاول .. وكما
حدث في بعض مدن العراق مؤخرا! فهذا تصرف أحمق، لا يفيد في شيء، الا
انه يعمق أسباب الفتنة، ويحرف المسألة عن أهدافها ويوظفها لخدمة
أهداف وسياسات أجنبية متربصة.
وقد لا يكون غريبا ان تتهم الحكومة اللبنانية (بعض المندسين) في
هذا العمل المشين والمتهور، لكنها ذهبت بعيدا في توظيف هذا الخروج
الارعن عن الهدف، حين ادعت انها اعتقلت فلسطينيين وسوريين، مما يجذب
الانظار بعيدا عن طبيعة الحدث واهداف المظاهرة الحاشدة ويضعه في
اطار النزاع السوري ـ اللبناني!
لا شك ان الذين يعتدون على الكنائس يسيئون الى الاسلام اكثر مما
اساء اليه ناشرو الكاريكاتيرات السوداء ومعدوها! ولكن على الحكومة
اللبنانية ان تكون اكثر حصافة وهي تربط مثل الحدث المستنكر باعتقال
(فلسطينيين وسوريين) وكأن هؤلاء وحدهم هم السبب فيما حدث!!
لا يجوز ان نحول غضبنا للاعتداء على كرامة الاسلام والمسلمين ممثلين
في شخص سيد الخلق النبي العربي الامين (عليه الصلاة والسلام) الى
(فتنة سوداء) تثيرها فئة رعناء، تصب الزيت على النار، وتحيل (بأسنا
بيننا) بدل أن نكون جميعا ـ مسلمين ومسيحيين ـ صفا واحدا في مواجهة
المعتدين علينا، سواء أكان عدوانهم بالسلاح، أم بأفعال (قذرة) كتلك
التي ارادت استغلال حرية التعبير في اوروبا للاساءة الى العقيدة
الاسلامية والمؤمنين بها.
كما ان غضبنا للاسلام يجب ان يكون شاملا لان الاسلام لا يفرق بين
الاديان، وعليه فان الاساءة الى اي عقيدة دينية سماوية هي بمثابة
استهداف للاسلام والمسلمين، أيضا.
نعم، لهذا الغضب الساطع نصرةً للرسول وللاسلام، ولكن علينا ترشيد
ذلك كله، وتنظيمه في خطوات عملية تساهم في توضيح صورة الإسلام، وتكشف
طبيعة الاساءة التي تعرضنا لها،وتؤدي الى ردع المتجاوزين ولجم المعتدين.
ان الدعوة الى الحكمة والتعقل هي دعوة صحيحة، شريطة الا تعني (تجاهل
ما حدث) او (التجاوز) عن الاساءة .. بل انها تستهدف أن يوجه الغضب
ليكون اكثر اثرا، وان يشعر الطرف المعتدي بفداحة الثمن الذي يدفعه
نتيجة لعدوانه.
ومرة أخرى نكرر القول: اننا نغضب لله، ولرسوله، ودفاعا عن عقيدتنا
وديننا، ولكن علينا ان نكون حذرين ومتعقلين حتى نحقق أهدافنا ونصل
الى غاياتنا.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

أطياف
إنهم ملة واحدة
قلنا بالأمس إن الغرب ليس من شأنه التعرض لمقدساتنا
تحت أي مبرر ، فإن كانت قيمهم بعيدة عن الدين فهذا شأنهم وحياتهم
، ولا علاقة لنا بذلك طالما انهم ارتضوا بها ، ولكن ليس من شأنهم
أو من حقهم إجبار الآخرين على السير معهم بنفس الروح ونفس القيم
، عبر التدرج في التغريب والتبشير بالقيم الغربية والحضارة الغربية
، ومن ثم الحط من شأن كل ما هو مقدس في العالم الإسلامي ، وصولاً
إلى ظهور جيل مسخ ليس إلى أولئك وليس إلينا ينتمي ..
عبر تلك الطريقة من التعامل ، يمكننا فهم ما يحدث من هجمات شبه منظمة
قادمة من أوروبا عبر وسائل وموضوعات متعددة ، وإلا ما تفسير قيام
عدد من الصحف في ألمانيا وأسبانيا والنرويج وهولندا وفرنسا بإعادة
نشر تلك الرسوم ، إلا دليلاً واضحاً على أنهم ملة واحدة ، تنطبق
عليهم قول الله تعالى في أواخر سورة الأنفال ( والذين كفروا بعضهم
أولياء بعض ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ..
المجتمع الغربي بشكل عام لا يتحرك كأفراد كما يقول الشهيد سيد قطب
رحمه الله في ظلال القرآن .. إنما هو يتحرك ككائن عضوي ، تندفع أعضاؤه
، بطبيعة وجوده وتكوينه ، للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه فهم بعضهم
أولياء بعض طبعاً وحكماً .. ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا
في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى ،
وإذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض ، فستقع الفتنة لأفراده
من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل
أفراداً - وتقع الفتنة في الأرض ويقع الفساد بطغيان الجاهلية على
الاسلام وطغيان العباد على ألوهية الله ؛ ووقوع الناس عبيداً مرة
أخرى وهو أفسد الفساد.
ما يحدث من فورة شعبية إسلامية على مستوى العالم هي المطلوبة الآن
، حتى تكون المواجهة متساوية إن هم تحركوا متحدين لهدف باطل ، سنتحرك
نحن بنفس الفكرة والطريقة ولكن بالطبع لرد ذاك الباطل وتبيان الحق
والحقيقة لا يمكننا مواجهتهم ونحن متفرقون هم تدافعوا لتخفيف الضغط
عن عضو منهم عبر إعادة نشر الرسوم المخزية تلك - أخزى الله راسمها
وناشرها - تطبيقاً لمنهجهم في التحرك ضد العالم الإسلامي وطريقتهم
في الحرب الخفية ونحن مطلوب منا التحرك بنفس الكيفية وبروح جماعية،
وهذا ما يحدث بشكل جيد ولله الحمد ، ونطالب المزيد المزيد ، شعبياً
ورسمياً .. فهذا رسول الله ، يستحق أكثر بكثير مما نقوم به الآن
، وهذه فرصتنا التاريخية في التعبير عن حبنا الشديد والولاء التام
لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وحتى يعلم العالم أجمع أننا أمة
لا تقبل الهوان والمذلة في دينها ، وإن قبلتها في أمور أخرى ولظروف
معينة معروفة ، ولكن لن تستمر بإذن الله ، بل رب ضارة نافعة وربما
مثل هذه الظروف تدفع بالأمة إلى أن تنظر لحالها ووضعها ، ويحدث حادث
ويرتفع صوت الحق مرة أخرى ويزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقاً.
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

أقول لكم
اتهامات
كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية
قالت أن الرئيس الفنزويلي هوغوشافيز عنصري وعدواني مثل أدولف هتلر،
والمستشارة الألمانية أنجليكا ميركل أطلقت نفس الصفة على الرئيس
الايراني أحمدي نجاد، والرجلان لم يشعلا حربا عالمية راح ضحيتها
خمسون مليونا من البشر مع دمار اقتصادي شامل لبلدان عديدة، فقط يتفقان
على كراهية السياسة الخارجية للولايات المتحدة والمعايير المزدوجة
للغرب عموما، وهذا جعلهما هدفا للكاوبوي الذي يطبق بنجاح حتى الآن
سياسة: من ليس معنا فهو ضدنا، لهذا ربما يسعى راعي البقر لاحتلال
الحوزات العلمية في مدينة قم، بدعوى أنها مراكز سرية لتخصيب اليورانيوم
وانتاج الماء، الثقيل!
ومأزق هوغو شافيز أنه تمرد على وصاية الأخ الأكبر، ورسخ أركان نظام
مناوئ للكولا والبورغر في حديقة واشنطن الخلفية، ورغم ذلك فانه أفضل
حالا من صديقه الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، ذلك الذي وصفته وزيرة
الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت بأنه مجرد (خصي) ..
ويستطيع المرء أن يتعرف بسهولة على كذب الادعاءات الموجهة لشافيز
ونجاد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: كيف أمكن التعرف على
هذا الأمر شديد الخصوصية للرفيق فيديل؟!
وربما كان من أدلة براءة شافيز ونجاد، أن كليهما لا يمتلك الشارب
الكثيف الشهير للزعيم النازي، وليس له نزوات نسائية مثل الفوهرر
الذي كان عشيقا لابنة أخته جيلي روبال ثم لايفا بروان، ولم يعلن
أحدهما عن أطماع توسعية في اراض وثروات الغير، فضلا عن ان حصيلتهما
من اللغة الألمانية قد لا تتجاوز (جوتن مورجن) و(جوتن نخت)، وتبقى
المشكلة محصورة في فيديل كاسترو، الذي قد يتعين عليه تقديم براهين
وأدلة ملموسة .. تفند إدعاءات مادلين!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

باختصار
عمرو موسى
خطاب الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو
موسى امام وزراء الاعلام العرب اشبه مايكون بخطاب الامة في لحظة
فارقة من عمرها فقد اكد الوضع المأساوي للامة والاوضاع الخطيرة التي
تمر بها ... وليس غريبا ان نستمع الى كلام مسؤول عربي كبير يمكنه
موقعه من الاطلالة على المشاكل وعلى مراكز الخطر والاشارة اليها
.. والكلام العام الذي توجه به موسى يعني ان هنالك زحمة مشاكل تتصدر
العمل العربي وتدعو الى القلق.
امانة موسى وموقعه المسؤول يدفعه لاخذ الحيطة مما هو داهم .. نظرته
العامة للاحداث تعنيه قبل اي مسؤول آخر وهو الامين على ترتيب البيت
العربي وعلى درء الاخطار عنه واطلاق الانذارات قبل حصول اي اشكال
وانطلاقا من تلك المسؤوليات الكبيرة فانه سعى الى لم شمل وزراء الاعلام
العرب متحدثا عن الاخطار التي ليس الوحيد الذي يراها ويلمس تفاصيلها
وانما يشاركه رهط كبير من المسؤولين العرب وغير العرب في تلك النظرة.
يذكرنا كلام امين الجامعة موسى بالكثير من الفترات التي مرت بها
الامة التي تعيش مخاضها منذ سنوات طويلة ، ونكاد نقول انها المرة
المميزة في الحديث عن اخطار ولولا ان ماقاله جاء قبل يومين تقريبا
كان يمكن القول اننا سمعناه منذ امد بعيد ومع ذلك لابد من الاعتراف
بان كلامه المسؤول يتأكد للجميع اذا ماقرروا نظرة مسؤولة.
في كل يوم يمر على العرب نصحو على هاجس جديد ، ولكثرة الهواجس التي
مرت وتمر فان الاهتمام بها قد لايتراجع لكنه لايصبح اولوية حتى ولو
اشارت كل المراجع الى ذلك وبنظرة سريعة على مايقصده الامين العام
موسى نجد ان الوضع في فلسطين قد غير المشهد الشرق اوسطي باعتراف
اهل السياسة والعلم السياسي لم يكن وصول حماس الى السلطة سوى انذار
مبكر بان التغيير في المنطقة سيكون اقرب من اي اعتبار وان الدور
الذي سوف تلعبه تلك الحركة القادمة بلباس الميدان قد لانكون معتادين
عليه ازاء اي اداء فلسطيني مسؤول وكانت "فتح" هو وجهته
واما العراق فليس مايحلو فيه الكلام سوى انه يسعى لملمة بيته على
امل ان يتجاوز وضعه الداخلي كي يتفرغ الى مهماته الكبرى وهو كما
يشاع الطلب من القوات الاميركية بترك العراق والخروج منه بناء على
اتفاق واجندة واضحة واما العلاقات اللبنانية السورية فرغم الصمت
الذي يلفها الا انها خرجت من دائرة الزلزال لتذهب الى اللااستقرار
ومن ثم الى التهدئة النسبية دون ان يعني ذلك زوال الخطر فما زالت
هناك تبعات التحقيق الدولي بشأن اغتيال الحريري والتي هي اساس المعضلة
والحل في آن معا اضافة الى قضايا عديدة بين البلدين الشقيقين مازالت
عالقة فيما مايزال لبنان تحت مشرحة دولية يجري حولها صمت لكنها مطلوبة
التنيذ وتحديد القرار 1559 اضف الى ذلك القضية الطارئة بنشر صور
مسيئة للنبي العربي والتي تتحمل الجامعة بلا شك مسؤولية في البحث
عن آفاق حلول لها والتي بدأت تهز الشارع العربي وتدفع الى التصعيد
ليس فقط ضد الدانمارك المسؤولة المباشرة عن هذه الواقعة وانما ضد
بلدان اخرى ارتكبت الفعل الشنيع نفسه لاشك ان امين عام الجامعة سيجد
مثل هذه الاحداث وغيرها سبيلا لاطلاق الصيحة من اجل تعاون عربي تتحقق
فيه مصالح الامة.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

الجمهورية الإسلامية والجوار العربي
مع مهلة الشهر الممنوحة للجمهورية الإيرانية
من وكالة الطاقة الدولية لمراجعة موقفها، يستحيل تقييم حركة الجمهورية
الإسلامية في عهدها الجديد تجاه الأجندة الدولية، فذلك يحتاج إلى
وقفة متأملة وبعيدة عن الشخصانية، فمحمود أحمدي نجاد رئيس الجمهورية
الإسلامية لا يتحرك من فراغ، وليس تيارة بأقلية أيضا في إيران، وربما
خارجها، فمن الخطأ القول إن هذه فترة تاريخية يمكن أن تمضي دون صعاب
إن حشد الجماهير في العالم الثالث وإطعامها شعارات يغنيها عن التفكير
في حياتها اليومية، هو أمر مقصود بحد ذاته، إلا أن طهران تسعى إلى
ما هو أكثر من ذلك .
إيران يبدو أنها تحاول الوصول إلى ما يسمى اليوم في العلاقات الدولية
بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة، وهو توازن يعني الحصول في نهاية
الأمر على التقنية النووية المتقدمة، لأنها بذلك تستطيع أن تقف أمام
القوة النووية الإسرائيلية، وتمنع التدخل الخارجي في شؤونها.
ذلك لب الصراع الدائر اليوم في منطقة الشرق الأوسط والتفاصيل كثيرة
تكمل الصورة فترة خاتمي يسميها البعض من أنصار التشدد الجدد أنها
كانت فترة (ثورة مضادة) أي أن جماعة خاتمي بنعومة ملمس سياساتهم
تجاه الغرب، كانوا يحاولون تفريغ الثورة الإيرانية من أهم ما قامت
من أجله، وهو نصرة الضعفاء أو المستضعفين، وأعظم المستضعفين بالطبع
هم الفلسطينيون وفقراء إيران، وهو الأمر الذي أراد محمود نجاد أن
يؤكده منذ اللحظة الأولى لتسلمه السلطة، أولا بالظهور بالمظهر المتواضع
في السلوك وفي العيش، وهو مظهر لا يعتقد كثيرون انه مصطنع، بل هو
ما يؤمن به الرئيس ومعظم طاقمه ومناصريه، وثانيهما الاستمرار في
بناء القوة الرادعة لنصرة القوى الضعيفة صورة الرئيس الإيراني وهو
يحتضن بقوة سور قبر السيدة زينب في دمشق أوحت لكثيرين عن معتقدات
الرئيس وما يمثله، فهو أول رئيس جمهورية مدني، بعد سلسلة من رؤساء
الجمهورية من رجال الدين المسيسين ، أما تصريحاته العلنية حول
(المحرقة اليهودية) والتشكيك فيها أو الإعلان أن الغرب هو تجمع لقوى
ضعيفة ، من ضمن مجموعة من التصريحات اللافتة ، ليس فيه من المناورة
السياسية أية شبهة ، إنه إيمان عميق وطريقة في التفكير، يحسن النظر
إليها بعمق وتحليل آثارها المرتقبة إنها سياسة فارقت الاعتدال الرفسنجاني
أو الخاتمي.
تبقى أدوات التوازن الأخرى، وهي كثيرة، فلم يكن الحديث عن ( الهلال
الشيعي) الذي صرح به الملك عبد الله الثاني ملك الأردن بخاف عن التحرك
الإيراني. فإيران وبمساعدة غير مباشرة من أميركا حصدت أكثر الرؤوس
يناعة، وحصلت على أكثر من جائزة بسبب التدخل الأميركي، فهي أولا
أصبح لها موضع قدم بارز وارتكاز في أفغانستان، وعلينا أن نتذكر أن
اللغة الفارسية، هي لغة التواصل المشتركة بين اللغات والأعراق المختلفة
في أفغانستان، مما مكن للثقافة والنفوذ الإيراني أن يصبح له موطئ
قدم هناك أما ثانيا فهي الجائزة الكبرى حيث حصلت إيران على ما لم
تكن تحلم به إبان نزاعها مع نظام بغداد السابق، فأصبح لها اليوم
قولا مقبولا، بل ووجودا محسوسا ورأيا نافذا في العراق، تستطيع أن
توسع رقعته في ضوء الاختلافات العراقية والمذهبية والسياسية العميقة
لدى العراقيين، وتُحسن بذلك شروط وجودها هناك.
التحالف الإيراني مع دمشق ومن بعده حزب الله في لبنان لا يحتاج إلى
إثبات، في الوقت الذي تحتاج دمشق إلى أصدقاء خُلص للخروج من الضغوط
المتصاعدة مفاعيلها بأقل الأضرار، واستمرار ضمان أدوات ضغط معقولة
ومؤثرة في لبنان في يدها، وهي جميعا، أي هذه العناصر، تنتهي مفاتيحها
في طهران، دون أن تخسر طهران شيئا يذكر، غير الدعم المادي المطلوب
والضروري لتسيير عجلة الممانعة .
فدمشق تحتاج طهران أكثر من الأخيرة تحتاج الأولى ، لذا فإن قدرات
دمشق على المناورة أصبحت متقلصة إلى حد بعيد، كما زادت مساحة طهران
التفاوضية في الإقليم ككل مع وصول حماس إلى السلطة في الأراضي الفلسطينية
المحتلة حيث أصبحت الأوراق السياسية لدى طهران أكثر.
الجدار السميك الذي يفصل إيران عن أية مغامرة غربية أو أميركية أو
حتى إسرائيلية، هو جدار عربي ممتد من العراق مرورا بدمشق ومنتهيا
في غزة. وعلى عكس ما توقع دينس روس في مقال له نشر منذ فترة توقع
فيه أن الوقت لن يطول حيث يدخل رئيس وزراء إسرائيلي على الرئيس بوش
ويقول له، هل تأذن لنا السيد الرئيس بضرب المفاعلات الذرية الإيرانية،
على عكس هذا التوقع فإن أي مغامرة من هذا النوع سيكون ثمنها فادحا،
خاصة في الجدار العربي.
القنبلة الموعودة في طهران هي ليست قنبلة إيرانية، كما أصبحت القنبلة
الباكستانية باكستانية بحتة، بل كثير من العرب يراهنون على أنها
قنبلة إسلامية ، أو على وجه التحديد، قنبلة إيرانية ـ عربية (ثورية)
إن كان هذا التوصيف دقيقا توظيف المقدس عملية سائرة في المنطقة،
فحتى القاهرة التي تركت التشيع منذ مئات السنين، تعود إليها الجذوة
من جديد، ومن منطلق سياسي قبل أن يكون مذهبيا، فأصبح التشيع مذهبا
سياسيا له علاقة بواقع الأمر في المنطقة التي تراكمت فيها السلبيات،
بعد أن كان فقط مذهبا من المذاهب الإسلامية.
إلا أن مأزق التيار الإيراني المحافظ، كونه محافظا إلى درجة المثالية،والى
درجة الحلم بتعميم الجمهورية الإسلامية في المنطقة في الوقت الذي
تزداد الشعوب الإيرانية حرمانا من جهود التنمية المرجوة وهذا يقود
المنطقة إلى تأخير الشفاء من التعصب، كما أن حروب الخارج، عادة ما
تحرم الداخل من تنمية إنسانية.
ما هو غير ظاهر أو غير فعال في التكوين الحالي هو غياب رباطة جأش
الصف العربي، عن طريق أخذ المبادرة لتقديم حلول عقلانية للمشكلات
العالقة فلا العرب قدموا تصورا لما يمكن أن يحدث في العراق في المستقبل،
وعلى أي ضفاف سوف ترسو السفينة العراقية، غير المؤتمر اليتيم الذي
عقد في القاهرة، وقد فوجئت بما نقله لي أحد الأصدقاء العرب الفاعلين
في الترتيب لذلك المؤتمر، بأن الكثير من الأعضاء العراقيين الذين
حضروا المؤتمر لم يكن يعرف بعضهم بعضا، ولم يتقابلوا وجها لوجه قبل
الاجتماع!
المفقود في التوليفة رباطة الجأش العربية التي لم تتطور ليتخذ عرب
المشرق خاصة، وحتى القريبين من الخطر في الخليج، تجاه الحركة شديدة
التعقيد وفي قلبها احتمال القنبلة المتوقعة (الإيرانية ـ الإسلامية)
غير تصريح معترض صدر من خلال كواليس مؤتمر القمة الخليجية الأخير
في ديسمبر العام الماضي في ابوظبي.
ما يزيد الطين بله، كما يقول العرب، هو الشبق الذي يتصف به المحافظون
الجدد الذين امتدوا من واشنطن إلى باريس، والذين لا يرون في المنطقة
بشرا أكثر مما يرون مصالح مرسلة على رأسها تأمين إسرائيل وتأمين
النفط .
في هذه الأجواء المفتقدة للتسامح، فان القوى الغريزية هي التي سوف
تطلق من عقالها وتوجه في الأشهر القليلة القادمة مسارات السياسة
في الشرق الأوسط، وذلك يبشر بسنة شديدة الاضطراب، فالغرائز عندما
تفلت خاصة في السياسة تبشر بكارثة.
د. محمد الرميحي
كاتب وباحث أكاديمي كويتي
أعلى

هولوكوست (2) قيد الصنع
استوقفتني عبارة المستشارة الألمانية أنجيلا
ميركل لدى زيارتها إسرائيل ووضعها إكليلاً من الزهور على نصب ياد
فاشيم التذكاري لضحايا المحرقة التي ارتكبها النظام النازي في ألمانيا
ضدّ اليهود بأنها باسم الحكومة الألمانية والشعب الألماني تـُعرب
عن خجلها الشديد وذلك بعد أن أكـّدت أنّ وجود دولة إسرائيل كان وسيظلُّ
إحدى الركائز التي لا تـُمَس للسياسة الألمانية ويمكنكم أن تكونوا
واثقين من ذلك، وأقول ذلك باسم الحكومة الألمانية وباسم الشعب الألماني
معربة ً عن خجلها البالغ وكانت تلك الصورة لها وهي تضع إكليل الزهور
على نصب ياد فاشيم هي الأكثر رواجاً بما لا يُقاس من أي صورة لها
ظهرت خلال زيارتها لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة وكأنّ الرسالة
الوحيدة التي نجمت عنها هذه الزيارة أنّ ألمانيا بشخص مستشارتها
تعتذر من جديد عن المحرقة التي ارتكبتها ضدّ اليهود في ثلاثينيات
القرن الماضي وهي مستعدّة أن تفعل كلّ شيء لتكفـّر عن هذه الخطيئة
التاريخية بحقـّهم حتى وإن أدّى ذلك إلى ارتكاب جريمة جديدة هي إلغاء
حقوق الشعب الفلسطيني ودعم جرائم الإبادة التي يرتكبها الإسرائيليون
يومياً ضدّ الشعب الفلسطيني وجميعنا يعلم أنّ هذا الشعور بالذنب
تجاه اليهود والرغبة في التكفير عنه يشكـّلان جوهر السياسة الغربية
المعادية للعرب والسبب الأساسي لسكوت أوروبا عن المجازر الدموية
التي ترتكبها إسرائيل يومياً ضدّ العرب وقتلها اليومي لأطفالهم والتنكيل
بهم ومصادرة أراضيهم ومياههم وتشويه تاريخهم وتدمير مستقبلهم وتدميرها
لفلسطين وطناً ودولة مستقلـّة للفلسطينيين.
وبما أنّ المحرقة شأن أوروبي ولا علاقة للإسلام والمسلمين أوالعرب
بها من قريب أو بعيد فإنّ هذا الموضوع من المفترض ألا يعنينا إلا
بما يختص بإدانته ودفع آثاره السلبية عنا إذ لا يجوز أن تكفـّر أوروبا
عن ذنوبها ضدّ اليهود من خلال السماح لإسرائيل بخرق كلّ القوانين
والشرائع السماوية والدولية ضدّ العرب فالأوروبيون هم الذين اضطهدوا
اليهود دون وجه حقّ طوال قرون وبلغ الاضطهاد ذروته في ثلاثينيات
القرن العشرين.
والنقطة الأخرى التي تعنينا في الموضوع هي أنّ حرباً صليبية حقيقية
قد بدأت في الغرب ضدّ الإسلام والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من
سبتمبر والتي تتحوّل يوماً بعد يوم إلى محرقة جديدة ترتكبها قوى
أوروبا النازية الجديدة في القرن الحادي والعشرين ولكن هذه المرّة
هذه النازية الجديدة ليست ضدّ اليهود بل هي موجهة ضدّ المسلمين حيثُ
إنّ الحروب التي شـُنَّت على المسلمين ومازالت آلة القتل الغربية
متآلفة في ارتكاب جرائم الحرب في أفغانستان والعراق وفلسطين وباكستان
وللمسلمين المواطنين في دول غربية حيثُ تنتشر السجون السريّة التي
تشهد اعتقال وتعذيب وقتل المسلمين على الشبهة مما يُبرهن دون أدنى
شكّ أنّ عبارة "الحملة الصليبية" التي استخدمها الرئيس
بوش في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر لم تكن "زلـّة لسان"
بل كانت عنواناً لسياسات تمّ الشروع بتنفيذها من قِبَل تحالف قوى
النازية الجديدة التي تتبناها العديد من القوى السياسية في الدول
الغربية ولابدَّ اليوم من قرع أجراس الإنذار قبل أن تمضي بوادر هذه
المحرقة ضدّ المسلمين والتي بدأت دون شكّ بإجراءات واستهدافات تـُـشبه
إلى حدٍّ كبيرٍ السياسات والمظاهر والإجراءات التي ارتكبتها النازية
الأوروبية في ثلاثينات القرن الماضي ضدّ اليهود ولا ينفع أن تقدّم
الدول الغربية الاعتذار لاحقاً للمسلمين كما تفعل اليوم لليهود بعد
قتل وإذلال وتهجير الملايين منهم خلال السنوات القادمة كما تدلّ
بوادر التضامن الإعلامي والسياسي الأوروبي الواسع في استخدام "حريّة
التعبير" للإساءة إلى الإسلام والمسلمين ومقدّساتهم وقيمهم
ونبيّهم الكريم عليه السلام.
فبعد الحرب على دول إسلامية بذرائع مختلفة واستمرار الضغوط والتهديدات
والعقوبات ضدّ الواحدة تلو الأخرى من بلاد المسلمين بذريعة أو بأخرى
لسلبها حقوقها في الحريّة والاستقلال والازدهار تـُشنّ حملات التشويه
والتمييز العنصري الإعلامية والسياسية والقانونية ضدّ المواطنين
من معتنقي الإسلام في الدول الغربية قاطبةً والذين يُـزجُّ ببعضهم
في السجون السريّة والعلنية دون محاكمة بحجّة أنـّه "مُشتبه
بهم" بينما تنطلق الدعوات من مسؤولين في أوروبا لترحيل بعضهم
إلى بلدانهم الأصلية ونزع الجنسية عن بعضهم الآخر وهذه الإجراءات
كما يُـحذر حتى بعض قادة اليهود في فرنسا: "هي ذاتها التي اتـُخِذَت
ضدّ اليهود في عام 1930" "أولم يلجأ موسليني وهيتلر إلى
إسقاط الجنسية عن اليهود" يسأل المؤرخ الفرنسي جيرار نويريل
ويحذّر بأن "الإجراءات التي تـُتـّخذ ضدّ المسلمين في فرنسا
اليوم تُذكـّر بقوّة بمعاملة فرنسا لليهود في ثلاثينيات القرن الماضي"
وعندما يُصبح العداء للمسلمين اليوم والتمييز ضدّهم ورقة في الحملات
الانتخابية لمرشحي الرئاسة أو الوزارات أو البرلمانات في أوروبا
فإن هذا يرسل رسالة واضحة لا لبس فيها للمتطرفين والنازييّن الجدد
في الإعلام والسياسة ومواقع العمل والسكن بأن إذلال المسلمين والتمييز
ضدّهم هو أمر مقبول رسمياً ويحظى بدعم الفئات الحاكمة وقادة أوروبا
فقد بدأت منظمة يمينية تُسمّى "كتلة الهويّة" بتوزيع حساء
للمشرّدين يحتوي على لحم الخنزير كي لا يتمكن المسلمون واليهود من
تناوله وترافق ذلك مع نشرات تقول: "إنّ لحم الخنزير كان دائماً
مكوّناً أساسياً في الثقافة والإرث الفرنسيين" وبدأت المجموعات
المتطرّفة في بلجيكا بفعل الشيء ذاته بتوزيع حساء لحم الخنزير مع
نشرات مماثلة، أما الدانمارك فقد أصبحت البلد الذي يمثـّل رأس حربة
الكراهية الأوروبية التقليدية للآخر خاصة ما يتعلق بالشرق
وهي اليوم تشنّ حملة العداء للإسلام بشكلٍ رسمي في سياساته وعلى
أعلى المستويات ففي التسعينات اعتبر حزب الشعب الدانماركي المسلمين
في الدانمارك والذين يمثـّلون 4% من السكان "مشكلة مقلقة"
ولكن وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر انضمّ إلى هذه الحزب أحزاب
أخرى وأصبحت مسألة "وجود المسلمين" في الدانمارك قضية
انتخابية وركـّز الإعلام بشكلٍ كبير على مشاكل المهاجرين المسلمين
ليلصق بالإسلام صفة "العنف" و"التطرّف"
و"المحرمات"، وتتم مناقشة مشاكل اجتماعية للهجرة من زاوية
دينية بحتة وانضمت جلالة الملكة إلى جوقة الكراهية بتعبيرها عن القلق
من المشكلة التي يمثـلها بعض رعاياها "المسلمون" ونال
حزب الشعب الدانماركي جماهيرية من خلال توجيه إهانات متواصلة للمسلمين
ووصفهم إحدى أعضائه المرشحة لبلدية كوبنهاغن لويس فيريفريت بأنهم
"مرض سرطاني في المجتمع الدانماركي" كما قال مارتن هنركسن
الناطق باسم حزب الشعب الدانماركي "أنّ الإسلام منذ بدايته
كان حركة إرهابية" محذراً "من السماح للمسلمين بأن يترشحوا
لعضوية البرلمان أو للمجالس البلدية" ووصف هنركسن من يعتنق
الإسلام من الدانماركيين بأنهم "مجرمون أخلاقيون" ويحفل
موقع هنركسن بالعداء والإهانة للإسلام ولدى مناقشة موقعه في جلسة
برلمانية قال: إنّ "انتقاد الإسلام يمثـّل السياسة الرسمية
لحزبه" والسؤال الذي يوجّه لقادة الدانمارك هو: هل كانت تصريحات
هتلر وغوبلز وغيرهما من عتاة النازية ضدّ اليهود واليهودية تختلف
حتى بالنص والحرف عن هذه التصريحات الدنماركية الرسمية ضدّ الإسلام
والمسلمين!! وانطلاقاً من هذا الجوّ والخلفية أتت مسابقة جريدة الياندبوستن
لتنشر رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى نبيّ الرحمة والسلام (صلى الله
عليه وسلم) لم يوجّه الإسلام أو المسلمون يوماً أيّ إساءة إلى الدانمارك
أو النرويج أو فرنسا أو بريطانيا بل على العكس تماماً كما أنّ كلّ
هذا لا علاقة له "بحريّة الإعلام" و "حريّة التعبير"
كما يدّعي رئيس وزراء الدانمارك أو وزير خارجية فرنسا فليس هناك
شيء في حريّة التعبير يسمح بالإساءة إلى مقدّسات الآخرين وقيمهم
وتاريخهم وإلا لماذا أصدرت هذه الدول قوانين تـُحرِّم مناقشة المحرقة!
إن الوقائع تشير إلى أنّ أوروبا تشنّ هولوكوست جديدا منظما ضدّ المسلمين
في كلّ أنحاء العالم تماماً وما يحدث للمسلمين في أوروبا اليوم حدث
ما يماثله تماماً لليهود في ثلاثينات القرن الماضي فالمسلمون في
الولايات المتحدة وأوروبا يضطرون اليوم إلى تغيير أسمائهم إلى أسماء
مسيحية وخلع حجابهم ومحو آثار الهوية التي تدلّ على أنهم مسلمون
في وجه حملة عنصرية تستهدفهم جميعاً لكونهم مسلمين والمسألة هي أنّ
النبيّ العربيّ محمد (صلى الله عليه وسلم) قد جاء من ربّ العالمين
برسالة المحبّة والسلام من قلب الصحراء العربية ليؤمن به و برسالته
اليوم مليار ونصف المليار من البشر والسؤال هو: من هم هؤلاء الذين
يتجرأون اليوم على الإساءة لشخص ورسالة خاتم الأنبياء محمد (صلى
الله عليه وسلم)؟ و ماذا قدّموا للبشرية سوى الحقد والكراهية والإساءة
والفتنة بين الشعوب؟ قدّم النبيّ العربيّ (صلى الله عليه وسلم) للبشرية
دين الحضارة الغنيّ بقيم الحوار والتعارف والرحمة والتثاقف الذي
انعكس على وجود معتنقي الأديان السماوية الأخرى طوال خمسة عشر قرناً
من عمر الإسلام داخل المجتمعات الإسلامية دون مشاكل فالإسلام حفظ
لهم حريّة العبادة والعقيدة ولم يشهد تاريخ الإسلام حرباً دينية
على معتنقي دين أو على عرق أو لون من البشر ولذلك لا يشعرون "بالخجل
البالغ"، كما تشعر ميركل، وليس لديهم عقدة الذنب للتكفير عنها
تجاه الشعوب الأخرى التي تبنـّت الإسلام بإرادتها الحرّة.
لقد ربط نازيو ألمانيا القدماء اليهودية بالعنف واتهموا اليهود بالإرهاب
وشنـّوا حملات دعائية معادية ضدّ مقدّساتهم وحرياتهم وممتلكاتهم
وهو بالضبط ما يرتكبه اليوم بعض السياسيين من النازيين الجدد في
أوروبا موجهين حقدهم واتهاماتهم "بالعنف" و"الإرهاب"
و"التطرّف" للمسلمين ومقدّساتهم.
إن أوروبا مطالبة اليوم بإصدار قوانين تمنع الإساءة للإسلام والمسلمين
كما أصدرت متأخرة قانوناً يمنع التشكيك في الهولوكوست كما أنّ العرب
والمسلمين مطالبون بالاجتماع واتخاذ قرار جماعي واستصدار قرار دولي
يمنع الإساءة إلى دينهم وإنّ ضعف الردود الإسلامية تـُري عدم الفهم
لعمق ما يـُحاكُ ضدّ شعوبهم وهويتهم وما لم يكن الردّ الإسلامي يرقى
إلى مستوى التحدّي الخطير الذي يواجههم فإن الهولوكوست سيستمر ضدّهم
ويستمر بالاعتداء على رموزهم ودينهم ومقدّساتهم مما يشكـّل أكبر
خطر مستقبلي عليهم وعلى أمن وسلام العالم بأسره .
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى
موجة الغضب ضد واشنطن قد تخفي بعض الحقائق
جمعني وأصدقاء لقاء قريب في منزل أربع أخوات
فلسطينيات يقطن العاصمة الأردنية عمان ، وجميعهن حاصلات على درجات
علمية ما بين الأستاذة الجامعية والصيدلانية والمهندسة ووكيلة السفريات
وبينما كانت تدور فناجين القهوة أخذت المناقشة توجها لم يكن منه
بد لتركز على القضايا السياسية وتطرق بنا الحوار الى الحرب الأميركية
في العراق والدعم الأميركي لإسرائيل واتفاقات الدفاع التي وقعتها
الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتجاذبنا الحديث بشكل ودي حول
التشككات التي أبدتها الأخوات في النوايا الاستعمارية الأميركية
واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة والروابط التي تجمع بين هاليبرتون
وإدارة بوش والحقيقة انني لم أبد دهشة اوغضبا عند سماعي آرائهن ،
فقد سمعت أحاديث مشابهة لها من المخرج السينمائي مايكل مور بيد انني
لم أكن مستعدا لسماع ما هو آت فبعد أن انعطف الحديث على أحداث 11
سبتمبر فاجأني ما رحن يؤكدنه بأن تلك الهجمات لم تكن سوى خدعة أميركية
وعملا من اعمال هوليوود ، ثم ذهبن الى أنه إذا سلمن بأنها كانت حقيقية
فالمسؤول عن تنفيذها ليس هم العرب ولكن اليهود وكنت قد قرأت في السابق
أن مثل تلك التكهنات المقيتة قد طفت الى سطح مناقشات مفتوحة في بعض
أروقة الحوار في العالم العربي المسلم غير أني لم يسبق لي مطلقا
أن سمعتها بأذني في حوار ووجدتني أتميز من الغيظ ووددت لو أني أجبتهن
بأن المذابح التي تعرض لها الفلسطينيون في مخيمات اللاجئين في دير
ياسين عام 1948 وكذا مذابح صبرا وشاتيلا لم تكن سوى أعمال أتقنها
مروجو الدعاية العربية غير أنني امتنعت عن ذلك فقد كنت في منزل الاخوات
، والشئ الهام ان والدهن كان قد قتل في معركة مع القوات الإسرائيلية
قبل سنوات بعيدة ومن ثم فلم أرغب في صب المزيد من الوقود على اللهب
المستعر ووجدتني قد أخذت على حين غرة فلم أكن متأهبا مطلقا لسماع
تلك التعليقات لأنني اعتبرت أن النساء الأربعة على درجة من التعليم
الذي تتميز به النخبة المثقفة في واحدة من أهم الدول المتقدمة في
الشرق الاوسط، فنسبة المتعلمين في الأردن هي 90% من السكان كما ان
الدولة بها شبكة جيدة من الجامعات الى جانب واحد من أكثر الأنظمة
الإعلامية التي تتمتع بالحرية في الشرق الأوسط وكان توقعي أن أجد
حالة من الرفض والاستنكار للولايات المتحدة واضحة في السعودية وسوريا
ومصر ولكن لم أتوقع ذلك عند الطبقة المثقفة في الأردن وفي محاولة
منا للمحافظة على هدوء المناقشة وانسيابها في جدول من مشاعر الود
أعربت أنا وأصدقائي بطريقة مهذبة عن عدم موافقتنا على أطروحاتهن
ثم غيرنا دفة الحوار عن السياسة الى السينما والموسيقى وأمضينا باقي
الزيارة في سعادة وإن كانت مشاعر الحزن قد ظلت تغص في حلوقنا عقب
الرأي الذي سمعناه وأصداؤه التي تتردد في العالم العربي المسلم ومما
لاشك فيه أن الأخوات الفلسطينيات عبرن عن وجهة نظر شريحة من المجتمع
في الشرق الأوسط ، ناهيك عن كونهن من الطبقة المثقفة ميسورة الحال
في دولة لا توصف بالتطرف وتربطها علاقة صداقة مع الولايات المتحدة
وقد اعتدت سماع نفي واستنكار للإرهاب من سائقي سيارات الأجرة الأردنيين
أو من موظفي المتاجر ولكن ليس من أقطاب الرأي في الأردن.
فكثير من الأشخاص الذين جمعتني معهم مناقشة في الأردن لم ينكروا
هجمات 11 سبتمبر أويرجعون اللوم على اسرائيل ، على الأقل بشكل معلن
وعلى سبيل المثال فأصدقائي وزملائي في جامعة العاصمة عمان يعترفون
بأن مجموعة من الشباب السعوديين يوصفون بالقتلة هم المسؤولون عن
تنفيذ هجمات 11 سبتمبر غير أنه من المهم ان نتذكر أن رأي الشارع
العربي في معظمه لا يتفق مع هذا الافتراض .
وفي الوقت الذي ينهال فيه الانتقاد على إدارة بوش وتحميلها مسؤولية
تشويه صورة الولايات المتحدة والمواطنين الأميركيين امام الرأي العام
العالمي خاصة في نفس المنطقة التي تتركز فيها الاستثمارات الأميركية
، من الضروري ألا يغيب عن أذهاننا طبيعة بعض تلك الأفكار وما تحمله
من سموم وتطرف وقد تكون هناك موجة عاتية مضادة لأميركا من الرأي
العام العالمي غير أن مياه أمواج المد لا تكون جميعها صافية حاصل
على منحة فولبرايت في الأردن ومتقدم للحصول على الدكتوراة في الصحافة
والاتصال الجماهيري في جامعة كارولينا الشمالية .
جوستن مارتن
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بالوطن
أعلى
الإدارة الأميركية أعمت عينيها ببريق التفاؤل المفرط
خرجت علينا وزيرة خارجيتنا الذكية كوندوليزا
رايس بهذا التعليق عقب الفوز الذي حققته حماس في الانتخابات التشريعية
الفلسطينية : ما أزال غير قادرة على تصديق ما حدث ، وقد تساءلت لماذا
لم يستطع أحد التكهن بذلك ، وهو ما يوحي أننا نفتقد قدرا كبيرا من
القدرة على التنبؤ بالأحداث وإني لأخاطب وزيرة خارجيتنا وأقول لها:
إن كثيرين قد توقعوا فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية ولكن الحقيقية
هي أن إخفاقك في إدراك ذلك هو الصدمة بعينها فكيف لنا ان نتغلب على
الإرهاب وأن نغادر العراق بصورة جيدة في الوقت الذي تعلي فيه الإدارة
الأميركية من شأن الفكر الأيديولوجي على حساب المعارف الثابته المستقرة
والمشاعر العامة ؟
إن هوس بوش بمسألة الديمقراطية في الشرق الاوسط قد اعمى فريقه عن
الحقائق الأساسية لهذه المنطقة فالرئيس يصر على أن إرساء قواعد ديموقراطيات
عربية يمثل محورا رئيسيا في الحرب على الإرهاب ، وهو يحاول بذلك
أن ينهج الطريق نفسه الذي سلكه رونالد ريغان لنشر الحرية في أوروبا
الشرقية والاتحاد السوفيتي وهو يردد أصداء الأفكار التي نادى بها
ناتان شرانسكي المنشق السوفيتي السابق الذي تحول الى زعيم سياسي
اسرائيلي وفضح في كتابه " حالة الديمقراطية " زيف دعاوى
من يعتقدون أن العرب لا يسعهم إقامة حكومات ديمقراطية ويصر شارانسكي
على أن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لا يعني سوى مؤازرة الخير
في مواجهة الشر ويتوافق ذلك تماما مع طريق تفكير بوش الذي أظهر حفاوة
بالغة بالانتخابات التي جرت في العراق ولبنان ومصر والأراضي الفلسطينية
بيد ان الشئ العجيب كان هو وقع نتائج تلك الانتخابات ونزولها كالصاعقة
على مسامع المسؤولين في البيت الأبيض وفي جميع الانتخابات حققت أحزاب
اسلامية نتائج مبهرة ، ففي العراق فازت الأحزاب الإسلامية بالنسبة
الاكبر من الاصوات في حين أن حزب أحمد الجلبي الليبرالي الذي كان
يحظى في يوم من الايام بكامل التأييد من وزارة الدفاع الاميركية
( البنتاغون ) لم يحصل على أي مقعد وفي مصر لو سمح للإخوان المسلمين
بحرية الدعاية الانتخابية لحققوا فوزا كبيرا غير أنهم فازوا بخمس
المقاعد في ظل ضغوط قوية وفي لبنان كان الأداء الجيد لحزب الله في
الانتخابات وهو الحزب الذي تضعه واشنطن على قائمة المنظمات الإرهابية
، وكذا كانت النتيجة التي حققتها حماس التي فازت في الأراضي الفلسطينية
وأي من تلك النتائج لم يكن مفاجئا بحال لأي شخص على دراية بأحوال
المنطقة ، فالشرق الأوسط لا يمكن أن يقدم النموذج نفسه الذي قدمته
بلدان شرق أوروبا مثل بولندا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها حيث كانت اوروبا
الشرقية تربطها علاقات ثقافية ودينية ممتدة مع الغرب وبعض التجارب
الديمقراطية الأخرى ، في حين أن الشرق الأوسط يفتقد ذلك كما أنه
لا يمتلك المؤسسات المدنية التي تمهد لعمل الديمقراطية أما في الشرق
الاوسط فلا تحظى الأحزاب السياسية الليبرالية بالقبول سوى لدى شريحة
محدودة للغاية من النخبة المثقفة وهناك حركات علمانية واسعة تستقي
مشاربها من الأيديولوجيات الغربية مثل الاشتراكية العربية والشيوعية
التي راجت في فترة الخمسينيات وحتى السبعينيات إلا أنها فقدت مصداقيتها
لفشلها في إضفاء أي قدر من التغيير الجيد على الحياة وفي السنوات
الأخيرة اصبح كثير من العرب يعولون على الأحزاب الإسلامية أملا في
أن يجدوا لديها إجابة أفضل لمطالبهم ، ونجحت هذه الاحزاب في الاستفادة
من عمليات تنظيم غير معلنة عن طريق المساجد على الرغم من تعرضها
للقمع وقدمت الأحزاب الاسلامية يد البذل والمساعدة بشكل جيد الى
الفقراء كما فعلت حماس في غزة والضفة الغربية وعلى عكس حركة فتح
اكتسبت حماس سمعة جيدة وأبعدت نفسها عن شبهة الفساد كل ذلك كان يجب
ان يكون واضحا عند كل مسؤول في الإدارة الاميركية التي أعمت عينيها
ببريق التفاؤل المفرط ، ولم تستطع رايس أن تتنبأ بنتائج الانتخابات
الفلسطينية على الرغم من أن السياسة الأميركية قد ضمنت أن حماس ستخوض
معركة جيدة لصالحها ، فالرئيس بوش كان قد أعلن تأييده لخطة أرئيل
شارون بالانسحاب أحادي الجانب من غزة . واعتقد معظم الفلسطينيين
أن هذا الانسحاب كان يهدف الى تعزيز قبضة اسرائيل على قطاع غزة وتجنب
أي عودة مستقبلية الى طاولة المفاوضات المتعلقة بقيام الدولة الفلسطينية
ولو أن البيت الأبيض كان صادقا في رغبته تقوية الرئيس محمود عباس
والتصدي لحماس لحث اسرائيل على إعطاء عباس مصداقية في عملية الانسحاب
، ولو ان الفلسطينيين كانوا قد أدركوا ان هناك أملا في استئناف المفاوضات
لأعطوا أصواتهم لفتح وبدلا من ذلك فقد آثر البيت الأبيض موقفا سلبيا
لنفسه وأصر بوش مخالفا جميع قواعد المنطق على ان الانسحاب سوف يخلق
فرصة لظهور الديمقراطية في غزة التي تعاني من الفقر وغياب القانون
بيد أن الفلسطينيين يعرفون أفضل ، فقد صوتوا لحماس لأن فتح تعاني
من العجز والفساد فالمشكلة ليست في قدرة الإدارة على التنبؤ ولكن
في مدى سلامة عقول المسؤولين في البيت الأبيض .
ترودي روبين
كاتبة عمود وعضو في أسرة تحرير صحيفة فلادلفيا انكوايرر
خدمة كيه ار تي خاص بالوطن
أعلى
بوتين والتجسس والديقراطية
إن كون أربعة دبلوماسيين بريطانيين كانوا يمررون
المعلومات من السفارة البريطانية في موسكو إلى مقر جهاز المخابرات
البريطانية " إم آي 6 " في لندن غير ذي صلة بالمساعدات
المالية التي تعطيها بلادهم إلى المنظمات غير الحكومية الروسية فالرئيس
فلاديمير بوتين يتلاعب بكشف المعلومات الأخيرة ويستقطب الخوف المستتر
من الأجانب في روسيا لحشد التأييد ضد المساعدات الفنية الأجنية والمعونات
, وكل منها يراها تهديدا لسلطته يبدو ان الدبلوماسيين كانوا يستخدمون
أداة مزروعة في صخرة وهمية في حديقة بموسكو لنقل المعلومات مقدمة
عظيمة لفيلم قادم من أفلام " جيمس بوند " ؟ نعم صدمة لعالم
الدبلوماسية ؟ بالكاد لم تميز نهاية الحرب الباردة نهاية التجسس
بين روسيا وبريطانيا , كما لم تميز نهاية التجسس بين الدول حول العالم
وعندما تتخذ الدول قرارات سياسية , مثل قرار الولايات المتحدة بالذهاب
إلى الحرب في العراق , تذكر معلومات استخباراتية كمرجعها الأساسي
, وهذه المعلومات الاستخباراتية , تأتي , على الأقل في بعض الحالات
, من صخور وهمية أو أدوات أخرى غريبة من مثل ذلك القبيل , والتي
أصبحت أكثر تعقيدا وتطورا منذ أيام الكاميرات في أربطة الرقبة والهواتف
في الأحذية وهذا ليس لتبرير سلوك الحكومة البريطانية في زرع عملاء
كما يزعم داخل بعثتها الدبلوماسية فمثل تلك الممارسات ليست من الأمانة
في شئ , ويجب ألا تبرر أو تتجاهل فإذا وجدت السفارة الروسية في واشنطن
أو لندن مذنبة بنفس هذا الجرم , فإن المسئولين الروس في السفارة
- بلا شك - سيتم ترحيلهم وسيتم توبيخ وتقريع حكومتهم والاختلاف في
هذه القضية هو ادعاء لأن هؤلاء الأفراد كانوا يعملون في مشاريع مساعدات
أجنبية معينة ويدعمون نشاط منظمة غير حكومية في روسيا , فإن المبادرات
والمشاريع الممولة هذه ملطخة السمعة أو هي أدوات للاستخبارات البريطانية
ومثل تلك الادعاءات لا يوجد ما يدعمها ويؤيدها وتتناسب مع عداء بوتين
تجاه أي حضور أجنبي في روسيا أكثر مما تتناسب مع الحقيقة الفنية
للمساعدات الاجنبية كذراع ووظيفة لبعثة أو مهمة دبلوماسية إن الحكومة
البريطانية , مثل حكومات دول أخرى حول العالم , توفر معونات مالية
ومساعدات فنية للبلدان الأقل رخاء في شكل منح وتدريب فني وتبادل
خبراء ومنح دراسية علمية وهذه التمويلات يتم توزيعها بشكل روتيني
في معظم الحالات , مع قيام البعثة الدبلوماسية للدولة المانحة بتنسيق
العمل المكتبي والتعامل مع التحويلات البنكية الخارجية وأفراد السفارة
نادرا ما يكونون في وضع يسمح لهم بتوزيع الأموال بطريقة تمكنهم من
الحصول على معلومات محظورة أو معلومات حساسة أخرى والأفراد الذين
وجدوا كما يزعم يتجسسون على الأرض الروسية كانوا يعملون كأعضاء نظاميين
في البعثة الدبلوماسية البريطانية وبهذه الصفات كدبلوماسيين , وقعوا
مستندات ووزعوا منحا حكومية على المنظمات البانية والمعززة للديمقراطية
بالإضافة إلى أشياء أخرى كثيرة متنوعة وهذه الأنشطة على الأرجح لا
تمت بصلة إلى " الوظائف الليلية " المزعومة كضباط استخباراتيين
بريطانيين فالمعلومات التي يمكن أن يستجمعها هؤلاء الرجال من منظمة
غير حكومية - وكلها تقريبا لديها علاقات مهترئة مع " الكرملين
" ومبعدة على الأرجح عن المعلومات الحساسة - يمكن بالكاد أن
تمثل معلومات استخباراتية مفيدة جدا.
إن الرئيس بوتين يستغل هوية هؤلاء الموظفين كضباط استخبارات في صلتهم
العرضية بمبادرات مساعدات أجنبية معينة لكي يشين الجماعات التي تمولها
هذه المبادرات ودوافعه من السهل الشعور بها وإدراكها : ففي العام
الماضي , أظهر الرئيس بوتين امتعاضه من تمويل الحكومات الأجنبية
للمنظمات الروسية غير الحكومية بكل السبل ماعدا حظر أو تجريم الممارسة
قانونا من خلال المحاكم وحتى فضيحة شركة " غازبروم " ,
والتي ردت فيها روسيا كما يزعم على السياسات الممالئة والموالية
للغرب لدول سوفيتية سابقة مثل أوكرانيا بالضغط من خلال موارد الطاقة
, تكشف دافعه المعادي للديمقراطية على نحو متزايد إن اكتشاف جواسيس
بريطانيين داخل سفارة حكومة في عاصمة اجنبية هو حدث ينبغي اعتباره
ودراسته , ولكن لا ينبغي تهويله واستغلاله فاليوم قد أمسكوا بالبريطانيين
, ولكن غدا يمكنهم أن يمسكوا بسهولة بشخص ما آخر , ليس على الأقل
من بين الروس أنفسهم إن ربط عمل المساعدات بعملية تجسس خرقاء هو
للسماح للرئيس بوتين بأن يشين ويشوه ما يهدده أكثر - أي إمكانية
وجود مجتمع روسي مفتوح , مجتمع من غير المرجح أن يعترف بحكمه الاستبدادي
الشمولي .
ويتني كاسيل
خدمة " لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست " - خاص ب "
الوطن "
أعلى
الرسوم الكارتونية لا تدافع عن حرية التعبير انما تعرضها للخطر
قال الفيلسوف انا افكر اذن انا موجود. ذلك
كلام جيد لكن ان تقول انا افكر اذن انا اتكلم فذلك ليس صحيحا، لا
احد يمتلك الحق الكامل بالحرية. فالحضارة هي قصة تضحية الانسان بحريته
ليعيش بوئام مع الآخرين ، لسنا بحاجة الى فيلسوف مثل هابز ليقول
لنا ان الحرية المطلقة لا يمتلكها الا البدائيون. وماعدا ذلك يعتمد
على الاتفاق او الحلول الوسط هل كان من حق الصحيفة الدانماركية نشر
الرسوم الكارتونية المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟ كلا.
وهل كان من حق الصحف الاخرى والبي بي سي اعادة نشر تلك الرسوم من
باب حرية التعبير؟ كلا. وهل كان على الحكومات الاعتذار لما قامت
به الصحف او منعهم من ارتكاب جريرة مماثلة؟ كلا. لكن ذلك ليس بيت
القصيد هنا.
ان الصحف ليست منعزلة بعيدة عما يجري في العالم. فكل سطر يطبع في
تلك الصحف يعكس وجهات نظر كتابها وسياسة محرريها. وتلعب هذه الصحف
يوميا دورا بارزا في الاحداث خاصة في موازنة الاشياء ، وهي تقرر
ماينشر على صفحاتها وما لا ينشر. الا ان ما ينشر محكوم بقوانين عدم
الاساءة وقوانين الحشمة وما يتقبله القارئ. ان التعبير حر عندما
يكون الانسان وحيدا ، وما خلا ذلك فهو توليف او تكييف. بالرغم من
موقف البريطانيين المتشدد ازاء الدين ، الا ان ما من صحيفة سمحت
بنشر رسوم كاريكاتيرية عن السيد المسيح وهو يلقي قنابل عنقودية او
يشكك بالمحرقة. كما ان صور الجثث البشرية لا تنشر اذا كان هناك احتمال
ان تراها الاسر. ان الخصوصية والكرامة مصانتان حتى اذا كان القراء
لا يفقهون تلك الامور. فوق كل صفحة من صفحات الجريدة هنالك رقيب
يحوم ، وهو ما نعرفه عادة بالمحرر.
ان اثارة قضية الرقابة مع رسوم الصحيفة الدانماركية امر مرفوض. لقد
كانت الرسوم استفزازية وتحريضية، وكانت السياسة الافضل لو ان الصحيفة
اعتذرت وانتهى الامر. ان مطالبة الصحفيين الدانماركيين بتضامن اوروبي
معهم على اساس مبدأ حرية التعبير واهانة من تعرضوا للاساءة بوصفهم
بالمتشددين تعتبر تحريضا عنصريا. ليس من المعقول ان تضرب شخصا وتقول
له انا اجرب مدى التزامك بسياسة اللاعنف. ان الاوروبية لا تعني ان
تبادر الى اهانة ديانات الاخرين.
استغرب العديد من الناس ان تثار خلافات ثقافية حول الدين بدلا من
العرق. الكثير من المهاجرين من العالم الاسلامي يأتون طلبا للعمل
او اللجوء. وهم ارتضوا التفرقة العنصرية والتهميش الثقافي ثمنا لقبولهم
في أوروبا والكثير من الاوروبيين يعتبرون ذلك التهميش منطقيا.
الا ان مالم يتوقعه المسلمون هو ان ذلك القبول يتطلب التسامح ازاء
السخرية من الدين والمعتقد من خلال ربطهما بالمتشددين في الشرق الاوسط
ان الاسلام دين عظيم. ومثلما تأول التعاليم المسيحية بأساليب متعددة
وتستخدم غطاء للقتل كذلك يحدث مع التعاليم الاسلامية لكن الاسلام
دين طاهر وشفاف وان جانبا من هذه الطهارة يأتي من مقت الاسلام للتماثيل
وما شابهها كان على الدانماركيين ان يفهموا ان تجسيد الله بشكل بشر
او تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل ارهابي سيثير حفيظة المسلمين.
لا يمكن القول ان هذا الكفر لم يكن الا دعابة مألوفة في الحياة اليومية
للغرب. من الافضل وصف مثل هذه الدعابة بالبدائية المقصودة، لأن ذلك
هو الهدف الوحيد من ورائها ومثلما قال شكسبير ان ما يبدو كلمة مثيرة
لدى المسيحي قد تكون كفرا لدى المسلم.
ان الحساسية الدينية هي اكثر ضحايا العولمة عرضة للأذى شاهدت مرة
في مطار بغداد امرأة عراقية انتابتها هستيريا عارمة عندما حاول جندي
اميركي ان يقرب كلب حراسة من القرآن الذي كانت تحمله. حينها صرخ
الجندي الاميركي قائلا اصمتي بحق المسيح فأصابت الحيرة المرأة لانه
كيف يلفظ الجندي اسم المسيح وهو يدافع عما فعله.
ان الجندي الاميركي او البريطاني الذي يقتحم جناح النسوة في العراق
ليلا هو امر اعتيادي عنده. الا ان ذلك يعتبر اهانة للعربي ما بعدها
اهانة كما ان المسلمين لا يفهمون سر قبول او تبرير الغرب لمثل هذه
الامور، كما يفعل توني بلير بمقارنة تلك الاعمال بما كان صدام حسين
يفعله وكأنما اصبح صدام حسين هو المعيار الدولي للسلوك.
من الصعب على الغربيين فهم الرعب الذي تسببه هذه الاعمال للمسلمين
القضية لا ترتبط بنضج المسلمين او احترامهم لحرية التعبير. انها
ترتبط باستعدادنا للعيش بسلام مع اناس لهم قيم ومعتقدات مختلفة.
ان طلب المراسلين الاجانب من الصحف البريطانية التضامن معهم مثال
حي على ان الغطرسة الاخلاقية في مكاتب الصحفيين في اوروبا الشمالية
لا تختلف عن تلك الموجودة في شوارع الفلوجة. من السخف الاعتقاد ان
اثارة الحساسيات الدينية هي علامة من علامات الرجولة الغربية.
اصبحت الموازنة التقليدية بين حرية التعبير واحترام مشاعر الاخرين
بعيدة المنال. ان الفوضى الناجمة عن الخلل في هذه العلاقة يقدم المبرر
للدعاية اليمينية المطالبة بالاعتداء على المهاجرين والغرباء او
طردهم كما انها تعطي الحكومات المسوغات لتقييد حرية التعبير عندما
تكون الاخيرة ضرورية جدا لتوجيه الانتقادات لتلك الحكومات.
بدون شك لو ان وزارة الداخلية فعلت النسخة الاصلية من قانون التعدي
على الاديان فان نشر تلك الرسوم الكارتونية في الصحف البريطانية
يعتبر مخالفا للقانون وحتى بعد تعديل ذلك القانون فان نشر الرسوم
يعتبر عملا ينم عن التحقير والاهانة ولن يكون هناك مجال لتبرير العمل
بانه موجه الى الافكار ولا يمت بصلة للاشخاص.
وجاء مشروع مكافحة الارهاب الذي تقدم به تشارلز كلارك ليصب في الاتجاه
نفسه حيث طالب المشروع تجريم حتى الاشادة غير المقصودة بالارهاب
وطالب المشروع بتجريم المؤيدين ولو بالكلام لتغيير انظمة الحكم بالقوة
حتى لو كان هذا الكلام غير مقصود واقترح وزير الداخلية ان يطول قانونه
الشخصيات التاريخية ومن حاربوا من اجل حريات بلدهم وهذا اسلوب يذكرنا
بستالين وحكمه الا ان البرلمان وقف بوجه ذلك المشروع.
ان طلب وزير الداخلية مثل هذه الصلاحيات يبين لنا بوضوح الخطر الذي
ينتطر الاعلام الذي يفتقد الى الرقابة الذاتية في الاسبوع الماضي
طالب بعض قادة المسلمين من حكومات عدد من الدول الاعتذار لنشر هذه
الرسوم والعمل على منع نشرها الا ان جاك سترو رفض ذلك لان ذلك يعني
ان الحكومات وافقت على النشر وهي بذلك مسئولة عن نشرها ربما يسعد
العديد من الحكومات من هذه المواقف وتنشط للسيطرة على الاعمال التي
تتطلب تقديم الاعتذار ان القاء اللوم حيث لا وجود للوم اصلا يشجع
الوهم والخداع لدى الحكومات كما حدث مع توني بلير في عام 1997 عندما
قدم اعتذارا لمزارعي البطاطا الايرلنديين اثر القحط الذي اصابهم.
ان الخطر موجود في جميع القضايا التي تتطلب انضباطا ذاتيا وان المؤسسات
الهامة خاصة الصحافة اذا لم تمارس هذا الانضباط فانها تفسح المجال
امام الحكومة للقيام بذلك وان الصاق التهم بالديانات هو اسلوب مضمون
لاشارة حفيظة الآخرين كما ان خطر مثل هذه الاساءة هو ايضا اسلوب
مضمون بيد السياسي لتفضيل او محاباة الأقلية وبالتالي ممارسة الاسلوب
التسلطي.
ان مهاجمة الطرف المقابل تشكل احدى اساسيات المناظرات الا انها محكومة
دوما بمجموعة من المبادئ القانونية والاخلاقية ومنها قوانين التشهير
والاهانة ومبادئ التعليق العادل وحق الرد والابتعاد عن اثارة الكراهية
العرقية وجميع هذه الامور تعتمد على حكمة اصحاب القرار حيث لا وجود
للمطلق ابدا وهذه الامور في مجملها يعتمد على اساسيات الديمقراطية
والتسامح واحترام مشاعر الآخرين.
ان افضل دفاع عن حرية التعبير يكمن في محاربة الافراط في تلك الحرية
واحترام المتحضر منها.
سايمون جينكنز
محرر في صحيفة التايمز اللندنية
نقلا عن التايمز اللندنية
أعلى