كلمة ونصف
مكافحة أنفلونزا الطيور
الجهود المبذولة من الجهات الحكومية
المختصة لمتابعة ومكافحة مرض أنفلونزا الطيور جيدة وتضع المواطنين
والمقيمين في السلطنة في الصورة أولا بأول بالإجراءات التي تم اتخاذها
، وحظر استيراد الطيور من الدول الموبوءة بهذا المرض ،الذي يثير
هلعاً كبيرا ً في دول العالم ، ومخاوف من انتشاره بصورة مخيفة يفتك
بحياة البشر ...
وتعمل اللجنة المشتركة التي ُشكلت من وزارة الزراعة والثروة السمكية
ووزارة الصحة والبلديات الإقليمية والبيئة ، وبلديتي مسقط وظفار
على مدار الساعة وبتواصل مع الجهات المختصة في الدول الشقيقة والصديقة
والتنسيق معها حول المستجدات في هذا الشأن والإجراءات التى تم اتخاذها
على وجه السرعة للوقاية من هذا المرض الفتاك ....
وتعمل المحاجر ومراكز البحوث البيطرية على متابعة الدواجن المستوردة
والطيور المهاجرة ، وتجرى الفحوصات باستمرار للوقوف على أي تداعيات
لهذا المرض على الحيوان والدواجن والطيور في السلطنة ، وذلك من خلال
الزيارات المفاجئة للمزارع.
فبلا شك أن الإجراءات الوقائية المتخذة تبعث على الارتياح ، لمستوى
المتابعة والاستمرار والجاهزية من جانب الأجهزة المختصة في متابعة
هذه الحالات الطارئة التى تستجد في العالم وكيفية الوقاية منها.
كما أن جهود التوعية للمزارعين وإعلام الجماهير عبر وسائل الاعلام
عن هذا المرض وخلفياتة جيدة تهدف إلى إعطاء السكان صورة واضحة عن
ماهية هذا المرض وأسبابه وطرق انتقاله ، وأساليب الوقاية منه وطمأنت
افراد المجتمع بالاحتياطات المتخذه لمواجهة أي تطورات في هذا الشأن.
ان هذا التعاطي مع مثل هذه الحالات والطوارئ يكشف بوضوح عن مستوى
التعامل من جانب بعض الجهات ، التى تعيّ مسؤوليتها تجاه الآخرين
، وضرورة إعلامهم بأي تطورات تستجد في العالم ، وانعكاساته على الوضع
في السلطنة، والجهود المبذولة في الحد من التأثيرات الجانبية.
نتطلع إلى مثل هذه الشفافية في التعامل مع جميع الحالات الطارئة
والتى تمس حياة الناس وان تكلل كل الجهود بالنجاح في مواجهة مثل
هذه التحديات بروح المسئوولية الوطنية لحماية المجتمع من كل ضرر.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى
3 أبعاد
الصحافة الأميركية
هذه
عينات من تعليقات ثلاث صحف اميركية كبرى على موضوعات مختلفة وإن
كانت مترابطة.
نيويورك تايمز: بالمعدل الذي يتحرك به الريس بوش سوف تصبح إيران
قوة عالمية كبرى في وقت قريب. رغم كل الأقوال والحرب الكلامية الصادرة
عن البيت الأبيض عن محور الشر فإن ما فعلته حكومة الرئيس بوش لتقوية
إيران يفوق أحلام أكثر الزعماء الإيرانيين طموحا. فأثناء الفترة
السابقة على غزو العراق تحدث الرئيس عن فكرة ان إيران والعراق هما
خطر على الأمن الأميركي. ولكن مستشاريه المصممين على تنفيذ حلم انتظر
طويلا ، وهو الإطاحة بصدام حسين ، لم يتمعنوا فيما قد يحدث لو أن
خططهم لم تسفر عن الدولة الديموقراطية السلمية المتحدة الموالية
للغرب والتي حلموا بها. ولقد أصبحت واشنطن الآن وبصورة تنطوي على
الخطر تعول على السلوك البناء والنية المخلصة للأحزاب الأصولية الشيعية
التي رعتها وساعدتها وسلحتها إيران اثناء حكم صدام حسين. وإذا اختارت
إيران اليوم أن تثير المتاعب للتخلص من الضغوط الدبلوماسية المبذولة
عليها بشأن برنامجها النووي فيمكنها ان تفعل ذلك بسهولة. ثم نأتي
الآن إلى الصفقة النووية الأخيرة مع الهند وفيها وافق الرئيس بوش
على تقاسم التكنولوجيا النووية المدنية مع الهند بالرغم من برامج
الأسلحة النووية الهندية وبالرغم من رفض دلهي التوقيع على معاهدة
منع الانتشار النووي. هذه الصفقة مع الهند تبعث بالرسالة الخاطئة
في هذا الوقت. وكأن هذه الصفقة هدية يلفها الرئيس بوش ويبعث بها
إلى إيران.
يو إس توداي:
في عطلة نهاية الأسبوع تواجد كل من الرئيس بوش واسامة بن لادن في
وقت واحد وبلد واحد ، هو باكستان. كيف أمضى كل من الرجلين يوم السبت
الماضي مؤشر على الحالة التي بلغتها الحرب ضد الإرهاب. فأثناء وجوده
في باكستان ظلت البنايات قائمة ولكن الرئيس بوش أثار ما يمكن وصفه
بقنبلة نيوترونية عندما أخليت المدينة والشوارع من السكان خشية محاولات
لاغتياله. وقتل دبلوماسي أميركي في هجوم انتحاري في كراتشي. أما
ابن لادن الذي يعتقد انه يختبئ في أقليم الحدود الشمالي الغربي فهو
يتمتع بحماية مسلمين يبجلونه وأتباع له في انحاء العالم ، حتى أن
مكافأة تبلغ 27 مليون دولار لم تغر احد على الإبلاع عنه او تسليمه.
إن القبض على ابن لادن لن يشكل ضربة قاضية للقاعدة فهناك كثيرون
ينتظرون أن يحلوا محله. ولكن وجوده حرا وطليقا يسهم في إبقاء رسالته
وقضيته قوية، فضلا عن أن هناك حاجة إلى أن يمثل أمام العدالة اؤلئك
المسئولين عن قتل ثلاثة آلاف شخص في 11 سبتمبر 2001.
واشنطن بوست:
العنف في العراق ثم فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية أسهما في
بروز حملة تعارض الترويج للديموقراطية في الشرق الأوسط. هذه الحملة
نشهدها في صفحات الصحف في مقالات كتبها يمينيون وليبراليون على حد
سواء. وهؤلاء يقولون لا داعي للانتخابات ، إن الديموقراطية لا يمكن
فرضها بالقوة وإن الديموقراطية تحتاج اولا إلى قيام مجتمع مدني.
غير ان هؤلاء لا يدركون خطورة البديل عن الانتخابات الديموقراطية.
فالانتخابات هي بمثابة أداة للمساءلة. وبدون مساءلة لن يتوفر حافز
امام الحكومات لتنمية المجتمع المدني.
عاطف عبد الجواد
agawad@aol.com
أعلى
أطياف
الإسلامي ..
أن
يقول شخص عن آخر انه مسيحي ، فلا أظن أن في ذلك أي ريبة أو أي شيء.
وبالمثل لو قيل أن هذا بوذي أو طاوي أو مجوسي أو يهودي .. فالذي
يحدث أن ينظر السامع إلى أولئك على انهم أتباع ديانات أو ملل ، ولا
شيء أكثر من هذا ..
لكن ماذا لو قيل عن شخص انه إسلامي ؟!
بالطبع الأمر سيختلف فوراً ، فالإسلامي ليس كالمسيحي أو اليهودي
أو البوذي أو غير ذلك من ديانات. إن الصورة الذهنية التي تم رسمها
بقدرة قادر في أذهان ، ليس المسلمين فحسب ، بل العالم كله تقريباً
، تشير إلى أن الإسلامي أو الشخص الإسلامي هو ذاك الذي يرتبط بالظلم
والعدوان والإرهاب والقتل وعدم التحضر والبعد عن الذوق العام العالمي
، إلى غير ذلك من أوصاف جائرة كاذبة.
يكفي أن يتم وصفك بالإسلامي ، حتى تعاني من مصاعب لا حدود لها ،
سواء كنت في بلاد العرب والمسلمين أو خارجها !! فأن تكون إسلامياً
اليوم ، فهذا يعني على الفور أنك سياسي أو تشتغل بالسياسة وتدعم
كل عمل إرهابي أو تتبناه أو تتعاطف معه على أقل تقدير ، وأنك لا
تنظر إلا إلى نفسك فقط ، وتعمل على خراب العالم وغير ذلك من تهم
معلبة جاهزة.
هذا الأمر المعاكس للحقيقة والواقع أحدث هزة في نفوس كثير من المسلمين
إلى الدرجة أن يحاول كثيرون منهم الراغبون في نشر دينهم ، يقومون
بالعمل تحت واجهات وشعارات متنوعة ، لا تشير إلى الدين الإسلامي
بشكل مباشر ، ليس لشيء سوى خشيتهم من تلك التهم والأوصاف التي تعيق
حركتهم ونشاطهم في الدعوة لدينهم بالتي هي أحسن ، فيما الآخرون من
أتباع الديانات الأخرى يعملون في وضح النهار دون خشية أو قلق أو
توتر ، بل تجد الدعم المادي والمعنوي لهم من كل حدب وصوب .. أليس
هذا هو الظلم بعينه ، يمارسه هذا العالم المتحضر الذي يزعم انه يريد
الارتقاء بالشعوب ؟ إنني لا أجد أكثر من وصف (الظلم) على هذا التعامل
الجائر الحاصل للمسلمين وبالأخص ، العاملين منهم لدينهم .. ويمكرون
ويمكر الله ، والله خير الماكرين.
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى
القول بأن الاتفاق
الأميركي الهندي من شأنه أن يشجع إيران وكوريا الشمالية مردود عليه
،فكلتا الدولتين قد أخذت قرارها النووي منذ وقت طويل مضى في حين
أن قراراتهما المستقبلية سوف تقوم على أساس حسابات داخلية واستراتيجية
منفصلة. والقرارات القادمة التي ستتخذها كوريا الجنوبية واليابان
سوف تكون بالمثل نتيجة لسلوك كوريا الشمالية مع الصين وليس الهند.
الإفراط في ذم الاتفاق النووي الأميركي ـ الهندي
أو مدحه ..حماقة
راجان مينون*
أناتال ليفين **
ظهر بجلاء أن هناك موقفين متباينين إزاء الاتفاق النووي الأخير الذي
وقعته الولايات المتحدة مع الهند ، ويمكن القول بأن أحد التوجهين
يشوبه قدر من الحماقة في حين أن الآخر قد يبدو أكثر اتزانا. والأول
يقوم في أساسه على إعتبارات تتعلق بإتفاقية منع الإنتشار النووي،في
حين أن الموقف الثاني الذي يستحق التوقف عنده يرتبط بالحديث عن طبيعة
الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الولايات المتحدة والهند وكذا
مجمل الاستراتيجيات الأميركية في المنطقة.
والاقتراح الأول الذي ينادي بأن الهند يجب ألا تكافأ على تطويرها
أسلحة نووية يتسم بالغباء وعدم القدرة على قراءة الموقف. فالواقع
يقول أنه لا يوجد ادنى إحتمال أن تتخلى الهند عن برنامجها النووي،مثلها
في ذلك مثل الولايات المتحدة أو روسيا أو الصينز ومن ثم فهناك دوافع
قوية تقف وراء بذل الولايات المتحدة مساعدة نوية للهند لمساعدة الاخيرة
في تطوير صناعاتها النووية بأكبر قدر ممكن من الأمان والحداثة. وعلى
النقيض من ذلك فالحديث عن معاقبة الهند يعني ببساطة تفكيك عرى العلاقة
بين نيودلهي وواشنطن لغير سبب جيد ، فآجلا او عاجلا ستمد إحدى القوى
النووية مثل فرنسا او الصين يدها وتبيع للهند وقود وتقنية نووية.
والقول بأن الاتفاق الاميركي الهندي من شأنه أن يشجع إيران وكوريا
الشمالية مردود عليه،فكلتا الدولتين قد أخذت قرارها النووي منذ وقت
طويل مضى في حين ان قراراتهما المستقبلية سوف تقوم على أساس حسابات
داخلية واستراتيجية منفصلة. والقرارات القادمة التي ستتخذها كوريا
الجنوبية واليابان سوف تكون بالمثل نتيجة لسلوك كوريا الشمالية مع
الصين وليس الهند.بيد أن هناك بالفعل ما يبعث شعورا بالقلق العميق
إزاء الإتفاق الاخير. والملاحظ ان عدد هائل من الأميركيين قد بنوا
توجهاتهم نحو هذا الإتفاق على أساس من التصور الخاطئ فيما يتعلق
بتحقيق التوازن أمام الصين وعزل إيران. والأخطر من ذلك فالاتفاق
يعكس حالة من اللامبالة لدى الولايات المتحدة إزاء المخاوف الأمنية
لباكستان وما قد يستتبع ذلك من آثار على المدى البعيد للبرنامج النووي
الهندي على سلوك باكستان.وبالطبع فإن الولايات المتحدة تسعى لجعل
الهند حليفة لها أمام كلا من الصين وأجزاء من العالم الإسلامي لم
يفهم طبيعة المصالح الحيوية الهندية ومدى تصميم الهند على المضي
قدما للدفاع عن تلك المصالح. وبدلا من أن تؤدي تلك المحاولات التي
تبذلها اميركا لقيادة علاقة قوية وممتدة مع الهند يمكن ان ينتهي
بها الحال إلى السقوط في مستنقع الوعود التي لم تحقق والاتهامات
المتبادلة. فالولايات المتحدة يجب ألا تتوقع استجابة فورية من الهند
لجهودها الرامية إلى فرض العزلة على إيران. فالهند تقف في أمس الحاجة
إلى الطاقة الإيرانية ، والدولتان تربطهما علاقات جيدة ، والمؤكد
أن الهند لن تضحي بذلك لإرضاء الطرف الأميركي.وعلى صعيد آخر فالعلاقات
بين الولايات المتحدة والهند قد تشهد تأزما من الناحية الإقتصادية.
ففي الوقت الذي ينظر فيه بعض الأميركيين بعين الإنبهار إلى السوق
الضخم في الهند يخشى آخرون من المنافسة الهندية بنفس القدر من التوجس
الذي كانوا ينظرون به في السابق إلى العلاقات مع الصين ، ويعتقدون
مثلا أن مراكز الإتصالات الهاتفية الهندية التي يديرها هنود في الولايات
المتحدة نذير بخطر كارثي يتهدد واحدة من أهم الصناعات الخدمية في
الولايات المتحدة. وإذا ما حدث أن تعرضت الأسواق الاميركية إلى هبوط
إقتصادي حاد فسوف ترتفع الأصوات المطالبة بتشديد قيود الحماية ضد
الهند كما هو الحال مع الصين.وبالنسبة للقول بأن الهند تمثل توازنا
امام الصين فهو إدعاء يتجاهل الطبيعة الجغرافية وما تمثله جبال الهيمالايا.
فالحقيقة أن الصين والهند منعزلتان كل في ناحية جغرافية ولا يبدو
أن حساسيات دبلوماسية بسيطة يمكن ان تهدد أي منهما. وقد يبدو ذلك
أكثر قبولا بعد أن شهدت العلاقات الصينية الباكستانية نوعا من الفتور
لخشية الصين من التشدد الإسلامي. لذا فالهند ليس لديها كثيرا مما
قد تجنيه بانضمامها إلى استراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة تقوم
على أساس احتواء الصين.كما أن الاتفاق الموقع بين الهند والولايات
المتحدة يبعث بإشارات خطيرة مفادها انه ما لم يصاحب ذلك الاتفاق
آخر مشابه بين واشنطن واسلام اباد - وهو ما يبدو بعيدا عن مخططات
الكونغرس - فسوف تشعر الحكومة الباكستانية بتلك النظرة الدونية وعندها
تتعرض علاقات أخرى حيوية للولايات المتحدة للخطر، كما أن موقف القوى
المتشددة في المجتمع الباكستاني سوف يكتسب صلابة وفعالية.لذا عندما
يناقش الكونغرس الأميركي الإتفاق الأخير مع الهند عليه ان يصر على
ان يلحق به استراتيجية اميركية أكثر اتساعا نحو جنوب آسيا تتضمن
تحركات أميركية واسعة للمساعدة في إنهاء الصراع بين الهند وباكستان
حول كشمير، وتقديم مساعدة أميركية لكلا من الهند وباكستان في مجالات
الأمن والقيادة والسيطرة النووية إلى جانب إجراءات بناء الثقة المتبادلة.
وعلى الكونغرس أن ينتهز الفرصة للتفكير الجاد في الاستراتيجيات الاميركية
في باقي آسيا.
*زميلان بارزان في مؤسسة " نيو أميركا
"
*خدمة انترناشونال هيرالد تربيون خاص بالوطن
أعلى
لم تستطع إدارة بوش أو الحلفاء الآخرون لحكومة أوكرانيا المؤيدة
للغرب أن تقف على فحوى الاتفاق المبرم بين روسيا وأوكرانيا إلا بعد
مرور أكثر من شهر على توقيعه. وعندما عرفوا مضمونه عقدت الدهشة ألسنتهم
، فقد وافق الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو ورئيس وزرائه يوري يخانوروف
على شراء الغاز الروسي عن طريق شركة تجارية سويسرية
الكرملين يحكم قبضته على عنق أوكرانيا
جاكسون ديل *
أحيانا يكون لبعض الاحداث الدولية الهامة دويا كبيرا يشغل الرأي
العالمي كما حدث مثلا بالنسبة للانتخابات الفلسططينية وفوز حماس
التي توصف بالحركة المتشددة وهو الأمر الذي نجم عنه تقويض سياسة
إدارة بوش الرامية الى دفع عجلة الديمقراطية في الشرق الأوسط. وأحيانا
أخرى يكتنف هذه الأحداث طابع التعقيد والغموض وهو ما يؤدي إلى ندرة
التقارير التي تتناقلها وكالات الأنباء والصحف عن الأحداث وقصر تداولها
على مجموعة صغيرة من الخبراء.وربما يفسر ذلك انكماش دائرة المناقشة
في واشنطن حول صفقة الغاز التي أبرمت هذا الشتاء بين روسيا وأوكرانيا
والتي ربما لا تقل في أهميتها وتداعياتها عن الانتخابات الفلسطينية.
فقد اشتملت الصفقة على توقيع ستة عقود مع شركاء لم يكشف عن هويتهم
كما شاب تحديد أسعار الاتفاق كثير من التنازع والخلاف بالإضافة إلى
قصر إتفاقات جانبية تتعلق بمصاريف النقل ومنشآت التخزين على مجموعة
صغيرة من الأشخاص مع إحاطتها بهالة من الغموض. وربما أثارت تلك الصفقة
حالة من التوجس والريبة حول الأوضاع التي تشهدها الديمقراطية في
الجزء الشرقي من القارة الأوروبية.وكانت الواقعة قد طفت إلى سطح
الاحداث في أوائل يناير الماضي عندما ارتكب الرئيس الروسي فلاديمير
بوتين خطأ وقف إمدادات الغاز جزئيا إلى أوكرانيا وكثير من دول شرق
أوروبا التي تحصل على إحتياجاتها من الغاز الروسي عن طريق الانابيب
الممتدة عبر أوكرانيا. وعلى إثر الضغوط التي تعرض لها بوتين من بعض
الدول التي تستورد الغاز الروسي إضطر إلى إعادة ضخ الغاز مرة ثانية
بعد ان كان يتطلع إلى إجبار أوكرانيا على القبول بمضاعفة أسعار الغاز
التي تحصل عليه من روسيا إلى 400 %. وبعد يومين أعلن عن التوصل إلى
إتفاق بين موسكو وكييف بدا وكأنه قد أنهى النزاع بين الطرفين بعد
الاكتفاء برفع أسعار الغاز الروسي بنسبة 90%.ولم تستطع إدرة بوش
او الحلفاء الآخرين لحكومة أوكرانيا المؤيدة للغرب أن تقف على فحوى
الاتفاق المبرم بين روسيا وأوكرانيا إلا بعد مرور أكثر من شهر على
توقيعه. وعندما عرفوا مضمونه عقدت الدهشة ألسنتهم ، فقد وافق الرئيس
الأوكراني فيكتور يوشينكو ورئيس وزرائه يوري يخانوروف على شراء الغاز
الروسي عن طريق شركة تجارية سويسرية لا يعرف عن أسماء ملاكها سوى
أن هناك إشاعات تتردد أن من بينهم مسؤولين بارزين ورموز في عصابات
الجريمة المنظمة في كل من روسيا وأوكرانيا. وقبلت حكومة أوكرانيا
بالسعر الذي حددته الصفقة للغاز الذي ستحصل عليه أوكرانيا فقط لعدة
أشهر في مقابل التوقيع بعدم المطالبة بزيادة قيمة الأموال المدفوعة
مقابل عمليات التخزين والنقل للغاز الروسي في الأراضي الأوكرانية
لمدة 25 عاما كما كانت تنادي كييف من قبل.فماذا يمكن أن تسمى مثل
هذه الصفقة تحت مظلة الديمقراطية الأوروبية ؟ خلص بعض الخبراء في
الولايات المتحدة الى أن اوكرانيا ربما تكون قد باعت لبوتين ما لم
يستطع سرقته : إحكام الكرملين قبضته على عنق حكومة اوكرانيا. وكان
الزعيم الروسي قد أغدق اموالا واسعة وأرسل بأناس كثيريين إلى جارته
أوكرانيا عام 2004 في محاولة لزرع نظام موالي لروسيا ولجعل النظام
السياسي في أوكرانيا نسخة مطابقة لما تعيشه روسيا. وقد باءت تلك
المحاولات بالفشل على إثر إندلاع الثورة البرتقالية وما تبعها من
إنتخاب يوشينكو الذي حملت أهدافه قيادة اوكرانيا للدخول إلى عضوية
الناتو والإتحاد الأوروبي.وظل بوتين ينظر إلى النظام الديمقراطي
الوليد في أوكرانيا وكذا حكومة جورجيا الموالية على انهما يمثلان
تهديدا صارخا. فإذا ما إستطاع النظام الأوروبي القائم على الحرية
تثبيت أقدامه وفرد ذراعه ليطال الجمهوريات التي كانت تابعة للاتحاد
السوفيتي السابق فسوف يتعرض نظام الحكم غير الديمقراطي في روسيا
إلى نوع من العزلة والنظرة الدونية. والأكثر من ذلك فأوكرانيا وجاراتها
سوف ينضمون على الأرجح الى الركب الأوروبي ويندمجون فيه ليفصلوا
انفسهم إقتصاديا وسياسيا عن الدب الروسي.وبعد انقضاء عام غير مستقر
من الحريات السياسية أصبحت أوكرانيا على موعد مع انتخابات أخرى برلمانية
مخطط لها أن تجري في 26 مارس. وهذه المرة آثر بوتين ألا يتدخل نظامه
بشكل معلن في الحملة الانتخابية وبدلا من ذلك أثار أزمة الغاز ووضع
أعداءه في أوكرانيا أمام خيار إما القبول بزيادة كبيرة في أسعار
الوقود الذي يقف الأوكرانيين في أمس الحاجة إليه لتدفئة منازلهم
في الشتاء - فقط قبل أسابيع من الإنتخابات المزمعة - أو تسليم روسيا
قيادة طويلة الأمد للبنية الأساسية للطاقة في أوكرانيا مع قدرة الروس
على إثارة أزمة في إمدادات الغاز في أي وقت.وقد فضل يوشينكو ويخانوروف
الخيار الثاني في الوقت الذي وافقوا فيه أيضا على تحويل جزء ضخم
من أرباح الإتفاق إلى أطراف لم يتم الكشف عنها . وعند مواجهتهم مع
مسؤولين اميركيين ذكروا أنهم لم يكن أمامهم خيار آخر ، وحتى الآن
لم يسمح لهم بمعرفة أسماء مالكي الشركة التي سيقومون بضخ مليارات
الدولارات إليها.فكيف السبيل إلى إنقاذ الديمقراطية المترنحة في
أوكرانيا ؟ فإذا ما حققت الأحزاب المؤيدة للغرب إنتصارا لتتولى قيادة
الحكومة المقبلة- وهو ما قد يبدو بعيدا - يمكن للرئيس بوش أن يمارس
ضغوطا عليهم لإلغاء إتفاق الغاز كشرط أولي للحصول على عضوية الناتو.
بيد أن ذلك قد يستتبعه مطالبة كييف من واشنطن والأوربيين تقديم الدعم
لها في الوقت الذي يتلمس فيه هؤلاء الحلفاء مساعدة روسيا في الموقف
الفلسطيني والإيراني.وربما تؤثر الإدارة الأميركية غض الطرف عن توجهات
بوتين الإستعمارية التي تبلورت في أزمة الغاز ، وقد يجد الأوكرانيون
لأنفسهم مخرجا من القبضة الروسية. إلا أنهم من جهة اخرى قد يضعوا
نهاية لأحد أهم الإنجازات التي شهدتها سنوات بوش.
*عضو أسرة التحرير في صحيفة واشنطن بوست
*خدمة واشنطن بوست خاص بالوطن
أعلى
رغم انه لا يستبعد
أن توجه أميركا، أو توكل إسرائيل عنها بتوجيه ضربات جوية لمواقع
محددة يعتقد أنها تضم منشآت البرنامج النووي (تقدر بأكثر من 30 موقعا)
الإيراني، فإن السيناريوهات التي يطرحها الغربيون في إعلامهم تقترب
من حبكة كتب الاثارة العسكرية ابان الحرب الباردة التي كانت تلقى
رواجا يعود على كتابها وناشريها بأرباح طائلة
سيناريوهات التنميط العنصري
د. احمد مصطفى*
لا يمر يوم الا وتطالعنا وسائل الاعلام والاتصال الغربية بنظرية
جديدة في العلاقات الدولية مبنية على فرضية عنصرية بأن المسملين
والعرب إرهابيون بالسليقة ، وانهم على وشك التحالف مع روسيا لاحياء
ثنائية قطبية العالم مجددا مع الغرب وقائدته اميركا. وبغض النظر
عن سطحية تلك الافكار التي تتضمنها الكتب والمقالات والتعليقات في
البرامج الاذاعية والتليفزيونية ، فانها تلقى قبولا وانتشارا واسعا
بين الجماهير بما يجعلها الصورة النمطية المشوهة عن المسلمين والعرب.
وتستمد حملة التنميط العنصري تلك مادتها من احداث تتصدر صفحات الجرائد
ونشرات الاخبار.
من تلك الاحداث ازمة إيران مع الغرب بسبب برامجها النووية ، اضافة
إلى احداث العراق وفوز الاسلاميين في انتخابات مصر وفلسطين. وتزخر
وسائل الاعلام بسيناريوهات الحروب القادمة في المنطقة، وتحديدا في
الخليج العربي، بسبب إيران والنفط والعلاقة بإسرائيل وما يسمى الارهاب
الاسلامي .... إلى آخر مدخلات قاموس التنميط العنصري الغربي.
وإلى جانب التقارير الصحفية والاخبار عن إعطاء إيران مهلة نهائية
لمدة شهر لوقف برنامجها النووي والا تدخلت أميركا، وربما معها غيرها
، عسكريا لوقف النشاط النووي الإيراني ، هناك المقالات والتحليلات.
من تلك مقالات استاذ التاريخ في جامعة هارفارد الاميركية نيال فيرغسون
الذي تنشر صحيفة التلغراف اليمينية البريطانية مقالاته. وهو من الجامعة
ذاتها التي يعمل فيها صموئيل هنتنغتون صاحب نظرية وسيناريو صراع
الحضارات.
البروفيسور فيرغسون يتحدث عن حرب الخليج الجديدة التي ستكون الحرب
العالمية الثالثة وتمتد من 2007 إلى 2011.
ورغم انه لا يستبعد ان توجه أميركا، او توكل اسرائيل عنها بتوجيه
ضربات جوية لمواقع محددة يعتقد انها تضم منشآت البرنامج النووي (تقدر
بأكثر من 30 موقعا) الإيراني، فإن السيناريوهات التي يطرحها الغربيون
في إعلامهم تقترب من حبكة كتب الاثارة العسكرية ابان الحرب الباردة
التي كانت تلقى رواجا يعود على كتابها وناشريها بأرباح طائلة. من
آخر ما قرأت من تلك الامثلة كتاب سايمون بيرسون الذي نشر نهاية القرن
الماضي (الحرب الشاملة 2006) ويستخدم فيه ضابط سلاح الجو الملكي
السابق ما ينشر عن التسليح في العالم ليرسم سيناريو عن حرب يتحالف
فيها المتشددون الاسلاميون (لم يكونوا ارهابيين بعد فلم تكن أحداث
11 سبتمبر 2001 وقعت بعد) مع الروس الذين تشهد بلادهم انقلابا عسكريا
يضع الجيش في السلطة مهددا الغرب.
ويظهر في شمال افريقيا صلاح الدين جديد يقود جيوش العرب والمسلمين
المتحالفين مع الروس لتحرير القدس والقضاء على اسرائيل بينما يقود
(فدائيون) اسلاميون غواصات نووية روسية تدمر الاسطول الاميركي في
(بيرل هاربور) جهادية تكون بداية نهاية الحرب العالمية الثالثة.
وتجمع كل السيناريوهات على ان الحرب العالمية القادمة ، سواء هذا
العام او العام المقبل او في اي عام، ستكون في منطقتنا. ويعكس ذلك
مجددا الاستسهال الغربي الحديث بتبسيط ما يواجه الشعوب الغربية في
تحدي ما يريدون له ان يترسخ على انه ارهاب العرب والمسلمين، واعتبار
المسلمين الاوروبيين (15 مليونا أوأكثر) طابورا خامسا.
ولعل ساحة الحرب العالمية الثالثة المحتملة ليست بحاجة لكل تلك الكتابات
والسيناريوهات، فهي لم تخل من الحرب منذ بداية الثمانينات ، اي منذ
نحو ربع قرن: من الحرب العراقية الإيرانية إلى حرب الخليج الاولى
إلى حرب غزو العراق، وفي الطريق إلى الاخيرة تم غزو افغانستان ويتركز
الاهتمام الآن على إيران. هذا بالاضافة لمحاصرة سوريا واستنفار لبنان
والضغط على مصر وترهيب السودان ... الخ.
وبغض النظر عمن المسؤول عن كل تلك الازمات ، فان التفكير لبرهة يوضح
من المستقيد منها ومن يستغله لتاكيد التنميط العنصري حول المسلمون
والعرب الذين كادوا يصبحوا في العالم مثل المنبوذين الذين يرسمون
في الكارتون وتطلق عليهم الفكاهات الساخرة. وذلك هو الاخطر من الحرب
العالمية الثالثة التي قد تستخدم فيها اسلحة غير تقليدية. فمهما
كان الاثر المدمر للاسلحة النووية، فان اضرارها تزول باعادة البناء
على مر السنين. اما الصور المشوهة في العقل الجمعي للشعوب تحتاج
لاجيال واجيال كي تمحى.
وحتى نكون منصفين، لا يقتصر ذلك التشويه على الاميركيين فقط بل ان
الاوروبيين يتبنونه ايضا. وللمفارقة انك تجد بعض دول اوروبا الوسطى
والشرقية ـ التي كانت حتى وقت قريب مثلنا في الصحافة الغربية ـ تشيع
ذلك التنميط العنصري عن المسلمين والعرب، مزايدين على اوروبا الغربية.
ولعل الاشد تماثلا مع الاميركيين في الترويج لذلك النمط المشوه هم
الفرنسيون، الذين هم اكثر من يدعي الليبرالية والتنوير والتقدم في
اوروبا. وما ذلك الشقاق الذي يبدو بين فرنسا واميركا الا تعبير عن
غيرة فرنسية من القيادة الاميركية للغرب في افتعاله العدو الجديد،
وسبق اميركا وبريطانيا في ابتكار (الارهاب الاسلامي) كبديل للاتحاد
السوفيتي في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
وما الرد على تلك التوجهات الا بعكسها تماما، بإبراز اهمية المسلمين
والعرب في استمرار تمتع الغرب بأسلوب حياته المرفه، ليس فقط عن طريق
شحن مولدات رخائه بالطاقة، بل بالعقول والخبرات العربية والاسلامية
التي تملأ فضاءات كثيرة تحتاج للابراز.
* كاتب وصحفي عربي مقيم ببريطانيا
أعلى
لعل من أهم السمات المعرفية لعصرنا هو ذلك
الكم الهائل من المعارف والمعلومات، الذي بسبب سهولة وسرعة الحصول
على معظمه من مصادر شتى، أهمها "الإنترنت"، نقف حيارى،
مترددين، وتزداد في نفوسنا صعوبة أن نقرر ونختار، فتكون النتيجة
النهائية، لدى بعضنا، القليل أو الكثير، هي ترك هذا الكم المعرفي
والمعلوماتي بلا قارئ، وكأن تزايد "العرض" لهذا النوع
من المواد الاستهلاكية، أكان استهلاكها "منتجا" أم "غير
منتج"، يقلل "الطلب" عليه.
التربية في زمن العولمة
جواد البشيتي*
لعل من أجمل الأقوال الشعرية للمتنبي قوله: "وتصغر في عين العظيم
العظائم ، وتعظم في عين الصغير الصغائر". و"العظيم"
من البشر أو "الصغير" هو في الأصل والأساس عظيم أو صغير
بالمعيار "التربوي"، في معناه الواسع الشامل ، فبحسب التربية
التي يتلقاها الإنسان تتحدد طبيعة وخصائص علاقته ببيئته في تبدلها
المستمر. و"التربية" يتلقاها الإنسان من مصادر اجتماعية
شتى ، ومن التجارب التي يتعرض لها في حياته ، ويظل يتلقاها حتى نهاية
حياته ، فالتربية هي ، أيضا ، في تبدل مستمر ، في بعديها الكمي والنوعي.
و"التربية"، في معنى من معانيها الكثيرة ، هي "التجربة"
إذا خرج منها الإنسان بالدروس والعبر ، فلا قيمة للتجربة التي نخوضها
أو نتعرض لها إذا لم تتمخض تربويا عن نتيجة كهذه ، فالذي في عقله
ضعف هو الذي يخوض التجربة ذاتها غير مرة وكأنه لم يخضها من قبل.
ونحن نقف على القيمة التربوية للإنسان في الطريقة التي بها يواجه
مشكلات ومصاعب الحياة، وينظر إلى الأمور ويزنها ويحكم عليها، فربَّ
مشكلة تافهة تقصم ظهر إنسان، وربَّ مشكلة كبرى تزيده قوة وصلابة.
والإنسان في مجتمعنا لا يتلقى من التربية إلا ما يجعله أقل قدرة
على التكيف مع ما يطرأ على بيئته الاجتماعية من تغييرات ، وعلى أن
يسلك سلوكا يعبِّر عن فهم صحيح لحقائق الحياة، فيظهر ، عندما يقع
في مشكلة ولو كانت تافهة ، على أنه ضعيف الإرادة ، مستسلم منقاد
، سلبي في الإحساس والتفكير والعمل، وكأن مشكلات الحياة يمكن أن
تحل بالإهمال والنسيان وما يشبه الدعاء أو بقدرية يستصغر فيها نفسه
ودوره وإمكاناته.
والإنسان، في نموه التربوي، يجتاز مرحلتين مهمتين، في الأولى ، أي
عندما يكون طفلا، يتلقى التربية من والديه والمدرسة .. أما في الثانية
، والتي تشمل معظم حياته ، فيتولى هو بنفسه إعادة تربية نفسه، وفقا
لتجاربه وخبراته الشخصية في جوانبها كافة. ويمكن أنْ تسمى هذه المرحلة،
مرحلة "العصامية التربوية". وليس أصعب من "التربية"
سوى "إعادة التربية"، فالصفحة البيضاء أسهل للكتابة من
صفحة مملوءة بالخطوط والألوان التي يجب محو بعضها.
ويكتشف الإنسان مواطن الضعف والقوة في بنيته التربوية عندما يجد
نفسه ، فجأة ، في بيئة اجتماعية جديدة لم يألفها من قبل ، وتخلو
من تلك القوى الاجتماعية التي كانت تمد له يد العون والمساعدة ،
وتشعره بأنه في عيش سهل لا ينغصه منغص.
في هذه الحال فحسب ، يكتشف الإنسان نفسه بنفسه ، ويتعرف إلى وزنه
الحقيقي ، مختبرا نظرته القديمة إلى نفسه في كل ما انطوت عليه من
أوهام وحقائق ، فربَّ شخص ينظر إلى نفسه على أنه نابليون بونابرت
، ويتوقع أن يعامله الناس على هذا الأساس. إن هذا الشخص لن يغتسل
، عقلا وشعورا ، من هذا الوهم إلا عندما يختبره حيث تختبر كل الأوهام
، وعندما يتمكن، في الوقت نفسه، من أن يخرج من تجاربه بالدروس والعبر
التي ينبغي له الخروج بها إذا ما أراد أن يكون ابن الواقع، تفكيرا
وشعورا وسلوكا.
البيئة الاجتماعية الجديدة الغريبة، التي ينتقل إليها الإنسان فجأة
من دون إعداد وتهيئة، هي المرآة التي فيها يرى في وضوح كل مواطن
الضعف والقوة في بنيته التربوية، وهي القوة التي بفضلها وبتأثير
ضغوطها يظهر فيه الكامن من قواه وإمكاناته، فتشرع تتغير صفاته الشخصية
والسلوكية حتى يتمكن من التكيف مع هذه البيئة الجديدة، بوقائعها
وحقائقها المختلفة وغير المألوفة.
وغني عن البيان أن من أهم مظاهر القوة والتفوق في البنية التربوية
للإنسان هو قدرته على التكيف السريع مع كل تغيير أساسي يطرأ على
بيئته الاجتماعية، فهذه "المرونة" لا يُظهرها إلى شخص
تلقى من التربية الفكرية والسلوكية ما يجعله سريع التكيف.
والحياة ، التي فيها نعيشها ونواجه مشكلاتها ، هي ، في المقام الأول
، "وجهة نظر فلسفية" ، فكل ما يحاوله الإنسان من محاولات
يعبِّر عن طريقة فلسفية في فهم الأمور، مهما صغرت أو كبرت ، فعندما
يشب حريق في منزلي قد أسارع في إطفائه في طريقة ما ، أو قد ألجأ
إلى الصلاة والدعاء فحسب ، أو قد ألجأ إليهما مع الاستعانة بما يمكن
أنْ يطفأه. هذا السلوك أو ذاك أو ذلك كشف عن معتقد فلسفي دفع إليه
، فالإنسان ، ولو لم يدرك ذلك ، هو فيلسوف يعتقد بفلسفة ما في أي
سلوك يسلك.
المحارب المسلم كان يُظهِر في ساحات القتال ما قل نظيره من الشجاعة
والجرأة والإقدام والاستبسال، فنظرته الدينية إلى الموت كانت تمنحه
قوة معنوية هائلة. إن الموت، في معتقده الديني الراسخ فيه عقلا وشعورا
ووجدانا وسلوكا، هو من صنع الإرادة الإلهية فحسب، فالإنسان، ولو
أحدقت به قوى الموت من كل حدب وصوب، يمكن أن ينجو ويظل على قيد الحياة
ما دام الله لم يُرد موته في هذا المكان وفي هذا الزمان. ويكفي أن
يتمكن هذا المعتقد الديني من عقل الإنسان حتى يذهب إلى القتال ويقاتل
وكأنه ذاهب إلى مباراة رياضية، متفرجا أو لاعبا. أما من اعتقد اعتقادا
مضادا فيذهب إلى القتال وكأنه ذاهب إلى حيث ترجح كفة الموت على كفة
الحياة، وإلى حيث يتقرر موته أو نجاته من الموت، فيميل إلى أن يقاتل
في قدر أقل من الشجاعة والجرأة والإقدام والاستبسال.
لقد كان كرمويل يؤمن بأن نتيجة كل حرب يخوضها هي من صنع مشيئة الله،
فاندفع، بالتالي، في حروبه كافة غير مكترث للعواقب والنتائج، حاشدا
للحرب من القوى المعنوية ما يفوق أضعافا مضاعفة القوى المادية والعسكرية.
وفي اليونان القديمة حوصر بعض اليونانيين بالموت، وصار موتهم، جميعا،
في حكم المؤكد، فملأ الذعر والفزع القلوب حتى أن كثيرين منهم ماتوا
ذعرا وفزعا. وبضغط من هذا الواقع ومن الحاجة إلى التغلب على هذه
المشاعر المدمرة والقاتلة طوَّر بعض الفلاسفة موقفا فلسفيا جديدا
من الموت، فقالوا: " لا مبرر للخوف من الموت، فالحماقة أن نخشى
الموت ونحن أحياء، والحماقة، أيضا، أن نعتقد أننا سنحس بالموت عندما
نموت، فلِمَ نخشى شيئا لم يحدث بعد، وعندما يحدث لا ندركه ولا نحس
به". وقد أثر هذا الموقف الفلسفي الجديد من الموت بنفوس الناس،
فاستمدوا منه قوة معنوية هائلة مكنتهم من العيش في طريقة وكأن لا
موت يحاصرهم من كل حدب وصوب.
في حياتنا، نفعل أشياء؛ لأنها "حلال"، ونجتنب فعل أشياء؛
لأنها "حرام". ما نفعله لأن فعله "حلال" قد
يتعارض مع ما لنا مصلحة أو رغبة في فعله، فالنفس البشرية أمارة بالسوء.
وما نجتنب فعله أو نحجم عنه؛ لأن فعله "حرام" قد يتفق
مع ما لنا مصلحة أو رغبة في فعله. وفق هذه التربية الأخلاقية الدينية
يتحدد بعض من سلوكنا؛ ولا يمكننا التعرف بالكامل إلى هذا الأثر التربوي
في سلوكنا إلا إذا تصورنا سلوك إنسان اختفى، تماما، من التربية الأخلاقية
التي تلقاها ميزان "الحلال والحرام". هذا الإنسان سينظر
إلى "الحلال" على أنه أي فعل يتفق مع ما له مصلحة أو رغبة
في فعله، وإلى "الحرام" على أنه أي فعل يتعارض مع ما له
مصلحة أو رغبة في فعله. وهكذا يختلف السلوك والموقف تبعا لاختلاف
الطريقة الفلسفية التي يفهم فيها الإنسان الأمور ويحكم عليها ويقومها.
لقد رأيت بشرا ينظرون إلى "الحبة" من المشكلات التي يواجهون
على أنها "قبة"، كما رأيت بشرا يستصغرون ويستتفهون حتى
المصائب والويلات في حياتهم. وقد أثبت وأكد علماء النفس أن "القلق
الوجودي (أو الكوزمولوجي)" يضعف كثيرا "القلق الشخصي (أو
المعيشي اليومي)" لدى الإنسان، فالذين يتفكرون في خلق السماوات
والأرض أو في الكون، نشوءا وتطورا ومصيرا، يشتد لديهم الشعور بتفاهة
المشكلات والمصاعب التي نواجهها في حياتنا اليومية، ويصبح لديهم
من قوة التوازن النفسي ما يقيهم اضطرابات وأمراض نفسية عديدة، يمكن
أن تتسبب بها ضغوط العيش.
لو أن الإنسان تلقى من التربية ما يمنعه من شغل ذهنه بتوافه الأمور،
ومن الإحساس بلذة استقصاء أخبار الناس وأحوالهم وأمورهم الشخصية،
لوجد نفسه أكثر انتماء إلى منطق الحياة، الذي كلما زاد الإنسان استمساكا
به سما به، فكرا وشعورا وسلوكا، فقُلْ لي ما يشغل ذهنك أقول لك من
أنت، فالبشر، من حيث مستوى حديثهم، في منزلة من ثلاث: منزلة دنيا،
تشمل أولئك الذين يشغلون أنفسهم بالحديث عن أخبار الناس وأحوالهم
الشخصية، ومنزلة وسطى، تشمل أولئك الذين يتحدثون عن "الأشياء"،
ومنزلة عليا، تشمل أولئك الذين يتحدثون عن "المبادئ".
وفي مجتمعنا يكثر أولئك الذين تلقوا من التربية السيئة ما يجعلهم
يحتاجون إلى استقصاء الأخبار الشخصية للناس والحديث عنها كمثل احتياجهم
إلى تنفس الهواء وشرب الماء، ففي هذا المجال الضيق والتافه من الحياة
تكمن أسباب فرحهم وحزنهم، سعادتهم وتعسهم!
ويكثر، أيضا، أولئك الذين تلقوا من التربية السيئة ما مسخ مفهوم
"الرجولة" عندهم، فنراهم يستمسكون بالعبوس في وقت الفرح،
وكأن من معاني "الرجولة" أنْ يُظهِر الرجل كل ما يستطيع
إظهاره من عبوس أو أن يكبت مشاعر الفرح والسعادة!
ونراهم، حتى في علاقتهم بأبنائهم، يمسكون عن التعبير عن عواطفهم،
عن حبهم وحنينهم وشوقهم، وكأن في التعبير عنها ما ينتقص الرجولة
أو يضعفها!
ونراهم يستأسدون في المنزل وفي العلاقة مع الزوجة ما أن يعودوا من
حيث كانوا يسلكون سلوكا لا يمت بصلة إلى الرجولة الحقة، وكأنهم في
استئسادهم هناك يعوضون خسائرهم المعنوية هنا!
ونراهم يقودون سياراتهم في سرعة جنونية، وفي طريقة تنم عن معنى مشوه
للرجولة، فإذا أوقف شرطي المرور أحدهم نسي سريعا شخصية الفارس التي
تقمصها، وتحول إلى مستعطف ذليل حتى ينجو من عقوبة تافهة!
إنهم يتلاشون تلاشي فقاعة وخزتها إبرة عندما يتحداهم الواقع على
أن يكونوا رجالا، ويستأسدون حيث تنتفي الحاجة إلى الاستئساد، فلا
يعبِّر استئسادهم إلا عن ضعف واضمحلال الرجولة الحقة فيهم وفي مواقفهم!
لقد غرست فينا التربية التي تلقيناها، والتي غدا تغييرها شكلا ومحتوى
ضرورة حياتية وحضارية، الضعف الإنساني والفكري والأخلاقي والحضاري..
، فأصبنا، في علاقتنا بالواقع وبحقائق الحياة، بما يشبه مرض الفصام،
وكأننا "مخلوقات وهم" قُذف بها في معترك الحياة حتى تلقى
حتفها في سرعة وسهولة!
ولعل من أهم السمات المعرفية لعصرنا هو ذلك الكم الهائل من المعارف
والمعلومات، الذي بسبب سهولة وسرعة الحصول على معظمه من مصادر شتى،
أهمها "الإنترنت"، نقف حيارى، مترددين، وتزداد في نفوسنا
صعوبة أن نقرر ونختار، فتكون النتيجة النهائية، لدى بعضنا، القليل
أو الكثير، هي ترك هذا الكم المعرفي والمعلوماتي بلا قارئ، وكأن
تزايد "العرض" لهذا النوع من المواد الاستهلاكية، أكان
استهلاكها "منتجا" أم "غير منتج"، يقلل "الطلب"
عليه.
هذا الواقع المعرفي الجديد أفرز تناقضا لم نتوصل، حتى الآن، إلى
حله في طريقة مرضية ومفيدة، فالمعارف المخزونة في خزانها القديم
(الكتاب، الجريدة، المجلة..) أو في خزانها الإلكتروني الجديد ("الإنترنت"،
الأقراص) تتكاثر وتتنوع تكاثرا وتنوعا خرافيين، وتكاد أن تصبح مجانية
تماما، كما أن سبل الحصول عليها والإفادة منها تزداد تيسرا وسهولة.
غير أن "المثقفين" يقلون، ومنسوب الثقافة يزداد تدنيا،
وكأن الحاجة إلى الوعي والثقافة في ضمور مستمر، وكأن حاجات إنسانية
أخرى يمكن تلبيتها وإشباعها بغير الوعي والثقافة هي الأقوى والأشد
ضغطا وتأثيرا.
قديما، كانت مصادر المعرفة ولا سيما "الكتاب" قليلة نادرة،
فلا يجد الباحث عن المعرفة إلا "الخيار الاضطراري"، وهو
استنفاد هذه المصادر والإفادة القصوى منها. وبعد ذلك أو في أثنائه،
يجد لديه متسعا من الوقت، فينفقه في "التأمل"، الذي كان
مصدرا مهما للإبداع الفكري، فكان بعضا من وقته أو جهده المنفق في
تحصيل المعرفة والعلم يذهب إلى "القراءة"،أي قراءة ذلك
النزر اليسير من المخطوطات والكتب، وبعضا يذهب إلى "التأمل"،
أي أن جدلية المعرفة كانت، قراءة، فتأمل في المقروء وفي ظواهر الحياة
والوجود، فقراءة. ثم يأتي وقت "الكتابة"، التي هي أرقى
أشكال ومستويات "التفكير". وكثيرا ما كانت الكتابة تجيء
بمولود (معرفي أو فكري) جديد.. بإبداع أو اكتشاف في عوالم الإنسان
والمجتمع والطبيعة. وكان "النقاش" أُمَّا للأفكار، له
من القواعد والأصول المرعية ما يضمن أن يكون مصدرا مهما لأفكار ومعارف
جديدة.
أمَّا في عصرنا.. عصر "ثورة المعلومات" فقد أصاب الصدأ
كل تلك الأدوات والأساليب المعرفية، فما عدنا نقرأ، وإذا قرأنا ما
عدنا نصرف وقتا أو جهدا في تأمل المقروء أو الظواهر والوقائع.. وصار
"النقاش"، الذي أنجب، من قبل، الإبداع والمبدعين، مضيعة
للوقت والجهد إذ فقد قواعده وأصوله..
المعارف والمعلومات تتكدس في المستودعات والمخازن ولا مستهلك لها،
وكأننا في حال معرفية تماثل حالنا الاقتصادية. في الاقتصاد ينتج
العالم من الغذاء ما يكفي للقضاء على الجوع والمجاعة قضاء مبرما،
ولكن النتيجة هي هذا الاجتماع بين "الوفرة الغذائية" والمجاعة
المتزايدة. وفي الثقافة تجتمع الوفرة في "الغذاء الفكري"
مع استفحال "المجاعة الفكرية"!
لقد صار ينبغي لنا في عصر "ثورة المعلومات" أن نتلقى تربية
جديدة، وأن نتعلم ونمتلك طرائق جديدة في التفكير والبحث والدراسة
حتى نتمكن، أولا، من التهام أكبر قدر ممكن من المعارف والمعلومات
المتاحة، وحتى نتمكن، تاليا، من هضمه وتمثله، فما قيمة "الغذاء"
إذا لم تكن لدينا "معدة" قادرة على هضمه وإذا كنا لا نملك
القدرة على تمثله؟!
ينبغي لنا أن نقتصد في الوقت والجهد عبر تنمية قدرتنا على الاختيار
والمفاضلة، فما عاد لدينا ما يكفي من الوقت والجهد لكي نقرأ كل كتاب
وأي كتاب، فلنقرأ القليل المفيد والضروري، ولنتأمل ونتفكر، طويلا،
في ما قرأنا. والقارئ الجيد هو الذي يجيد القراءة الانتقادية، فلا
يتحول إلى عبد لآخر كتاب قرأ، وهو الذي يخرج من القراءة بقليل من
"الأجوبة" وبكثير من "الأسئلة والتساؤلات"،
التي من رحمها تخرج مواليد فكرية جديدة، فحشو الأدمغة، التي تفتقر
إلى طريقة جيدة في التفكير، بالمعلومات إنما يلحق الضرر بعقل الإنسان،
الذي هو، الآن، في أمس الحاجة إلى تغليب "قوة الخيال"
على "قوة الذاكرة".
شظف العيش في القرية، وهو "عامل طرد"، مع رغد العيش في
المدينة، وهو "عامل جذب"، دفع ويدفع بالقرويين ولا سيما
الشباب إلى هجر الزراعة وبيئتهم الريفية والذهاب إلى المدينة والعاصمة
بحثا عن العمل وعن سبل تحسين عيشهم اليومي والتحول، تدريجا، من ابن
القرية إلى ابن المدينة في خواصه الشخصية. وفي مستهل هذه المرحلة
الانتقالية الصعبة كان الشاب القروي يجد مشقة كبرى في التخلي عن
زيه الريفي، فلباس ابن المدينة كان يجد صدا قويا في سيكولوجيا ابن
القرية الذي جاء توا إلى المدينة.
ولكن ما أن يتأكد له "التفوق المادي" للمدينة على القرية
حتى تتلاشى مقاومته الأخلاقية والسيكولوجية، فيشرع في التطبع بطباع
ابن المدينة وفي تقليده ومحاكاته في نمط شخصيته وفي نمط حياته اليومية،
معتقدا أن تخطي التخلف في المحتوى التاريخي لنمط شخصيته القروية
يتحقق بتقليده ومحاكاته للشكل الخارجي، فحسب، من شخصية ابن المدينة.
وفي الطريقة ذاتها يمكن أن نحلل ونعلل أنماطا جديدة من الشخصية،
يمكن إدراجها في أحط مظاهر "عولمة الشخصية". ولعل المظهر
الأحدث الممتلئ سخافة والذي يشق عليك تبريره وفهمه هو ذاك المراهق
أو الشاب الذي حلق رأسه كلها ودهنها بما يجعلها لامعة مضيئة حتى
تخطف أبصار صبايا من شاكلته.. أو احتفظ، فقط، بالجزء الأعلى من شعر
رأسه ملونا إياه بألوان قوس قزح. ويمكنك أن ترى حلقة في أذنه أو
سوارا في معصمه..
إن لهذا المراهق أو الشاب في كل ما يفعل في شكله الخارجي على سبيل
التقليد والمحاكاة مثلا أعلى لا تجده في مجتمعنا وإنما في المجتمع
الغربي.. في مطربيه وفنانيه وممثليه السينمائيين الذين يمثلون الشريحة
الاجتماعية الأكفأ من سواها في إنتاج وتسويق أحط أنماط الشخصية.
ولكن، في المجتمع الغربي، يمكن أن تجد تبريرا أو تعليلا مقنعا لهذا
السلوك الفردي، فالحرية الشخصية للمواطن هناك تكاد أن تكون حرية
مطلقة لا تقيم وزنا أو اعتبارا للموروث من الثقافة السلوكية ما دامت
ممارستها تخلو من التطاول على الحرية الشخصية للآخرين من أبناء المجتمع،
فالمبدأ الذي يهتدون بهديه، هو "عش ودع غيرك يعيش".
قد نعترض على كثير من جوانب ومظاهر هذه الحرية الشخصية شبه المطلقة،
ولكن ما يجب أن نعلمه ويعلمه المراهقون والشباب من أبناء مجتمعنا
على وجه الخصوص، أن الحرية الشخصية للمواطن الغربي هي جزء من كل..
هي جزء لا يتجزأ من حياة هذا الإنسان الذي يختزن في داخله مقادير
هائلة من الثقافة والحضارة والمعارف ولا يضيره أن يسعى، دائما، في
الخروج عن المألوف في الشكل الخارجي لشخصيته.
أما مراهقونا وشبابنا المتوفرون على تقليده ومحاكاته في الشكل الخارجي
لشخصيته فهم أشبه بظلال فقدت أجسامها. إنهم يختزنون في عقولهم وعواطفهم
مقادير هائلة من التخلف الاجتماعي والتاريخي فلا يجعلهم هذا الضرب
من التقليد والمحاكاة إلا جِمالا مزخرفة.
ولو أمعنت النظر فيهم وهم يروحون ويجيئون لوجدت أمامك "أبو
جهل" وقد لوَّن شعر رأسه الأعلى باللون الأخضر أو الأحمر ووضع
حلقه في أذنه وسوارا في معصمه ولا يستطيع التحدث إلا إذا طعم حديثه
وزينه بمفردات وتعابير إنكليزية ركيكة.
إن الشجر تدل عليه ثماره، فأنت تستطيع أن تعثر في تفاصيل هذا الشكل
الخارجي من أنماط الشخصية الغربية التي تسحر عقول وقلوب شبابنا على
كل أسباب تخلفنا وهزيمتنا الحضارية والتاريخية، وعلى ما يجعل قضايانا
وحقوقنا ومصالحنا القومية ريشة في مهب الرياح الخارجية. شريحة اجتماعية
كهذه لا يمكن أن تكون إلا معول هدم لمجتمعنا في سعيه إلى أن يكون
في عداد المجتمعات المتحضرة.. في سعيه إلى أن يكون مثلما كان ومثلما
يجب أن يكون.
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
المستهترة بالأديان
، هي الحكومة الاسرائيلية نفسها وعلى رأسها ايهود اولمرت ، وكل الحكومات
الاسرائيلية السابقة ، منذ عهد بن غوريون في عام 1948 وحتى اللحظة
، وقد فعلت ما بوسعها لتقسيم الفلسطينيين في داخل الخط الاخضر الى
عرب ودروز ، وتقسيم المسيحيين وفصلهم عن اخوانهم المسلمين.
الاعتداء على كنيسة البشارة وتصريحات أولمرت!
د. فايز رشيد*
في تصريح غريب من نوعه ، اعلن ايهود اولمرت
رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة ، في كلمة القاها خلال الجلسة
الاسبوعية للحكومة ونقلتها صحيفة (يديعوت احرونوت) على موقعها على
شبكة الانترنت ، (ان مشاركة المسلمين الذين لا يتميزون بتسامحهم
مع المسيحية) ـ حسب زعمه ـ وترؤس قادتهم المسيرة احتجاجا على حادث
تسببت فيه عائلة غريبة تسعى الى استغلال الفترة الانتخابية ، ضرب
من العبث.
اولمرت كان يشير بذلك الى المسيرة الجماهيرية الحاشدة ، التي قام
بها ابناء الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه في داخل الخط الاخضر
، احتجاجا على اعتداء عائلة يهودية على واحدة من اهم واقدس الكنائس
في المنطقة ، وهي كنيسة البشارة في مدينة الناصرة.
اولمرت لم يدن الاعتداء ومحاولة حرق الكنيسة التي قام بها الياهو
حبيبي وزوجته فيوليت وابنتهما اوديت ، والمعروفون جيدا من قبل الشرطة
الاسرائيلية ، فقد سبق وان هددوا بحرق اماكن مقدسة اسلامية ومسيحية
، وبدلا من الادانة الواضحة لهذا الفعل الاجرامي. فان التبرير الاسرائيلي
كان جاهزا ، فقد قيل عن الجناة بانهم مختلون عقليا ، تماما مثلما
قيل عن المتهم الاسرائيلي بمحاولة حرق المسجد الاقصى ،وعن مرتكب
مجزرة الحرام الابراهيمي في الخليل في حينها ، باروخ غولد شتاين
بانه مجنون!.
رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة يستغرب وحدة الصف التي اظهرها
فلسطينيو الداخل! فعلى ما يبدو..فإما هو جاهل او يتجاهل حقيقة الشعب
الفلسطيني بكل دياناته ، فهو واحد وموحد في مجابهة كل المعارك التي
يواجهها سواء تعلق الامر بقضايا اسلامية او مسيحية ، والعنصرية الاسرائيلية
تطول كل العرب سواء اكانوا مسلمين ام مسيحيين!.
اولمرت لايعرف ايضا ، او هو لايريد ان يعرف بان مظاهر الوحدة الاسلامية
المسيحية في فلسطين تتجلى بأبهى اشكالها وصورها في التاريخ والحاضر
وستظل في المستقبل ايضا: فمفاتيح كنيسة المهد ولقرون زمنية طويلة
، ما تزال في ايدي عائلة مسلمة ، وان العدالة الاسلامية في دولة
الاندلس في القرون الوسطى كانت ملجأ لليهود انفسهم من الاضطهاد السياسي
الأوروبي لهم..والقائمة طويلة.
المستهترة بالأديان ، هي الحكومة الاسرائيلية نفسها وعلى رأسها ايهود
اولمرت ، وكل الحكومات الاسرائيلية السابقة ، منذ عهد بن غوريون
في عام 1948 وحتى اللحظة ، وقد فعلت ما بوسعها لتقسيم الفلسطينيين
في داخل الخط الاخضر الى عرب ودروز ، وتقسيم المسيحيين وفصلهم عن
اخوانهم المسلمين، ومارست بحقهم جميعا سياسات عنصرية تجعلهم مواطنين
من درجة ثالثة او رابعة في الهرم الاجتماعي.
لقد اظهر فلسطينيو الخط الاخضر وعلى مدى تاريخهم وعيا فائفا للمخططات
الاسرائيلية ، ولذلك فانهم يحرصون على اظهار وحدتهم في كل المناسبات
، وخاصة تلك المتعلقة بمجابهتها: فإذا كان الاعتداء يستهدف اماكن
مسيحية ، فان اول من يهب للدفاع عنها هم المسلمون ـ تماما مثلما
حدث في مدينة الناصرة ، والعكس بالعكس ايضا صحيح ، وهذا مما جعل
من فلسطين وعلى المدى التاريخي ايضا رمزا للتعايش بين المسلمين والمسيحيين.
ان تصريح اولمرت الذي يشي بعدم معرفة واضحة لطبيعة الشعب الفلسطيني
والعربي عموما ، ومدى تمسكه بحقوقه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير
المصير واقامة دولته المستقلة ، ليبين ايضا مدى جهله الفاضح بحقيقة
الترابط العضوي القائم بين مسلميه ومسيحييه! ومدى النظرة العنصرية
القائمة في اذهان القيادات الاسرائيلية قصيرة النظر.
* كاتب فلسطيني
أعلى