كلمة ونصف
تطوير التربية والتعليم
وزارة التربية والتعليم من الوزارات الرئيسية
في أي دولة ، تحظى باهتمام باعتبارها ، الأساس الذي تعتمد عليه الدول
في النهوض بمستقبلها ، ورسم معالم الطريق نحو التقدم والازدهار ،
فأذا أردت أن تعرف عن تقدم هذه الدولة أو تلك ، لا بدأن تنظر الى
النظام التعليمي فيها ، هذه حقيقة من الحقائق الثابتة، فالتغير والإصلاح
يبدأ من إصلاح وتطوير نظم التعليم.والجهود المبذولة للنهوض بالتربية
والتعليم في السلطنة بلا شك كبيرة ومقدرة ومتواكبة مع التطورات في
العالم وتلبي متطلبات المجتمع في تطوير التعليم .. بل أصبحت وزارة
التربية نموذجا قياديا لمؤسسات وأجهزة الدولة للتطور والتغير بما
تمتلكه من مقومات جيدة للتغير وعزم إدارتها نحو التطور، باعتباره
الأساس للولوج الى هذا العالم المتطور، فالوزارة تسير بخطى متسارعة
، واستطاعت أن تحقق قفزات نوعية في أيجاد نظام تعليمي متطورة ويساعد
في تفريخ أجيال من الطلبة والطالبات المؤهلين والقادرين على التعاطى
مع المستجدات في المجالات التكنولوجية والتقنية.وتسعى الوزارة بكل
طاقاتها في أحدث تغيرات هيكلية في نظم التعليم في مختلف مراحله وتشعباته
إيماناً منها بأن التغير، هو أداة من أدوات التطوير خاصة توجيه الاهتمام
للجوانب العلمية والفنية في المناهج، وأساليب التدريس، وذلك لما
تتطلبه مناحي الحياة القائمة على الجوانب الحياتية التي يحتاجها
الإنسان.كما أن الوزارة أولت أهمية كبيرة لتعزيز قدرات الطلبة نحو
الاستقراء والاستنتاج والتجريب وتعزيز قدراتهم في مجالات البحوث
أكثر من الحفظ والتقلين ، تخفيف الأعباء على الطلبة في الجوانب الإنسانية
غير الضرورية، وتدعيم الاتجاه نحو المهارات الحياتية المعاصرة ،
وما يهم الطالب في حياته اليومية من مهارات ومعلومات تساعده على
الاتجاه الصحيح في الحياة ، فهذه الجوانب هامة في تفاعل الطلبة إيجابياً
مع المجتمع بحيث يكونوا قادرين على التأثير المتبادل مع الآخرين
بتوازن.ان ما يثلج الصدر ما نشهده من التغيرات نحو الأفضل في مجال
التربية والتعليم ، وتجعلنا دائماً متفائلين بالأفضل ، ونتطلع الى
تدعيم دور هذه الوزارة في المرحلة القادمة والنهوض بمسئولياتها لمواصلة
الدور المنوط بها، فالتغير في التربية والتعليم هو الأساس للتغير
في المجتمع في كل الاتجاهات.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

باختصار
متى يقرعون طبول " الحرب " ؟
فاتني أن أتذكر ان العرب لا يحبون الحرب
ولا يهوونها حتى قيل أن بعضهم يخشاها لانه لايقدر عليها. مشيئة المنطقة
التي تتجمع فيها أقطار الأمة هي ان تبلي بلاء حسنا في تعظيم السلام
الى حد الاستكانة لافكاره مهما كانت بواعثه وأشكاله. لكن الحروب
ليست فقط عملا عسكريا تستعمل فيه شتى أنواع الأسلحة وتتم فيها المبارزة
ويتأجج الصراع الى حتميات أحيانا الى لا نهائيات. كما ان الحروب
ليست فقط استعدادا مضنيا وتدريبا قاسيا لجيوش تحتاج للكثير من الأموال
كي تصبح في وضع يمكن لها ان تتحرك لتحرك وضعا كامنا او بحاجة لتحريك
، طالما ان عناصر التحرير غير واردة في القواميس العربية. تحضرنا
الآن حروب على الامة تحتاج الى حروب مضادة ،واعيد انها قد لاتكون
عسكرية ويجب ان لاتكون في ظروف قائمة معروفة ،يمكن لها ان توازن
على الاقل ماهو ناشيء عسكريا. ففي مثل الاوضاع الاستثنائية التي
تمر بها حركة حماس لايمكن قبول الصمت المطبق فيما تتدخل إيران لتقديم
المعونة الهبة مقابل مشروع عربي بعدم مناصرة الشعب الفلسطيني . الا
يحتاج الفلسطينيون الى استثارة الحمية العربية من اجل مسيرة يجب
الا تتوقف لاسباب مالية والتي يمكن حل اساسياتها بالنفوذ العربي
ان لم يكن بماله. ثم الا تحتاج الحال الفلسطينية التي اقفلت عليها
ابواب المساعدة من كل الجهات ووصل عند البعض الى عدم استقبال وزير
خارجية فلسطين الى انشاء وزارات حرب خاصة تكون استثنائية لشنها على
الوضع الفلسطيني من اجل خلاصه. اليس المال في هذه الظروف سلاحا قويا
يمكن له ان يعكس حالة سياسية اذا ما اضطر اصحابه. وهل ان موقف بعض
العرب دفع كل الفلسطينيين الى اليأس من اجل الضغط على حماس لتغيير
مواقفها المعلنة. أليس من العدل الرفق بحالة البؤس الفلسطيني التي
قد تصل الى جوع حقيقي تبدأ على اثرها القصائد العربية العصماء برثائيات
وبكائيات وتوجيه لوم وربما بعض الهجاء. اما حال العراق فلا ينطبق
عليه سوى المثل القائل انه بلاد الحزن العتيق والفؤاد المجروح. في
هذه البلاد التي يخوض اهلها حروبا متعددة وعلى جبهات مكلفة ، يتطلع
الاخوة العرب من منظار تسديد الفواتير وليس من واقعية التخطيط للمساهمة
في حل يرتجى. العراق الذي ساهم تاريخيا في شتى المواقع التي تطلبتها
الامة يحتاج في ظروفه الاستثنائية الى نظرة حنون على الاقل تبدأ
بحرب مضادة على الواقع المهترئ يتأسس خلالها موقف صارم من الوجود
الاميركي وتقدم بعدها الحلول لهذا الاحتلال المسترخي في واقع مأزوم
لايعرف كيفية الخروج منه ولا البقاء فيه. العراق بحاجة لعمليات اسناد
ومساعدة عربية تخرج عن توصيف الحالة الى المساهمة في منع النكبة
التي باتت امام عيون العرب جميعا والتي لن تكون اقل من نكبة فلسطين
ومن عمرها المديد. يحتاج العرب الى من يحمل سيف مواجهة احداث العراق
بافهام الاميركي اذا كان العجز عن التفاهم معه بان امامه حل وحيد
هو الانسحاب من بلاد الرافدين الخيرة والا فهنالك مواقف وربما اشكال
تنفيذية سوف تؤخذ في الحسبان. من المؤسف القول ان بعض العرب مستفيد
من حالة العراق الراهنة ، والبعض الآخر متوار خلف اعتبارات الخوف
، وبعض البعض يريد تلقين درس للعراقيين. فمتى يستفيق بعض العرب من
يوميات توصيف الحالة الفلسطينية والحالة العراقية الى خيارات حرب
تكون فيها جيوش المساعدة هي الهادرة طالما ان منطق الحروب العسكرية
في طور الاستحالة.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
أصداف
العراق سنة رابعة احتلال- 14 -
قبل
أن نتحدث عن الذي جرى في العراق، وهو يدخل السنة الرابعة من الاحتلال،
لابد أن نمر على عجالة فوق الغيوم التي تهطل على الولايات المتحدة،
وترسم أمام ساستها وقادة الفكر فيها لوحة معتمة ، تتوزع زواياها
وفضاءاتها بين البنيوية والتفكيكية والضياعية وفي كل ذلك تزداد الضبابية
أمامهم.لا أقول هذا الكلام ، لمجرد الوصف الخارجي لما تبرزه مواقف
الساسة في البيت الأبيض، بل أنا أتحدث من خلال رصد متواصل لما يعيشه
الجنود والضباط وكبار القادة العسكريين الأميركيين في العراق، وانعكاسات
ذلك على الأجواء المرتبكة داخل البنتاغون.فهذا الرئيس الأميركي جورج
دبليو بوش القائد العام للقوات المسلحة الأميركية، يقول أنه لا يستطيع
النظر في وجوه عوائل وذوي القتلى الذين سقطوا في الساحة العراقية،
وهو نفسه كان قد تباهى كثيراً، كما قال للجنود وعوائلهم، خلال خطابه
الشهير في الأول من مايو عام 2003، عندما أعلن انتهاء العمليات العسكرية
في العراق.إلا إن الرئيس الذي أعيد انتخابه من قبل الأميركيين لولاية
ثانية، يصل به الحال إلى عدم قدرته على التحديق بوجوه عوائل ضحايا
غزوه إلى العراق من الأميركيين، أما بالنسبة لعوائل وذوي وأقارب
مئات الآلاف من العراقيين الذين قتلوا أو جرحوا بنيران القوات الأميركية،
فأن بوش لا ولن يسأل عنهم، ولا يحسب لهم أيّ حساب، فالمهم عنده عوائل
الجنود الأميركيين الذين سقطوا في ساحة الحرب في العراق.من خلال
ذلك، وفي الرصد المتواصل للخطاب الأميركي، نكتشف أن الرئيس جورج
بوش، ليس لديه أي اهتمام بحياة العراقيين، فهو لن يتأخر في جميع
المناسبات عن القول، إن ما يحصل في العراق اليوم، هو لحماية المواطنين
الأميركيين ولتأمين الحياة الرغيدة الآمنة لهم، وبالمقابل لم نجد
من القادة في الميدان العراقي من يعلن اعتراضه على ذلك، والمطالبة
بوقف هذا النزيف والخراب العراقي، الذي تريد منه الإدارة الأميركية
حماية مواطنيها على بعد آلاف الكيلومترات، غير آبهة بما يحصل لهذا
الشعب ولمستقبل أبناءه.
وليد الزبيدي
* كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

من يقايض مناضلا بجاسوس ؟!
ما الذي يجمع بين المناضل الوطني والجاسوس حتى نقايض احدهما بالآخر
؟ ولماذا تصر حكومة الاحتلال الاسرائيلي على تشويه صورة المناضلين
العرب والفلسطينيين بخاصة بجمعهم مع الجواسيس والعملاء ؟ وما الذي
يسمح للولايات المتحدة بالتفاوض في هذا الاطار مع الحكومة الاسرائيلية
على حرية مناضل فلسطيني هو مروان البرغوثي لاطلاق سراح جاسوس اسرائيلي
محتجز في اميركا ومحكوم بالمؤبد اسمه جوناثان بولارد ؟!
وما الذي يجعل الاعلام الاسرائيلي والاميركي يتناقل هذه المعلومات
التي تنفيها واشنطن وتل ابيب معا ؟ وهل نبقى في الحديث عن عقلية
المؤامرة الخبيثة ؟ ام اننا نريد ان نتجاوزها فنقع أيضا فيما هو
محظور ومحذور ؟!
هذه الاسئلة التي نطرحها على سبيل الاستنكار لا تجد الا اجابة واحدة،
لو أردنا لها اجابات مفادها ان الجاسوس والمناضل في نظر الاسرائيليين
هما شيء واحد طالما ان هناك مصلحة (عليا) لاسرائيل في هذا الخلط
والتشويه ! فاسرائيل تنظر الى موطنها بولارد على انه (مناضل أيضا
في حين ترى البرغوثي مجرد (مخرب) و(إرهابي) !
لا يهم الاسرائيليون ان يكون مروان البرغوثي أمين سر حركة التحرير
الوطني الفلسطيني (فتح) وابرز قادة الانتفاضة الفلسطينية عضوا منتخبا
في المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد وهو في السجن.. ولا يهمهم اية
صفات قيادية يتمتع بها، او أيه حصانة دبلوماسية باعتباره عضوا في
البرلمان الفلسطيني، لكن الأهم عندها ان لاسرائيل مصلحة (الآن) في
اطلاق سراحه. وحسب المصادر الاسرائيلية فإن وجود مروان البرغوثي
حرا سوف يجعله يساهم بفعالية في استعادة دور (فتح) في العمل السياسي
الفلسطيني ويعوضها عن هزيمتها الكبيرة في الانتخابات الاخيرة امام
حركة (حماس) الاسلامية المتشددة، حسب الوصف الاسرائيلي المتوافق
مع الوصف الاميركي تماما، وهذا هو مربط الفرس، كما يقولون في تعابيرنا
البلاغية القديمة.
وبذلك تكون اسرائيل قد ضربت عصفورين بحجر واحد، فالأهم لديها ان
تطلق سراح جاسوسها السجين في الولايات المتحدة، ومن بعد يمكنها ان
تضمن وجود خصم قوي لحماس في الساحة الفلسطينية، وهذا في نظر المسؤولين
الاسرائيليين يضعف الطرفين الفلسطينيين (فتح) و(حماس)، ويحقق مكسبا
اسرائيليا مهما.
وقد جاء الرد على ذلك كله واضحا حين قال البرغوثي من وراء القضبان
أنه يؤكد دعمه للحكومة الفلسطينية التي شكلتها (حماس) في مواجهة
(الضغوط الدولية الظالمة). وهذا قد يجعل الطرفين الاسرائيلي والاميركي
يعيدان النظر في صفقة مبادلته ببولارد، ويوقفان التفكير في الافراج
عنه، من حيث الاصل.
وهنا نتوقف عند ما قالته زوجة مروان البرغوثي فدوى البرغوثي: (ان
الافراج عن مروان هو استحقاق سياسي ومطلب فلسطيني شعبي.. وأنا لا
احب ان اتعاطى مع إشاعات) !.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
في الموضوع
التخريب الذاتي
مازالت
الدهشة تسيطر على جزء من فكري هذه الايام من عبارة تحدث بها صديق
ذات يوم ، عن ان اجهزة الأمن القت القبض على رجل كان يعمل استاذا
جامعيا ويشغل منصبا حكوميا مهما بتهمة الجاسوسية لاسرائيل في اواخر
ايام حكم الرئيس الاسبق جمال عبدالناصر. سبب الدهشة هو ان التحقيقات
مع ذلك الرجل ، تضمنت افادته بان ما طلب الاسرائيليون ـ الذين جندوه
ـ تنفيذه لم يكن نقل معلومات حساسة اليهم عن الاحوال في مصر ، بغرض
التعرف على نقاط ضعف ، يمكن لهم من خلالها الهجوم على مصر ، وانما
الاكتفاء بمهمة لاتثير الشكوك فيه ، وهي استخدام موقعه الوظيفي ومكانته
الاكاديمية ، في ترشيح العناصر الاقل كفاءة والاكثر عرضة للفساد
والإفساد ، لتولي مناصب رئيسية واستبعاد الاشخاص الذين يتصفون بالقدرة
والكفاءة والاخلاص.
سبب الدهشة ، هو ان مهمة من هذا النوع ، ليست من المهام التقليدية
التي يضطلع بها الجواسيس ، لكنها تنتقل بانشطة الاختراق الاجنبي
العدائي لدولة ما ، من مجرد نقل المعلومات الحساسة الى استخدام اعمال
الاختراق في انشطة التخريب. فاختيار أسوأ العناصر لتولي الوظائف
المهمة ، هو بمثابة زرع متفجرات موقوتة في الجسم الوطني ، لاتؤدي
فقط الى تعطيل العمل ، وانما تؤدي مع طول الوقت الى الفشل في تنفيذ
السياسات المعلنة ، وتسبب الاحباط والتذمر لدى المواطنين من الحكم
، وتتحول الى مصادر للخطر ، يمكن ان ينفجر في اي لحظة لكي يدمر الوطن
كله.
يحدث ذلك من خلال التباطؤ في تنفيذ المهام ، او ترويج الاحساس بعدم
الانتماء الى الوطن ، او الصمت عن ممارسات غير قانونية مثل تلقي
الرشوة ، والاهتمام بإرضاء الحاكم اكثر من الالتزام بقناعة ناتجة
عن ارضاء الضمير. وتجاهل المطالب الشعبية الاساسية التي تجعل الشعب
يشعر بانه يحصل على حقوقه في وطنه ، وكذلك التراخي في شرح حقيقة
الاوضاع للناس ، واسباب التأخر في تلبية احتياجاتهم ، مما يعني عدم
احترام المواطن وعدم الاعتراف بحقوقه.
ومع مرور الوقت ، تصل الى قمة السلطة قيادات عاجزة عن تحمل المسوؤلية
لكنها ـ في سطحيتها الواضحة ـ تستمتع بما توفره لها السلطة من ميزات
، لايستطيع العاجزون ومحدودو القدرات الحصول عليها الا غصبا ، من
خلال سيطرتهم على هذه السلطة. وتدفعهم الرغبة في الاحتفاظ بهذه الميزات
، الى اختيار معاونيهم ومرؤوسيهم من اشخاص على قدرات اقل من قدراتهم
، ومع استمرار هذه المتوالية في العمل ، ينتهي الامر الى تكريس العجز
والاهمال والتخلف في مؤسسات السلطة ، بكل ما يحمله من تعطيل للمصالح
، وقتل للمواهب والكفاءات ، ونشر للفساد وتشجيع للمفسدين، وتحويل
للولاء من الوطن. كشخصية اعتبارية ـ الى الرئيس كشخصية طبيعية.
ومن اجل المحافظة على استمرار مصالح المستفيدين ، تجري عملية تكريس
لاستبداد الرئيس، وخدمة نظامه للابقاء عليه في موقعه لاطول فترة
ممكنة. اذا كان جاسوسا من هذا النوع ، تكشف امره قبل حوالي 40 عاما
، فانه من المحتمل ان يكون آخرون مثله يتواجدون حاليا في دول عربية
عديدة، لكن لم يمكن كشف امرهم وبدأوا ممارسة مهامهم منذ ذلك الوقت
ونجحوا على مدى عقود عديدة في الوصول بالوضع العربي الى درجة التردي
التي يعاني منها. واذا كان ذلك حدث على مدى عقود عديدة، ووصل الامر
به الى الحال السائد حاليا ، فانه يشير الى نجاح عملية (التخريب
الذاتي) في التغلغل داخل المجتمع، ووصولها الى اعماق الوطن والمواطن
في اقطار العرب ويطرح ذلك قضية مهمة بشأن مناقشة القضايا بصراحة،
وان كان ذلك لايتحقق الا من خلال البدء في عملية اعادة بناء المواطن
، والترويج للمعرفة بدلا من الجهل ، واستبعاد المشروعات الزائفة
في هذا السياق ، ورفع كفاءة الانسان في اوطاننا ، وتأكيد حقوق المواطنة
للجميع حتى يمكن تشجيع كل مواطن على الوفاء بواجبات المواطنة.
ويطرح ذلك سؤالا مهما آخر ، يتعلق باسباب وقوع استاذ جامعي ومسؤول
مهم في دولة معينة ، في شراك عدو نجح في تجنيده لتخريب وطنه ، ويطرح
ذلك سؤالا ثالثا ، عما اذا كان ذلك الاستاذ والمسؤول كان يشعر بان
خصومة بينه وبين نظام الحكم في بلاده ، تجعله يتحول الى خصم لبلاده
كلها ، ويتصور ان تخريب النظام واعاقة تنفيذ سياساته لايترك أثرا
سيئا باحداث تخريب في وطنه ، وبذلك تتغلب خصومته مع النظام ـ حتى
ان كانت حقيقية ـ على انتمائه لوطنه وارتباطه به، وبغض الطرف عن
حقيقة ان العدو الصهيوني ليس خصما للنظام ، وانما يستهدف الوطن كله
، بما فيه ما يحقق مصلحة ذلك المواطن نفسه.
ان زرع بذور الفساد والتخريب الذاتي ، اصبح من الاساليب التي تتبعها
اجهزة المخابرات الاجنبية ، واذا كان ذلك حدث منذ فترة طويلة ، فان
مانراه الان يعتبر نتائج منطقية لما جرى من قبل ، وأولئك الذين يمارسون
هذا التخريب ، ليسوا ـ بالضرورة ـ عملاء للعدو ، وانما جهلاء ومحدودو
القدرات، من اولئك الذين جاءت بهم عملية التخريب الى مواقع مهمة
، وسهلت لهم مهمة التخريب ايضا ، لان احساسهم بعدم الثقة في المنافسة
الشريفة ، يدفعهم الى اللجوء لأساليب اخرى لتحقيق اهدافهم ـ التي
يرونها مشروعة ـ في تحسين اوضاعهم، او للمحافظة على ميزات اكتسبوها
بطريق أو بآخر. ومن ثم فان الذين يمارسون هذه المهمة التي تصل الى
مستوى الجريمة في حق الوطن ، ليسوا ـ بالضرورة ـ عملاء ، وانما مجرمون
يحتاجون الى التقويم والارشاد ورفع الكفاءة بإعادة التأهيل ، بقدر
ما يتطلب الأمر محاسبتهم.
وفي هذا الاطار ، فان عملية اعادة البناء ـ المطلوبة بإلحاح ـ تتطلب
قوة وطنية تطرح القضايا الحقيقية للاصلاح ، وتبدأ من اعادة بناء
المواطن نفسه ، وتعمل على تحقيق حالة من المصالحة مع النفس ومع المجتمع
، تتبنى منطق المصارحة في تقديم الحقائق ، ويكون شرط غفران الممارسات
الخاطئة التي تدخل في اطار (التخريب الذاتي) هو الاقرار بان تغيير
الواقع السيء المتردي يحتاج اقرارا واضحا بتشخيص صريح له ، ثم الانتقال
الى العمل ـ في اطار خطة واضحة ـ لانهاء عملية (التخريب الذاتي)
وقطع الطريق على العدو لتدميرنا من الداخل.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
3 أبعاد
مشغولون بالعرب
الأميركيون
مشغولون بالعالم العربي والإسلامي منذ هجمات سبتمبر 2001 ثم استمر
هذا الانشغال مع الغزو الأميركي للعراق. وليس أدل على هذا الانشغال
من صفحات الصحف الأميركية وشاشات التلفزة. ولنستعرض بسرعة في السطور
التالية صفحات اثنتين من كبرى الصحف الأميركية في يومين متتاليين.
في صحيفة نيويورك تايمز يوم السبت نجد على الصفحة الأولى كيف ان
خمسة جنرالات أميركيين متقاعدين يطالبون باستقالة وزير الدفاع الأميركي
دونالد رمسفيلد بسبب فشله في إدارة الحرب في العراق وأخطائه التي
اسفرت ضمن اشياء اخرى عن فضيحة سجن ابو غريب في بغداد. وفي الصفحة
الأولى ايضا نجد تغطية لأقوال زكريا موسوى امام المحكمة التي تنظر
فيما إذا كان بجب ان توقع عليه عقوبة الإعدام لدوره الذي اعترف به
في هجمات سبتمبر 2001. موسوي اعرب اثناء اقواله عن السعادة لمشاهدة
الم وفاجعة اهالي ضحايا الهجمات. وفي صفحتها الأولى ايضا تقرير عن
عودة الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية
خالي الوفاض بعد زيارة لطهران لمحادثات استهدفت اقناع إيران بوقف
تخصيب اليورانيوم. وفي الصفحة الرابعة تقرير طويل من مراسلها في
مصر عن انفلونزا الطيور في بلدة كفر الشيخ ابراهبم . زار المراسل
اسرة في القرية حيث اخبرته احدى ربات البيوت انها سوف تختار اطعام
اطفالها دجاجا وبطا على ان تقتل الدجاج والبط في ساحة المنزل حماية
لهم من انفلونزا الطيور. ويقول المراسل إن الفقر والجوع عائقان امام
مكافحة الوباء الزاحف على العالم. وفي الصفحة العاشرة تقرير عن التوتر
في تشاد على الحدود مع السودان بسبب قتال بين قوات الحكومة والمتمردين
على الرغم من ان السودان وتشاد وقعا في فبراير الماضي اتفاقية سلام
استهدفت تخفيف التوتر على الحدود. ويقول التقرير إن الحرب في دارفور
مصدر لزعزعة الاستقرار في تشاد. وفي الصفحة الثانية عشرة نجد تقريرا
من العاصمة الأردنية عمان عن اقتحام قوات الأمن الأردنية سجنا لسحق
تمرد قام به مسجونون من المتطرفين مما اسفر عن قتل مسجون واصابة
خمسة وثلاثين من الحرس والمسجونين على حد سواء. وتقول الصحيفة إن
التمرد في السجون في العالم العربي يرتبط بازدياد اعداد المتطرفين
الذين يزج بهم فيها. وفي الصفحة نفسها تقرير عن بيع معلومات عسكرية
اميركية في بازارات و أسواق أفغانستان. هذه المعلومات موجودة على
سوفت وير منتزع من اجهزة الحاسب الآلية العسكرية في قاعدة باغرام
الأميركية شمال كابول. وفي الصفحة الرابعة عشرة تقرير مطول عن توجيهات
على فيديو عبر الانترنيت اصدرها ايمن الظواهري للمسلحين في العراق
وعن العلاقة بين الظواهري، الرجل الثاني في القاعدة بعد اسامة بن
لادن، وابو مصعب الزرقاوي، الاردني الذي يدير أعمالا مسلحة وانتحارية
في العراق. وفي الصفحة نفسها تقرير عن قتل محسن موسى متولي احد كبار
رجال القاعدة في بيشاور في باكستان. وفي الصفحة السادسة عشرة تقرير
عن منع طارق رمضان احد زعماء المسلمين في سويسرا من دخول الولايات
المتحدة رغم ان جامعة اميركية تعاقدت معه للتدريس فيها. وفي الصفحة
العشرين تقرير عن كيف ان الغبار والأدخنة والسموم البيئية الناجمة
عن انهيار برجي مركز التجارة العالمي في سبتمبر 2001 لا تزال تتسبب
اليوم في موت اشخاص آخرهم رجل مباحث الشرطة جيمس زرجودا الذي قرر
مركز الطب الشرعي في نيويورك ان سبب وفاته يعزى الى هذه العوامل.
واخيرا في صفحات الرأي في نيويورك تايمز يوم السبت مقال عن اسلحة
الدمار الشامل في العراق وكيف ان الرئيس بوش استحدم الأكذوبة كأداة
لضمان فوزه في انتخابات الرئاسة ، ثم في صفحة بريد القراء رسائل
نشرتها الصحيفة من القراء عن فشل الاستخبارات الأميركية قبل شن الحرب
في العراق.هذا كله في صحيفة واحدة في يوم واحد. وفي صحيفة اميركية
كبرى يوم الأحد نجد واشنطن بوست على صفحتها الأولى تخصص مساحة كبيرة
لتقرير عن ايمن الظواهري يعتمد على مقابلات اجراها مراسل الصحيفة
في القاهرة مع عدد كبير من زملاء الظواهري واصدقائه ورفقائه السابقين
في السجون المصرية. وفي الصفحة الحادية عشرة تنشر الصحيفة تقريرا
عن تجارة القات في الصومال وازدهارها بين النساء ، وتقريرا من افغانستان
عن ربات البيوت وتربية البط والدجاج وعوامل انتشارانفلونزا الطيور،
هو تقرير يماثل التقرير الذي نشرته نيويورك تايمز عن قرية كفر الشيخ
اراهيم في مصر. وفي الصفحة نفسها تقرير عن كيف ان مليارات الدولارات
التي تنفق في العراق لا تزال غير كافية لتوفير الخدمات الأساسية
للعراقيين. وفي صفحة الرأي نجد مقالا عن الاستعدادات العسكرية الأميركية
لضرب إيران ومقال عن بلدة مرجعيون في لبنان وكيف انها تحتضر كرمز
للتعديدة الدينية والعرقية اللبنانية. وهناك مقال عن ان الخلافات
الداخلية بين مسئولي حكومة بوش والأجهزة الحكومية والاستخباراتية
المختلفة هي من أهم عوامل الفشل في العثور على اسامة بن لادن حيا
او ميتا حتى الآن. وهناك مقال آخر عن كيف ان بإمكان الحكومة الأميركية
استخدام السخاء في مساعداتها الخارجية لتحسين صورة الأميركيين في
العالم وخاصة العالم الإسلامي.
اميركا مشغولة بالعرب والمسلمين ربما اكثر من انشغالها بنفسها.
عاطف عبد الجواد
agawad@aol.com
أعلى
حول قانون الهجرة إلى أميركا
رونالد بروانشتاين *
هل عبارة " الجرأة المصحوبة بالثقة بالنفس " يمكن ترجمتها
إلى اللغة الإسبانية؟ إنه سؤال منطقي بعد صدور البيان المشترك لرئيس
مجلس النواب الأميركي دينيس هاستريت وزعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ
الأميركي بيل فريست الأسبوع الماضي حول انسداد الأفق والمتاهة التي
تعوق عمل الكونغرس في تشريع لإصلاح قوانين الهجرة . لقد ألقى فريست
وهاستريت باللائمة على الديمقراطيين في واحدة من أكثر الأفكار إثارة
للجدل في المناقشة : الفقرة في التشريع التي مررها مجلس النواب الأميركي
في شهر ديسمبر الماضي والتي تحدد وجود ما يقدر بمن 11 مليون إلى
12 مليون مهاجر غير شرعي في أميركا على أنهم مجرمون . وتعتزم "
اللجنة الوطنية الجمهورية " نشر إعلانات باللغة الأسبانية لتذيع
هذه التهمة . إن اقتراح تحديد المهاجرين غير الشرعيين على أنهم مجرمون
, أكثر من أي شئ آخر , قد أثار موجة من الاحتجاجات على مستوى أميركا
ضد مشروع قانون المجلس . وفي الواقع , ومن بداية النقاش الأخير ,
قاد الجمهوريون فكرة فرض جزاءات أو عقوبات جنائية على المهاجرين
غير الشرعيين . وعلى الرغم من أن الرئيس بوش لم يعترف قط بأبوة الفكرة
, إلا أن أباء الفكرة يشملون أناسا في إدارته . إنه من قبيل الجريمة
عبور الحدود بدون ترخيص أو سند قانوني . ولكن " الوجود غير
القانوني " في الولايات المتحدة ليس جريمة ؛ إنه مخالفة مدنية
لقوانين الهجرة. وعند التطبيق ,وعندما يعثر على مهاجرين غير شرعيين
في الولايات المتحدة, تقوم الحكومة دائما تقريبا بترحيلهم من خلال
إجراءات مدنية وليس محاولة محاكمة جنائية مكلفة على عبور الحدود
,وهو ما يكون صعبا غالبا في إثباته .
على أن هناك خللا في القانون ,تؤثر على المهاجرين غير الشرعيين الذين
يصلون أولا من خلال تأشيرات صالحة وليس من خلال التسلل عبر الصحراء
. ولنتذكر : إن الوجود غير القانوني هو مخالفة مدنية وليس جنائية
. وهذا يعني أنه ليس من قبيل الجريمة البقاء في الولايات المتحدة
بعد انتهاء تأشيرتك . فإذا مد الناس إقامتهم أكثر من اللازم , فإن
كل ما يمكن للحكومة أن تفعله هو إرسالهم إلى أوطانهم . وهذا يذهل
بعض مسئولي الإدارة وصانعي القوانين من الحزب الجمهوري الأميركي
على أساس أنه غير عادل وغير مقبول . لأنه من قبيل الجريمة أن تدخل
الولايات المتحدة بدون ترخيص أو سند قانوني , فإن بعض الناس يعتقدون
أن الأشخاص الذين يمدون إقامتهم أكثر من اللازم بدون سند قانوني
يجب أن يواجهوا عقوبة جنائية . ولذا , ففي الوقت الذي كان فيه رئيس
اللجنة القضائية بمجلس النواب جيمس سينسنبرينر مشروعه لقانون أمن
الحدود العام الماضي , طلبت منه وزارة العدل تضمين فقرة تجعل الوجود
غير القانوني في الولايات المتحدة جريمة .وقال سينسنبرينر في بهو
المجلس في ديسمبر الماضي إن الفكرة أتت من إدارة بوش , كما أن مسئولا
بالإدارة الأميركية أكد في الأسبوع الماضي - مشترطا عدم ذكر اسمه-
روايته . ويتفق كلا الحزبين ( الجمهوري والديمقراطي ) على أن الإدارة
الأميركية لم تخبر سينسبرينر ما نوع الجرم الذي تعتقد أنه يجب أن
يكون بالنسبة للوجود غير الشرعي في الولايات المتحدة . ولذا فقد
اقترح سينسبرينر جعله جنحة ' خاضعة لسنة ويوم سجنا . وفد عارض ديمقراطيون
وجماعات مدافعة عن حقوق المهاجرين هذا الاقتراح من البداية . ووجهوا
الاتهام -بوجه خاص - إلى أن الفكرة تخفي وراءها أجندة بعيدة عن حجة
المساواة في الجزاءات أو العقوبات بين تجاوز الإقامة بعد انتهاء
التأشيرة والتسلل عبر الحدود . وكانت النائبة عن ولاية كاليفورنيا
ليندا سانشيز قد حددت واحدة من تلك المسائل المقلقة : فبتحديد كل
المهاجرين غير الشرعيين على أنهم مجرمون , كما قالت , فإن مشروع
القانون سيزيد الضغط على مسئولي تنفيذ القانون المحليين للإمساك
بهم - وهي أولوية كبيرة بالنسبة لكثير من المحافظين .إن الاقتراحات
- مثل تلك التي يؤيدها معظم أعضاء مجلس الشيوخ - للسماح للمهاجرين
غير الشرعيين بالعمل بصورة غير قانونية في الولايات المتحدة والانتقال
نحو المواطنة تستبعد أولئك الذين لهم سجل جنائي خطير . فإذا ما تم
وصم كل المهاجرين غير الشرعيين الحاليين بالمجرمين , كما أشار الديمقراطيون
, فسيكونوا غير مؤهلين قانونا لأي برنامج إضفاء شرعية أو قانونية
مستقبلية . وبعد أن وافقت اللجنة على مشروع القانون , طالبت الإدارة
الأميركية سينسبرينر بتغيير العقوبة المقترحة من جناية إلى جنحة
. ووافق سينسبرينر وقال في بهو المجلس إنه خلص إلى أن تحديد الجناية
كان غير مجد لأنه سيتطلب لائحة اتهام من هيئة محلفين كبرى ومحاكمة
من هيئة محلفين ومدافع ( محام ) عام للمهاجر غير الشرعي . ولكن تعديل
سينسنبرينر بتغيير الجناية إلى جنحة أخفق عندما صوت معظم الديمقراطيون
مع بعض المحافظين ضده . وهذا هو التصويت الذي استشهد به اهستريت
وفريست لإلقاء اللوم على الديمقراطيين بالنسبة للفقرة التي ستصم
المهاجرين غير الشرعيين بأنهم مجرمون . إن هاستريت وفريست محقان
في أن الوضعية السياسية أسهمت في تصويت الديمقراطيين : فهم لديهم
القليل من الاهتمام في مساعدة الجمهوريين على التخفيف من الجزء الحاد
في مشروع قانون الحزب الجمهوري . ولكن المعارضة الديمقراطية ارتكزت
إلى معارضة أعمق يتجاهلها هاستريت وفريست . فلو كان الديمقراطيون
في مجلس النواب الأميركي قد أيدوا تعديل سينسبرينر , لكانوا قد صوتوا
بجعل الوجود غير الشرعي في الولايات المتحدة جنحة . على أن كل الديمقراطيين
يعتقدون أنه يجب ألا يكون جناية . ومشروع القانون للديمقراطيين في
مجلس النواب يبقي الوجود غير الشرعي في الولايات المتحدة مخالفة
مدنية , وليس جناية . إن الجميع , بمن فيهم البيت الأبيض وقادة مجلس
الشيوخ في كلا الحزبين , يتشاركون في المسئولية على انسداد الأفق
والمتاهة بالنسبة لموضوع الهجرة . ولكن إعادة كتابة الماضي إنما
تجعل من الأصعب المضي قدما . وبهذا البيان المضلل ( من هاستريت وفريست
),يبدو أن هاستريت وفريست قلقان بشكل أقل بشأن حل الأزمة عن محاولة
ضمان ألا يلام الجمهوريون إذا استمرت الأزمة.
* مراسل سياسي لصحيفة " التايمز "
* خدمة " لوس أنجلوس تايمز " - خاص بـ " الوطن "
أعلى
مخاطر الحرب الوقائية
هارفي سيمون*
تكشف التقارير بان مسئولي وزارة الدفاع الأميركية(البنتاغون)الذين
يناقشون بجدية خطط لاستخدام أسلحة نووية لمنع إيران من إنتاج قنبلتها
النووية أن الرئيس بوش يسقط ضحية لنفس النقص في الحنكة والدهاء الذي
دفع جون كنيدي للتفكير بانه يمكنه الهجوم على الصين لمنعها من الحصول
على القنبلة دون ان يفجر حرب كبيرة.بل والأسوأ هو الاحتمالية الكارثية
بان يشكل بوش "تحالف ارادات آخر" من خلال الاشتراك مع
إسرائيل في هجوم مشترك على إيران.يظهر عجز كنيدي عن إدراك مغبة خطته
بمهاجمة الصين قبل 45 سنة في ظروف تشبه الى حد كبير ظروف اليوم كيف
أن الرئيس بوش يمكن بسهولة ان تزل قدمه في حرب جديدة كبيرة في الشرق
الأوسط.في يناير عام 1963 ابلغ كنيدي دبلوماسي فرنسي زائر أن الصين
المسلحة نوويا تشكل تهديدا بالغا لمستقبل الإنسانية والعالم الحر
والحرية على ظهر الكرة الارضية.وتتشابه كلمات كندى بشكل كبير مع
تصريح بوش في يناير الماضي بان إيران ذات اسلحة نووية تمثل خطرا
بالغا على امن العالم.حتى الآن تسمح ادارة بوش بشكل عاقل للمجتمع
الدولي باتخاذ زمام المبادرة في الرد على التهديد الإيراني.وهذه
الجهود الدولية لاقناع إيران بالتخلي عن طموحاتها النووية قد توقفت
لكنها لا تزال واعدة.فقد ناقش مسئولو الاتحاد الأوروبي مؤخرا العقوبات
الدبلوماسية والاقتصادية ضد إيران للمرة الاولى وحضوا إيران على
الانصياع لطلب الامم المتحدة بوقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم.والإعلان
الإيراني الاخير ان مساعيها لتخصيب اليورانيوم قد حققت انجازا كبيرا
هو استعراض اكثر منه حقيقة ولن يعرقل بشكل كبير الجهود الدولية لوقف
برنامجها النووي.في مطلع الستينات لم يكن أمام كنيدي الكثير الذي
يمكنه عمله عن طريق الدبلوماسية.حيث لم تكن توجد معاهدة منع الانتشار
النووي الموقعة عليها إيران ولم تكن الصين منضمة للأمم المتحدة.كما
ان العزلة الذاتية التي كانت تفرضها الصين على نفسها عن بقية العالم
كانت تجعلها في منأى عن اي قيود تجارية او عقوبات اقتصادية اخرى.وساعدت
قلة الوسائل على دفع كنيدي الى العبث بالخيار العسكري.ويوضح هذا
المسلك ولاسيما رغبته في تحالف دولي سري المخاطر التي يمكن ان تواجه
الرئيس بوش.فقد فكر كنيدي في ضرب الصين الحمراء بشكل احادي لكنه
كان يعتقد ايضا بان هناك فكرة اخرى جيدة.حيث اعتقد بانه يمكن اقناع
رئيس الوزراء السوفيتي نيكيتا خروتشوف بالقيام بعمل عسكري لوقف البرنامج
النووي الصيني.وكان المشهد المروع بشكل كبير لضربة نووية مشتركة
هو ان تحلق طائرة اميركية واخرى سوفيتية معا فوق المنشات النووية
الصينية وتسقط كل واحدة منها قنبلة عليها.ويمكن ان تنفجر واحدة فقط
من القنبلتين مما يجعل من المستحيل تحديد اي من السلاح الاميركي
او الروسي هو الذي حول المنشات النووية الصينية الى انقاض.و تذكر
هذه الخطة بفرقة الرمي التي يطلق كل واحد فيها عدا فرد واحد الطلقات
على الضحية.ويتعين على مخططي البيت الأبيض ان يكونوا على قناعة بشكل
ما بان فرقتهم للرمي النووي يمكن ان تعفي الولايات المتحدة بشكل
مماثل من المحاسبة الكاملة.ان عواقب قصف أميركي- سوفيتي للصين بما
في ذلك حرب شاملة بين الصين وروسيا والولايات المتحدة هي بمثابة
وقف العقل عن التفكير.فلو اخذ مسئولو ادارة بوش بلعبة الحرب التي
كان يريدها كنيدي مع الصين فانه يمكن ادراك ان هجوما نوويا على مواقع
إيرانية ومقتل ما يقدر ب10الاف يمكن ان يكون له عواقب رهيبة بشكل
مماثل.وحتى لو كانت الولايات المتحدة قادرة على التصرف بشكل منفرد
فان إيران من المحتمل ان ترد عسكريا على القوات الاميركية في العراق
وفي اماكن اخرى في المنطقة وربما مع بلدان اخرى في الشرق الأوسط.كما
ان على الولايات المتحدة ان تتوقع موجة غير مسبوقة من الإرهاب لاجيال
قادمة.وفي هذا السياق فان نأي حلفاء أميركا في أرجاء العالم يمكن
أن يكون مصدر كبير لقلقها.من غير المعروف ما اذا كان هناك نقاشات
في واشنطن او تل ابيب بشان هجوم مشترك,وان كانت اسرائيل اليوم على
خلاف روسيا في 1963 تبدو شريكا مستعدا.فاسرائيل التي ضربت المفاعل
النووي العراقي في1981 لمنع العراق من تطوير اسلحة نووية مصممة على
منع اسرائيل من الحصول على القنبلة حتى من قبل ان يعلن الرئيس الإيراني
محمود احمدي نجاد بانه يجب محو اسرائيل من الخريطة.بيد انه اذا كان
على الولايات المتحدة ان تستغل الخبرة المعقولة لاسرائيل ومعرفتها
بإيران للمساعدة في هجوم فان العواقب يمكن ان تتضاعف بشكل واضح.فتخيل
فقط ان دولتين مشتبه بهم بالفعل في الشرق الاوسط بالتآمر على العالم
العربي يصبحان بالفعل قوى مشتركة في الهجوم على بلد مسلم في اول
استخدام للاسلحة النووية منذ الحرب العالمية الثانية.لقد استمر الجدل
حول الصين في ادارة كلينتون خلال حكم الرئيس ليندون جونسون غير ان
تقريرا استخباراتيا جديدا خفف من حدة الخطر سمح للمسئولين الاكثر
تعقلا وهدوء بان يكون لهم الغلبة.وفجرت الصين اول سلاح نووي في 16
اكتوبر1964 و ثبت ان مخاوف كنيدي بان الصين يمكن ان تستخدم ترسانتها
النووية للاستقواء بها في اسيا لا اساس لها.ويبدو ان الحظ سوف يلعب
لعبته مرة اخرى الان وسوف تكسب الرؤوس الهادئة او المسئولين الاكثر
تعقلا وهدوء الجدل الدائر الآن في واشنطن بشان إيران وسوف يتم وقاية
العالم مرة اخرى من العواقب الكارثية التي يمكن ان تاتي من عجز رئيس
على التمتع بالحنكة والدهاء.
*محلل امني قومي سابق في جامعة هارفارد ويكتب تاريخا مغايرا لازمة
الصواريخ الكوبية.خدمة كيه ار تي خاص ب(الوطن).
أعلى
إيران وطريق التحدي
د. بثينة شعبان*
في أول رد فعل على إعلان إيران امتلاكها التقنية لتخصيب اليورانيوم
صرّح البيت الأبيض أن إيران اختارت "طريق التحدّي" ولا
شكّ أنّ إيران قد واجهت تحديات علمية وتقنية تسجلها لها الأجيال
القادمة حين يعترف الجميع في العقدين القادمين أن امتلاك الطاقة
النووية السلمية أساسي لنهضة الأمم في كافة المجالات وهذا بالذات
ما تدركه الولايات المتحدة وأوروبا وجميع الدول المتقدّمة. وحتى
وفق تقديرات هذه الدول فإن إيران لن تتمكن من امتلاك قنبلة نووية
قبل أقلّ من عشر سنوات حتى إذا أرادت ذلك رغم أنّ التصريحات الرسمية
الغربية تُشير إلى 15 شهراً وإلى 3 أشهر أحياناً ولكن لا مصداقية
لها بعد أن افتضح أمر التصريحات المماثلة حول العراق. وجميع أولي
العلم يدركون أنّ الخطوة التي أنجزتها إيران هي خطوة علمية وتقنية
هائلة قامت بها أمم أخرى قبلها مثل الهند وكوريا والصين. إذن هل
تُثار كلّ هذه الضجّة لأنّ بلداً مسلماً قد أخذ هذه المرّة بناصية
العلم والتقنية النووية وأصبح على مسار يوصله إلى مصافّ الدول المتقدمة
في هذا المجال؟ أولهذا السبب تمّت تصفية العلماء العراقيين جسدياً
بعد الاحتلال الأميركي للعراق كي لا تقوم لهذا البلد قائمة لعشرات
السنين؟ ومن جوانب الحرب التي تُشنُّ اليوم من قِبَل القوى الغربية
جميعاً ضدّ المسلمين حرب على الجبهة الفكرية والعلمية والتقنية بهدف
حرمانهم من امتلاك أدوات المعرفة والتقنيات الحديثة حيث يتمّ حرمان
الطلبة المسلمين من ولوج أقسام واختصاصات علمية وهندسية في الجامعات
الغربية والتضييق عليهم وحرمانهم من وصول موقع مساوٍ لزملائهم في
الغرب، ويترافق هذا مع حرمان الدول العربية والإسلامية من استيراد
ما تحتاجه من تقنيات حتى لأسبابٍ طبيّة وإنسانيّة وكلّ من يعمل في
مشافي الأراضي الفلسطينية المحتلة وحتى في الجامعات ومعاهد الأبحاث
يُدرك معنى ما أقوله هنا. لا شكّ أنّ إيران لا تُشكّل اليوم تهديداً
للأمن الوطني الأميركي كما لم يُشكّل العراق يوماً تهديداً له. وكلّ
ما فعلته إيران، وما فعله العراق قبل الاحتلال، هو المطالبة بتحرير
المسجد الأقصى من براثن الاحتلال الأجنبي والتأكيد على حقوق الفلسطينيين
في إقامة دولتهم المستقلّة. ولكنّ الولايات المتحدة الواقعة تحت
النفوذ القوي للوبي الإسرائيلي تقوم بدور الجبهة الأمامية للحرب
الإسرائيلية المتواصلة منذ قرن على العرب، وتتحمّل عالمياً وزر تنفيذ
الأهداف الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية باغتصاب المزيد من الأرض
العربيّة، وقتل المزيد من العرب، بهدف إقامة إسرائيل الكبرى المدججة
بكل وسائل البغي والعدوان. إذا فصلنا العنصر الإسرائيلي من معادلة
الموقف الأميركي، من إيران هذه المرّة، وقبلها العراق، وسوريا والسودان
ولبنان، وفلسطين دوماً، مروراً بمصر والسعودية واليمن، وغيرهم من
العرب دوماً، هل يبقى هناك سبب وجيه لقلق الولايات المتحدة من امتلاك
إيران التقنية النووية أكثر من قلقها من امتلاك كوريا أو الهند أو
الصين التقنية النووية نفسها مثلاً؟ وإذا كانت الولايات المتحدة
تنخرط في هذا الملف بكلّ هذا الاندفاع لصالح إسرائيل، فلصالح من
ينخرط الآخرون الذين يعبّرون عن قلقهم من امتلاك إيران التقنية النووية
في المنطقة بينما تمتلك إسرائيل، وبشكل مؤكد، مئات الرؤوس النوويّة
الموجّهة لكل العواصم والمدن العربية، وهي التي تحتلّ الأرض المقدّسة
في فلسطين وترتكب المجازر يوميّاً وتقتل الأطفال وتهجّر السكان الأصليين
يوميّاً لتستقدم مستوطنين أوروبيين وأميركان بدلاً منهم؟! كيف يمكن
أن تخشى حكومات مسلمة امتلاك إيران أو باكستان للتقنية النووية ولا
تخشى امتلاك إسرائيل المؤكّد للأسلحة النوويّة، رغم أن إيران أعلنت
ومنذُ اللحظة الأولى معاهدة عدم اعتداء مع كلّ جيرانها، بينما تشنّ
إسرائيل الحرب بعد الأخرى ضدّ العرب وتستخدم يوميّاً آخر أنواع الأسلحة
ضدّ العرب لإبادتهم في فلسطين. لنقارن الموقف السلبي للدول الإسلامية
تجاه سعي إيران لامتلاك التقنية السلمية النووية بالموقف الغربي
من سعي إسرائيل، التي يعتبرونها جزءا من "الغرب"، لامتلاك
ليس فقط التقنية بل والأسلحة النوويّة الفتّاكة: فقد تمّ تزويدها
بالتمويل اللازم، وبالعلماء والخبراء والتقنيات، وقامت بريطانيا
بتزويدها عبر النرويج بالماء الثقيل، فيما تكفّلت كلّ من فرنسا والولايات
المتحدة بتقديم المفاعلات النووية، وقامت ألمانيا بتزويدها بالغواصات
اللازمة لحمل الصواريخ النوويّة، وتعاونوا كلهم على البغي والعدوان
بتوفير اليورانيوم، والمعدّات وأيضاً الغطاء الدولي للتسلح الإسرائيلي
النووي! ولذلك فإنّ المسلمين مدعوّون اليوم إلى نبذ الاختلافات المذهبية
الفكرية المتعلقة إما بالاختلاف الفقهي أو بالأصول التاريخية للاختلافات
السياسية القديمة، والعمل على القواسم الشرعية المشتركة بينهم كما
فعلت الدول الغربية المختلفة مذهبياً، ولكنها المتحدة حالياً تحت
راية محاربة الإسلام كائن من كان يحمل رايته: سنيّاً أم شيعيّاً،
متطرفاً أم معتدلاً، ناشطاً أم فقيهاً، وبدون ذلك لن يشكّلوا يوماً
مجموعة دولية تستدعي احترام العالم لهم جميعاً. ومن الصعب على حكومة
الولايات المتحدة اليوم في ضوء الهيمنة التي يفرضها اللوبي الإسرائيلي
على مفاصل السلطات التشريعية والتنفيذية والإعلامية الأميركية أن
تعيد حساباتها في الحروب التي تخوضها نيابة عن إسرائيل ضدّ المسلمين،
ومن الصعب جداً أيضاً، وهي تتمتع بكل هذا الجبروت من القوة العسكرية
والاقتصادية والسياسية، أن تكون أكثر واقعية بحيثُ تبعد مخابراتها
وآلتها العسكرية عن لي عنق التاريخ بهدف خنق وإسكات ملايين البشر
الذين يطالبون بحقّهم المتكافئ والمتساوي مع كلّ إخوانهم في الإنسانية
لصالح زمرة لا تعرف سوى القصف والتدمير والتهجير والقتل أسلوباً
للعيش مع الجوار ولبناء دولة على أنقاض فلسطين والعراق وعلى أشلاء
أطفال يتضرجون في دمائهم من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا، إلى قانا،
إلى جنين وغزّة إلى محمد الدرّة وآخرهم وليست الأخيرة هديل محمد
غبن ذات الثمانية أعوام التي قتلها إصرار ألمرت وموفاز على جعل القدس
عاصمة لإسرائيلّ! تقرير حركة "بتسليم" الإسرائيلية كشف
أن الجيش الإسرائيلي قتل، منذ عام 2000 فقط، (1816) مواطناً فلسطينياً
لم يشاركوا في الكفاح المسلح بينهم 593 طفلاً وذلك قبل استشهاد الطفلة
هديل وثلاثة أطفال آخرين في الأسبوع الأخير. إذا كان القضاء البريطاني
قد توصّل إلى الاستنتاج بأنّ الإعلاميين البريطانيين توماس هوراندل
وجيمس ميللر قد قتلا بشكلٍ متعمّد وانه يطالب بمحاكمة من قتلهما
كمجرمي حرب فإنه من المؤكّد أنّ آلاف الفلسطينيين ومنهم مئات الأطفال
قد قتلوا بشكلٍ متعمّد من قبل القوات الإسرائيلية، فيما تستمر الإدارات
الأميركية المتعاقبة على دعم من يرتكب المجازر ويهجّر السكّان ويحتلّ
الأرض ويقتل الأطفال. إذن على المسلمين تلمّس أي معالم تقودهم إلى
مسار وحدة المواقف، على الأقل السياسية والدولية، بوجه حملة الإبادة
لوجودهم الدولي. وعليهم محاولة خلق عوامل وحدة الصف، على الأقل تقديم
الدعم المتبادل على المستوى الدولي، وعليهم نبذ عوامل القلق بين
بعضهم البعض التي يثيرها الغرب بهدف شقّ الصفوف، وعليهم السعي لإعادة
النظر بالموقف الدولي المتصدّع الحالي للدول الإسلامية جميعاً على
ضوء ما تطلبه الشريعة من تعاون وتعاضد على البر والتقوى بوجه البغي
والعدوان. إن تخلف المسلمين ومنهم العرب عن ركب العلوم والتكنولوجيا
عامل أساسي في الاستهانة الغربية بهم وانتهاك مقدّساتهم واحتلال
بلدانهم. ويتلخص جوهر السياسة الغربية حيالهم اليوم في وصمهم جميعاً،
أفراداً وشعوباً وأنظمة، بالإرهاب والتطرّف وأي ذريعة أخرى من أجل
الانقضاض عليهم وحرمانهم من منتجات العلم والمعرفة، والإبقاء على
احتلال أراضيهم ونهب ثرواتهم وعدم التعامل معهم بنديّة في المحافل
والقضايا الدولية. إن إنقاذ كرامة الإسلام، وحقوق ومصالح وحياة المسلمين،
يعتمد على قبولهم مبدأ التحدّي العلمي والحضاري ومواجهته بالفكر
والمنطق والعمل الدؤوب والهادف. وإذا كانت الولايات المتحدة قد وصفت
إيران بالسير في طريق التحدّي فلا شكّ أنّ هذا هو الطريق الذي تحتاج
أن تسلكه الأمتان العربية والإسلامية بعيداً عن الخضوع للحرب النفسية
التي تُشنُّ ضدّهم ومحاولات تفريقهم والاستهانة بمقدراتهم وشعوبهم
وحضارتهم.
* وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى
فضيلة التراجع عن الخطأ
نواف أبو الهيجاء*
قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلغاء قانون الوظيفة الأولى لا يمكن
اعتباره هزيمة له, كما أنه لم يكن انتصارا مدويا للطلبة والخريجين
الجدد في فرنسا, بل كان دلالة ايجابية على القبول بحكم الديمقراطية.
التراجع عن هذا القانون الخطأ أو الخاطئ فضيلة, والبحث في سبيل آخر
جديد مقبول لحل الإشكالات الناتجة عن القانون المرفوض توكيد على
أن الفضيلة لا تتركز في الإعتراف بالخطأ فقط, بل كذلك في بديل لتصحيح
الخطأ.صحيح أن فرنسا لا تجمع على الألبان إلا عبر الخيار الفردي
الجماعي تبعا للأذواق, لكنها أيضا أجمعت على خيار فك الاشتباك ووقف
التصعيد والاحتقان, ثم التفكير الهادئ في اجواء مناسبة للخروج بنتيجة
ترضي الجميع, حيث يشعر الطلاب والموظفون الخريجون الجدد بالعدالة.
قد يقال أن شبح درس ديغول كان حاضرا في ذهن جاك شيراك ساعة قرر إلغاء
القانون المثير للغضب والاختلاف, لكن هذا, حتى لو كان, ليس نقيصة
لأن الإفادة من الدروس والعبر حكمة وضرورة إنسانية كذلك. التجارب
دروس, والتجارب حصص تقدم مجانا لكل من يبحث في الخلاصات والفوائد
والعبر من بني البشر. وأمام ما حدث في فرنسا يرفع من له قبعة قبعته
احتراما للإحتكام الى رأي الشارع, ويحني رأسه من لا يرتدي قبعة أمام
هذا الحدث الديمقراطي البارز. ولعل الدرس لنا يكمن في التأمل من
زاويتين في آن واحد: الأولى: إن احتكام العقل يجنب العواقب الناتجة
عن المكابرة والإصرار على الخطأ رأيا وممارسة, سيان أكان الفعل عقليا
أم حركيا. والثاني: أن الخضوع لحكم الديمقراطية في الداخل يجب أن
يكون مصحوبا بفعل مماثل أو مطابق إزاء التعامل مع الخارج.في الزاوية
المتصلة بسياسة فرنسا ـ شيراك ـ مع الخارج, لا بد من تسجيل وجود
سلبيات تبتعد عن متطلبات الروح الديمقراطية في الداخل. فمثلا لا
بد أن يسجل المراقب أن الحكومة الفرنسية ـ شأنها شأن الإتحاد الأوروبي
عموما, لم تتعامل مع خيار شعب فلسطين بالروح التي قابلت بها رفض
الطلبة والشارع الفرنسي قانون الوظيفة الأولى, أعني أن فرنسا لم
ترفع القبعة احتراما لخيار الفلسطينيين الديمقراطي, وهي بهذا تصرفت
خلافا لقوانين الحرية والديمقراطية, إذ لا يمكن أن يكون الإنسان
ديمقراطيا في داره وغير ذلك في الشارع, أو حيال دور الآخرين وحقوقهم.
الحرية كل متكامل, والضابط الأخلاقي يحتم التجانس في الممارسة, ويجنب
حدوث التناقض البيّن في الممارسة بين الداخل والخارج. من هنا كنا
سنرى, مثلا, أن ترفض فرنسا معاقبة شعب فلسطين على خياره الديمقراطي,
وتنأى بنفسها عن الزج في عملية اغتيال مزدوجة, اغتيال للديمقراطية
واغتيال لشعب محاصر بصغاره وكباره واحلامه وحقوقه المشروعة.هذه الإزدواجية
انحراف عن مبادئ الحرية والديمقراطية وكنا سنحترم جدا موقفا صريحا
عن فرنسا يقول على الأقل بمنطق الطلب من المعتدي المحتل الاعتراف
بحقوق شعب فلسطين في الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وكنا
نتوقع أن تقف فرنسا شيراك بقوة ضد بناء الجدار العازل وضد عمليات
القتل والاغتيال والمداهمات اليومية التي يمارسها الاحتلال في فلسطين,
ضد شعب أعزل, إن كان في الضفة الغربية أم في قطاع غزة.بل كنا نتوقع
أن يكون الموقف الفرنسي ضاغطا بقوة بحيث ينعكس ايجابيا في مواقف
الاتحاد الأوروبي والموقف الدولي عموما عبر الدعوة الى احترام خيار
شعب فلسطين, والدعوة للكف عن ممارسة العسف اليومي ضد هذا الشعب.
حتى هذه اللحظة فإن الضغوط تترى على شعب فلسطين وحكومته وهي ليست
حكومة "حماس" بل هي حكومة وطنية فلسطينية جاءت بقرار شعبي
وبخيار حر شهد له القاصي والداني. والسؤال ههنا هو: هل أن معاقبة
شعب فلسطين على هذا النحو ستشجع شعوبا أخرى ودولا أخرى على الخيار
الديمقراطي أم العكس..؟! ثم كيف يكون الإنسان ميّالا الى العدالة
في بيته وميالا للظلم في بيوت الآخرين..؟! لا نتهم هنا حكومة جاك
شيراك بالظلم, لكن نقول إن الموقف الأوروبي عموما اتسم بالظلم وتجنب
الموقف الحيادي بين الشعب الفلسطيني ودولة الإحتلال. كيف يقبل الضمير
الإنساني السكوت على الجرائم والمجازر التي يمارسها المحتل ضد المدنيين
الأبرياء, الأطفال والنساء والشيوخ وحتى البيوت والأشجار في قطاع
غزة وفي الضفة الغربية..؟! وكيف تسوّغ الضمائر عمليات التجويع والمحاصرة
لخمسة ملايين انسان جريمتهم أنهم يحلمون مثل بقية الشعوب..؟! إن
الموقف الأوروبي والمنسحب حاليا على مواقف أخرى لدول أخرى, من شعب
فلسطين تمثل انزياحا كبيرا عن خط العدالة وعن مبادئ الإنسان وشرائعه
وقوانينه ومنها حقوق الإنسان وحرياته الأساس. فكيف يستقيم مثل هذا
مع الدعوات اليومية المتكررة لوقف العنف والجور والمظالم في العالم
كله..؟! لم نصدق أن تمضي اوروبا في موقف عقاب الشعب الفلسطيني واغماض
الطرف عن ممارسات اسرائيل التي تقترن بمباهاة رموز هذه الدولة بالقدرة
على قطع كل سبل الحياة والعيش عن ملايين الفلسطينيين الواقعين تحت
مطرقة الإحتلال إن كانوا من سكان الضفة أم من أهل غزة.. لكن الواقع
جعلنا نصدم بقدر ما كان الموقف الفرنسي الرسمي من القانون المرفوض
مبعث احترام شديد للديمقراطية. لا يمكن تبرير قسوة الآخر في مقابل
رحمتك أنت لذويك, لا يمكن أن يحدث وتصبح الإخلاق نسبية على الإطلاق.
هناك مبادىء وقياسات لا خلاف حولها, ومن ذلك أن العدل لا يتجزأ وأن
الأخلاق لا تتجزأ, وأن الديمقراطية اشتراط قياسي, لا تكون تامة إن
مورست واحترمت في مكان ومنعت أو عوقبت في مكان آخر.
*كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
أعلى
سنة وشيعة عرب وعجم
د.محمد الرميحي*
موضوع التسليح النووي الإيراني وصراع الدولة الإيرانية مع العالم
ملف ، والعلاقات العربية مع جمهورية إيران الإسلامية ملف آخر ، والحديث
عن السنة والشيعة ملف ثالث مختلف تماما عن الاثنان السابقان. وأي
خلط بين الملفات الثلاث ، خاصة من الجانب العربي ، هو جهل أو تجاهل
أن حسنت النوايا ، أو هو عمل مدبر يراد به تأجيج المنطقة وكأنها
تحتاج إلى "مفجر" آخر على كثرة الألغام المحيطة بها ،
والإصرار على تغطية الصراع السياسي بصراع مذهبي ، عدى كونه مخاطرة
، لا يقدم عليها إلا من في قلبه مرض.التعميم أولا في كل شيء خطأ
، فليس هناك نظرية ، حتى في العلم الحديث ، تؤيد التعميم المطلق
، أما إطلاق التصورات دون أن تكون مبنية على حقائق أو على أسباب
تحملها ، فهو أمر مضر في حده الأدنى وخطير النتائج أن تعلق بالبشر
، خاصة أن كانت هذه التهيئات لها علاقة بإشاعة الكراهية بين المواطنين،
ووضعهم في قفص اتهام دون وجه حق.في الملف الأول " احتمال تسلح
إيران بأسلحة نووية" يقف العرب دون قدرة عملية لا على إقناع
إيران باتخاذ مسار آخر ، ولا على إقناع القوى الدولية للنظر في الموضوع
بغير ما تقرر هي ومؤسساتها ، عدى أن العرب ليسوا على قلب واحد في
هذا الملف الخطير ، فمنهم من يرى من حيث المبدأ أو من حيث تعزيز
التوازن في القدرات العسكرية مع إسرائيل ، أن مثل هذا العمل "الحصول
على المقدرة النووية" قد يعضد الموقف العربي المقاوم لكل الأطروحات
المعروضة ، وهي قليلة ، من إسرائيل. إلا أن من يعرف منهم حجم قدرته
على التأثير في هذا الملف ، ولو كان راغبا في الحصول على توازن ما
، يعرف انه محدود الإمكانيات والوسائل .مُمًثل حماس خالد مشعل في
محاضرة له في طهران في زيارته قبل الأخيرة سئل عن مدى إمكانية المساعدة
الفلسطينية لو تعرضت منشات إيران النووية لاعتداء إسرائيلي "وهو
احد السيناريوهات المطروحة" فأجاب أن فلسطين بلد صغير لا تستطيع
أن تقوم بالشيء الكثير في هذا الموضوع! وقبلها بعد أن هدد قبل أشهر
محمود نجاد بضرب إسرائيل ، جاء تصريح من احد المسؤولين الفلسطينيين
وقتها ، بان على إيران أن تساعد في "بناء فلسطين، قبل أن تفكر
في "خراب إسرائيل" على الرغم من تواضع الإجابتين وربما
قربهما إلى الحقائق على الأرض ، إلا أن المهم هنا الإشارة إلى التصريحين
السابق واللاحق الذي أدلى بهما ممثلان فلسطينيان ، شاعا بسرعة عن
طريق الرسائل التلفونية النقالة في طهران وبين الإيرانيين المتشككين
أصلا في أن ترفد العلاقة العربية\ الإيرانية بمصادر قوة للأخيرة
، وهو دليل مادي على أن البعض في إيران يعرف خطورة المبالغة في "العون
العربي" خارج التعاطف أللفظي! كما يعرف هذا البعض خطورة المبالغة
في "القوة الإيرانية" التي تروج بدورها لثقافة الخوف في
الغرب. وكلما زادت إشاعة الربط بين "القدرة النووية لإيران
و"القبلة الثانية" القدس، تزيد المتاجرة بالمخاوف الغربية.
في الوقت الذي يعلم أي عاقل استحالة مثل ذلك الاستخدام عملا،حيث
تجاور "القدس" دمشق وبيروت وعمان!في الملف الثاني وهو
العلاقة العربية الإيرانية،هناك موقفين أيضا احدهما يرى أن التعاون
اللصيق مع إيران يعطي مناعة للمواقف العربية المضادة للتدخل الغربي
في المنطقة ، والتي تفقد قدرتها الذاتية على الممانعة بسبب تفشي
القمع،وآخرون يرون أن التدخل الواسع لإيران "الدولة" في
المنطقة يسبب ضيقا وحرجا، بل يضيف إلى التصدع العربي المشهود عوامل
تزيد من تصدعه. عاملان يزيدان التخوف والحذر، الأول القرب الجغرافي،والثاني
المقولات السياسية الإيرانية، فإيران دولة كبيرة مطلة على الخليج
الذي يتوزع في دول صغيرة ومتوسطة،ولا قدرة لها،حتى جماعيا، الوقوف
أمام طموحات إيرانية أن قررت الأخيرة أن تنشط هذه الطموحات لسبب
أو لأخر وباتجاه هدف أو آخر.إلا أن هذين الملفين يمكن أن يقودا إلى
تصور لأسوأ سيناريو لهما ، إذا أضيف ملف موضوع "السنة والشيعة"
هذا الملف ليس له علاقة لا بالملف النووي ولا بملف العلاقة مع إيران،هو
تغطية واستخدام لا أكثر. والخلط للعامة في هذا الملف جائز وبسيط
، فهناك لمن يعرف أن الشيعة في الغالب يتبعون مقلدا حيا في شؤون
فتواهم الروحية ، وقد يكون هذا المقلد في الإحساء أو في البحرين
أو النجف أو في قم أو في لبنان أو في غيرها من الأماكن التي يتواجد
فيها الشيعة ، إلا أن هذا ليس له علاقة البتة بالهوى السياسي لهذه
الفئة أو تلك ، والشيعة مثل السنة مثل غيرهما من الطوائف الإسلامية
لإفرادها أهوية سياسية مختلفة ، بل وقد تكون متناقضة ، ووضعهم جميعا
في سلة واحدة ، عدى كونه غير موضوعي ، هو تطرف مذموم يؤدي إلى اضطراب
في علاقات المواطنة تستفيد منه فقط قوى الترصد ، ويهيئ الأرض لقيم
الكراهية الأهلية.المواطنة شيء والعلاقة الروحية شيء آخر ، فليس
موافقا للعقل أن قلنا أن الكاثوليك العرب يتبعون "سياسيا"
مركز البابوية في روما ، تلك مناكفة قد تنطلي على البعض من العامة
، وبالقياس ليس من الحكمة ولا من الواقع القول أن "جميع"
الشيعة العرب يتبعون إيران سياسيا ، لعدد من الأسباب. فان كانت إيران
ترفع شعار تحرير فلسطين ومناصرة الفلسطينيين ، فهو شعار تهوى إليه
أفئدة كثير من العرب ، بصرف النظر عن هويتهم المذهبية ، مثلهم مع
الفارق الكبير ، مثل "حزام الإيمان" في الولايات المتحدة
الذي يعتقد أن إسرائيل، هي ما ذكر في التوراة!إلا أن السؤال الأهم
ترى من يستفيد من هذا الخلط الذي بدا وكأنه كرة ثلج في وسائل إعلامنا
، لا جدال في أن المستفيد هم قوى التمزيق للنسيج الاجتماعي ، وكأًن
قدرنا هو أن ننشغل في بعضنا أكثر مما ننشغل في فكرة بناء الأوطان.
المواطنة هي فكرة أصيلة وحضارية ، تحوطها الدول بعناية كبيرة وتؤكد
على التعايش المشترك بين الفئات المختلفة من أبناء الوطن ، وفي التاريخ
الحديث للشعوب لم تنجح بلاد استجابت لعواطف بدائية في التفرقة بين
مواطنيها ، وكذلك باءت بالفشل أية فئة تستنصر على أبناء وطنها بقوى
خارجية ، تلك حقيقة تماثلها أيضا حقيقة أن تهميش أو إلغاء شريحة
من المواطنين من الأجندة الوطنية. إن إقامة علاقات سلام مع المختلف
في الوطن الواحد ، وإعلاء تطبيق القانون على الجميع هو الطريق لإقامة
وطن قوى ومجتمع صحي،أما دغدغة "العواطف الدنيا" من المذهبية
والطائفية،فهي الطريق للتحول من كراهية أهلية إلى حرب أهلية والعياذ
بالله.
* كاتب وباحث أكاديمي كويتي
أعلى