|
فتاوى وأحكام
* تعارف الناس على أنه إذا خطبت امرأة من خارج الأسرة قام وليها فاستشار
أبناء عمومتها وأبناء أخوالها إن كانوا يرغبون في الزواج منها قبل
أن يزوجها.
فهل يدخل هذا في النهي عن خطبة الإنسان على خطبة أخيه أم أنه من لوازم
صلة الأرحام وما حكم ذلك؟
** هذه من العادات التي يراد بها المحافظة على الكيان الأسري، وإذا
لم يكن ذلك على حساب رغبة المرأة ورضاها فلا بأس به والله أعلم.
* رجل خطب امرأة وهي في عدة الطلاق من رجل قبله، هل له أن يتزوجها
بعد تمام العدة؟
** إن سكتت ولم ترد بالموافقة فلا حرج، وإن وافقته فلتجعل بينها وبينه
لجة البحر، والله يغنيه بغيرها ويغنيها بغيره والله أعلم.
* هل يصح للأب أن يكره ابنته على الزواج إن امتنعت بسبب رغبتها في
مواصلة دراستها؟
الزواج بغير رضا المرأة لا يصح، فعلى الأب أن يرغبها في الزواج لمصلحتها
من غير إكراهها والله أعلم.
* تقدم رجل صالح لخطبتي فرفضت والدتي هذا الرجل، حيث أنها تريدني أن
أتزوج بشخص آخر، علما أن هذا الشخص يشرب الخمر وهي غير راضية أن أتزوج
بغيره فماذا أفعل وهل يصح لي مخالفتها؟
** تزوجي بالرجل الصالح وإياك والزواج بشارب الخمر فإنه غير مأمون
على مال فضلا أن يكون مأمونا على نفس، وليس عليك في هذا حرج إن خالفت
أمك فإن في ذلك طاعة ربك، والله يوفقك ويجمع بينكم على خير، والسلام
عليكم.
* لقد تزوجت رجلا برضاي وإذن وليي وقد رضيت من الزوج دينه وخلقه، ثم
قام بعض اخوتي وأقاربي بمعارضة هذا الزواج بحجة أن الرجل ليس من قبيلتنا،
فهل يجوز لي أن أطلب فسخ هذا الزواج لهذه الأسباب؟
** الزواج موقوف على رضا المرأة وإذن الولي وصداق وبينة، ولا وجه لاشتراط
أن يكون الزوجان من قبيلة واحدة، وبما أنك رضيت بهذا العقد وأذن به
وليك فالزواج ثابت، ولا يحق لإخوتك وأهلك إنكاره، ولا يجوز لك طلب
فسخه بدون مسوغ شرعي ولا مسوغ فيما ذكرت، على أنك ذكرت بأنك رضيت من
الزوج دينه وخلقه فاستمسكي به، والله يبارك في حياتكما ويؤلف بينكما،
والسلام عليك.
* ما قولكم فيمن زوجها أبوها بغير رضاها برجل سكير، وقد أكل هذا الأب
مهرها وقد أبدى الزوج موافقته على تطليقها على أن ترجع إليه المهر
الذي دفعه لها، وقد عرضت امرأة من أقاربها أن توفر لها هذا المبلغ
بشرط أن توافق على أن تتزوج بأخيها فما الحكم في هذه المسألة؟
** إن كانت رفضت هذا الزواج من أساسه بحيث لم
ترض به زوجا منذ أول وهلة فالزواج غير منعقد لافتقاده شرطا من شروط
صحته، وعليه فلو خطبت في هذه الأثناء لم تحرم على خاطبها، وإنما الورع
في ترك ذلك، والله أعلم.
* فيمن خطبها رجل فوافق والداها غير أن جدتها لأبيها رفضت هذا الزواج
وماتت على ذلك، فهل ترون تزويجها بهذا الرجل الخاطب بعد موت جدتها
أم لا؟
** إن كانت الابنة نفسها راغبة في هذا الرجل فلا مانع من تزويجها به،
لأنها هي العمدة في الرضاء مع إذن وليها والله أعلم.
* رجل خطب امرأة فزوجه إياها أبوها، غير أن المرأة لم توافق على هذا
الزواج بداية الأمر، وبعد العقد كان يجلس معها ولم يظهر له منها عدم
رغبة فيه، وقد مضى على زواجه سنوات وله منها أولاد، فهل يعتبر عقده
عليها صحيحا مع عدم توفر رضاها قبل العقد؟
** بما أنها لم تغير هذا الزواج وأقرته بعد العقد بسكوتها فهو عقد
صحيح، فهي إن كانت لم ترض به قبل وقوعه رضيت به بعد الوقوع وسكوتها
رضا منها والله أعلم.
* رجل تزوج بغير رضا والديه فهل يصح هذا الزواج؟
** عقد زواج الذكر الحر البالغ لا يتوقف على موافقة أبيه، فالعقد صحيح
ولو لم يوافق أبوه عليه، وإن كان هو عاصيا بمخالفة أبيه أو أمه والله
أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
العفــو والصّفْـح
في القرآن الكريم
د.ونيس الطاهر عامر
يشرّفني أن أتناول موضوعا من مواضيع التسامح في الإسلام ، وفي بلد
فتح ذراعيه لكلّ من دعا إلى التسامح والعفو والصفح عن كل مسيء ولوْ
كان من المشركين .والذي دعاني إلى اختيار آيات التسامح في القرآن الكريم
هو أن القرآن أوصى بالتسامح إلى أقصى حدّ ممكن في الأمور الدينية ،
إلى جانب ما أوصى به من احترام للفكر وجميع الآراء ، وما استنكره من
أيّ اعتداء على المعتقدات سواء منها الفردية أو الجماعية . وعلى الناس
أن يهتدوا عن طريق الاقتناع الذاتي إذ (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)ِ
(البقرة: من الآية256) .
هذا من جهة ، ومن أخرى فإنّ الآيات الداعية إلى التسامح لا توجد في
سورة واحدة أو في آية قرآنية واحدة ، أو أنها نزلت في العهد المكي
دون العهد المدني ، بل إننا نجدها تمثّل الفكرة السائدة أو اللاّزمة
ـ إن صحّ التعبير ـ في القرآن الكريم. فإننا مثلا نجد ذكر احترام الديانات
الأخرى وحرية المعتقدات واحترام جميع الآراء في ستّ وثلاثين سورة .
ونجد بهذه السور مائة وخمس وعشرين آية . وعليه فإنّ التسامح يمثّل
حينئذ الفكرة الأساسية في القرآن الكريم .وبما أنّ الدين الإسلامي
وما جاء فيه من تسامح قد اعترف بسائر الأديان الأخرى ، فهو مضطرّ إلى
دعوة المسلمين إلى التحلّي بالتسامح إلى أقصى حدّ ممكن ( كما قلنا
سابقا ) .
وبالرجوع إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، وجدت أربعا وأربعين
آية تتحدّث عن العفو والصفح ، كيف لا وقد قال سبحانه وتعالى : ((فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ
الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ) (آل عمران: من الآية159) .
وحتى لا أطيل على القارئين فسأكتفي بذكر بعض من هذه الآيات مع شرحها
شرحا وجيزا ، مبيّنا الهدف من سبب نزولها . أما ما سيتبقّى من الآيات
فيمكن أن أذكرها إن أمكن لنا الوقت بعد تقديم ما ارتأيته مفيدا .
ولنرجع الآن إلى تفسير الآية التي ذكرتها من سورة آل عمران ، ثم الآيات
الأخرى حسب المستطاع .
جاء في الآيات السابقة لهذه الآية أنّ طوائف من المؤمنين والمنافقين
خالفوا أمر الرسول ، فعفا الله عنهم فيما صنعوا . كما أبرزت الآيات
السابقة مظاهر كثيرة من لين الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين حيث
استشارهم في الخروج ، وحيث لم يثرّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم
، ولما كان عفو الله عنهم يُعرف في معاملة الرسول إياهم . ألاَنَ الله
لهم الرسول تحقيقا لرحمته وعفوه ، فكان المعنى : ولقد عفا الله عنهم
برحمته فلان لهم الرسول بإذن الله وتكوينه إيّاه راحما، قال تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107).
واللّين في هذه الآية هو مجاز في سِعَةِ الخُلق مع أمّة محمّد والمسلمين
، وفي الصّفح عن جفاء المشركين ، وإقالة العثرات ، ودلّ فعل المُضيّ
في قوله تعالى : (( لِنْتَ )) على أنّ ذلك وصفٌ تقرّر وعُرف من خُلقه
، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقه كذلك . والرسول أيضا هو
مأمور بسياسة أمّته بتلك الشريعة السّمحة وتنفيذها فيهم ، وهذا عمل
له ارتباط قويّ بمناسبة خُلق الرسول لطباع أمّته حتى يُلائم خلقه الوسائل
المُتوسّل بها لحمْل أُمّته على الشريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى
مراد الله تعالى منهم .
فقد أُرسل محمّد (صلى الله عليه وسلّم) مفطورا على الرحمة ، فكان لينه
رحمة من الله بالأمّة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على
تحصيلها ، فلذلك جعل لينه مُصاحبًا لرحمة من الله أودعها الله فيه
، إذ هو قد بُعث للناس كافّة ، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين
العرب أوّل شيء لحكمة أرادها الله تعالى في أن يكون العرب هم مُبلّغي
الشريعة للعالم .والمعلوم أنّ العرب أمّة عُرفت بالأنفة ، وإباء الضيم
، وسلامة الفطرة ، وسرعة الفهم ، وهم المتكلّمون الأوّلون للدين ،
فلم تليق بهم الشدّة والغلظة ، ولكنّهم محتاجون إلى استنزال طائرهم
في تبليغ الشريعة لهم ، ليتجنّبوا بذلك المكابرة التي هي الحائل الوحيد
بينهم وبين الإذعان إلى الحقّ .
ووردَ أنّ صفح النبيّ صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سببًا في
دخول كثير في الإسلام ، كما ذكر عياض في كتاب الشفاء .والرسول بعد
هذا لو كان فظّا لنفره كثير ممّن استجاب له فيكونوا من الهالكين ،
والفظّ في هذه الآية هو : السّيئ الخلق ، الجافي الطبع . والغليظ القلب
: هو القاسي قلبه ، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلّة التسامح ، كما
كان اللّين مجازا في عكس ذلك . والانفضاض : هو التفرّق أي من حول الرسول
صلى الله عليه وسلم ، أي الذين دخلوا الإسلام لا يطيقون الشّدّة .
والكلام تمثيل : شُبّهت هيئة النفور منه وكراهية الدخول في دينه بالانفضاض
من حوله أي الفرار عنه متفرّقين ، وهو يؤذن بأنّهم حوله أي متّبعون
له .وقوله تعالى : ((ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (البقرة:52).
في هذه الآية إشارة إلى تذكير قوم موسى عليه السلام بعفو الله عن جرمهم
العظيم المتمثّل في عبادتهم للعجل اقتداء بما فعله سَلفهم ،فالعفو
عن السلف المتمثّل في الآباء هو منّة عليهم وعلى أبنائهم ، وعليه فإنه
يجب على الأبناء الشكر عليه إذ يقول تعالى : (يَا بَنِي إِسْرائيلَ
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ
عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة:122) . وخلاصة الآية هو أنّ العفو حسب
تفسير الشيخ الطاهر بن عاشور هو منّة من الله ، وأنّه أعظم من جميع
تلك النعم التي عدّها الله في الآيات السابقة وهذه فيها زيادة المنّة
، وفيها إشارة إلى أنّ العفو هنا هو عفو من الله حال حصوله بعد ذلك
الذنب العظيم.وقد ذُكرت هذه الآية ثلاث مرات في سورة البقرة ( رقم
40 و 47 و 52) .وقوله تعالى:(( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ
اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))(البقرة:من
الآية109).
في هذه الآية يأمر الله المسلمين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب ، لأنّ
ما حُكي عنهم يُثير غضب المسلمين الذين عُرف عنهم شدّة كراهيتهم للكفر
، فلا جرم أن كان من يؤدّ لهم ذلك يعدّونه أكبر أعدائهم ، فلمّا كان
هذا الخبر مثيرا للغضب خيف أن يفتك المسلمون باليهود ، وهذا ما لا
يرضاه الله منهم ، لأنه تعالى أراد من المسلمين أن يكونوا مُسْتودعَ
عفْوٍ وحُلم حتى يكونوا قدوة في الفضائل .
والعفو عند المفسرين هو ترك عقوبة المذنب . والصّفح بفتح الصاد مصدر
صفح صفحًا إذا أعرض لأنّ الإنسان إذا أعرض عن شيء ولاّه من صفحة وجهه
، وصفح وجهه أي جانبه وعرضه ، وهو مجاز في عدم مواجهته بذكر ذلك الذنب
أي عدم لومه وتثريبه عليه ، وهو أبلغ من العفو . والله تعالى يعلم
كلّ العلم أن المسلمين قد يميلون إلى الانتقام ، فكان لطفه بهم أن
حملهم على مكارم الأخلاق ، ولعلّ في قوله تعالى ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:20) تعليما للمسلمين فضيلة العفو أي
فإن الله على كل شيء قدير ، وهو يعفو ويصفح . وفي الحديث الصحيح :
{ لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عزّ وجلّ يدعون له ندّا وهو يرزقهم
} أو أنه تعالى على كل شيء قدير ، فلو شاء لأهلكهم الآن ولكنّه لحكمته
أمر المسلمين بالعفو عنهم وكل ذلك يرجع إلى الإئتساء بصنع الله تعالى
، وقد قيل : إنّ الحكمة كلها هي التشبّه بالخالق بقدر الطاقة البشرية
.
وقوله تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ
رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)(البقرة: من الآية178).هذه الآية وما جاء قبلها
تنصّ على صنف من التشريع لأحكام ذات بال في صلاح المجتمع الإسلامي
واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد الهجرة جماعة ذات استقلال
بنفسها ومدينتها ، فإنّ هذه الآيات كانت من أوّل ما أٌنزل بالمدينة
عام الهجرة . وتلك الآيات جاءت متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال
المجتمع ، فقبل هذه الآية ، آية تتحدّث عن أحكام القصاص لأنّ أعظم
شيء من اختلال الأحوال اختلال حفظ نفوس الأمّة . وقد أفرط العرب في
الجاهلية في إضاعة هذا الأصل ، ويعلم ذلك كلّ من له إلمام بتاريخ الجاهلية
وآدابهم وأحوالهم ،فقد بلغ بهم تطرّفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال
ذلك فلم يتداركهم الله فيه بنعمة الإسلام . فمقصود هذه الآية هو بيان
أنّ أخذ الوليّ بالقصاص المستفاد من الآية السابقة ( كتب عليكم القصاص
في القتلى) ليس واجبا عليه ولكنّه حقّ له فقط لئلاّ يتوهّم من قوله
( كُتب عليكم ) أنّ الأخذ به واجب على وليّ القتيل ، والتصدّي لتفريع
ذكر هذا بعد ذكر حقّ القصاص للإيماء إلى أنّ الأولى بالناس قبول الصلح
استبقاء لأواصر أخوّة الإسلام .
والقول الفصل في هذا الموضوع أنّ قوله تعالى: ( فمن عُفي له) هو وليّ
المقتول ، وإنّ المراد بأخيه هو القاتل وُصِفَ بأنّه أخ تذكيرا بأخوّة
الإسلام وترقيقا لنفس وليّ المقتول ، لأنه إذا اعتُبرَ القاتل أخًا
له، كان من المروءة ألاّ يرضى بالقَوَدِ منه لأنه كمن رضي بقتل أخيه
، فقد قال بعض العرب : قتل أخوه ابنًا له عمْدا فقدم إليه ليقتادَ
منه فألقى السيف وقال :
أقول للنفس تأساء وتفريــةً ** إحدى يديّ أصابتني ولم تُـرِدِ
كلاهما خَلَفٌ من فقد صاحبه ** هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ومعنى ( عُفي له من أخيه) أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من
عوض الصلح . كما أنّ من معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا
يُجحف بباذله وقد فسّر به العفو من قوله تعالى:( خُذِ العفو ) وإيثار
هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام
، فهذا تأكيد للترغيب الذي دلّ عليه قوله ( من أخيه ) .
ومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دَمِ القتيل بدَلاً من
القصاص لتغيير ما كان أهل الجالية يتحيّرون به من أخذ الصلح في قتل
العمل ويُعدّونه بيْعًا لدم مولاهم كما قال شاعرهم مُرّة الفقعسي :
فلا تأخذوا عقلا من القوم إنني أرى العارَ يبقى والمعاقِلَ تذْهبُ
.
هذا كلّه في العفو على قتل العمد ، وأما قتل الخطأ فإنّ شأنه الديَة
عن عاقلة القاتل . واحتج ابن عباس بهذه الآية على الأزارقة من الخوارج
في أنّ المعصية لا تزيل الإيمان ، لأنّ الله سمّى القاتل أخًا لوليّ
الدّم ، وتلك أخوّة الإسلام مع كون القاتل عاصيا . وقوله : (بالمعروف):
أي الذي تألفه النفوس وتستحسنه ، فهو ممّا تُسرّ به النفوس ولا تشمئزّ
منه ولا تنكره ، والباء في قوله بالمعروف للملابسة أي فاتّباع مصاحب
للمعروف أي رضا وقبول ، وحسنُ اقتضاء إن وقع مطَلٌ ، وقبول التنجيم
إن سأله القاتل. والأداء :الدفع وإبلاغ الحقّ ، والمراد به إعطاء مال
الصلح إلى وليّ المقتول بأن يذهب به إليه ولا يكلّفه الحضور بنفسه
لقبضه أو إرسال من يقبضه ، وفيه إشارة إلى أنّه لا يمطله ، وزاد ذلك
تقريرا بقوله ( بإحسان ) أي دون غضب ، ولا كلام كريه أو جفاء مُعاملة.
وقوله: (ذلك تخفيف من ربّكم) إشارة إلى الحكم المذكور وهو قبول العفو
وإحسان الأداء والعدول عن القصاص تخفيف من الله على الناس فهو رحمة
منه أي أثرُ رحمته ، إذ التخفيف في الحكم أثًرُ الرحمة ، فالآخذ بالقصاص
عدْلٌ والآخذُ بالعفو رحمة .
ولمّا كانت مشروعية القصاص كافية في تحقيق مقصد الشريعة في شرع القصاص
من ازدجار الناس عن قتل النفوس وتحقيق حفظ حقّ المقتول بكون الخيرة
للوليّ كان الإذن في العفو إن تراضيا عليه رحمة من الله بالجانبين
، فالعدل مقدّم والرحمة تأتي بعده .
وقوله تعالى:( إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ
عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(البقرة:
من الآية237) .
هذه الآية تشير إلى تسامح المرأة مع مطلّقها ، بأن تسقط عنه نصف المهر
، وتسمية هذا الإسقاط عفْوا ظاهرة ، لأنّ نصف المهر حقّ وجب على المطلّق
للمطلّقة قبل البناء بما استخفّ بها ، أو بما أوحشها ، فهو حقّ وجب
لغرْم ضرّ ، فإسقاطه عفو لا محالة ، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح
.
ومعنى كون العفو أقرب للتقوى : أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التّمسّك
بالحق ّ ، لأنّ التمسّك بالحق لا ينافي التقوى لكنّه يؤذن بتصلّب صاحبه
وشدّته ، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته ، والقلب المطبوع على التسامح
والسماحة والرحمة ، أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد ، لأنّ
التقوى تقرب بمقدار قوّة الوازع ، والوازع شرعي وطبيعي ، وفي القلب
المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة ،فتكون
التقوى أقرب إليه لكثرة أسبابها فيه .
وقوله تعالى :((وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ
مَوْلانَا)) (البقرة: من الآية286).
هذه الآية تتضمّن آخر دُعاء مَحْكيّ من قول المؤمنين الذين قالوا :(
سمعنا وأطعنا) بأن اتبعوا القبول والرضا ، فتوجّهوا إلى طلب الجزاء
ومناجاة الله ، ويمكن أن يكون هذا الدعاء تلقينا من جانب الله تعالى
إياهم بأن يقولوا هذا الدعاء مثل ما لقنوا التحميد في سورة الفاتحة
فيكون التقدير ، قولوا : ( ربنا لا تؤاخذنا ) إلى آخر السورة .
أما قوله تعالى :( واعف عنا واغفر لنا ) فقد جاء أنّ أصل العفو هو
عدم المؤاخذة ، والمغفرة أصل لرفع المشقّة ، والرحمة أصل لعدم العقوبة
الدنيوية والأخروية ، فلما كان تعميمًا بع تخصيص ، كان كأنه دعاء واحد
. وقوله : ( أنت مولانا ) جاءت هذه كالعلّة للدعوات الماضية : أي دعوناك
ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا ، ومن شأن المولى الرفقُ بالمملوك ( أي
الإنسان ) .
وقوله تعالى:( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(آل عمران: من الآية134)
.هذه الآية أبرزت صفتين من الصفات وهما : الكاظمين الغيظ . والعافين
عن الناس .فكظم الغيظ هو إمساكه وإخفاؤه حتى لا يظهر عليه ، وهو مأخوذ
من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها ، قال المبرّد : فهو تمثيل للإمساك
مع الامتلاء ، ولا شكّ أنّ أقوى القوى تأثيرا على النفس القوّة الغاضبة
، فتشتهي إظهار آثار الغضب ، فإذا استطاع إمساك مظاهرها ، مع الامتلاء
منها ، ذلّ ذلك على عزيمة راسخة في النفس ، وقهر الإرادة للشهوة ،
وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة .
أمّا الصفة الثانية وهي العفو عن الناس فيما أساءوا به إليهم .فهي
تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة
فيستعدي على من غاظه بالحقّ ، فلمّا وُصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم
دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم ، مستمرّ معهم .وإذا اجتمعت
هذه الصفات في نفس سهل ما دونها لديها . وبجماعها يجتمع كمال الإحسان
ولذلك ذيّل الله تعالى ذكرها بقوله :( والله يحبّ المحسنين ) لأنّه
دال على تقدير أنّهم بهذه الصفات محسنون والله يحب المحسنين .وقوله
تعالى : ( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا
عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(آل عمران: من
الآية152) .
فالصِّرفة في هذه الآية جاءت لتدلّ على أنّ ذلك الصِّرف بإذن الله
وتقديره ، كما كان القتل بإذن الله وأنّ حكمته الابتلاء ليظهر للرسول
وللناس من ثبت على الإيمان من غيره ، ولأنّ في الابتلاء أسرارا عظيمة
في المحاسبة بين العبد وربّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيُبيّنه.
وعُقب هذا الملام بقوله : ( ولقد عفا عنكم ) تسكينا لخواطرهم، وفي
ذلك تلطّف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين،وأعظم من ذلك تقديم
العفو على الكلام في ملام الرسول ( عليه السلام ) في قوله تعالى :
(عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)(التوبة: من الآية43)فتلك
رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر العفو ، وفيه أيضا دلالة على
صدق إيمانهم إذ عجّل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفا
من غضب الله تعالى .وقوله تعالى : (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) (النساء:99)
.
هذه الآية فيها إشارة إلى أنّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان
والذين لا يستطيعون حيلة في الهجرة مع الرسول ولا يستطيعون معرفة الطريق
هؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم إذا كان قعودهم فيه عذر . والآية تُبطل
شكّا ربما راود البعض في أنّ هؤلاء يُلحقون بالكفار أم لا؟ كيف يُلحقون
بالكفار وهم قد ظهر ميلهم إلى الإسلام ، ومنهم من دخل فيه بالفعل ثمّ
صُدّ عنه أو فُتن لأجله . والعفو من الله للمستضعفين رخصةً وتوسعةً
من الله تعالى لأنّ البقاء على الشرك أمر عظيم .
وقوله تعالى :( إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا
عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) (النساء:149)..
بعد أن نهى الله ورخّص ، ندَبَ المُرخَّصَ لهم إلى العفو وقول الخير
، ذلك أنّ إبداء الخير هو إظهاره . وقد رغّب سبحانه في زيادة الإظهار
أو الإخفاء فقال ( أو تُخفوه ) حتى لا يظنوا أنّ الثواب على إبداء
الخير خاصّة ، كقوله : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ
وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(البقرة:
من الآية271) والعفو عن السوء بالصّفح وترك المجازاة هو من التسامح
المشروع الذي جاء به الدين الإسلامي . وجملة : ( فإن الله كان عفوا
قديرا ) تتضمّن جواب الشرط وهو علّة له ، وتقدير الجواب : يعْفُ عنكم
عند القدرة على الأخذ بحقّكم ، لأنّ المأْذون فيه شرعا يُعتبر مقدورا
للمأذون . فجواب الشرط وعْدٌ بالمغفرة لهم في بعض ما يقترفونه جزاء
عن فعل الخير وعن العفو عمّن اقترف ذنبا. وقال بعض المفسّرين : في
الآية تحريض على العفو ببيان أنّ فيه تخلّقًا بالكمال ، لأنّ صفات
الله غاية الكمالات . واستكمالا لموجبات العفو عن السيئات فإنه صلى
الله عليه وسلم قال : (واتّبع السيئةَ الحسنةَ تمحُها ) .وفي الحديث
النبويّ : ( أن تعفو عمّن ظلمك وتُعطي من حرمَكَ وتَصِلَ من قَطعك
) .
وفي قوله تعالى : ( ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ
الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً
مُبِيناً)(النساء: من الآية153).في هذه الآية إشارة إلى أنّ المشركين
لم يرْدعهم ما جاءهم به سيدنا موسى عليه السلام من البيّنات الدالة
على وحدانية الله ونفي الشرك ، فاتخذوا العجل إلهًا ، ذلك أن اتخاذهم
العجل إلها أعظم جرمًا ممّا حُكي قبله . ومع ذلك عفا الله عنهم وآتى
موسى سلطانا مبينا ، أي حجّة واضحة عليهم في تمرّدهم ، فصار يزجرهم
ويُؤنّبهم . ومن سلطانه المبين أنْ أَحْرَقَ العجل الذي اتخذوه إلهاً
.وقوله تعالى:( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
المحسنين ) (المائدة: من الآية13). هذه الآية تتحدّث عن يهود المدينة
الذين نقضوا عهدهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين فظاهروا
المشركين في وقعة الأحزاب.وأمر العفو عنهم والصفح هو حملٌٌ على مكارم
الأخلاق ، وذلك فيما يرجع إلى سوء معاملتهم للنبيّ (صلى الله عليه
وسلم)إذ ليس المقام مقام ذكر المناواة القومية أو الدينية .
وقوله تعالى :(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ
لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو
عَنْ كَثِيرٍ)(المائدة: من الآية15).هذه الآية تخاطب أهل الكتاب بالموعظة
الحسنة ، وصدق الرسول بما جاء به ما يُسهّل إقامة الحجّة عليهم فبيّن
لهم كثيرا ممّا كانوا يُخفون من الكتاب ، ثم أعقبه بأنّه يعفو عن كثير
. ومعنى يعفو : يُعْرضُ ولا يُظْهرُ وهو أصل مادّة العفو ، فعفا عن
الذنب ، بمعنى أعْرَضَ ، ثم قالوا : عفا عن المُذنب ، بمعنى سَتَرَ
عنه ذنبه،ويجوز أن يُراد هنا معنى الصّفح والمغفرة ، أي ويصفح عن ذنوب
كثيرة ، أي يُبيّن لكم دينكم ويعفو ويصفح عن جهلكم .
وقوله تعالى:(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199).
إنّ هذه السورة أشبعت المشركين من أفانين التقريع والوعظ وإقامة الحجّة
عليهم ، وبعثهم على التأمّل والنظر في دلائل وحدانية الله وصدق رسوله
( صلى الله عليه وسلم ) .وإعراض المشركين عن سماعه (صلى الله عليه
وسلم) من شأنه أن يُثير في أنفس المسلمين كراهية أهل الشرك وتَحَفُّزُهم
للانتقام منهم ومجافاتهم والإعراض عن دعائهم إلى الخير ، فلا جُرم
أنْ أُمِرَ الرسول والمؤمنين بقلّة المبالاة بجفاء المشركين وصلابتهم
، وبأن يَسَعوهم من عفوهم والدّأْب على محاولة هديهم والتبليغ إليهم
بقوله تعالى:( خُذِ العفو وأمر بالمعرف ) .
وقال أبو الأسود الدؤلي متّبعا ما جاء في القرآن الكريم :
خذي العفو تستديمي مودّتي ولا تنطقي في سوْرتي حين أغْضَبُ .
والعفو هو الصفح عن ذنْبِ المذنب وعدم مؤاخذته بذنبه ، وقد تقدّم عند
قوله تعالى :(وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ )
)(البقرة: من الآية219)بأبو الأسود الأبو الأسود الؤلي وقوله :( فَاعْفُوا
وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ )(البقرة: من الآية109).
والمراد به هنا ما يعمّ العفو عن المشركين وعدم مؤاخذتهم بجفائهم ومساءتهم
الرسول والمؤمنين . وقد شملت الآية صور العفو كلّها ، فقد أُمِرَ الرسول
( صلى الله عليه وسلم ) بأن يعفو ويصفح وذلك بعدم المؤاخذة بجفائهم
وسوء خُلقهم ، فلا يُعاقبهم ولا يقابلهم بمثل صنيعهم (1) كما قال تعالى:(فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ
الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ )(آل عمران: من الآية159) .
والسلف الصالح فهموا الآية على أنها عامّة ، ففي صحيح البخاري عن ابن
عباس قال :(( قَدِم عُيينة بن حِصن المدينة فنزل على ابن أخيه الحرّ
بن قيس وكان الحرّ ابن قيس من النفر الذين يُدينهم عمر بن الخطاب ،
وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، فقال عُيينةُ لابن أخيه :
لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه ، فاستأذن الحر لعُيينة فأذن
له عمر ، فلمّا دخل عليه قال :(هِيهْ يا ابن الخطاب ما تعطينا الجزل
ولا تحكم بيننا بالعدل ) فغضب عمر حتّى همّ أن يُوقِع به ، فقال له
الحرُ : يأ أمير المؤمنين إنّ الله قال لنبيّه : (خُذ العفو وأمر بالعرف
وأعرض عن الجاهلين ) وإنّ هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين
تلاها عليه وكان وقّافا عند كتاب الله ) . وعن عبد الله بن الزبير
قال : ما أنزل الله ذلك إلاّ في أخلاق الناس . وقد جمعت هذه الآية
مكارم الأخلاق لأنّ فضائل الأخلاق لا تعْدو أن تكون عفوًا عن اعتداء
فتدخل في ( خُذِ العفو ) أو إغضاءً عمّا لا يلائم فتدخل في (واعرض
عن الجاهلين )أو فعل خير واتّساما بفضيلة فتدخل في ( وأمر بالعرف )
كما تقدّم من الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء ، وهذا معنى قول
جعفر بن محمد ( في هذه الآية أمرَ الله نبيّه بمكارم الأخلاق وليس
في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها وهي صالحة لأن يبيّن بعضها
بعضا فإنّ الأمر يأخذ العفو يتقيّد بوجوب الأمر بالعرف ، وذلك في كل
ما لا يقبل العفو والمسامحة من الحقوق ، وكذلك الأمر بالعرف يتقيّد
بأخذ العفو وذلك بأن يدعو الناس إلى الخير بلين ورفق.
وقوله تعالى :(عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43).في
هذه الآية يُعاتب الله رسوله عليه السلام لأنه أَذِنَ لفريق من المنافقين
وعددهم (39) في القعود والتّخلّف عن الغزوة وذلك حملا منه (صلى الله
عليه وسلم) للناس على الصّدق ، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان ، وعلما
بأنّ المعتذرين إذا أُلجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئا . كما قال تعالى
: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاً )(التوبة:من
الآية47)فعاتب الله نبيّه صلى الله عليه وسلّم إي أن أذن لهم لأنّه
لو لم يأذن لهم لقعدوا ، فيكون ذلك دليلا للنبيّ صلى الله عليه وسلم
على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان .وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو
إكرام عظيم ، ولطافة شريفة ، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب
، وفي هذا الافتتاح كناية عن خفّة موجب العتاب لأنه بمنزلة أن يقال
: ما كان ينبغي ، وتسمية الصفح عن ذلك عفْوًا ناظرٌ إلى مغزى قول أهل
الحقيقة : ( حسنات الأبرار سيئاتُ المقرّبين) .
وقوله تعالى : ( وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ
الْجَمِيلَ)(الحجر: من الآية85) .
حكى الله تعالى قبل هذه الآية عن الأمم التي طغت وظلمت الأنبياء مشيرا
في هذه الآية إلى أنّ الجزاء على أعمالهم موكول إلى الله تعالى فلذلك
أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أذاهم وسوء تلقيهم للدعوة
.والصفح في هذه الآية هو عدم الحزن والغضب على الأعداء من المشركين
الذين كذّبوا الرسول وآذوه . والجميل : هو الحسن والمراد الصفح الكامل
.وقوله تعالى : ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ
يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(النور: من الآية22)
. هذه الآية تحضّ على السعي فيما به المغفرة وذلك العفو والصفح في
قوله تعالى : ( وليعفوا ولْيصفحوا ) وعُطِف ( والله غفور رحيم ) على
جملة ( ألا تحبّون أن يغفر لكم ) زيادة في الترغيب في العفو والصفح
وتطمينا للرسول وصحابته .وقوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ
التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ
مَا تَفْعَلُونَ)) (الشورى:25) . والله تعالى ليكسر نفوس أهل العناد
والضلالة ، أعقب بإعلامهم أنّ الله من شأنه قبول توبة من يتوب من عباده
، وعفوه بذلك كما سلف من سيئاتهم . وهذا الإخبار تعريض بالتحريض على
مبادرة التوبة ولذلك جيء فيه بالفعل المضارع الصالح للاستقبال . وهو
أيضا بشارة للمؤمنين بأنّه قَبِل توبتهم ممّا كانوا فيه من الشرك والجاهلية
، فإنّ الذي من شأنه أن يقبل التوبة في المستقبل يكون قد قبل توبة
التائبين من قبلُ. وهذا كلّه يتضمّن وعْدًا للمؤمنين بقبول إيمانهم
وللعصاة بقبول توبتهم .وقوله تعالى:( عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ
وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ )) (المائدة: من الآية95)
.بعد أن هدّد الله المسلمين على قتلهم الصيد وهم حرم وغير ذلك ، أعقب
هذا التهديد بما عوّدَ به المسلمين من الرأفة فقال:( عفا الله عمّا
سلف) أي عفا عمّا قتلتم من الصيد قبل هذا البيان ، ومن عاد إلى قتل
الصيد وهو محرم فالله ينتقم منه. وقوله تعالى:(( ثُمَّ بَدَّلْنَا
مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا)) (الأعراف: من الآية95).يقول
تعالى : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(فصلت:34)أي ادفع السّيئة بالحسنة .
الخاتمـــــة
وأخيرا فهذا بعض ما تمكّنت من جمعه في هذا الموضوع الأساسيّ في الإسلام
ألا وهو موضوع التسامح حتى يكون هذا البلد بلد التسامح والأمن والسلام
والخير العميم . وآخر ما أتضرّع به إلى الله العلي القدير هو أن أقول:
( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمراتِ)(البقرة:
من الآية126). والله وليّ التوفيق .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
* كلية التربية بنزوى
1 ) - التحرير : ج9/ 227 .
أعلى
تربية الأولاد بين
الواقع والطموح
كتب ـ مصطفى بن ناصر الناعبي : ذكرنا في مقال
سابق بعضا من طموح الوالد المربي والصعوبات التي تواجهه في صقل شخصية
طفله حسب التصور الموجود في ذهن الوالدين لجعل الأطفال يحملون قيما
ومثلا عليا،تكون نبراسا ودليلا لهم في درب الحياة الطويل.
واليوم بمشيئة الله تبارك وتعالى نواصل بعضا من تلكم الصعوبات ، وهي
عدم وجو وقت كاف يجلس فيه الوالدان أو أحدهما مع أبنائهم خاصة في ظل
الظروف الحالية من عمل الرجل والمرأة،وعدم الجلوس وقتا كافيا مع الأبناء
، فالطفل بلا شك بحاجة إلى والديه يشعر بقربهما منه،ويشعر بقيمة نفسه
عندهما،لأن هذا الأمر يوجد ثقة في شخصية الطفل ، وتكون لديه الجرأة
في مواجهة الكثير من الأمور بسبب القوة الداخلية التي يستمدها من والديه
وقربهما منه ، وأيضا للطفل مشاكل يود التحدث عنها،وإن كانت مشاكل الصغار
لايلقي لها الكثير من الآباء بالا، بل أن بعض الآباء وللأسف الشديد
يعنف ابنه لأنه يود الحديث معه عن مشكلة من مشاكله الطفولية ، وهذا
يجعل شخصية الابن مهزوزة ، والطفل عندما يجد من يستمع إلى مشاكله ويحاول
حلها معه ، ولو كانت تافهة في نظر البعض،فإن هذه الطفل سيشعر بالراحة
والطمأنينة والأمان، لأنه وجد من يقدر شخصيته ويعرف قدره من وجهة نظره
.
والجلوس إلى الطفل والتعرف على مشاكله وطموحاته،وتشجيعه على البعض
منها،وتنفيره من الآخر،يجعله يشعر أن هناك حائطا منيعا يلجأ إليه،
فالطفل لا يحتاج إلى الأب كي يوفر له الأشياء المادية فحسب ، بل يحتاج
إلى من يوفر له الأمان النفسي والاستقرار الذاتي،فإن لهذه الاشياء
أهمية كما للمأكل والمشرب،فكل يبني جزاء من شخصية الطفل ، الذي سيكون
في المستقبل يافعا وبانيا لمستقبله ومستقبل وطنه .
فالابن يحتاج إلى الأب كأب عندما يريد سلطة عليا توجهه ، وأيضا عندما
يريد حصنا منيعا يلجأ إليه،ويريد الأب كأخ عندما يحتاج إلى من يلعب
معه،ومن يحد من بعض طيشه وتصرفاته ومن يلجأ إليه في بعض الأحيان،ويحتاج
إلى الأب كصديق كي يبث له همومه وشكواه ، وكي يعطيه أسراره ، ويكون
له سندا عند الحاجة إليه ، فإذا جسد الأبوان هذه المهمات التي ذكرنا
طرفا منها،فسنرى أن الابن سيكون متزنا ومتكاملا في شخصيته .
فلو وجهنا سؤالا إلى الأباء والأمهات : أما تحسون أحيانا أن أبناءكم
يفضلون أحدكم على الآخر ؟ هل صار وأن صارحكم أحد أبنائكم بأسرارهم
يوما ما وثوقا بكم لا خوفا من عقابكم ؟
أظن أن التساؤل الأخير لا نجد إلا قلة نادرة حدث لهم هذا،والسبب كما
نعلم أن هو بعد الاباء عن أبنائهم وعدم التقرب إليهم وهذا موضوع قد
يطول الحديث فيه،وعدم وضوح الرؤية الصحيحة للتربية في ذهن الآباء والأمهات
، فيصير هذا النوع من التربية غير مبني على هدف أو أساس متين ، فلا
بد ان تكون هذه الأسس واضحة المعالم أمام المربي الناجح .
والمتأمل في سيرة حياة النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام ـ يجد الكثير
من المواقف التربوية التي يمكن أن يستعين بها الانسان في حياته،فهوـ
عليه الصلاة والسلام ـ لم يرب شريحة معينة بل كان مربيا لجيل ومربيا
لأمة أصبحت بعد ذلك خير أمة في الأرض أخرجت للناس بفضل تلكم التربية
الكريمة، وصارت أمة قائدة بعدما كانت في الهامش،فلو أردنا ان نورد
أمثلة من حياته - عليه السلام - نستشف منها الدروس والعبر والعظات،لأخذنا
كثيرا من الوقت لاسيما وأن كتبا كتبت في ذلك ، من قبل ناس لهم مشارب
مختلفة كل يجد بغيته فيها ، ولكن نكتفي بذكر لمحات يعرفها الجميع منها
:
قصة الأعرابي الذي بال المسجد ، وتصرف الصحابة معه،وتصرف المربي الأعظم
،وهذا آخر يقول : ما كرهت أحدا على الارض من محمد وبعدما أسلم نجده
يقول هو نفسه : ما وجدت أحدا أحب إلى نفسي من النبي - عليه الصلاة
والسلام - .
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسانا .
هذا مع الناس فما بالك بهذا النوع من التربية مع أولادك ، وفلذات كبدك
، كيف سيكون تأثير هذا النوع الراقي من التربية على نفوسهم،سيفعل هذا
النوع وهو التربية السليمة الصالحة فعلا كثيرا في أعماقهم،ولن تراهم
ينظرون إلى الحياة إلا نظرة مشرقة مليئة بالأمل متوكلين على المولى
تبارك وتعالى ، جاعلين نصب أعينهم تلكم المبادئ التي ربيتموهم عليها
أيها الآباء والأمهات .
وهذه الصعاب لابد أن تذلل ولن يكون ذلك إلا بالتوكل على الله وبالأخذ
بالأسباب التي تعين على تذليل تلكم الصعوبات،التي إن ذللناها ستصير
أمور تربية أبنائنا كما خططنا ورسمنا لها.
أعلى
(الجنة تحت أقدام
الأمهات)
عبدالرحيم محمد جاد الرب
الأم أولى بالعناية وأحقُ بالاهتمام والرعاية،اعترافا بفضلها،وتقديرا
لجهودها ، ولما يصيبها من متاعب وآلام حين الحمل والوضع،وحين قيامها
بواجب التربية ورعاية الطفل،رعاية مشفوعة بالحنان والشفقة،والرأفة
والرحمة والعطف،فمن أولى بالبر والطاعة والمعروف والإحسان،من أمك الشفيقة
البرة الرفيقة،إنها الأم بكل ما تحمل من معنى كلمة الأم ،فمن هي الأم
؟ والإجابة على هذا السؤال ستعرفها أخي القارئ من خلال قراءتك لهذه
السطور البسيطة والتي نرجو بها أن نقدم لمسة وفاء لهذه الأم : التي
جاورنا أحشائها ونحن في حجم الورود, وأخذت بأيدينا بعد ذلك في الحياة
, فلله ما أروع تضحيتها وأجزل عطاءها وأعظم هبتها . ضحت بشبابها ونفسها
وأعطت الوجود ووهبت الحياة انها الأم. كم تحملت الكثير والكثير مما
يفوق الوصف خصوصاً ما تحملته من تعب حمل وولادة وإرضاع وسهر بالليل
ونصب بالنهار في سبيل العناية والرعاية وما يتبع ذلك من غسل وتنظيف
وحماية من الحر والبرد . وتعهد للأحوال من جوع وشبع وعطش وري وتحسس
لما يؤذي ويؤلم وتظهر آثاره في البكاء وانقباضات الوجه وحركات اليدين
والرجلين مما لا يشعر به إلا الأم وحدها بحاسة الأمومة ولا يغني عنها
في ذلك أحد تغيب بسمتها إن غابت ابتسامته وتزرف دموعها إن اشتد توعكه
وتحرم نفسها الطعام والشراب إن امتنع عن لبنها وتلقى نفسها في النار
لتنقذ وليدها وتتحمل من الذل والشقاء كي يحيى ويسعد وتموت راضية هانئة
إذا قوى واشتد عوده ولو كان ذلك على حساب صحتها وقوتها وسعادتها. لذا
فإن الإسلام جعل حقها على الابناء أضعاف حق الأب عليهم وقد أشار القرآن
الكريم إلى كل هذا حيث قال : ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا
على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلى المصير ) سورة لقمان
آية رقم14 .
وقال تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته
كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) سورة الاحقاف آية 15 . فهي حملته
كرهاً على كره وتعب ووضعته بمشقة وألم ونصب, ومدة الحمل والإرضاع ثلاثون
شهرا والولد فيها حمل وثقل على أمه فبطنها له وعاء وثديها له سقاء
وحجرها له حواء وهي فوق ذلك تسهر وتتعب وتشقى ليسعد فمن باب الأدب
والذوق ورد الجميل والإحسان إلى الأم أيما أحسان أليس هذا كله موجباً
لأن يكون حقها أضعاف ما للأب ان العدالة الإلهية ما في ذلك أدنى ريب
وفي هذا المعنى أيضاً يروى أن رجل وامرأة أتيا رسول الله صلى الله
عليه وسلم يختصمان في صبي لهما فقال الرجل ولدي خرج من صلبي . وقالت
المرأة حمله خفاً ووضعه شهوة وحملته ثقلاً ووضعته كرها وأرضعته حولين
فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للأم بحضانة ولدها وجاء في السنة
المطهرة ما يشرح هذا ويوضحه أيما إيضاح . روي أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لمن سأله ما تأمروني يا رسول الله قال : بر أمك ثم عاد فقال
: بر أمك . ثم عاد فقال : بر أمك . ثم عاد الرابعة فقال بر أباك رواه
البخاري في الأدب المفرد .
كذلك أمرنا الإسلام بطاعة الأمهات وأن احترامهن من ألزم الأمور للإنسان
حتى يفوز برضى الله والناس أجمعين . فقد روي عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم : أنه قال لرجل وفد عليه : إن لي أماً أنا مطيع لها أقعدها
على ظهري , ولا أصرف عنها وجه, وأرد لها كسبي فهل جزيتها ؟ قال له
: لا وربي
القارئ الكريم :
إن تضحية الأم من أجل أولادها . . شيء لا يمكن إذا حكمنا فيه العقل
أن يحدث . . ولكن العاطفة وجدت لتؤدي المرأة مهمتها . . ولذلك عندما
سأل أحد الرجال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحق الناس
بحسن صحابتي ؟ قال أمك ؟ قال ثم من قال أمك ؟ قال ثم من قال أمك ؟
قال ثم من قال أبوك " ويقول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه
عليه "الجنة تحت أقدام الأمهات " لقد نهل المسلمون الأوائل
من معين هدي المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ معنى العناية بالأم وحسن
رعايتها ورفيع الأدب معها ، فكتبوا في سجل البر بالأمهات أروع الصفحات
وأجملها ضياء،وإليكم واحدة منها : ذكر أن أسامة بن زيد عمد إلى نخلة
فنقرها ، وأخرج جمارها ـ لُبها ـ فأطعمه أمه ، فقالوا له ما يحملك
على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم ؟ قال : إنَ أُمي سألتنيه
، ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها )) لقد أدرك أسامة رضي الله
عنه ، أن إرضاء الأم وإدخال السرور على قلبها يفوق كنوز الدنيا كلَها
، لذلك لم يبال بنقر النخلة مهما بلغ ثمنها في سبيل أن يرى البسمة
ترتسم متألقة على شفتي أمه . وهذا عين السعادة في نظره كما علمه الإسلام
وحضه عليه .
القارئ الكريم : ولم يعتن دين الإسلام بالأم هذا الاعتناء ، ولم يدع
إلى حسن الأدب معها وإلى تقديرها بمثل هذا الحماس ، ولم يسبغ عليها
مثل هذه الهالة من القداسة والجلال إلا لما لها من أثر بالغ في بناء
الحياة وتكوين المجتمع . إن الإسلام حض على البر بالوالدين وأمر بالإحسان
إليهما ، وذلك لما للولدين من فضل كبير على الوالد في إنجابه وفي تربيته
وفي رعايته ، وجاء الحض الإسلامي على الإحسان إلى الوالدين وحسن الأدب
معهما في كتاب الله المبين وفي سنة رسول الله الكريم عليه الصلاة والسلام
، أما في كتاب الله الحق ، فنقرأ قول الله تعالى : (وقضى ربك ألا تعبدوا
إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) وقوله (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير
) لقمان آية 14 ولكن الإسلام أعطى الأم خصوصية في العناية بها والاهتمام
بحسن رعايتها ، وذلك نظرا لصلتها الوثيقة الجسدية والروحية بالولد
، ونظرا لشدة المعاناة التي تعرضت لها أثناء حمل ولدها ووضعه ، وفي
مرحلة إرضاعه والحنو عليه في طفولته ، وفيضها من العطف والحنان عليه
إلى آخر لحظات حياته ، ولقد أشار القرآن إلى هذا فقال الله عز وجل
: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين
أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) سورة لقمان آية 14 وقال:(ووصينا
الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرها ووضعته كرها )الاحقاف آية
15 .وأكد النبي صلى الله عليه وسلم خصوصية العناية بالأم عندما جاءه
الرجل : فقال يا رسول الله ،، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ فذكر الأم
ثلاثا ، وذكر الأب مرة واحدة ، وكشف النبي صلى الله عليه وسلم النقاب
في بعض مواقفه وكلامه عن سر هذه الخصوصية والعناية المتميزة بالأم
عندما أتاه رجل فقال يا رسول الله ، إني حملت أمي على عنقي فرسخين
في رمضاء شديدة ،، لو أُلقيت فيها بضعة لحم لنضجت ، فهل أديت شكرها
؟ فقال : (لعله أن يكون لطلقة واحدة ).، فما عانته الأم من ألم الحمل
والوضع لا يعدله الإحسان إليها مدى الحياة لذلك قال عليه الصلاة والسلام
لذلك الرجل : (لعله أن يكون لطلقة واحدة ) .اللهم اجعل البر باُمهاتنا
وآبائنا صبغة سلوكنا ، فهو طريق العزة والسعادة والنجاح .
أعلى
من الإصدارات العمانية
السعادة الزوجية في 50 وصية
عرض : مبارك بن عبدالله العامري
السعادة الزوجية هي أساس الحياة الأسرية واستقرارها ومنبع حصين يعيشه
الزوجان في حياة مليئة بالسعادة والهناء وفق محبة وانسجام وتآلف يضمهم
عبر سنة الله ورسوله الزواج المقدس ويعيشان حياة مليئة بالمحبة والراحة
النفسية يشتركان في بناء بيت تملؤه أواصر الدين والمعيشة الزوجية الإيمانية
وقد صدرعن مكتبة مسقط كتيب السعادة الزوجية في 50 وصية للأستاذ : إبراهيم
مصباح هذا الكتيب يقع في 89 صفحة عبر ثلاثة فصول .
الفصل الأول في وصايا الزوج ونأخذ بعض من هذه الوصايا :
الوصية الأولى : الزواج وهدفه : اجعل من اقترانك بزوجتك سبيلا لإحصان
فرجك ، وغض البصر ، وإنجاب ذرية طيبة ، وبناء أسرة مسلمة ، تطلب عندها
كل سعادة ، وانو بذلك الدوام ، واحذر أن تعبث بهذا الرباط المقدس بأي
تصرف قبيح ، ومن الجدير بك وأنت مقبل على عهد جديد في حياتك ، أن تتوجه
إلى الله تعالى بأداء ركعتين تطلب منه حاجتك ، ليهب لك من هذا الزواج
ما يجعلك سعيدا حقا .
الوصية الثانية آداب اللقاء : عندما يجمعك الله بزوجتك في أول لقاء
، فليكن أول كلمة تسمعها إياها تحية الإسلام ، ومن المستحب أن تضع
يدك على ناصيتها( مقدم رأسها ) وتسم الله تعالى وتقول كماثبت في الحديث
: اللهم إني أسالك خيرها وخير ماجبلتها عليه ، وأعوذ بك من شرها وشر
ما جبلتها عليه ، رواه أبو داود، وكن معها بعد ذلك اللقاء ،ولاطفها
بكل مافي وسعك حتى تزول عنها الوحشة ، وأي تصرف معها سيبقى منقوشا
في ذاكرتها طول العمر ، فعليك أن تراعي حالة زوجتك النفسية لفراقها
أهلها،وأحذر من التسرع والخشونة فإن ذلك يسبب الكراهية والعداوة .
الوصية الثالثة : أبواك : اخفض لهما جناح الذل من الرحمة : بعد أن
تتوجه إلى الله شاكرا فضله ونعمته عليك ، إذ وهب لك زوجة صالحة تقاسمك
الحياة بكل مافيها ، اعرف لوالديك جميلهما وإحسانهما إليك ، فقد هيآ
لك من أسباب السعادة مالا يخطر لك على بال .فما من جحود أعظم ، من
أن تعتقد أن أبويك قد ملآ كل مشاعر قلبك قبل الزواج ، أما وقد تحصلت
على الجوهرة المطلوبة ، فلا مكان لهما في القلب ، كلا ! فإن الإثم
يتعاظم عند الله فيمن يفضل زوجته على أمه ، فأعط الأم حقها من التقدير
والاحترام ما تستحق وأزيد ، فقد كانت بك رحيمة وعليك شفيقة تفضل موتها
على حياتك ، فكافئها وأباك بالبر والإحسان .
الوصية الرابعة : واجبك نحو أهلك : يقول الله تعالى ( وأمر أهلك بالصلاة
وأصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) سورة طه الآية
132 .
إذا كان الله قد أثبت مسؤولية الزواج في جانبك ، فإنه أوجب عليك أن
تعلمهما أمر دينها ، وتوفر لها أسباب ذلك ، كالكتب النافعة المفيدة
، والأشرطة الإسلامية ، والأهل يشمل الزوجة والأبناء ، وكل من استرعاك
الله عليه .فكما تحرص على صحة هؤلاء بحسن تغذيتهم وسلامة أبدانهم ،فإن
الأمر يتطلب منك أيضا أن تمكن لهم الدين من نفوسهم ، وتنشئهم على الفضيلة
حتى يعلموا أن هذا حلال وذاك حرام،فتحتضن بهم أسرة مسلمة تكون لك مفخرة
في حياتك ، وذكرا حسنا بعد مماتك قال الشاعر :
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
ثم أعلم يقينا أن الله سائلك غدا يوم القيامة فيما فعلت قال الرسول
صلى الله عليه وسلم : إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع
حتى يسأل الرجل عن أهل بيته رواه ابن حبان .
وسر صلاح الأسرة كلها يكمن في استقامة الزوج ، فأعط لزوجتك وللأولاد
من نفسك القدوة الحسنة ، والمثال الطيب في جميع أقوالك وأفعالك ، فإنه
بغير ذلك تصعب عليك مهمة التربية .
الوصية الخامسة : لاتغضب ولك الجنة : إذا حدث من زوجتك سوء تصرف ،
وكاد الوضع أن يتأزم بينكما ، فانسحب من المكان فورا من غير ضعف ،
حتى تهدا أعصابك قليلا ، ويهب لك الخالق حكمة لقمان لتعالج بها الموقف
في أناة ورزانة ، فتحمد مغبة ذلك بعد حين ، خير لك من ألف مرة من أن
تستشيط غضبا وغيضا ، ثم تقع في فخ الفراق معها بلفظة طلاق تعلنها ،
قد تجد مرارتها في قلبك طوال العمر .
الوصية السادسة تحمل المسؤولية : الآن وقد دخلت باب الرجولة بزواجك
، فالأمر يقتضي منك تحمل المسؤولية بحزم ، والنظر إلى واجباتك بجدية
فقد مضى عهد الهوى واللعب ،وحياتك اليوم وغدا ليست سهلة ميسرة ، فهي
تدعوك إلى قوة في البدن ،وقوة في الإيمان والأخلاق حتى تجتاز عقباتها
وتحوز على النصر ،واعلم أن رأس مالك هو عمرك ، فقل مع نفسك دائما :
إن الواجبات أكثر من الأوقات فلا تضيعها في فراغ ، وهذا أجدر يك أن
تملأها بما يفيدك لدينك ودنياك ،وإن أساس النجاح في الأعمال محبتها
، واستشعار اللذة في أدائها على الوجه الأكمل ، فلا تخجل من كونك تكسب
قليلا ، بل العار أكثر أن تكون عالة على غيرك .
الفصل الثاني في هذا الكتاب وصايا للزوجة نقتطف منها هذه الوصايا :
الوصية الأولى ماذا يعني زواجك : اشتركي مع الزوج في تحقيق هدف مقدس
، ألا وهو بناء أسرة مسلمة ، لك فيها النصيب الأوفر من المسؤولية ،
فمهمتك شريفة مقدسة ، ليست مجرد طبخ الطعام ، وكنس الدار فحسب ، إنما
إضافة اإلى ذلك عطفك ، وصفاء قلبك على كل من يحويهم جدران بيتك من
زوج وأبناء ، وغيرهم كبارا وصغارا فكوني للجميع راعية لشؤونهم مادة
وروحا ، حتى يصلح بهم أمر الدين والوطن .
الوصية الثانية : أعيني زوجك على طاعة الله : بوسعك أن تكوني سندا
قويا في إعانة زوجة على طاعة الله ، فتشجيعه على أن يكون بأعمال البر
قائما ، ولمواطن الخير قاصدا ولا يتردد فإن هذا يشرفك ، ويشرف نفسه
، وستكونين المرأة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : الدنيا
متاع وخير متاعها المرأة الصالحة رواه مسلم.وإن مسه طائف من الشيطان
، ولم يتذكر ، وابتلي ببعض الانحراف ، ثم أراد أن يجرك إلى النار ن
فكوني أقوى منه في جره إلى الجنة ، ولا تقبلي تحت أقسى الظروف الانسياق
معه في المعاصي قال تعالى (ياأيها الذين آمنوا أن من أزواجكم وأولادكم
عدوا لكم فاحذروهم ) فإن شفيعك يوم القيامة هو عملك،لا الزوج ولا الأولاد
( وإنه لطاعة لمخلوق في معصية الخالق ).
الوصية الثالثة : ماذا ينتظر منك زوجك ؟ خير ما تكسبين به مودة زوجك
هو : أن تستقبليه عند الدخول إلى الدار بحفاوة وبشاشة حتى تزيلي عنه
أتعاب اليوم، وأن تتزيني له وتتطيبي حتى تصرفي نظره عن سواك ومن أعجب
الأعاجيب أن تتفنن بعض النساء في اختيار أفخر الثياب عند حضورها في
المناسبات ، أما في البيت فلا جمال والزينة ، وإذا دعاك إلى قضاء وطره
منك ، فاستجيبي له حتى تحفظيه من الوقوع في الحرام ، ولق في ذلك صدقة
.
وكوني أمينة على نفسك ، وعلى ماله ،وعلى شؤونه كلها احفظيها دوما عند
حضوره وغيابه والله تعالى يقول ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما
حفظ الله ) النساء الآية 340
وما يتمناه زوجك منك أيضا: أن تكوني محسنة إلى والديه، ساعية في كسب
رضاهما إذا كان في حاجة إلى مساعدة في لكبرهما.
وعملك هذا سيعطف قلبهما عليك ، فيتوجهان بأخلص الدعاء إلى الله أن
يديم عليك وعلى زوجك كل أسباب الهناء.
الوصية الرابعة تذكري فضائل زوجك: الزوجة المثالية ذات قلب أبيض لأتحمل
في عقلها سجلا أسود ضخما ، تدون فيه كل نقائض زوجها وعيوبه صغيرة وكبيرة
، وإن ظهر لك ذلك أحيانا ، فلتضع بجوار تلك النقائض مميزات زوجها ،
وفضائله حتى تقر عينها به ويمتلىء قلبها حبا له ، لأنها تعمل بمقتضى
قوله تعالى( إن الحسنات يذهبن السيئات ) هود الآية 114 .والحمق كل
الحمق أن تلتقط الزوجة هفوات زوجها السابقة ، وتذكرها له من حين لآخر
.
الوصية الخامسة : الهم بارك لأمتي في بكورها : إنه لمن الغفلة والحرمان
أن ينطلق زوجك وغيره من الناس إلى إعمالهم في وقت مبكر ، وتبقين أنت
تغطين في نوم عميق إلى مابعد طلوع الشمس أو أكثر وكأان الله خلقه للعمل،
وخلقك أنت للبطالة والكسل أو ليس أداء فريضة الصبح إيذانا من الله
تعالى إلى إنه يريد من العباد أن ينطلقوا إلى إعمالكم مبكرين فتزكوا
ويكون لها خير الثمار؟ وقد روي عن فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام
قالت : مر بي رسول الله وأنا مضطجعة ، متصبحة ، فحركني برجله ثم قال
: بابنيه قومي واشهدي رزق ربك، ولاتكوني مع الغافلين ، فإن الله يقسم
أرزاق الناس مابين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس رواه البيهقي ، فتجنبي
السهر قدر الإمكان حتى تمنحي النشاط من بداية النهار ، وكوني لأبنائك
في هذا المضمار قدوة ، ثم قومي بمساعدة زوجك في بيتك بالعمل من كسب
يدك.
الوصية السادسة جمالك هو حسن الخلق: أجمع الحكماء على أن المرأة الحسنة
الخلق تستملي قلب زوجها، وتجمع حولها بنيها وذوي قرابتها .
لاسيما إذا أقترن حسن الخلق بلطف المحادثة قال حكيم : العيش كله مقصور
على الزوجة الهاشة الباشة ، والبارة الصالحة ، والبلاء موكل بقرينة
السوء ، التي لاتسكن النفس إلى معاشرتها .
فجملي نفسك بحسن الخلق، وحلاوة لسانك، تنالي ثقة ورضا من يعاشرك
وإياك ثم إياك أن تكوني سليطة اللسان، فتلفظين بكلام السوء، وتثورين
لأدنى سبب، ويا ويح من ابتعد عنه الناس اتقاء شره .
الفصل الثالث: يتناول أحكاما شرعية .
أعلى
نعمة اللسان وكيفية تسخيرها
نعمة اللسان من أعظم النعم التي منحها الله تعالى
للعبد : فكيف نسخًر هذه النعمة في طاعة الله تعالى ؟ أولاً : نهانا
الإسلام أن نستغل اللسان فيما يأتي :
الامر الأول تحريم الفخر بالأنساب قال تعالى ( إنما السبيل على الذين
يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق , أولئك لهم عذاب أليم ) الشورى
42 . ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى أوحى إلىً
أن تواضعوا ,حتى لا يفخر أحد على أحد , ولا يبغي أحد على أحد ) رواه
مسلم . نستفيد مما ذكر : أن المسلم أعطاه الله نعمة اللسان لكي يشكر
الله تعالى على نعمه العظيمة , أما أن يستخدم المسلم هذه النعمة في
التفاخر على خلق الله بنسبه أو بحسبه,أو بأي شيء من أمور الدنيا الفانية
فهذا منهي عنه في الإسلام . فالإسلام يعلمنا التواضع وعدم التكبر على
خلق الله . ولكننا نجد في عصرنا هذا , أن التفاخر بالأنساب أصبح جزءا
هاما من حياة الناس اليوم وهذا يؤدي إلى احتقار الآخرين والطعن في
أنسابهم ,روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ,قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين
ماتوا ,إنما هم فحم جهنم ,أو ليوكونن أهون على الله من الجُعل ( وهو
حيوان معروف كالخنفساء ) الذي يدهده الخرء بأنفه ( يدهده ) أي يدحرج
, إن الله تعالى أذهب عنكم عبيًة الجاهلية ( أي الكبر ) وفخرها بالآباء
, إنما هو مؤمن تقي , أو فاجر شقي , الناس كلهم بنو آدم , وآدم خُلق
من التراب )
الأمر الثاني الذي يجب أن نبتعد عنه ولا نخوض فيه بألسنتنا هو : البعد
عن الفُحش وبذاءة اللسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس المؤمن
بالطعًان , ولا باللعان , ولا بالفاحش ولا بالبذيء ) وعن أسامة بن
زيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله
تعالى يبغض الفاحش المتفحش ) وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ( إنً شرً الناس عند الله منزلة يوم القيامة
مَن تركه الناس اتقاء شره ) رواه البخاري .
الأمر الثالث الذي يجب أن نبتعد عنه بألسنتنا هو : الفجور عند الخصام
. لأن أمره خطير , وإثمه عظيم , ويكفينا أن نعرف مدى خطورته أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم سماه نفاقاً ففي الحديث النبوي الشريف يقول
فيه ( أربع من كُنً فيه كان منافقاً خالصاً , ومن كانت فيه خصلة منهن
, كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها , إذا ائتمن خان , وإذا حدًث
كذب , وإذا عاهد غدر , وإذا خاصم فجر ) إذاً من يفجر عند الخصام يركب
رأسه ويُعرض عن الحق ويُقبل على الباطل , والمعصوم من عصمه الله تعالى
فنحن نوصي كل مسلم , أن يبتعد بنفسه عن الخصومة ما استطاع , كي ينجو
من عذاب الله تعالى وسخطه.
الأمر الرابع الذي يأمرنا الإسلام بالبعد عنه بألسنتنا هو : تكلم المرء
فيما لا يعنيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أكثر الناس ذنوباً
, أكثرهم كلاما فيما لا يعنيه ) وقال أيضاً ( من حُسن إسلام المرء
تركه مالا يعنيه ) وقد ورد في هذا المقام : إن من قُبح إسلام المرء
أخذه فيما لا يعنيه , والذي لا يعني هو الفضول كله على اختلاف أنواعه
,والذي يعني المرء من الأمور , ما تعلًق بضرورة حياته في معاشه , مما
يُشبعه ويرويه ,ويستر عورته ويعُفُ فرجه ونحوه وهذا يتأتى من المؤمن
الذي قوي إيمانه , واتقى الله تعالى وتجنب هوى نفسه , وكان كل همه
هو : تنفيذ أوامر الله تعالى ,واتباع سنة نبيه الأمين محمد صلى الله
عليه وسلم , واعلم أخي المسلم أن الإسلام فعل وترك , فمن حُسن إسلام
المرء أن يترك كل ما لا يعنيه , , ويذر ما لا يهمه , ويدع ما لا يفيده
وهو لا يفعل هذا الترك , إلا من حافز قوي وعقيدة راسخة قوية .
ومن الأمور الأخرى التي نوصي بها ونمسك ألسنتنا عنها هو البعد عن المنً
بما أعطينا , لأن هذا المنً يُبطل الصدقة قال تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) وكذلك نوصي كل مسلم ومسلمة
بالبعد عن قيل وقال , عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن
الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً : فيرضى لكم أن تعبدوه ولا
تُشركوا به شيئاً , وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا , ويكره
لكم قيل وقال , وكثرة السؤال , وإضاعة المال ) أخي المسلم :هذه بعض
النقاط المتعلقة بهذا العضو الخطير والمهم جداً : ألا وهو : اللسان
إنه من أعظم النعم التي أعطاها الله تعالى لعباده وعلى كل من أراد
النجاة في الدنيا والآخرة فليمسك لسانه عن المعاصي , قال أحد الصحابة
لرسول الله : يا رسول الله : ما النجاة ؟ ( قال : أمسك عليك لسانك
, وليسعك بيتك , وابك على خطيئتك ) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة اللهم آمين . والحمد لله رب العالمين
إبراهيم السيد العربي
أعلى
فبهداهم اقتده
آفة الحسد داء
يا شباب المستقبل: الحسد داء خطير يصرف المصاب
به عن قول الحق والاستجابة لدعوة حامل رسالته ويجعله يصر على الباطل
ويعاند ويكابر ويعرض نفسه للعذاب الابدي الأليم في نار الجحيم. والحسد
آفة تغشي بصيرة المصاب بها فلا يحاول التفكير في الحق والخير ولا يستقبل
النصح ولا الارشاد لذا فإن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصي
ووردت كثير من الاثار في ذمة ومنها الحديث النبوي الشريف: لا تحاسدوا
ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا) وفي قصة عبدالله
بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مع الرجل الذي قال في حق النبي صلى
الله عليه وسلم: يطلع عليكم الان رجل من أهل الجنة. وأنه بات عنده
ليعرف عمله فكان يحتقر عمله ثم سأله عن عمله فقال الرجل: ما هو إلا
ما رأيت غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشا ولا حسدا
على خير أعطاه الله إياه، قال عبدالله فقلت له: هي التي بلغت بك. ومن
الواضح بأن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب وهو خلق ذميم يضر بالبدن
ويفسد الدين حتى أمر الله تعالى بالاستعاذة من شره، فقال تعالى: (ومن
شر حاسد إذا حسد) (الفلق: 5). ولو لم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق
دنئ يتوجه نحو الأكفاء والأقارب ويختص بالمخالط والمصاحب لكانت النزاهة
عنه كرما والسلامة منه مغنما فكيف وهو بالنفس مضر وعلى الهم مصر حتى
ربما أفضى بصاحبه إلى التلف من غير نكاية في عدو ولا إضرار بمحسود.
ـ فحقيقة الحسد إذا هي شدة الاسى على الخيرات تكون للناس الافاضل وله
ثلاثة دواع:
أولها: بغض المحسود.
والثاني: أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه الحاسد.
والثالث: أن يكون بالحاسد شح بالفضائل وبخل بالنعم فيسخط على الله
عز وجل في قضائه ويحسد على ما منح من عطائه وهذا النوع من الحسد أخبث
الأنواع.
وبحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون الحسد له فإن كثر فضله كثر
حساده لان ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد ويجعل الحاسد
في حسرات تكاد تذهب بنفسه كما يجعله انفعال نفسي مضطرب ومشوش.
وهذا الانفعال تنعكس آثاره على نفس صاحبه فيمتعض مما وهبه الله تعالى
للناس ويتميز من الغيظ ويعاني من الألم النفسي والعذاب المرير والاضطراب
واصفرار اللون (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)
(فاطر: 43). وبالتالي تكون حياة الحاسد حياة شقاء وقلق ويفقد طاقات
كبيرة من حيويته وصفائه الذهني وخاصة إذا أتبع هذا الانفعال محاولة
إيقاع الضرر أو التنكيل أو إزالة النعمة من المحسود.
إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أعلى
|