كلمة ونصف
نقص اليد العاملة في الصحة
فجّرت وزارة الصحة مفاجأة من العيار
الثقيل ، ونشكرها على هذه الشفافية في تناول المشكلات والتحديات
بكل وضوح ، عندما أعلنت أن القطاع الصحي في السلطنة يعاني من نقص
حاد في العاملين في هذا القطاع ، بسبب تسرب اليد العاملة الوافدة
من العمل ، نتيجة إغراءات من دول أخرى .. وانخفاض نسبة التعمين التى
تصل إلى 21% فقط.لا نعرف بالضبط هل وزارة الصحة ، لا تعّي مثل هذه
المشكلة من قبل ، وتأخذ احتياطاتها أم أنه سوء تخطيط في تنمية الموارد
البشرية ، وإذا كان ليس مستغرباً ترك 1170 وافداً العمل في القطاع
الصحي عام 2004 ، حسب ما أشارت الوزارة في بيانها بمناسبة يوم الصحة
العالمي ، في ظل التنافس العالمي لجذب الكوادر الصحية ومنحها إغراءات
ومزايا مادية جيدة ، وبحث هذه الكوادر عن الأفضل بين الفرص المتاحة
..
إلا أن المستغرب أن تدني مستوى التعمين والتأهيل في هذا المجال ،
لتبلغ نسبة الكوادر الوطنية 21% فقط ، من مجموع العاملين في هذا
القطاع ، وخاصة أن هذه النسبة أغلبها في التخصصات الطبية المساعدة
مثل الممرضين وغيرها من التخصصات ، في حين أن نسبة التعمين في الكوادر
الطبية المتخصصة كالأطباء والاستشاريين وغيرها قد لا تتجاوز 5% في
أقصى تقدير.وفي ظل عزوف اليد العاملة الوافدة عن العمل كمشكلة عالمية
، وتدني نسبة التعمين ، في القطاع الصحي. فان السؤال المطروح عن
الخطوات القادمة لمعالجة مثل هذه المشكلة ، التي كان بالإمكان تلافيها
لو استثمرنا جيدا في إعداد الكوادر الطبية ، وفتحنا المجال أمام
الشباب العماني للانخراط في الطب ومجالاته المتخصصة في السلطنة وخارجها
،خاصة في ظل الوفرة من الكوادر القادرة على دراسة هذه المجالات لكفاءتها
ونسبها الجيدة في الثانوية العامة التي تعطي مؤشرات لمستوى العلمي
لطلبة والطالبات في السلطنة.ان كلية الطب بجامعة السلطان قابوس والمعاهد
الصحية المختلفة ، والبعثات الخارجية والكليات الطبية الخاصة، لم
تلب إلا نسبة قليلة من متطلبات القطاع الصحي من اليد العاملة ، وهو
ما يتطلب دراسته وتفعيل هذه المؤسسات التعليمية ورفع نسب القبول
بها ، وإلا ستظل هذه المشكلة قائمة ، خاصة مع تنامي الطلب على الكفاءات
الطبية في دول العالم ، وتزايد طلب المؤسسات الصحية العامة والخاصة
للكوادر الطبية المتخصصة والمساعدة ، للعمل في هذا القطاع.ونحن في
مقدورنا تطوير قدراتنا الطبية وتأهيلها بأفضل مما هو عليه الآن وذلك
بالارتباط بالجامعات المرموقة في المجالات الطبية ، وفتح فروع لها
في السلطنة بهدف النهوض بهذا الجانب الهام ،بشكل أفضل.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أصداف
العراقي سنة رابعة احتلال- 17 -
دخل الأميركيون العراق ، وهم على قناعة تامة
، بأن العراقيين سيرمون عليهم الورود من كل جانب ، ثم يعتذر العراقي
خشية أن تكون الوردة قد أزعجت الجندي الأميركي ، لأنه يفضل الوردة
ذات اللون الأبيض ، والتي لامست وجهه لونها أحمر. وذهب جنود المارينز
إلى أبعد من ذلك ، فهذا الذي يحلم بليالي صاخبة في أجواء بغداد ،
وذاك الذي اعتقد أنه سيتجول ظهيرة كل يوم في شارع الرشيد ، ويزور
الأسواق ، والعراقيون يحيطون به من كل جانب.لم يحصل ذلك ،ولم يذكر
أحد أنه شاهد عراقياً واحداً وهو يقدم وردة للأميركيين، لكن أستطيع
القول إن الذين قدموا باقات الترحاب والشكر والامتنان، هم مجموعة
من السياسيين، وبعض الإعلاميين ، الذين سارعوا لإطلاق وصف (قوات
التحرير) على قوات الغزو من جنود المارينز.
خلال اشهر الاحتلال الأولى، أو حتى اكتمال السنة الأولى، امتلأت
الفضائيات والصحف العراقية، بالترحاب بالقوات الأميركية، ولم تظهر
إلا الأصوات القليلة النادرة، التي أخذت بالارتفاع منذ أيام الاحتلال
الأولى، والتي تسمي المارينز بقوات احتلال بغيضة، وأثار ذلك حفيظة
الكثير من السياسيين والإعلاميين العراقيين، من الذين سارعوا إلى
الترحيب بالمارينز، وبينما تمسك المناهضون للاحتلال بموقفهم الثابت،
فقد بدأ البعض من الخط الأول، يتجه صوب هذا التوجه، مع بداية وضوح
حقيقة المشروع الأميركي في العراق، ومع دخول الاحتلال عامه الرابع،
قد لا نجد من يسمي تلك القوات بـ (التحرير) إلا ما ندر، واتجه الكثيرون
إلى استخدام تسميه قوات متعددة الجنسيات أو أزداد عدد الذين يقولون
بوضوح أنها قوات احتلال.المؤسف في كل ما تطرقنا أليه، إن العراقيين،
لم يقدموا الورود إلى الأميركيين، وأقصد بذلك عامة الناس، لكن من
يُسمون بالنخبة، هم الذين رحبوا وكتبوا المقالات وتحدثوا عن فرحتهم
لاحتلال بلادهم، وتبين فيما بعد واستناداً إلى الفضيحة التي خرجت
من داخل البيت الأبيض، إن الإدارة الأميركية، كانت تدفع ملايين الدولارات
لعراقيين يمتدحون الاحتلال، ويعملون على تحسين صورته أمام الرأي
العام.بالنتيجة، لم يتحقق لجنود المارينز ما تصوروا، وانفضح السائرون
في ركب برنامج الاحتلال الأميركي للعراق، ولم يهنأ الأميركيون بالتجوال
بحرية في شوارع الرشيد والسعدون، ولا في أي مكان آخر.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

باختصار
زيارات الزهار
لايحتاج الامر ل"تبصير" كي يعرف
النتائج المترتبة على الحصار الدولي والعربي لحركة حماس ، اي للسلطة
الفلسطينية التي مازال تواضعها الدبلوماسي غالبا على القول بصراحة
في وضعية افقها المسدود .. الحركة في أزمة اصطنعت منذ ان تسلمت السلطة
.. انه الأمر الواقع الذي يجعلها لا تتقدم لكنها ترفض التراجع وتسعى
في الارض حاملة احتياجاتها لمن يقبل المساعدة ، والذين كان عليهم
ان يساعدوا ورفضوا لم تقل بحقهم سوى " اني استغفر الله لي ولكم
" ـ حادت عنهم كي لاتقع في خطأ الخروج عن الدبلوماسية حيث البعض
ينتظر منها ان تتفوه بكلام كبير كي يعلل احجامه عن مساعدتها بهجوم
مضاد لاتحتاجه في هذا الظرف. لم تكن حماس " تبصّر" حين
أهّلها الشعب الفلسطيني الى مواقع قيادته في ظروف تعرفها جيدا بعدما
كانت تعرفت عليها خلال مسيرتها. هذا النضج السياسي محسوب لها وعليها.
ان لا تستسلم كما ينتظر المنتظرون فتلك من قيم المواجهة التي هي
في اصل تركيبة حماس ، لكن عليها في الوقت نفسه ان تجد ما يسد رمق
شعبها الذي مازال يقف الى جانبها لكنه قد يضطر امام مطالبه المحقة
ان يفعل التنهيدة قبل ان يبدأ كلاما فيه من الوجع مايأخذ الى قول
الحقيقة. الحركة التي عرفت معنى الشقاء والخسائر في قيادييها وكوادرها
والمصاب الجلل في خسارة مؤسسها الشيخ احمد ياسين ورثت زعامة الراحل
ياسر عرفات ، لكن احدا لم يقبل طلتها في هذا التوقيت من حياة القضية
الفلسطينية ومن الواقع العربي الذي يرثى له. فهاهي الولايات المتحدة
تتحول الى عدو بعدما حولت عداءها ضد حماس الى كل فلسطيني عملت على
معاقبته. وهاهي اوروبا تتحرك بالنفس الاميركي وتقود اشارتها عن بعد
. وهاهم بعض العرب امام "واقعية" المصالح الذاتية مع الاميركي
يفضلون الصمت ويتهربون من المصافحة كي لايحسب الامر اعترافا . لكننا
لانتوقع من اسرائيل غير خطوات كالتي نسجت عليها مواقف جاهزة للتصعيد
في كافة الاتجاهات. وحين يبرز موقف ايراني مساعد وكلك من قطر اضافة
الى الموقف السوري المميز يصبح بعض الامل متداخلا في عناوين الخروج
من المصاعب. ومع ذلك لايرضي حماس سوى اجماع مهما كانت ميولها التاريخية
والطبيعية. حاجتها الى الترياق لاتبعدها عن الدبلوماسية في التعاطي
دون ان تتقدم خطوة في التنازل امام اسرائيل التي تنتظر اشارة من
هذا النوع كي تفعل بها ما فعلت في السلطة الفلسطينية السابقة حين
حولتها الى معتمد لها حين شاءت التنازل وقدمت اوراقها مجانا في لعبة
كبيرة كانت وما زالت اصغر اكتافا في المقارعة. مازال وزير الخارجية
الزهار يتحرك نحو الابواب المفتوحة امامه. لقد تعلم خلال الايام
القليلة التي تحرك فيها ان الابواب الموصدة في وجهه عنوان لطبيعة
الحصار الذي لن ينتهي عاجلا. لم يكن امامه اقتحامها ولا الوصول اليها
ولا معاندة موصديها ، لكن تركها للاقدار ايضا لايعني انها لم تكن
مصدر ألم له ولحركته ولشعبه الذي ميز المواقف وعرف مكامن المحاصرين
وهو الجائع للرغيف والقابض على الجمر في اصعب ايام حياته. لم تنته
زيارات الزهار لكنه بات يعرف نهايتها وكيف سترسو ومع ذلك لابد من
المحاولة كي لايقال ان الرجل توقف في منتصف الطريق وامام شعبه الذي
يراقب عن بعد آخر الطلقات وأهمها،وهو مايجعل قيادة حماس على قناعة
بان الجدار الفاصل اسهل حصارا من التبعات التي واكبت وصولها الى
السلطة ، وان الحرب التي تشن عليها انما بدأت كي تصل بها الى الاستسلام
ومن ثم الخروج من السلطة ودفن التجربة قبل تولد.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

حكاياتي
بنات الرياض (2)
كما اسلفت فقد كانت كاتبة القصة ذكية بما فيه
الكفاية لتخيل انها ترسل بحلقات القصة عبر البريد الالكتروني الى
الناس ، وان الناس تعودوا على استقبال هذه الحلقات مرة في الاسبوع
لتأتيها ردود الفعل الغاضبة او المؤيدة او المستنكرة او الشادة على
يدها للاستمرار.
وان تكون ذكية بما فيه الكفاية كي تطلب الى الشاعر المعروف غازي
القصيبي بتقديم الكتاب.
واذا استطاعت الكاتبة عبر الحبكة القصصية ان تحقق نجاحا كبيرا فالواقع
الذي استسقت منه الاحداث كان معينها وان لم تذكر كل تفصيل من الواقع
، وحاولت تغييره الى حد ما كي لا يتطابق ماتكتبه مع الواقع وشخوصه
، والذي يؤخذ على الكاتب او القاص كعيب ، لان القاص ابدا لايكون
ناقلا للواقع كنسخة كربونية والا اين بصماته الادبية والفنية على
العمل المنجز. وكانت شجاعة الكاتبة بانها تناولت هذا الحدث الذي
نأى عن تناوله الكثيرون. وهو حدث يستحق الوقوف ويساعدنا على تفهم
عقلية المرأة والرجل سواء اكان ذلك في المجتمع الخليجي او العالمي.
فغالبا ما تكون المرأة اسيرة الخيال الذي يرتبط بقصص الغرام والحب
الذي يشعرها بان الزواج عن حب هو اكمل وافضل وانجح صورة للزواج ،
وانه لا زواج ناجح بدون حب. وهكذا قد نرى فتاة من وسط اجتماعي وثقافي
ما قد ترتبط بانسان لايناسبها ابدا لمجرد انها حملت له عاطفة جياشة.
والرجل على العكس من ذلك ، فهو عملي في نظرته الى هذه الامور لكنه
بسبب ازدواج المعايير قد تسول له نفسه ان يدخل في تجارب الحب والغرام
دون ان يلزم نفسه بالزواج من التي احبها الا ماندر وهذا ما يحصل
في مجتمعاتنا الخليجية. اما في المجتمعات العربية فقد تطورت الامور
الى نقطة ابعد قليلا، فقد يرتبط الشاب والفتاة بقصة حب طويلة جدا
تأخذ سنوات من عمرهما لكن في لحظة ما يقرران الانفصال لان ظروف الحياة
لم تساعدهما فقد يترك الشاب من احبها لاجل اخرى اكثر غنى وتستطيع
مساعدته ، وقد تترك هي هذا الشاب لانه لايناسب اسرتها. ونرى ذلك
في الافلام العربية الي انتجت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات
والى الان ربما.
اما في الغرب فالخطوة اكبر وأوسع ، فقد تتحول العلاقة بدون زواج
الى علاقة كاملة ثم ينفصلان ليتزوج كل واحد زواجا اكثر مناسبة له.
او ليدخل في علاقة اخرى وثالثة ورابعة ، وقد تكتفي المرأة بهذه العلاقات
وتنجب الابناء وتربيهم دون وجود زواج دائم وانما صديق وحبيب مقيم
لعدد من السنوات ثم يرحل ، وتشيع بعد ذلك ظاهرة الأمهات المعيلات
للابناء وغير المتزوجات كشيء من ثقافة المجتمع الغربي. اذن يبدو
من الواقع ان تفكير الفتاة بالحب والارتباط عبره، طريق غير معبدة
وغير سليمة ، وان تشبعها بهذه الرومانسية خاطئ الى درجة كبيرة ،
فالخليجي يتعامل معها بازدواجية والعربي يتركها لظروفه المعيشية
والغربي يعطيها اطفالا دون ان يعطيها اسما ويرحل. واذا كان شبابنا
مزدوجي المعايير فان فتياتنا لم يصقلهن الواقع فبقين ساذجات التفكير.
طاهره عبدالخالق
tahira@edu4all.net
أعلى

اقول لكم
حرب المايوهات!
لم تكن المستشارة الالمانية انجليكا ميركل
تشارك في مسابقة ملكة جمال لباس البحر (المايوه) على الشاطئ ، فقط
كانت تستمتع بعطلتها عندما اقتنصت عدسة مصور هذا الحدث الذي لا يتفق
مع هيبة المستشارية ونشرت الصورة صحيفة بريطانية فهاجت الدنيا في
بلاد الراين ، وقالت الصحف هناك انها تترفع عن نشر صور لملكة بريطانيا
بالملابس الداخلية في المقابل ، وان كل ما فعلته الصحيفة اللندنية
تأكيد امتلاك المستشارة لمؤخرة مثل باقي البشر ، وحتى اللحظة لم
يتوقف التراشق الاعلامي بين بون ولندن بسبب هذه القضية الساخنة!
والأكثر سخونة منها صورة للرئيس بوش وهو يجذب ضيفه الرئيس الصيني
من كم سترته، كما لو كان يحاول ضمه الى صف من ينادون بشن الحرب على
ايران لاجهاض مشروعها النووي ، او على الاقل اقناع المضيف بارتداء
البلوجينز والتي شيرت حتى تأخذ المباحثات طابعا حميميا بدلا من الرسميات
، وعلق احدهم ساخرا ان الضيف قد يؤكد موقفه المتشدد باحياء تقليد
قديم للحزب الشيوعي الصيني ويسبح بالمايوه في نهر بوتوماك ، مثلما
فعل سلفه الرئيس ماوتسي تونغ عندما سبح بالمايوه في مياه نهر يانغتسي
لاغاظة المعسكر الرأسمالي!
وصورة جاكلين كينيدي وهي تستلقي بالمايوه على سطح يخت الملياردير
اليوناني ارسطو طاليس سقراط اوناسيس قبل ان تتزوجه ، اهاجت صحف (فليت
ستريت) وقتها التي قالت ان هيبة الولايات المتحدة ووقارها طارا على
سواحل بحر الادرياتيك ، الامر الذي قد يساعد على اخماد نيران حرب
المايوهات بين بريطانيا والمانيا..فمايوه البوندستاغ الذي كشف عن
نفسه على شواطئ ايطاليا ، لن يكون اعلى مقاما من مايوه البيت الابيض
الذي بانت مفاتنه في مياه الجزر اليونانية!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

استراحة بغــداد
عندما نشرت صحيفة (الوطن) الغراء مقالتي المعنونة
"استباحة بغداد" قبل عدة أيام، وردتني العديد من الرسائل
الإلكترونية من مرسلين عراقيين وعرب للتعبير عن الألم والمرارة لما
حدث لهذه الحاضرة التي بقيت طوال قرون رمزاً للثقافة والحضارة العربية
الإسلامية. بيد أن أهم هذه الرسائل وردت من رجل بحريني كان قد درس
في جامعة بغداد عندما كانت هذه المدينة جنينة غنّاء ترفل بالسلام
والمحبة والكرم. لذا فإن رسالته إنطوت على الكثير من الألم والحنين
للماضي وعلى التساؤلات الملحاحة حول: ما الذي حدث للبغاددة، وكيف
هبطت الحياة في هذه المدينة الزاهرة إلى هذا الحضيض بعد أن كانت
حلماً للعديد من الشبان العرب الذين طالما تشبثوا بالدراسة فيها.
وقد شاركت الرجل مشاعره لأني كنت قد عاصرت بغداد آنذاك وأدركت، بكل
دقة، ما كان يعنيه ويعييه. وهكذا فكرت بكتابة "استراحة بغداد"،
ليس فقط بسبب توازي الألفاظ بين المقالة الأولى وهذه المقالة، ولكن
كذلك بسبب الحاجة لأن يطلع القارئ العربي على حقائق الحياة في بغداد
كـ"محطة استراحة"، أشبه ما تكون بالذهاب إلى دار للعروض
السينمائية ولكن لمشاهدة واحد من أفلام الرعب، وليس أفلام الحب.إن
المشهد الخارجي ، من نقطة عالية ، لمآسي بغداد لن يخفق في تكريس
ذات مشاعر الرعب من حالة اللا يقين والخوف من الموت المتربص للسكان
في كل زاوية وشارع. بيد أن عرض هذا المشهد يبدو مهماً بالنسبة للقراء
الذين يعيشون في مدن طبيعية ويعيشون حياة طبيعية، كأداة وكدافع لتذوق
وتقدير ما حباهم الله به من سلم وأمن، وكتحذير من مهاوي الانزلاق
إلى غياهب حاضرة الفوضى التي يغيب فيها مركز قوي للسلطة، مركز سلطة
قادر على فرض السلام واستتباب الأمن. هذه واحدة من النعم التي لا
يقوى على تقدير قيمتها من يحيا في مدينة اعتيادية ، حيث يتناول المرء
الفطور صباحاً ثم يتوجه إلى عمله وهو يقود سيارته بأمان وبلا خوف
كي يمارس نشاطه اليومي ، ليعود فيما بعد لبيته ولأولاده. هذه الحال
صارت أشبه بالحلم في بغداد ، نظراً لاختلاط الأوراق وللتعمية ولغيمية
المشهد العام. ثمة أحياء شاسعة، تسمى بين السكان بـ"المناطق
الساقطة" لأنها تعاني من كل عناصر الرعب التي لا يمكن إلاّ
أن تقدم في أفلام هوليود: فإذا كان الخروج من المنزل للتسوق أو للالتحاق
بالعمل محفوف بأنواع المخاطر ، فإن البقاء في البيت مع أفراد الأسرة
لايمكن أن يضمن للمواطن الوجود الآمن، خاصة بعد أن تواردت القصص
المريعة عن حالات أشبه بالخيال، واحدة من هذه الحالات هي: دخول مجموعة
من الملثمين أحد البيوت بعد انتصاف الليل لقتل الأب والأم أمام أعين
الأبناء من الأطفال. أما الحالة الثانية، فهي أكثر ترويعاً، حيث
دخل أمثال هؤلاء من الملثمين مدرسة ابتدائية ليقوموا بـ"ذبح"
اثنين من المعلمين وهم يدرسون الطلاب في صفوفهم ، ثم ليخرجوا أمام
ناظر الأطفال وبقية المعلمين بكل هدوء واطمئنان. هذه ليست بحالات
نادرة الحدوث في بغداد اليوم، لأنها تتكرر يومياً في "المناطق
الساقطة" ، وغير الساقطة، حيث تخفق الأجهزة الأمنية وقوات التحالف
في بسط سيطرتها عليها. أما الحالة الأكثر إثارة للاشمئزاز فهي حالة
إقفال أبواب الدار على سكانه بداخله وإشعال النار فيه ، كي تبقى
العائلة حبيسة الفرن الذي اصطنعه لهم المهاجمون. هذه القصة تكررت
كذلك بأشكال عديدة، ومنها شكل تقييد أفراد الأسرة كي لا يحاولوا
الهروب من "الجحيم".لقد أدى اختلاط الرؤية بسبب تعمد العصابات
ارتداء الملابس الرسمية ، للشرطة مثلاً ، وقيامهم بمثل هذه الأعمال
، إلى غياب الثقة بمن يفتش الدور أو يأتي لإلقاء القبض على من يشك
بهم، الأمر الذي جعل من حالة "البقاء للأصلح" بضمن قانون
الغاب هي السائدة. لذا لا تخلو دور المواطنين من أنواع الأسلحة التي
تشمل حتى "الرمانات"، بمعنى القنابل اليدوية ، خشية مجيء
مثل هؤلاء الزوار ليلاً أو نهاراً. هذا الأخلاط قاد إلى عدم التمييز
وأخل بقدرة أجهزة الأمن في الإمساك بزمام الأمور، الأمر الذي جعل
حالة اشتعال سكون الليل، على حين غرة، بالرصاص والقنابل حالة اعتيادية
في العديد من أحياء هذه المدينة المنكوبة. إن ليل بغداد ليس كليل
اية مدينة أخرى ، وعلى كل عائلة أن يتناوب أبناؤها في "خفارات"
مراقبة الشارع من نقطة سرية من المنزل خشية "الغزوات"
التي لا يعرف أحد مصدرها أو مصادرها. لذا فإن مرور سيارة واحدة،
بعد بداية حضر التجوال، في أي حي سكني، سيؤدي إلى تحول البيوت المتجاورة
والمتقابلة إلى ثكنات وسواتر لإطلاق النار بكل اتجاه وبكل بكثافة
ممكنة.لقد أصبح الموت أو القتل في بغداد قصة عابرة لا تستثير الكثير
من الاهتمام أو التعاطف بعد أن كانت وفاة شخص في العقود السابقة
تستثير الكثير من الاهتمام وبروتوكولات حضور مجالس العزاء والولائم
وتعابير الألم. قبل أيام جاءت واحدة من تلميذاتي لتقول، "مبتسمة"،
لقد قتل عمي ! ولكنها لم تكن تذرف الدموع ولا ترتدي ملابس الحداد
السوداء كما تعودنا على ذلك في العراق. أما أن يتكلم المرء عن إعلام
السلطات الأمنية عن حادث قتل ، فهو شيء أقرب إلى "النكتة"،
لأن جميع الاغتيالات لا يمكن لأحد، في ظل هذا الفلتان ، أن يمسك
بخيوطها أو بما يؤدي إلى إلقاء القبض على الفعلة. ودوافع مثل هذه
الجرائم هي نفسها بدرجة من الاختلاط والارتباك إنك لا يمكن أن "تحزر"
من الذي نفذها ولماذا، حيث اختلطت بواعث السرقة والنهب بالأسباب
السياسية وبالأسباب الطائفية. لذا فإن عملية تقييم الجريمة ومن يقف
وراءها منوط بالتقدير والتكهن لا غير. إن بغداد هي المدينة الوحيدة
في العالم (باستثناء تكساس التي تقدمها أفلام رعاة البقر) التي يتوجب
على المواطن فيها حماية نفسه والدفاع عن عرضه وأمواله دون توقع مساعدة
من أحد، خاصة وإن "النخوة" العراقية المعروفة قد غدت وبالاً
على "المنتخين": إذا ما قرر المرء مساعدة جاره أو صديقه
في وقت المحنة أو الغزوة، فإن عليه أن يتوقع القتل برصاص مجهولين
في اليوم التالي ! لذا يموت العديد من البغاددة يومياً، تبقى جثثهم
طريحة الطرقات والشوارع دون أن يجرؤ أحد على حملهم أو نقلهم إلى
مراكز الموتى والتشريح، بل دون أن يجرؤ أحد على تغطية جثتهم: وهكذا
تحولت جدران المدينة إلى "حوائط مبكى" زاخرة بمئات اللافتات
السوداء التي تعلن كل واحدة منها عن "استشهاد" فلان على
أيدي غادرة.ويبقى المؤمنون حيال هذه الحال يكررون أنها لابد أن تكون
إرادة الرب، باحثين عن ثمة حكمة إلهية هي التي تقود أبناء هذا البلد
إلى هذه الحال. وفي الوقت الذي يدعي فيه البعض أن ما تعيشه بغداد
إنما هو تعبير عن "غضب إلهي"، يبقى الشباب والنشء من اليافعين
يتساءلون ما الذي جنيناه لنحيا مثل هذه الحياة، ولماذا نعاقب لما
أقترفه آخرون؟
هذا، بكل دقة، ما يبرر ظاهرة الهجرة الجماعية التي تجري كنهر غير
منقطع نحو غياهب العيش في مذلة الغربة والاغتراب. بل إنك لا يمكن
أن تقابل شاباً أو شابة واعدة إلاّ وأن تكتشف بأنه يعمل كل ما في
وسعه للهجرة حتى وأن كانت للجحيم، لأن الجحيم أرحم من بغداد واستراحتها.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
تغييرات بوش .. هل فات أوانها؟
أخيراً فعلها بوش ، وقام بتغيير عدد كبير من
طاقم إدارته ومساعديه وأصدقائه المقربين. وهو الذي تردد كثيراً في
إنجاز هذه التغييرات أملاً في تحقيق إنجاز ، داخلي أو خارجي ، يلطف
أجواء الاحتقان الشعبي ، ويرفع من نسب قبوله التي تدنت إلى مرتبة
لم يصل إليها قبله أي رئيس أميركي.دوافع التغيير معروفة ، ولم يكن
لبوش أن يبادر به لولا موجات الضغط "المعنوي" المتتالية
التي تتعرض لها إدارته منذ بداية ولايته الثانية، وهو الذي تذرع
دوماً بانسجام طاقمها وقدرتها على تحقيق المعجزات ، على غرار غزو
العراق وإسقاط نظام صدام حسين. تغييرات بوش لم تكن مفاجئة ، وهو
الذي حاول تأخيرها أو التملص منها ، أملاً في تحسن مركزه داخلياً
، وطمعاً في إحراز تقدم على وضعه في العراق. بيد أن المغزى هو في
توقيت التغيير، وهو الذي يتزامن مع الاستعداد لحملة انتخابات التجديد
النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في نوفمبر القادم.
سقطات بوش الداخلية ربما تفوق في تأثيرها ، وضعه الضعيف خارجياً
، فبدءاً من فضيحة التنصت الداخلية ، والتي تشكل العصب الحقيقي في
هبوط شعبية بوش ، كونها مست جوهر الديمقراطية الأميركية التليدة
والتكييف النفسي لها لدى الأميركيين ، ومروراً بفضيحة "فاليري
بلايم" أو ما يطلق عليها "بلايم غيت"، والتي تسربت
بشأنها أنباء تفيد احتمالات تورطه (بوش) في كشف هوية العميلة السابقة
لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) فاليري بلايم ، وذلك للاقتصاص
من زوجها الديبلوماسي السابق جوزيف ويلسون بسبب معارضته الحرب في
العراق. وهي الفضيحة التي لو أثبتتها التحقيقات، ستمثل نقطة سوداء
في سجل بوش الرئاسي ، وذلك على بالرغم من سعي إدارته لإيجاد مخرج
لها تحت إدعاءات حق الرئيس الأميركي في رفع السرية عن أي وثيقة قد
تفيد أوقات الحرب. بيد أن الانعطافة الحقيقية في سلسلة الضغط الداخلي
على الرئيس بوش جاءت عقب اضطراد المطالبة باستقالة وزير الدفاع الأميركي
دونالد رامسفيلد ، أو ما يمكن أن يطلق عليه "انتفاضة الجنرالات"
في وجه رامسفيلد، وهي الحملة التي يقودها مجموعة من الجنرالات المتقاعدين،
فيما وصفه البعض بـ "تمرد العسكر" والخروج عن القاعدة
الأميركية المعروفة ببقاء العسكر تحت إمرة قرارات السلطة المدنية.وواقع
الأمر أن "أزمة" رامسفيلد، أو كما يطلق البعض عليها ،
كانت بمثابة القشة التي توشك على قصم ظهر بوش، ولم يكن أمامه من
بد سوى الانحناء حتى تمر عاصفتها، والتخلي عن استراتيجية الممانعة
التي ظل يتنباها في مواجهة الرفض الصامت الذي يتعرض له شخصياً.استقالة
سكوت ماكليلان ، وتحجيم دور "كارل روف" المستشار السياسي
للرئيس بوش، وكاتم أسراره ، ومن قبلهما إزاحة لويس ليبي الشهير بـ
"سكوتر"، كل هذا جاء في مقابل المطالبة برأس "رامسفيلد"،
أي تم التضحية بالثلاثة مقابل بقاء "رامسفيلد" بجوار بوش.
وبالرغم من تململ هذا الأخير من الأداء السيئ للقوات الأميركية بالعراق
، إلا أنه لم يقو حتى الآن على انتقاد رامسفيلد أو "تعنيفه"
على الأقل، وذلك بالرغم من اعتراف الأخير، ومن قبله وزيرة الخارجية
كوندوليزا رايس، بـ "الأخطاء الأميركية في العراق". وهو
ما يطرح سؤالاً مهما: لماذا يصر بوش على بقاء رامسفيلد؟ سؤال قد
تشتق إجابته من رحم سؤال أخر: ولماذا يصر بوش على أجندته الأيديولوجية
في التعاطي مع العالم الخارجي؟ذلك أن إصرار بوش على عدم التضحية
بثوره الأبيض، منبعه الإصرار على التمسك بأيديولوجية المحافظين الجدد
، التي تقوم على ضمان استمرارية التميز والتفوق الأميركي، والتي
يجيد رامسفيلد ومن خلفه نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، اللعب على
أوتارها وتحويلها إلي استراتيجية للهجوم "الوقائي" والفوضى
الخلاقة. التضحية برامسفيلد، بالنسبة لبوش، قد تعني النهاية الحقيقية
للمحافظين الجدد، واندثار أفكارهم وتصوراتهم وأحلامهم إلى الأبد،
ومن ينسي اللهجة "التبشيرية" التي طالما تبناها بوش في
خطبه حول إقرار الحريات وتخليص العالم من الأنظمة الديكتاتورية.
فضلاً عن أن إقالة أو استقالة رامسفيلد ، قد تعني ضمناً نهاية الأحلام
الإمبراطورية للولايات المتحدة، وهو الذي نجح طيلة الأعوام الخمس
الماضية في الإيهام ببدء تحققها مع غزو العراق.بكلمات أخري ، بات
رامسفيلد ، الضمانة الوحيدة المتبقية لبوش من أجل تحقيق إنجاز قد
يحفظه سجله الرئاسي ، وهو الذي يتوق ، بتركيبته السيكولوجية والأيديولوجية،
إلي التفوق علي أقرانه من المحافظين التقليديين والجدد فيما يخص
التحول في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.قد يكون من المبكر
الحكم علي تغييرات بوش وتأثيرها على موقفه في مواجهة منافسيه، وهو
ما سوف تثبته انتخابات الكونغرس بعد نصف عام من الآن.
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany@yahoo.com
أعلى
تجاوز الخلافات بين أميركا والصين
مثلت الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني للولايات
المتحدة فرصة جديدة للثرثرة الكلامية عن التهديد الصيني.حيث سمعنا
قبيل الزيارة مباشرة اصوات ترتفع من الكونغرس ومن الادارة عن كل
شيء من تلاعب الصين بالعملة وانتهاك حقوق الملكية الفكرية الى تعزيز
قدراتها العسكرية.لكن لا يجب ان ننخدع بهذا الكلام.حيث لاتوجد شهية
حقيقية في واشنطن او بكين للمواجهة على اي من هذه القضايا والاقل
من ذلك هو التحدي الذي تمثله الصين للزعامة العالمية الأميركية.حيث
لا تتحمل اي من الحكومتين تصعيد التوترات.فعلى الصعيد الاقتصادي
فنحن متداخلين بشكل كبير.وإذا أغضضنا الطرف عن العجز التجاري الاميركي
البالغ 200 بليون دولار مع الصين فانك يمكن ان تجد شركات اميركية
تدير خطوط تجميع عالمية تبدأ في اوهايو وتمر بماليزيا وتنتهي في
جنوب الصين.على الصعيد الاستراتيجي فان الولايات المتحدة تعتمد بشكل
كبير على الصين في محاولة التصدي لاكبر تحد امني في شمال شرق اسيا
وهو البرنامج النووي لكوريا الشمالية.
وتتمسك بكين بقوة بمبدأها وهو الصعود السلمي للصين.والذي تم صياغته
قبل ثلاث سنوات ويرمي الى الحفاظ على الامور هادئة مع الولايات المتحدة
واغلب الجيران واستغلال الوقت لادارة عملية شد حبل البهلوان في مواصلة
النمو الكبير في الوقت الذي تحافظ فيه على الاستقرار الداخلي.وعلى
اي حال فان واشنطن تغوص في مستنقع الشرق الاوسط بدرجة لا تسمح لها
باكثر من النباح الان وفيما بعد على الصين.ويقول كيرت كامبل خبير
الشئون الامنية الاسيوية انه على المستوى الاستراتيجي فان الولايات
المتحدة تركز بشكل حقيقي- اشبه باشعة الليزر -على الشرق الاوسط والصينيون
يرغبون كثيرا في استمرار هذا الحال.حيث انه يقدرون حقيقة انه مع
تركيز الاميركيين بشكل كبير اهتمامهم على اي مكان اخر فان ذلك يسمح
لهم بلعب دورا اكبر في اسيا بشكل عام.وبشكل نمطي فانه في الوقت الذي
كانت واشنطن منهمكة فيه بزيارة هو كان وزير الدفاع الصيني في خضم
جولة اسيوية غير مسبوقة تاخذه الى الكوريتين وسنغافورة وماليزيا
وفيتنام.وقد انهى رئيس الوزرء الصيني لتوه جولة مماثلة في استراليا
ونيوزيلاند وفيجي وكمبوديا.في سفرياتي الخاصة عبر اسيا مؤخرا من
كوريا الجنوبية واليابان في الشمال الشرقي ونازلا الى سنغافورة وفيتنام
وهونغ كونغ في جنوب شرق اسيا وجدت نموا مذهلا للنفوذ الصيني.والسئوال
عن كيفية التعاطي مع صعود الصين يتصدر كل جداول الاعمال.وفي كل مكان
يتلمس الناس اكتافهم وينتابهم القلق من القوة والوجود الناشئ بقوة
للصين.وهم يتخوفون بشكل مماثل من ان تتخلى الولايات المتحدة عن الميدان
لصالح الصين.وان كانوا لا يريدون ايضا الاختيار بين القوتين.
وهذا حقيقي حتى في اليابان حيث لا تمل وسائل الإعلام ورجال السياسة
فيها من الحديث عن التهديد الصيني.وان كانت نظرة اعمق تظهر حركة
مضادة لذلك متزايدة- لاسيما بين دوائر النخبة السياسية- تحذر من
ان تصبح اليابان منفصلة عن بقية اسيا.والصراع على خلافة رئيس الوزراء
جونيشيرو كويزومي الذي سيتخلى عن منصبه في الخريف المقبل يتشكل الان
حول هذه القضية.
ويميل التنافس الصيني- الياباني الى الكشف عن الجانب الاكثر قوة
وفرد للعضلات في صعود الصين السلمي وهو الجانب الذي نادرا ما يلقي
الأميركيون اي نظرة عليه.في فيتنام يتذكر مسئولون كبار في السياسة
الخارجية ما حدث عندما جاء اليابانيون يغازلون من أجل الحصول على
تأييد فيتنام لقرار يعطيهم مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي وهو الهدف
الرئيسي للسياسة الخارجية اليابانية.وتعد اليابان اكبر مانحة معونات
لفيتنام والمصدر الرئيسي للاستثمار الاجنبي.وتتمتع الصين وفيتنام
بتاريخ طويل وعاصف بوصفهما جارتان بما في ذلك حروب ترجع الى عقود
ولعل الاحدث في ذلك هو الغزو قصير الاجل في 1979 الذي انتهى بهزيمة
للصينيين.ومع ذلك فان العلاقات في هذه الايام جيدة نسبيا يغذيها
في ذلك التجارة المتصاعدة لصالح الصين في الاساس.وقد ارسل هو -بدوره
كزعيم للحزب الشيوعي الصيني- مبعوثا خاصا للتباحث مع القيادة في
الحزب الشيوعي الفيتنامي الحاكم.وقد ابلغني مسئول فيتنامي ان الصينيين
عادة ما يكونوا غير مباشرين.لكن في هذه المرة كانت الرسالة واضحة
وهي"لا تعملوا ذلك وإلا".وتوصل الفيتناميون الى حل وسط
وهو تاييد عضوية اليابان لكن مع رفض التبني المشترك للقرار.ولم تسر
الصين بذلك لكنها قبلت به على ما يبدو.بالنسبة لفيتنام اوضح مسئول
بارز بانها يتعين عليها الانخراط بشكل متوازن جدا.حيث لاتستطيع فيتنام
التوقف عن الانخراط مع الصين لكنها تريد التاكد من ان الصين قد صارت
قوة يمكن التعامل معها بشكل حقيقي ويمكن التنبؤ بسياستها حيالها.وفي
واشنطن وعندما تنقشع سحب الخطاب السياسي فان هذه الصيغة سوف تلخص
تقريبا حقيقة العلاقة الاميركية-الصينية ايضا.
دانيل سنيدر
كاتب عمود مختص بالشئون الخارجية في سان خوسيه ميركوري نيوز وباحث
بارز في مركز ابحاث اسيا والمحيط الهادي في جامعة ستانفورد.خدمة
كيه ار تي خاص ب(الوطن).
أعلى
الضباط والساسة الأميركيون يلعبون نفس اللعبة في العراق
حاول الضباط الأميركيون إلقاء اللوم في سقوط
"سايغون" على سادتهم المدنيين . فلولا القيود السياسية
- وخصوصا,لا غزو لشمال فيتنام - لكانت الولايات المتحدة قد فازت
في الحرب . وكذلك حاج الكولونيل الراحل هاري سامرز في كتابه الشهير
عام 1981المعنون " عن الاستراتيجية : حرب فيتنام في سياقها
". كان هذا تبسيطا مخلا . وكما أوضح الميجور أندرو كريبينفيتش
آنذاك في كتابه " الجيش الأميركي وفيتنام " ( عام 1986
) , فإن هزيمة الولايات المتحدة يمكن أن تعزى بدرجة كبيرة إلى استراتيجية
تكثيف قوة النيران غير المناسبة التي تبناها الجيش الأميركي . وفي
غياب مبدأ وعقيدة أفضل لمحاربة " التمرد " , ما كان حتى
احتلال كل فيتنام - كما فعل الفرنسيون في وقت من الأوقات - من شأنه
الفوز بالحرب . فلو كان الجنرالات يريدون معرفة من الذي يلام على
الهزيمة - كما أشار كريبينفيتش - لكانوا قد نظروا إلى المرآة ! وتحليله
مقبول الآن على نطاق واسع , غير أننا في المراحل الأولى لأسطورة
أخرى من أساطير الطعن في الظهر التي يحتشد الضباط فيها لإلقاء اللوم
على رؤسائهم المدنيين في النكسات التي نعاني منها في العراق .وفي
الأسابيع القليلة الأخيرة ,دعا ستة جنرالات متقاعدين وغيرهم لاستقالة
وزير الدفاع الأميركي,دونالد رامسفيلد . أما وقد حدث ذلك , فإنني
اتفق مع نصيحتهم . وكما قلت لأول مرة من سنتين مضيتا , فإنني أعتقد
أن رامسفيلد ينبغي أن يرحل . ولكني برغم ذلك متعب من " ثورة
الجنرالات ",التي تدعو للتساؤل حول السيطرة المدنية على القوات
المسلحة الأميركية.وفي نظامنا,يفترض أن وزراء الدفاع هم من يقومون
بإقصاء الجنرالات,وليس العكس.ويؤسس الجنرالات المتقاعدون , الذين
يزعمون التحدث لصالح إخوانهم الذين في الخدمة,انتفاضهم على شكويين
. أولا , أن كثيرين ( وإن لم يكن الكل ) يقولون أننا ما كان يجب
أن نذهب إلى العراق في المقام الأول . ويسمي الجنرال الأميركي السابق
غريغ نيوبولد الحرب ب " الحرب غير الضرورية " , ويزعم
الجنرال الأميركي السابق أنطوني زيني أن " الاحتواء نجح بدرجة
ملحوظة جيدا " . إن ذلك تقدير يتسم بالشك بدرجة كبيرة , وهو
تقدير ليس للجنرالات أن يصنعوه . هم خبراء في كيفية شن الحرب . وليس
في وقت شنها . ولو كنا قد استمعنا إلى نصيحتهم , ما كنا قد ذهبنا
إلى الكويت أو البوسنة أو كوسوفو . وشكواهم الثانية - عن كيف تم
خوض الحرب - أكثر صلاحية . ليس هناك شك في أن الرئيس وكبار مساعديه
أخطأوا وتخبطوا بعدم إرسال قوات كافية وعدم القيام بتخطيط كاف للاحتلال
. ولكن ماذا عن أخطاء الجنرالات ؟ ولنستمع إلى الضباط المتقاعدين
, فإن الخطأ الوحيد الذي ارتكبوه هم ونظراؤهم لم يكن كونهم أكثر
صراحة وجرأة في تحدي رامسفيلد . ولكن تلك ليست الصورة التي تظهر
من الرواية الأفضل للغزو حتى الآن : كتاب " كوبرا 2 "
للمراسل الصحفي المخضرم مايكل غوردون والجنرال الأميركي المتقاعد
من مشاة البحرية الأميركية " المارينز " بيرنارد تراينور
. فهما يقدمان أدلة كثيرة على إدارة رامسفيلد المضللة المسيطرة المبالغ
فيها . ولكنهما يوضحان أيضا أن الجنرال تومي فرانكس , كبير القادة
العسكريين , كان مذنبا بسوء تقدير كبير خاص به . كان فرانكس مركزا
بمكان على هزيمة القوات المسلحة العراقية بحيث أنه تجاهل التهديد
الذي شكله المقاتلون غير النظاميين مثل " فدائيي صدام"
. وبعد سقوط بغداد , كان فرانكس سعيدا لإعلان النصر والتقاعد , غير
مدرك بأن العمل الحقيقي قد بدأ لتوه . وعلى الرغم من أن بعض الجنرالات
, مثل رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي آنذاك إيريك شينيسكي , قد
حذروا بحق بشأن الحاجة إلى إرسال مزيد من القوات لتهدئة الوضع في
العراق , إلا أن فرانكس كان تواقا إلى إرسال وحدات عسكرية أميركية
إلى ديارها بمجرد وصولها إلى العاصمة العراقية . وشملت خطوات فرانكس
الخاطئة سحب كبار قادة القوات البرية الذين كانوا قد أداروا الغزو
واستبدالهم بشكل مفاجئ ليحل محلهم مجموعة جديدة برئاسة الجنرال ريكاردو
سانشيز , الذي لم يكن بمستوى الوظيفة . ووسط ارتباك تغيير القيادة
الحتمي , لم يعيد سانشيز هيكلة وتشكيل القوات الأميركية بشكل كاف
لمحاربة " التمرد " وبناء الدولة العراقية . وفي غياب
القيادة القوية من الكبار , كان قادة الفرق الأميركيون على حالهم
. وكما اخبر الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين , والذي لم يكن واحدا
من أولئك المطالبين برأس رامسفيلد , صحيفة " نيويورك تايمز
" قائلا : " هناك مسئولية مشتركة هنا .. لا أعتقد أنكم
يمكنكم إلقاء اللوم على القيادة المدنية وحدها " .
غير أن هذا بالضبط ما يحاول بعض من زملائه السابقين فعله ..
ماكس بوت
زميل بارز بـ " مجلس العلاقات الخارجية " الأميركي
خدمة " لوس أنجلوس تايمز " - خاص ب " الوطن "
أعلى
أميركا والصين:إلى أين؟
تأتى زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو للولايات
المتحدة في وقت التوترات المتزايدة بين البلدين على عدد من القضايا
الاقتصادية وسياسة العملة.فالعجز التجاري الأميركي مع الصين-الآن
حوالي 200 بليون دولار سنويا-هو عجز كبير.كما ان هناك ايضا خلافات
حول كيفية التعاطي مع البرنامج النووي الايراني حيث تسعى واشنطن
الى فرض عقوبات دولية على إيران في حين تعارض بكين ذلك.وتقرير حديث
لوزارة الدفاع الاميركية يعتبر الصين بلد ذات المقومات الاكبر لمنافسة
الولايات المتحدة عسكريا.هل ستستمر الصين في ان تكون شريك تجاري
كبير ومتزايد ومستقبل للاستثمارات الاجنبية الاميركية ام هل ستتدهور
العلاقات ربما تجاه حرب باردة جديدة؟أحد الأشياء التي يمكن أن تساعد
في تقييم العلاقات الأميركية-الصينية هو القياس المعقول لحجم الاقتصاد
الصيني.حيث أن اغلب الأميركيين بما فيهم صناع السياسة لا يدركون
أن الصين هي الآن بالفعل ثاني اكبر اقتصاد في العالم.وحسب مستويات
النمو الحالية فإنها سوف تتجاوز الولايات المتحدة في اقل من عقد
من الزمن.للمرة الاولى منذ اكثر من قرن من الزمن لن يكون لدى الولايات
المتحدة فيما بعد الاقتصاد الاكبر في العالم.ولهذا مضامين عميقة
على سياساتنا الخارجية.حيث الاحتمال الاغلب هو ان واشنطن سوف ترغم
على التحول بشكل اكبر الى الدبلوماسية التي يفضلها اغلب الاوروبيين
وسوف تكون اقل اعتمادا على القوة العسكرية او حتى الاقتصادية في
تحقيق اهدافها الدولية.والسبب الرئيسي في هذا التحول التاريخي الذي
لا تتم ملاحظته هو ان الناتج المحلي الاجمالي الصيني عادة ما يتم
الاعلان عنه على اساس سعر الصرف. بمعنى اخر ان قيمة الناتج السنوي
للصين من السلع والخدمات يتم تحويلها الى دولارات على اساس سعر الصرف
بين الدولار والعملة الصينية اليوان-حاليا الدولار يساوي 8يوانات.وعلى
هذا الاساس يتم الاعلان ان الصين تتمتع بسادس اكبر اقتصاد في العالم
وانها لن تلحق بالولايات المتحدة الا في 2041.ولكن بالنسبة لاغلب
المقارنات فان هذا مقياس خاطئ.
فاي احد يذهب الى الصين والولايات المتحدة سوف يشهد ان 8 يوان تشتري
سلعا في الصين اكثر بكثير مما يشتريه دولارا في الولايات المتحدة.وبسبب
فروق الاسعار هذه يستخدم الاقتصاديون ما يعرف بتعادل القوة الشرائية
في عمل هذه الانواع من المقارنات الدولية.ويحاول هذا المقياس تحديد
فروق الاسعار بين البلدين. وبهذا المقياس ووفقا لبيانات صندوق النقد
الدولي فان الاقتصاد الصيني يزيد على 8 تريليونات دولار اي حوالي
ثلثي حجم الاقتصاد الاميركي. وهذا يختلف بشكل بين عن التريليوني
دولار او 15%من الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة الذي غالبا
ما يتم الاعلان عنها.ومقياس تعادل القوة الشرائية هو الذي يهم في
مثل هذه الاشياء وكذلك الحال بالنسبة للقوة العسكرية ايضا التي تكلف
في الصين اقل بكثير مما تكلفه في الولايات المتحدة لانتاج طائرة
او ادراج جندي في الجيش. وعلى خلاف الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي-والتي
كنا خلالها قادرين على سن قوانين رعاية صحية وطبية وان نزيد بشكل
ملموس الانفاق على الضمان الاجتماعي-فان حرب باردة مع الصين في الوقت
الذي تزداد نموا فيه عن الولايات المتحدة يمكن ان تجبر الولايات
المتحدة على اجراء تخفيضات هائلة في مستوى معيشة الاميركيين. وعلى
الرغم من ان ذلك لايزال يمكن ان يحدث فاننا حاليا بعيدين عن احداث
اي الاختراق في العلاقات.فالمصالح الاقتصادية الاقوى للولايات المتحدة
على المحك بشكل كبير لاسيما منذ ان وافقت الصين-بانضمامها الى منظمة
التجارة العالمية-على تحقيق عملية انفتاح جذررية لقطاع الاتصالات
والخدمات المالية وقطاع التامين فيها. فهذه الفرص التي يتم التعامل
فيها ببلايين الدولارت يمكن ان تنتقل الى اوروبا ومنافسين اخرين
الذين-ومرة اخرى على خلاف فترة الحرب الباردة- يمكن ان يبتعدوا عن
التعاون معنا اذا كان ذلك معناه التخلي عن السوق الاسرع نموا في
العالم لصادراتهم. كما انه قد يشار ايضا في بعض دوائر صنع السياسة
ان الصين اليوم يمكن ان توجه ضربة قوية لاسعار الفائدة طويلة الاجل
في الولايات المتحدة بشكل وذلك من خلال اغراق جزء من الحجم الضخم
المتكدس لديها من اذون الخزانة الاميركية.ومن شان ذلك ان يرفع اسعار
الرهانات العقارية ويفجر فقاعة الاسكان هنا مما قد يتسبب بشكل كبير
في احداث حالة من الركود الاقتصادي. ولذلك فان التوترات الحالية
مع الصين على قضايا التجارة اوالسياسة الخارجية من المحتمل الا يتم
اثارتها على الاقل في الوقت الراهن. فمن المنظور الاقتصادي الاميركي
فان الصين هي الآن كبيرة بدرجة لا تسمح بان تفشل معها العلاقات الاميركية-الصينية.
مارك ويسبروت
مدير مشارك لمركز الابحاث الاقتصادية والسياسية في واشنطن.خدمة كيه
ار تي خاص ب(الوطن).
أعلى

ألا تذكروا .. فإن
الذكرى تنفع المؤمنين
حين خرجت من دمشق
كانت أخبار الدم ما زالت تلطخ سمعي .. كانت أخباره تلاحقني .. دم
في بغداد ودم في جنين وآخر في غزة ونابلس .. وصوت صهيوني وقح يذكر
دماً في تل أبيب أساله " إرهابيون" على حد قوله؟ كان المجرمون
الصهاينة قد قتلوا ثمانية عشر فلسطينياً خلال يومين ولم يتحرك لسان
لأحد من أصحاب الألسن ، ولمَّا سال بعض دمهم قام العالم ولم يقعد
.. هل نستغرب ؟ تلك هي العادة فلم نستغرب ما أصبح من مسلّمات البعض
منا؟ العدو الصهيوني الذي قتل مجرموه وإرهابيوه في ما يسمى جيش الدفاع
وقطعان المستعمرين، يقول ، إنه "الإرهاب" الفلسطيني الذي
يقتل.. لو نفذ الفلسطينيون البند الأول في خريطة الطريق لكنا الآن
على طاولة المفاوضات؟ لنا أن نسأل ولنا أن نعجب .. ولنا أن نعرف
بعد السؤال وقبل العجب .. أي بند أول وأية خريطة تلك التي يتحدثون
عنها؟ وهل هي بنت أوسلو التي دفنت أم عملية تحريك لجسدها الميت؟..
هل نذكر ذلك الإثم الأبشع والأشنع .. المسمى خريطة الطريق؟.. إن
أولى حروفها تطلب من الفلسطينيين أن يخوضوا حرباً أهلية لتصفية المقاومة
والمقاومين والسلاح الفلسطيني وكل ما يزعج بني صهيون. ومن بعد ذلك
يقولون لهم: نشكركم لقد قضيتم على كل أعدائنا .. على كل قوة تزعجنا..
عودوا الآن إلى بيوتكم واستريحوا ، سوف نفعل ما نريد براحة واطمئنان
تامين .. سيكون لكم أحلام جميلة بلا ضفاف .. أحلام بدولة وما تشاؤون
.. أحلام وردية تماماً .. ولكن على الأرض لا يوجد سوى " إسرائيل
.. وأرض إسرائيل .. ودولة إسرائيل .. وسلطة إسرائيل."؟ عكَّر
الصهيوني المجرم أسماعنا بالكثير.. وذكر أن الفلسطينيين لم ينفذوا
خريطة الطريق، وطالب بضرورة أن تفعل السلطة الفلسطينية ذلك ونسي
نسياناً مطلقاً أن يذكر أنهم هم لم يتوقفوا عن القتل في ظل التهدئة
، ولم يقوموا بأي التزام من جانبهم مما نصت عليه خريطة الطريق. إنه
يطلب من الفلسطينيين وحدهم أن يلتزموا وأن يتحركوا وأن يموتوا وأن
يسكتوا على كل ما يلحق بهم من ذل وضيم وحيف وموت .. وربما عليهم
أن يكونوا فخورين بذلك لأنه يأتي من " إسرائيل".. وهي
تمنّ عليهم إذ يتعذبون بسببها وعلى يدي يهود؟ فذاك فضل ما بعده فضل
ومنَّة يقدمها الشعب المختار لبقية عباد الله الأشرار؟ إنهم يطلبون
شيئاً بسيطاً: حرباً أهلية لا تبقي ولا تذر ، ونزع السلاح ، والاستسلام
التام .. أي شيء أريح من ذلك وأروع وأسلم؟ هل تذكرون .. إنها الحرب
الأهلية المطلوبة أميركياً وصهيونياً منذ توقيع أوسلو وخريطة الطريق..
وهي ما أفلح الوعي الفلسطيني بتجنبه.. وآمل أن يستمر ذلك الوعي الفلسطيني
على الرغم من الخلافات الحادة، والسعي الصهيوني الأميركي المستميت
لإفشال حكومة حماس وخلق بدائل فلسطينية متصارعة بأي ثمن كان. لا
يرى الصهاينة والأميركيون جرائمهم .. إنهم لا يرون أبداً أنهم قتلوا
في يومين وفي ظل اتفاق التهدئة الذي تنفذه المقاومة فقط ، ثمانية
عشر شخصاً من الفلسطينيين بملاحقات وجرائم وهجمات لا مسوغ لها ،ومن
دون أدنى تصعيد فلسطيني مقابل .. أما الأميركي فإنه يدين الفلسطيني
في الأحوال جميعاً ، ولا يذكر أن له دماً أو حياة أو حقوقاً ، أو
أي شيء مقدس أو محترم أو مصان .. إنه يتحرك ويبدأ الكلام عندما يضغط
اليهودي على الزر .. أما آلام العرب فلا تحركه ولا تعنيه ولا قيمة
لها حتى حين يذكَّر بها. إنه لا يخجل من أن يلاحق من فازوا بديمقراطية
كان يطلبها ، ولا من أن يلاحق دولة عضو في مجلس الأمن الدولي هي
قطر التي قررت أن تقدم مساعدة لحكومة حماس: "خمسين مليوناً
من الدولارات" تدفعها الأخيرة رواتب الموظفين الذين لا تجد
عائلاتهم ما تأكله، ولتقدم للناس في غزة والضفة بعض الطعام والدواء.؟
إن الأميركي لا يريد أن يصل قرش واحد إلى حماس ، ويريد أن يحاصرها
بالعرب أيضاً بعد أن أطبق عليها بحصار غربي ورباعي ودولي، من حيث
أن مجلس الأمن الدولي تابع لأميركا، وبعض الدول في العالم الذيول
.. فهل يصل الأمر إلى حد ثني قطر عن مساعدة الشعب الفلسطيني عبر
حماس .. وتلك إذا تمت ستكون سابقة خطرة؟ علينا ألا نستبعد أي شيء
فالأميركي حين غضب أجبر شركة الإمارات على التراجع عن صفقة تجارية
تتعلق بالموانئ.
الكيان الصهيوني يريد توجيه ضربة لإيران على أن يبقى هو خارج اللعبة..
هذه المرة الأمور أكثر إلحاحاً مما كانت عليه مع العراق قبل "
التحرير.. التدمير.." والوزيرة رايس تريد قراراً من مجلس الأمن
الدولي على الفصل السابع من الميثاق .. وذلك سوف يتم .. لن يستخدم
أحد حق النقض " الفيتو" وأقصى ما يستطيع الغاضبون فعله
أن يمتنعوا عن التصويت. والرئيس الأميركي يدعو الصين من " فوق"
إلى أن تتحمل مسؤولياتها الدولية فتدين إيران وتوافق على ذلك القرار
الذي يريده الصهاينة بسرعة ، وفي حدود 28 ابريل الجاري 2006 وليس
أبعد من ذلك بأي حال. إنهم يعرفون جيداً أن إيران سوف تلحق أذى كبيراً
بهم إذا ما اعتدي عليها بسبب سعيها لامتلاك الطاقة النووية للأغراض
السلمية .. أو بسبب إعلانها أنها أصبحت الدولة النووية الثامنة..
ولا أدري كيفية العد في هذا المجال. إن إيران وفق الحسابات والاحتمالات
القائمة ستخلق فوضى غير بناءة ولا خلاقة للرئيس بوش .. إنها لن تؤذي
الأميركيين والبريطانيين في العراق فقط ، ولن تقلق دول الخليج وحدها
لهذا السبب أو ذاك .. السبب القادم من حلفاء قدامى أو من إيران التي
قد يرجى قربها بعد انسحاب الأميركيين الوشيك من المنطقة.. لكنها
ستؤذي وتضرب وتلحق خسائر بالعزيزة " إسرائيل" وهي الهدف
الأهم.. سيكون ذلك انطلاقاً من العراق ومن جنوب لبنان وشمال فلسطين
المكتظ بالمستعمرين الصهاينة ومن أماكن غير متوقعة. وتستطيع المقاومة
أن تلحق بتجمعات الصهاينة خسائر كبيرة نظراً للكثافة الاستيطانية
في شمال فلسطين، ولما يثيره أولئك المتحكمون بالقرار الصهيوني والأميركي
من ضجيج .. وهذا هو سر من أسرار رغبة " إسرائيل " أن تبقى
تحت الطاولة من جهة، وتلهف الأميركيين والصهاينة والغرب على تجريد
حزب الله من سلاحه، وإصرارهم على ذلك الأمر بكل السبل، وهو سبب من
أسباب صناعة القرار 1559 وحتى القرار 1595 لأنهم يخططون لتوجيه ضربة
لإيران وأخرى لسورية وثالثة لحزب الله منذ زمن، ويريدون أن يفعلوا
ذلك وحزب الله بلا أنياب أو أظافر. إنهم يحسبون حساب القوة الصاروخية
التي بين يديه ، والعقيدة القتالية والإيمانية اللتين يملكهما ذلك
الحزب وحقق نجاحات عام 2000 استناداً إليهما بالدرجة الأولى.فهل
يقدم الرئيس بوش على حماقة أخرى تفوق تلك التي أقدم عليها في العراق؟
لا يوجد ما يمنع ذلك.. فالرجل فاقد لأي محاكمة للأمور أمام العزيزة
" إسرائيل"، إنه يتمنى ويتحرق شوقاً لذلك الفصل يخدم به
حياته السياسية.. فدمه الصهيوني يغلي حقداً في عروقه ، ويهوة يشم
رائحة الدم والشواء والحريق ، والمهماز اليهودي الخفي ينغرس في خواصره
.. ولكن حسابات الصهاينة في " إسرائيل" وليس حسابات الأميركيين
ومصالحهم هي التي تلجمه قليلاً .. إنه لا يسأل عن البنتاغون الذي
قد يعارض لحسابات أميركية خاصة .. فمصالح أميركا لا شيئ حيال مصالح
" إسرائيل" .. إنها هي التي تمنعه، إنه يستجيب لحسابات
تل أبيب وليس لحسابات واشنطن .. ولا غرابة في ذلك ، فاليهود هم الذين
يحركون السلاح الأميركي .. ولا فرق من يدفع الثمن العرب أم الشعب
الأميركي البسيط ما دام الرابح هو " إسرائيل".لا يوجد
أدنى أمل بتحرك عربي من أي نوع يضع عصياً بعجلات الآلة العدوانية
للسيد بوش إذا ما تحركت مستخدمة الأرض والمياه والأجواء العربية..
يوجد متشوقون لرؤية دم في المنطقة وهم يتنفسون من تحت الأقنعة..
ويوجد مشاركون في مناورات عسكرية في المتوسط مع الولايات المتحدة
الأميركية والكيان الصهيوني من خلال حلف الأطلسي، ويوجد حمايات وصفقات
واتفاقيات تجارية يكون الصهاينة طرفاً ثالثاً فيها.. ولكن لا يوجد
صوت عربي رسمي يقف مع الفلسطيني الذي يموت والعراقي الذي يذبح ويدفع
إلى مزيد من الدم والفتنة والدمار والموت ذبحاً.كيف يمكن تحريك الدم
العربي والضمير الإنساني.. كيف يمكن إقناع المسلمين، والعرب من بين
المسلمين، بأن معركة الشعب العراقي الذي يقاوم الاحتلال الأميركي
ـ البريطاني ـ الصهيوني هي معركة الأمة ، وأن انتصاره فيها سيكون
بداية نهاية للهيمنة الأميركية العدوانية ومشروعها الشرير، وأن ذلك
متوقف على تحرير في العراق وصمود في فلسطين ونجاح المقاومة في الوصول
إلى قيادة ثابتة وقوة صامدة ، وصوت يدوي ويزوبع في ضمائر العرب وحناجرهم.؟كيف
يمكن أن يدرك العرب أن الوقوف إلى جانب المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني
والأميركي هو وقوف إلى جانب أنظمتهم ذاتها ، إلى جانب أشخاصهم ..
لأن أنظمتهم وأشخاصهم إذا حميت بالسلاح الأميركي والمال الصهيوني
، فإن السلاح الأميركي آخذ بالتراجع ولن يدوم إلى الأبد ، والمال
الصهيوني لن يصل إلى إقناع الجماهير الفقيرة البائسة الباقية ، والقيادات
الوطنية والقومية الشريفة ، بأن تبيع دينها وشرفها وقضاياها لقاء
مال .. أياً كان ذلك المال .. فكيف بمال دنس ملطخ بدم الأخوة والأبناء
والآباء وحتى بدم عربي وإسلامي قديم استنزفه الحقد اليهودي على الإسلام
والرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى الصحابة والتابعين ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.؟
ألا .. تذكروا.. تذكروا، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
علي عقلة عرسان
الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب
أعلى