|
فتاوى وأحكام
* رجل خطب امرأة فاشترط عليه اهلها ان يبني لها بيتا بجوار بيت اهلها
فوافق على ذلك، فهل يثبت هذا الشرط؟
** (المسلمون على شروطهم الا شرطا احل حراما او حرم حلالا) والله اعلم.
* ما قولكم في رجل تزوج بامرأة واشترطت عليه ان يكون سكنها عند اهلها
ولم يكتب هذا الشرط في عقد الزواج فهل يلزمه على هذه الصورة؟
** (المسلمون على شروطهم الا شرطا احل حراما او حرم حلالا) والله اعلم.
* جاءني شخص خاطبا ابنتي وقد وافقت بشرط ان لا ينقلها الا بعد اتمام
دراستها فهل يلزمه هذا الشرط وهل له ان ينقضه بعد ان يرضى به؟
** ان اشترط على نفسه فالمسلمون على شروطهم الا ان تنازلت هي عن شرطها
والله اعلم.
* ما قولكم فيمن لا يعرف الكلام ويريد وليه ان يزوجه فكيف يتم عقد
نكاحه؟
** ان كان اعجم قبل عنه وليه واشار نفسه الى القبول. والله اعلم.
* هل يكفي ذكر اسم المرأة واسم ابيها في عقد الزواج؟
** يكفي ذكر اسم المرأة واسم ابيها في عقد زواجها الا ان كان ثمة لبس
لمشابهتها غيرها في اسمها واسم ابيها مع عدم وجود القرينة المانعة
من قصد غيرها، ففي هذه الحالة يتعين ذكر ما يميز المرادة منهما كاسم
الجد او النسب لدفع اللبس. والله اعلم.
* ما قولكم فيمن قام بعقد قران لرجل وقد استأذن العاقد والد البنت
وكان لا يعرف اللغة العربية ولكنه فهم منه انه موافق فهل يتم العقد
على هذه الحالة؟
** ان فهم العاقد موافقة الولي او ترجم له الامين فلا حرج عليه ان
اعتمد هذه الموافقة فعقد الزواج بناء على ذلك والله اعلم.
* من المعروف ان عقد القران في بعض قرى وولايات السلطنة لا يتم عن
طريق الكتابة وانما يتم بطريقة التلقين حيث يقوم احد رجال الدين بقراءة
بعض الكلمات ويقوم الزوج بترديدها من بعده وبعد ذلك يتم الزوج.. فهل
هذا الزواج يعتبر صحيحا من وجهة نظر سماحتكم؟ وما هو الواجب اتباعه
في مثل هذه الحالات؟
** هذا هو الاصل في الزواج الشرعي، وهو الذى مضى عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم وصحابته والتابعون لهم باحسان، فقد كان العقد في النكاح
وغيره نطقا باللسان والله اعلم.
* هل يلزم لمن عقد النكاح ان يسأل المرأة سواء كانت بكرا ام ثيبا ام
يتيمة عن رأيها في الزواج ام يكتفي باذن الولي؟
** يجوز له ان يزوجها باذن وليها ان لم يعلم انه اكرهها على ذلك واليتيمة
لا رأي لها حتى تبلغ وينتهي اليتم والله اعلم.
* فيمن تزوج امرأة وانتسب الى غير عشيرته اثناء العقد فهل يعتبر العقد
في هذه الحالة غير تام؟
** ان كان مزوجا بعينه فهو يأثم بانتسابه الى غير عشيرته، ولكن لا
يقدح ذلك في صحة الزواج لانه هو المعني بالعقد والله اعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
في حديث له حول نبوة
المصطفى
سماحة المفتي : على المسلمين أن يستلهموا جميع شئون حياتهم من السيرة
النبوية
- حب النبي الكريم ليس مجرد عاطفة تتأجج ثم تخمد
- لا مخلص للبشرية جمعاء من كافة مشكلاتها سوى الإسلام
- آية واحدة من القرآن جاءت بحل لمشكلة السكان في العالم
- البشائر تلوح في العالم بالتمكين للأمة الإسلامية
مسقط - الوطن: في الأيام الماضية احتفل العالم
الإسلامي بذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد جاءت هذه الذكرى
الخالدة والأمة الإسلامية تعصف بها الكثير من المحن ، ليس آخرها تجرؤ
أعداءها على شخص المصطفى صلى الله عليه وسلم برسوم مشينة ، تأباها
الفطرة السليمة .
ولما كان العلماء هم ورثة الأنبياء وهم من يبصر
الناس بأمور دينهم ويرشدهم إلى الوسائل والأسباب التي تنال بها الأمة
مبتغاها ، فإن سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
كثيراً ما يطرح قضايا الأمة الإسلامية وآمالها وتطلعاتها ، وفي حديث
سابق لسماحته حول نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أشار إلى تطلعات
الأمة إلى مرحلة التمكين التي لا سبيل لبلوغها سوى التمسك بهدي كتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وها هنا تنشر ( الوطن ) حديث
سماحته حيث قال :
إن العالم الإسلامي اليوم تجلله ذكرى غالية
عزيزة على نفس كل مؤمن فتغشاها بالرجاء الذي يحطم منها اليأس وتشرق
عليها بالنور الذي يبدد الظلام وتضفي عليها ما هي بحاجة إليه من أمل
الانتعاش من كبوتها والنهوض من عثرتها وهي ذكرى رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي حطم عن رقاب هذه الأمة الأغلال التي كانت على الأمم
من قبل ورفع الآصار بإذن الله سبحانه وتعالى فكانت السماحة شعار شريعتها
الغراء وأورثها الله سبحانه وتعالى بدعوته عليه أفضل الصلاة والسلام
مواريث النبوات من قبل.
كيف وتلكم النبوات كانت تمهيدا لهذه النبوة كما يؤذن بذلك القرآن الكريم
إذ أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا بهذا
النبي العظيم صلوات الله وسلامه عليه وليس هذا الميثاق في حقيقته إلا
الرسالة الجامعة وتجتمع تحت لوائها امتثالا لأمر الله فالله سبحانه
وتعالى يقول:( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا
آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ
لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ( وقد بين سبحانه وتعالى أن دعوات
المرسلين من قبل كانت مبشرة بهذه الرسالة وبرسولها العظيم صلوات الله
وسلامه عليه فالله سبحانه وتعالى يقول:( الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً
عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ( فإذا تلك الرسالات كانت تمهيدا لهذه الرسالة
فهي بأسرها داعية إلى توحيد الله سبحانه وتعالى الذي تدعو إليه الرسالة
وكذلك هي داعية إلى مكارم الأخلاق، ولئن كانت شرائعها مختلفة باختلاف
البيئات والظروف فإن محاسن تلك الشرائع بأسرها قد اجتمعت في هذه الشريعة
التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسالته عليه أفضل الصلاة
والسلام كانت إيذانا بحياة تحياها هذه الأمة بعد موتها فإن الله سبحانه
وتعالى يقول:( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا
لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ
لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) .
فالانسانية كانت ميتة بسبب عماها عن الحق وانغماس
الحقيقة في قرارة نفسها إذا لم تكن تدري ما هذه الحياة وإنما كانت
أمامها لغزا من الألغاز حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة
الجامعة المانعة التي كشفت اللبس وحلت اللغز وبعثت في هذه النفوس الحياة
فميلاده صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن ميلاد فرد وإنما كان ميلاد
أمة هي خير أمة أخرجت للناس بنص القرآن الكريم ولما أن السلف الصالح
كانوا على مقربة من هذا الحدث التاريخي العظيم وكانوا على إلمام بسيرته
صلى الله عليه وسلم ومعطياتها الجمة كانوا دائما على صلة به صلى الله
عليه وسلم وبشريعته الغراء وبدعوته الجامعة وبمعجزته الساطعة وببراهينه
القاطعة فلذلك كانت نفوسهم حية باستمرار ولم يكونوا بحاجة إلى أن تجدد
لهم ذكرى هذا الحدث العظيم حتى تتجدد في نفوسهم الصلة به صلى الله
عليه وسلم لأن نفوسهم كانت موصولة به عليه أفضل الصلاة والسلام باستمرار
فهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهكذا كان التابعون لهم بإحسان.
وبسبب بعد العهد أصبحت العواطف بحاجة إلى ما
يحركها وأصبحت هذه النفوس في ظلمات هي بحاجة إلى ما يبددها من اشراق
نور يسطع من مشرق سيرته صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان الناس يجسدون
هذا الولاء له صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الاحتفالات ولكن ذلك لا
يكفي لأن يكون معبرا عن الحب الصادق له صلى الله عليه وسلم، إذ المحبة
الصادقة تقتضي أن يفني الإنسان هواه في هوى من يحب وأن يحرص على التأسي
به كما هو معلوم للناس فإن الناس من عادتهم عندما يحبون أحدا من العظماء
كثيرا ما يتأسون به ويجسدون معالم سيرته في سلوكهم وفي أقوالهم ونحن
لا يمكننا أن نجد سيرة رجل عبر التاريخ البشري منذ خلق الله آدم وإلى
أن يرث الله هذا الكون بأسره كسيرة الرسول في عطائها المدرار وفي أنوارها
اللامعة وفي استقامتها على الفطرة لأن شخصية الرسول اصطفاها الله سبحانه
وتعالى لحمل أمانة فيها رحمة للإنسانية بأسرها كما يعبر عن ذلك القرآن
عندما يقول الله عز وجل (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)
.
فإذن علينا أن نستلهم جميع شئون حياتنا من هذه السيرة وأن نحرص على
أن نقتفي أثره وذلك من معالم الإيمان بالله واليوم الآخر فإن الله
عز وجل يقول (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ
كَثِيراً) على أنه من المعلوم بأن كلا منا مطالب بأن يطبق القرآن الكريم
والقرآن الكريم كانت سوره حية تتجلى في سلوكه كما قالت أم المؤمنين
عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سئلت عن خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام
فقالت:" كان خلقه القرآن" فإذن علينا أن نتخلق بهذا الخلق
العظيم وأن نحرص بأن نلم بما يمكننا أن نلم به من جزئيات سيرته فضلا
عن كلياتها وعلينا بجانب ذلك أن ندرك الأمانة الكبيرة الملقاة على
عواتقنا وهي أمانة النهوض بهذه الأمة أمته من كبوتها وهذا النهوض لا
يمكن أبدا إلا الله بإقامتها على الطريقة السواء التي كان عليه وكان
عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين فإن الصحابة والتابعين رضوان
الله تعالى عليهم بالنظر إلى الأمم التي كانت تكتنفهم كانوا قلة ولكن
مع ذلك كله استطاعوا بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من قوة الإيمان
والهمم المتوقدة بين جوانحهم والعزائم الحية التي كانت تملأ نفوسهم
استطاعوا أن يكتسحوا كل مد للجاهلية وأن يقفوا أمام كل تحد من قبل
أعداء الإسلام حتى وصلوا بهذه الدعوة إلى حيث وصلوا من مشارق الأرض
ومغاربها فدانت لهم رقاب الجبارين وأنزل الله سبحانه وتعالى أولئك
المتألهين من عليائهم وسخر رقابهم لهم فأنفذوا فيهم حكم الله سبحانه
وتعالى وأذاقوا الإنسانية البائسة المحرومة طعم العدل والمساواة والانصاف
فعرفت الانسانية قيمتها وأدركت مكانتها في هذا الكون.
والعالم اليوم بأسره من أقصاه إلى أقصاه هو بحاجة إلى هذه النهضة التي
لا يمكنه أن تكون في العالم إلا بعد ما تكون في هذه الأمة، والأمة
اليوم لم تؤت من قلة فإن كثرتها كاثرة ولكن مع ذلك ما هي إلا غثاء
كغثاء السيل، صدق عليها وصف الرسول عندما قال عليه أفضل الصلاة والسلام:"
يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: ومن
قلة يا رسول الله، قال: لا إنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن
الله المهابة من قلوب أعدائكم وليقذفن الوهن في صدوركم، قيل له وما
الوهن يا رسول الله قال: حب الدنيا وكراهة الموت" فالوهن الذي
أصاب هذه الأمة ما جاء من هذه الناحية أصبحت الأمة ضعيفة ذليلة تنقاد
للأمم وتملي عليها إرادة غيرها من الأمم مع أنها أمة يجب عليها أن
تملي إرادتها على غيرها من الأمم كما يقول أحد المفكرين الإسلاميين
في وصف المسلم الحق: (( إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير
الركن البشري حيث اتجه وسار، ولكنه خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة
ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها ارادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب
الحق اليقين. ولأنه مسئول عن هذا العالم وسيره فليس مقامه مقام التقليد
والاتباع إن مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الارشاد والتوجيه مقام
الأمر والنهي وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع وتنكب عن الجادة
لم يكن له أن يضع أوزاره ويسالم الدهر بل عليه أن يثورعليه وينازله
ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره. إن الخضوع والاستكانة
للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بقضاء الله وقدره من شأن
الضعفاء والاقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره
الذي لا يرد)).
بمثل هذه الفكرة يمكن لهذه الأمة أن تستعيد مكانتها
فقبل كل شيء يجب على هذه الأمة أن تدرك أنها أمة قيادية عليها أن تتبوأ
مكان الصدارة بين الأمم وأن تمسك بزمام قافلة البشرية لتسير بها في
الطريق الصحيح ، الطريق الذي يؤدي إلى السلامة في هذه الحياة الدنيا
وإلى السعادة في الدار العقبى وعليها أن تدرك أنها لا تملك أن تصلح
حال غيرها مع الحاجة الملحة إليها من قبل الأمم جميعا إلى ما في هذه
الأمة من خير وإلى ما في دينها من عطاء مدرار لا يمكنها أن تصلح حال
غيرها إلا عندما تصلح حال نفسها. فعليها قبل كل شيء أن ترجع إلى المنهج
المستقيم عقيدة وشريعة وسلوكا وخلقا وعندئذ تتبوأ مكان الصدارة بين
الأمم فإن ثراء هذه الأمة ليست في أرصدتها المالية ولا في قواها العسكرية
ولا في مكانتها التقنية ولا في أي شيء نحو هذا القبيل مع أنها مطالبة
بأن تكون في ذلك كله في مقدمة الأمم وإنما ثروتها قبل كل شيء في عقيدتها
وفي استقامة سلوكها وفي حسن أخلاقها، عندما تكون بهذه الطريقة السواء
تتهيأ الظروف لأن تتبوأ المكانة اللائقة بها بين الأمم وتتهيأ الظروف
لأن تستعيد قوتها سواء من حيث القوى العملية أو الإمكان التقني أو
الأرصدة المالية فإن الله سبحانه وتعالى سيسخر لها مواريث الخير كله
باستمساكها بهذا الحبل المتين. وعندما تكون معوجة عن اتباع هذا الصراط
المستقيم وتكون معوجة في سلوكها، تكون بذلك قد ظلمت نفسها وظلمت الأمم
التي تتطلع اليوم إلى ما عندها من العطاء العظيم.
إن الإنسانية اليوم هي بأسرها بحاجة إلى هذا العطاء الذي عند هذه الأمة،
هي بحاجة إلى منهج قرآني، ولكن لا يعني ذلك أن يبقى القرآن في الرفوف
وأن يبقى محفوظا في الصدور وأن يتلى بالأنغام الشجية في افتتاح المؤتمرات
والندوات واللقاءات والمحاضرات مع ترك العمل به وإنما يجب أن يتجسد
هذا القرآن في كل جزئية من جزئيات حياة هذه الأمة فعلينا أن نضع القرآن
العظيم نصب أعيننا نجمع به شأننا ونرص به صفنا ونرأب به صدعنا ونوحد
كلمتنا عندئذ نكون بمشيئة الله سبحانه وتعالى أهلا للقيادة والزعامة
ما بين الأمم بأسرها.
ولا أريد أن أكرر ما قلته في أكثر من لقاء من أن الإنسانية بحاجة إلى
ما عند هذه الأمة من هذا الرصيد العظيم فشواهد ذلك كثيرة جدا، ومن
الشواهد ما ربما قرأتموه في الأيام الماضية من تصريح " كاسترو"
الذي يعتبر الشيوعي الرادكالي في العالم والذي تحدى الإرادة الغربية
في عقر دارها وفرض الشيوعية حيث فرضها التصريح الذي أدلى به، والذي
يقول فيه بأنه لم يبق الآن مخلص لهذه الإنسانية إلا في النموذج القرآني
وتطبيق هذا النموذج فإذا علينا نحن أن نكيف حياتنا وفق تعاليم القرآن
وأن ننهض بهذه الأمة بهذه التعاليم القرآنية لتكون أمة قائدة ورائدة
ولتنال الإنسانية من هذا الخير العظيم الذي تتطلع إليه بعدهما حرمته
في ظل الأنظمة الجائرة والمسالك الملتوية. فإن الأنظمة البشرية ما
عادت عليها إلا بالوبال وهذا أمر معروف فالإنسانية عانت ما عانت بعد
الثورة الصناعية الكبرى من الظلم الرأسمالي ثم بعد ذلك رجت أن تجد
لها مخلصا في الأنظمة الاشتراكية وإذا بها تتجرع الغصص وتكابد الويلات
وتصلى جحيما لا يرحم إلى أن كفرت بما كانت آمنت به من قبل وعادت أدراجها
فيما هو مصدر البلاء .
وهذه الأمور يصرح بها كثير من القادة الذي خبروا
أحوال الناس فقبل فترة من الزمن صرح " جورباتشوف" الذي هو
آخر زعيم لأكبر اتحاد شيوعي صرح لقناة تليفزيونية بريطانية بأن الشيوعية
ميتة عندما سئل عن الصين وفيتنام هل يمكن أن تبقى فيهما الشيوعية قال:
كلا لأنها ميتة والميت لا يمكن أن يبقى فسئل عن البديل فقال: لا أعتقد
أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الإشتراكية ولا في الديموقراطية
وإنما هو في نظام آخر فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة .
وأين هذا النظام إلا النظام الإسلامي فلئن كان هنالك من الناس من يقول
بأن الحضارة الكونفوشوسية يمكنها أن تعود ويمكنها أن تقود هذا العالم
فإن ذلك وهم من الأوهام إذ تلك الحضارة حضارة مادية بحتة والإنسان
كما هو معلوم جسم وروح ولابد من التنسيق بين أشواق الروح ومتطلبات
الجسم لابد من النهوض بكل جانب من الجوانب الروحية والجوانب الجسمية
في حياة الإنسان حتى يكون هذا الإنسان سعيدا لعدم وجود التناقضات والمفارقات
بين أحواله الروحية والتطلعات النفسية وبين المطالب الجسمية وهذا لا
يتم أبدا إلا في إطار الإسلام دين الله تعالى الحق الذي هو رحمة للعالمين.
وقد جاء "كاسترو" بعد بضع سنوات من تصريح " جور باتشوف"
ليضع النقاط على الحروف وليس هذا الكلام الذي نقوله مما يقال عند قادة
المعسكر الشرقي كما اصطلح على تسميتهم فحسب بل الغربيون الآن بأنفسهم
أيضا يعبرون عن الخواء الروحي الذي يعانون منه وعن الفراغ الفكري وعن
انحسار الأخلاق عندهم فهنالك من أسلم من الغربيين وتحدث عن واقع الانسانية
وحاجتها إلى الإسلام.
ومن بين هؤلاء أحد الناس الذين تبوءوا في السابق مكانة في سدة السياسة
الأميركية كالرجل الذي كان كبير المستشارين في عهد الرئيس نيكسون السياسة
الأميركية الخارجية في البيت الأبيض وهو الذي كان يسمى بـ " روبر
كرين" ثم بعد ذلك أسلم وصار اسمه فاروق عبد الحق فقد ألقى محاضرة
قبل سنوات بعنوان " القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين"
ووضع النقاط على الحروف في هذه المحاضرة ونقل برجنسكسي،
ومعلوم أن برجنسكسي هو الرجل الذي يعتبر صانع السياسة الأميركية الجديدة
وكان مستشارا للرئيس " كارتر" للأمن القومي ويذكر بأنه كتب
مقالا نشرته إحدى الصحف السيارة في الولايات المتحدة الأميركية جاء
في هذا المقال ما يدل على أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد صالحة
لأن تسد فراغا اخلاقيا للعالم بل جاء في هذا المقال( أن الشعب الذي
انغمس في الملذات والشهوات لم يعد صالحا لأن تسد فراغا أخلاقيا للعالم.
ولأن كان كلام برجنسكسي جاء بطريقة اجمالية بحيث لم يبين ما تتطلع
إليه الأمة الأميركية من الحل فقد أفصح عن هذا الأمر من قدم لهذا المقال
وهو الصحفي المشهور " ترات كرولس" إذ بين أن الاسلام بعطائه
الواسع وروحانيته المشرقة وشموليته الواسعة هو الحل الوحيد للولايات
المتحدة الأميركية وغيرها من العالم.
وهذا يتطلب من الأمة الإسلامية أن تستمسك أولا بهذا الاسلام وأن لا
تفرط فيه ويجب عليها أن تعتمد على هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن تدرك أن فيه شفاء علتها وحل مشكلاتها
وتبصير عماها وهو مصدر عزتها وسبب قوتها فسبحانه وتعالى يقول (وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ويقول
عز من قائل (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ
لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) والنبي يبين لهذه الأمة أن القرآن هو المخلص
لها عند كل مشكلة وعند كل شدة إذ يقول عليه أفضل الصلاة والسلام:"
ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم فقيل له وما المخلص منها يا رسول
الله قال: كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحد ما بينكم
هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قسمه الله ومن ابتغى الهدى في
غيره أضله الله وحبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط
المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع
منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد وهو الذي لم تنته الجن أن سمعته
أن قالوا (إنا سمعنا قرآنا عجبا) من قال قوله صدق ومن حكم به عدل ومن
عمل به أجر ومن اعتصم به فقد هدى إلى صراط مستقيم" .
وتأتي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في المركز الثاني
بعد القرآن الكريم وهي كما يقال حسب عرف هذا العصر " المذكرة
التفسيرية" لما في كتاب الله سبحانه وتعالى لأن الله سبحانه وتعالى
يقول (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا
نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فاذن اتباع الكتاب والسنة النبوية على صاحبها
أفضل الصلاة والسلام مصدر كل خير لهذه الأمة وأنتم ترون أن الله سبحانه
وتعالى عندما بشر هذه الأمة بالاستخلاف والتمكين في الأرض أمرها قبل
كل شيء بطاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة رسوله ثم اتبع ذلك مرة أخرى
الأمر بطاعة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الأمر بإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة وذلك عندما قال سبحانه وتعالى ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا
حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا
وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ثم اتبع ذلك
قوله ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْفَاسِقُونَ) وجاء بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى( وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ)فإذا طاعة الله وطاعة الرسول جاءت مكتنفة لهذه البشارة
الربانية لهذه الأمة بأن تمكن في الأرض وتستخلف فيها ويمكن لها دينها
الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لها وما ذلك إلا لأن طاعة الله سبحانه
وتعالى وطاعة رسول سبب لهذا التمكين والاستخلاف في هذه الأرض فإذا
هذه الأمة القوة بيدها ولكنها تضيع هذه القوة بنفسها.
وأتذكر كلمات قالها قبل نحو نصف قرن من الآن أو أكثر المفكر الإسلامي
الكبير الإمام أبو الأعلى المودودي في إحدى الاجتماعات بعد أن انتهت
الحرب العالمية الثانية قال:" سيأتي بلا شك اليوم التي تتحجر
فيه الشيوعية في موسكو نفسها بدون أي ملجأ وتتعثر فيه الرأسمالية وباريس
وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمة والألمان وإنما تبقى عبرة في
التاريخ قصة من يحمل عصى موسى تحت إبطه وهو يخشى من الحبال والخشب
فهذه هي حالة هذه الأمة هي عبرة في التاريخ بيدها القوة بيدها عصى
موسى عليه السلام لأن بيدها القرآن الكريم ولكنها مع ذلك تخشى من الحبال
والخشب فهي عندما ترى الأوهام التي في الشرق والغرب تتضاءل أمامها
وتجعلها أمرا عظيما لا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال وما ذلك إلا لضعف
بصيرتها وما أصاب إيمانها من خور بسبب بعدها عن كتاب الله سبحانه وتعالى
أما عندما تستمسك بهذا الكتاب تمام الاستمساك فلا ريب أنها تتبوأ مكان
الصدارة بين الأمم والبشائر تلوح في هذا العالم بأسره من أقصاه إلى
أقصاه لأن التمكين لهذه الأمة وأن الإنسانية تتطلع اليوم إلى الحل
الأمثل الذي جاء به القرآن الكريم وجاءت به السنة النبوية على صاحبها
أفضل الصلاة والسلام .
ومن الطبيب الذي يصف هذه الوصفة لهذا العدد الهائل من المرضى؟ إنما
الطبيب الإنسان المسلم العارف بدينه المستمسك به العاض بالنواجذ على
تعاليم كتاب الله وسنة رسول الله فهو الخبير بحلول القرآن الكريم وحلول
السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وهذا مما يتسنى لأي
أحد يدرس القرآن دراسة متأنية عن كثب ويتأمل تعاليم القرآن الكريم
وتعاليم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وكل أحد بإمكانه
أن ينتزع الحجة من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
قبل بضع سنوات زارني أسقف من أساقفة النصارى وبدأ الحوار بيني وبينه
فيما جاء في الأناجيل الأربعة من التعارض البين في طبيعة المسيح عليه
السلام والتقديم الذي كتبه أمام هذه الأناجيل الأربعة جاءت فيه أنه
لا تعارض بين ما في هذه الأناجيل فهذا العبد والإنسان والابن هو الله،
فسألته كيف يكون الإنسان هو الله وكيف يكون الله هو العبد وكيف يكون
الأب هو الابن والابن هو الأب؟ فقال: هذا شيء لا يمكننا أن نتوصل إلى
فهمه لأن العقول البشرية قاصرة فقلت له: ولأن القرآن الكريم جاء بما
يبصر العقول البشرية بحقيقة الأمر وإذ فتح المجال أمام العقل البشري
فانظر إلى قول الله سبحانه وتعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ثم إن الله سبحانه وتعالى
أتبع ذلك قوله(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ
مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ
كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أحال
العقل البشري على هذا الكون الواسع الذي هو بمثابة معرض لآيات الله
سبحانه وتعالى لكي تتجلى للناس في أنفسهم وفي الآفاق فإذا ما على الإنسان
إلا أن ينظر في هذه الآيات الكونية ليبصر من خلالها وحدانية الله سبحانه
وتعالى وأن الذي خلق هذا الكون بهذا التناسق العجيب و التلاؤم والانسجام
من غير نشاز ولا تعارض لابد من أن يكون إلها واحدا ومثل ذلك في قوله
تعالى ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ،أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا
بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ
الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا
رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا
دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ
مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي
ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ
هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
ثم جاء الرجل مرة ثانية كزيارة بعد خمس سنوات
وذكرني بالزيارة السابقة فذكرته بالسؤال الذي طرحته عليه وأنني لا
أزال أطالب بالجواب وفيما أنه لا يتقن الاجابة عن هذه النقطة حاول
التهرب ثم قال لي: هل تسمح بأن ننتقل إلى حديث آخر فقلت له: لا مانع
لي فقال: فقال لي: ما رأيك في مؤتمر السكان الذي سينعقد في مصر وذلك
قبل انعقاد ذلك المؤتمر بأيام قليلة فقلت له: هذا المؤتمر قبل أن أقول
كلمتي فيه البابا نفسه قال فيه كلمته فما رأيك فيما قاله البابا؟ فقال
لي: وكيف تحل مشكلة السكان في العالم؟ قلت له: حل هذه المشكلة في كلمات
يسيره في جزء من آية من كتاب الله فإن الله تبارك وتعالى يقول( لَيْسَ
الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ
وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ
وَفِي الرِّقَابِ ) وهذه حقوق من غير الزكاة لأن الله سبحانه وتعالى
أتبع ذكرها بذكر الصلاة والزكاة عندما قال:( وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ) فلو أن الإنسانية سلكت هذا المسلك لما كان أمامها مشكلة
فيما يتعلق بأحوال السكان.
وضربت له أربعة أمثلة هي أمثلة حية أولها قلت له: ماذا تقول في السباق
الجنوني للتسلح في هذا العالم وإن هذه الأسلحة المدمرة لا تبقى ولا
تذر كم ينفق فيها من أموال أرأيت لو أنفقت هذه الأموال في استصلاح
الأرض من أجل الزراعة أما كانت تعود بالرفاهية والنعمة الشاملة على
الإنسانية بأسرها فاعترف بهذا، قلت له: والمثال الثاني كم من الآف
الأطنان من الحبوب تحرق في كل عام من أجل المحافظة على سعر الحبوب
فأضاف هو قائلا: وهناك بحيرات من الألبان أيضا تراق من أجل المحافظة
على سعر الألبان ثم ذكرت له المثال الثالث وهو أنني قبل نحو عشرين
عاما من ذلك الوقت اطلعت على صحيفة جاء فيها أن امرأة في الولايات
المتحدة الأميركية تملك رصيدا يتكون من ثلاثمائة مليون دولار وقد أوصت
بهذا الرصيد كله لكلابها فقلت له هذه الملايين من الدولارات كم تطعم
من جياع لو وزعت على فقراء العالم؟ ثم ذكرت له المثال الرابع وهو أنني
قبل وقت يسير من ذلك الوقت اطلعت على خبرين عجيبين في صحيفة محلية
في صفحة واحدة منها وفي عمودين متجاورين الخبر الأول ان خبيرا اجتماعيا
انجليزيا يدعو إلى أن يفرض على الناس تحديد النسل خشية هذا الانفجار
السكاني بحيث لا يسمح للأسرة الواحدة أن تلد إلا مولودا واحدا وهذا
لو طبق فإن في ذلك فناء العالم فعندما لا يسمح لاسرة من الاسر أن تلد
إلا مولودا واحدا والأسرة تتكون من اثنين فلو قدرنا أن الكل لا يوجد
فيما بينهم عقيم لكان الاثنان يلدان واحدا ومعنى ذلك أن العالم في
الجيل الآتي ينزل عدده إلى النصف ثم في الجيل الذي يليه ينزل إلى الربع
ثم في الجيل الذي يليه ينزل إلى نصف هذا العدد. ثم هكذا يتناقص إلى
أن يفنى. في مقابل هذا خبر عن أغنى كلب في العالم وصف هذا الكلب الثري
الغني بأنه يملك أرصدة هائلة من الأموال هذه الأرصدة تنفق عليه هو
يسكن في القصور الفخمة وعنده جيش من الخدم منهم من لا عمل له إلا تنظيف
أسنانه ومنهم من لا عمل له إلا تهيئة الفراش له ومنهم من لا عمل له
إلا أخذه إلى الحمام وتنظيفه ومنهم من لا عمل له إلا طبخ الأطعمة الشهية
له ومنهم السواقون ومنهم وغيرهم ويحمل في السيارات الفارهة ليتجول
في الطرق فقلت له: هذا كلب لا يزيده ذلك شيئا من السعادة وإنما سعادته
لو اطلقت له حريته ليأكل من الجيف وليضرب في الأنحاء التي يريد أن
يصل إليها من المكان الذي يعيش فلو أنفقت هذه الأرصدة الهائلة التي
يملكها على الفقراء كم كانت تشبع من جياع؟! ومثل هذا الكلب كثير من
الكلاب فكيف يعيش البشر في هذه المسبغة وبجانب ذلك تعيش الكلاب في
هذه الرفاهية والنعمة أليس ذلك من المفارقات البينة في هذا العالم.
فإذن الإسلام يقدم الحلول. لئن كانت هذه كلمات يسيرة في جزء آية من
كتاب الله سبحانه وتعالى تقدم الحل لمشكلة هذه الإنسانية بجانب الحل
للمشكلات الأخرى ومن بينها المشكلة الكبرى وهي المشكلة العقدية التي
صدر حلها أول الأمر في قول الله سبحانه وتعالى ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ
وَالنَّبِيِّينَ ) ثم ذكرت في كلمات يسيرة الحلول للمشكلة التي تعاني
منها الإنسانية اليوم بسبب عدم عدالة التوزيع لهذه الثروات في هذه
الأرض فكيف مع ذلك يضل الناس عن الطريق السوي كيف لا يأخذون بهذا الكتاب
العزيز فيتبعوا نوره ويرتقوا من نهره الدافق ويحل كل مشكلة من مشكلاتهم
بحلوله التي تأتي على كل مشكلة من مشكلات هذه الإنسانية.
فإذن العيب إنما هو في المسلمين أنفسهم والله سبحانه وتعالى يدعونا
إلى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يدعونا إلى طاعته يقول الله
تعالى:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى
فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) ويقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا
مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ
إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ
لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً، فَلا وَرَبِّكَ
لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيماً) .
ويبين لنا سبحانه وتعالى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي
إلا تجسيد لحب العباد لربهم فهذا الذي يطيع الرسول إنما يجسد حبه لربه
الذي بعث هذا الرسول وهذه الطاعة هي السبب لنيل المحبة من الله وسبب
لوصول الإنسان إلى ما يتطلع إليه من رحمة الله إذ يقول تبارك وتعالى:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
فإذا ليس حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل في إحياء هذه المناسبات
ثم تناسي ما وراء ذلك من اتباعه صلى الله عليه وسلم ومن العض بالنواجذ
على سيرته والاستهداء بالكتاب الذي جاء به فإن ذلك ولا ريب ضلال في
الفكر وعمى في البصيرة وإنما يجب أن يتمثل هذا الحب في الطاعة الصادقة
لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم إذ حب الرسول صلى الله عليه
وسلم ليس مجرد عاطفة لا تتأجج حتى تخمد وإنما حب النبي صلى الله عليه
وسلم عقيدة مستحكمة في نفس الإنسان تجعل الإنسان ربانيا المصدر والمورد
وتجعله قرآني المنزع والسلوك وتجعله محمدي القيم والأخلاق فمن هنا
يجب علينا أن ندرك هذه الحقيقة وأن نحيي المناسبات بتجديد الصلة بشريعة
الله التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحياء هذه الأخلاق
العظيمة التي كان عليها صلوات الله وسلامه عليه.
أعلى
تربية الأولاد بين
الواقع والطموح
ذكرت في الجزأين السابقين من هذا الموضوع بعضا
من الصعوبات التي تواجه الوالدين في تربية أبناءهم ، وبعض الأخطاء
التي يقعون فيها من قصد أو من غير قصد ، وتساهم بدورها في عدم وصول
الطفل إلى الغاية م التربية التي ننشدها منه .
واليوم سيكون موضوعنا - بإذن الله تعالى - عن تصرف بعض الآباء عندما
يصدر سوك سيئ من الطفل ، - المقصود بالآباء هنا الأباء والأمهات -
فكما هو معلوم أن الطفل الصغير بعفويته تصدر منه الكثير من التصرفات
التي يرى فيها والديه أنها سيئة ولا يمكن تحملها منه ، أو أنهم يطلبون
منه عمل شيء أو تركه فلا يمتثل لهما فظاهرة العناد لدى الطفل موجودة
وهذا العناد الطفولي ليس إلا عنادا بريئا ، يجب ان يعالج بالحكمة والموعظة
الحسنة ، لا بالضرب وغيره من الوسائل السلبية ، فنرى أن الأب والأم
عندما يصدر من طفلهما سلوك غير مرغوب فيه تراهما يتوعًَّدانه ، بل
إن لم يحصل في تلكم اللحظة على مجموعة من الضربات الموجعة ، لا سيما
وأن من يقوم بالضرب يكون في تلكم اللحظة في حالة هيستيريا بسبب موجة
الغضب التي تجتاحه ، فهو حينها قد سمع من الشتائم الشيء الكثير ، ومن
الغريب في الأمر أن الأب يجعل سلطته على إبنه سلطة تسلطية لا مجال
فيها لمخالفة الأوامر وإلا فالجواب معلوم لديه ،ومن الأشياء التي شدت
انتباهي أنه في أحد المرات وعند الخروج من أحد المساجد سمعت أبا يعنف
أحد أبناءه ويقول له "يا..." بسبب أنه خالف أباه في شيء
لا يستحق كل هذا العناء الذي بذله هذا الأب المسكين ، هذه واحدة ومثلها
الشيء الكثير مما يصادفه الواحد أو قل يقع فيه ، فكيف نريد من ابن
هذه حالة والده أن تكون لديه شخصية قوية ، بل إن حصل لهذا الطفل أمر
معين لا يستطيع أن يخبر والده بسبب أن سلطة والده عليه هي سلطة تسلطيه
، فليست رعاية الأبناء سلطة تسلطية بل هي أمانة استرعانا الله تعالى
وائتمننا عليها وسوف نسأل عنها . فهل يمكن أن يعي الآباء دورهم في
تربية أبنائهم ؟ وهل يمكن أن يعرف الأب نفسية ابنه وطبيعة المرحلة
التي يمر بها ؟ كي يكون على علم بطبيعة السلوك الذي يصدر من الطفل
. فنجد أن الولد عندما يبلغ العاشرة قبلها أو بعدها بقليل عندما يفعل
فعلا بدافع الغريزة الطفولية التي فيه يقال له : أنت لن تعد صغيرا
، وهذا التصرف لا يناسبك .
وعندما يريد مشاركة الكبار في عمل معين يقال له : هذا ليس عمل الصغار
. فهذا الطفل لم يعرف أين هو من هذين ، هل مو مازال طفلا ؟ أم كبر
عن تلكم المرحلة ، فهذه الأشياء التي لا يُلقى لها بالا تجعل الطفل
يتردد في عمل أي عمل بسبب أنه يقال له : أنت كبير عن هذا الفعل ، أو
مازالت صغيرا، فعلى المربي هنا وخاصة الأب أو الأم أن يجعلوا للإبن
الأعمال التي كان يعملها وأقصد بها هنا الأعمال الطفولية ، مع إشراكه
بالتدريج في أعمال الكبار ، شيئا فشيئا حتى بعد ذلك يكون مدركا للعمل
الذي سيعمله والطريقة التي سيتبعها ، ولا يكون مترددا ، غير حازم في
رأيه . فالطفل في هذه المرحلة العمرية بحاجة إلى ما يمييز له الدور
الذي يجب عليه فعله ، ولابد من تعويد الأولاد على ذلك منذ الطفولة
، كي لا يجدوا صعوبة عندما يحين وقتها ، فأمر النبي - عليه السلام
للآباء أن يعلموا أولادهم الصلاة لسبع ، لأجل تعويدهم عليها ، حتى
إذا ما بلغوا مبلغ التكليف صارت الصلاة أساس لهم لا يمكن التخلي عنه
. فنرجع مرة أخرى إلى ظاهرة عناد الطفل ،وهذه كثيرا ما يشكو منها الآباء
فعندما يجد الوالدين أن ابنهما أو ابنتهما لا ينصاعان لأمرهما فمباشرة
يلجأ الأبوان إلى أسلوب الشدة وهو الصراخ ليستجيب ، وهذا يجعل في الإبن
استكانة ورضوخا وضغفا قد يصاحبانه طول حياته - إلا ما شاء الله - والأدهى
والأمر هو الضرب ، وليتهم يستخدمون ضرب التأديب وهو الضرب غير المبرح
، بل يكون الضرب وكأنه إنتقام من شدته ، فسيكون هذا الطفل إنطوائيا
على نفسه لا تكون لديه الجراءة الكافية لمواجهة أمور الحياة ، في مستقبل
حياته ، بل يخاف إن فعل شيئا أن يكون أحد من خلفه متربصا به . فيكون
الواجب هنا ضرورة إفهام الطفل طاعة الوالدين وبتخصيص نوع معين من المكافأة
عندما يعمل عملا تكرهه نفصسه وهو فيه صلاح ورشاد له . - كالمحافظة
على صلاة الفجر مع الجماعة مثلا - ولا بد للوالدين أيضا من تفهم الطفل
والمراحل العمرية التي يمربها لأجل أن يعرف كيف يتصرف معه في كل مرحله
من مراحل عمره ، وأن لا يجعل ( الكي ) الضرب إلا آخر العلاج ، ولا
يكون هذا الضرب مبرحا ، بل خفيفا بقصد التأديب والارتداع عن ما نهي
عنه ، ولا بد أن يكون قبل الضرب استخدام طرق النصح والإقناع والإفهام
، لأن هذا النوع من التأديب له دور كبير في بناء شخصية متزنة لهذا
الطفل ولله در الشاعر :
قد ينفع الأدب الأولاد في صغر
وليس ينفعهم من بعده الأدب .
والأدب والتأديب السليم لا تكون بدايته إلا في البيت القوية أسسه ودعائمه
الأخلاقية والتربوية ، لا أن يكو ن المجتمع أو الشارع بما فيه من مساوئ
هو ميدان التربية القويمة ، ولا بد للأباء ان يدركوا أهمية السنين
الأولى من عمر أطفالهم في تكوين شخصيته ، وبناء فكره لأنه بمثابة الأسس
التي يقوم عليها في باقي أيام حياته ،وهذا لا يكون إلا بطرق مدروسة
، وبخلفية عن الفعل الذي ستقوم به على الطفل ، لأن هذا هو أمانة سيسألك
الله تبارك وتعالى عنها، فلا بد أن ترعاها حق رعايتها .
مصطفى بن ناصر بن سعيد الناعبي .
أعلى
العفة والعفاف
سيف بن عبد الله الناعبي
إن أعظمَ أبوابِ الشّرّ وأوّلَ مدخلٍ للشيطان هو إطلاقُ البَصَر والاختلاط
لذا صارت أحكامُ الحجابِ والقَرار في البيوت والأمر بغَضِّ البصر للرجال
والنساء، قال الحقّ سبحانه: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . بل حتى في الحديثِ العابِر بين الرّجل
والمرأة الأجنبيّة عنه: إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا
. إنّه سدٌّ لمنافِذِ الشيطان كما في قولِ الله سبحانه: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ
مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ.وحيث جاءَ الإسلام بكلِّ ما يحفَظ ويصون
هذا السياجَ فقد حرَّم كلَّ ما يهتِكه ويفسِده، وقد علِم كلُّ مسلمٍ
حرمةَ ما يعارِضه ويناقضه مِن دعواتِ السّفورِ والاختلاطِ في الأعمال
والجامِعات والمجالِسِ والمؤتمَرات لئلاَّ يُكسَر حاجِز الحياء وتُنبَذ
الحِشمة. ولقد علِم الراشِدون أنَّ التقدّمَ والتخلّفَ له أسبابُه
وعوامِله، وإنَّ إقحامَ السَّترِ والاحتشام والخلُق والالتزام والعِفّة
والفضيلة وجعلَها عواملَ للتخلُّف لهو خِداع مكشوف وتمريرٌ مفضوح لا
ينطلي على متبصِّر.إنَّ الحياةَ الطاهِرة تحتاج إلى عزائِمِ الأخيارِ،
وأمّا عيشةُ الرذيلة فطريقُها سهلُ الانحدار، والبيوتُ التي تظِلّها
العفّةُ والحِشمة تورِق بالعزِّ والكرامة، أمّا البيوتُ التي يملؤهَا
الفحشاء والمنكرُ فلن تنبُتَ إلاّ بالذّلِّ والمهانة، وإذا أمَر الله
تعالى بوقايةِ النفس والأهل من النارِ التي وقودُها الناس والحجارة
وأخبر النبيُّ عليه السلام أنَّ كلَّ راعٍ مسئول عن رعيّته فإنَّ المسلِمَ
يجب أن تكونَ له وقفةٌ للهِ لتجنيبِ نفسِه ومن يَليه ما جلبته وسائلُ
الاتِّصال والبَثِّ مِن ذبحٍ للفضيلة ونشرٍ للرذيلة وإماتةٍ للغيرة،
وكيف يستسيغُ مسلمٌ هذا الغثاءَ المدمِّر؟! أين الحياء؟! أين المروءةُ؟!
أين الحِفظُ والصِّيانة مِن بيوتٍ هيَّأت لناشِئَتها أجواءَ الفتنة
وجلَبت لها محرِّضاتِ المنكَر؛ تجرُّها إلى مستنقَعات الفُحش جرًّا
وتَدُعُّها إلى الخطيئةِ دَعًّا؟! ومع أنَّ شهوةَ الجِنس كشهوةِ الطّعام
قد تمتلِئ المعِدة فتفتُر وقتًا عن طلَبها إلاّ أنَّ الذين يحِبّون
أن تشيعَ الفاحشة في الذين آمنوا لم يَفتروا، بل ملئوا الفضاءَ بكلِّ
أنواع المثيراتِ والمغرِيات، وتفنَّنوا في إثارةِ الشّهَوات وإيقادِ
لهيبِ الغرائزِ في سُعارٍ أذهل الشيطان.وأمام هذه الأمواجِ المتلاطمةِ
منَ الفتن الضاربةِ مهدِّدةً سفينةَ المجتمعاتِ المسلمة تعظُم الأمانةُ
والمسؤوليّة على المسلمين للحِفاظ على زكاءِ مجتَمَعهم وطهارةِ حياتهم
وبما لا زالُوا متميِّزين به على أهلِ الأرض بحمد الله.ولا أحدَ ينكِر
ما صارَ للإعلامِ من مكانةٍ خطيرة في توجيهِ الأمَمِ والشّعوب والسياسات
وصياغةِ مفاهيمِها وتصوُّراتها وسلوكيّاتها. وإذا طغتِ الشهواتُ واختلطَتِ
النيات فسدَتِ الأوضاع واضطَرَبت الأحوال وحقَّ العذاب، وتَضيع الأمّة
إن تُرِك الحبلُ على الغارِب، يعيش الناسُ بشَهَواتهم ويعبَثون بأخلاقِهم
متجاوِزين حدودَ الله بلا وازعٍ ولا ضابطٍ وبلا رادِعِ ولا زاجر، وإنها
سُنّةٌ من سنَنِ الله، إذا فشَا الظلم والفسادُ ولم ينهَض مَن يدافِعُه
فإنَّ سنّةَ الله تعالى تحِقّ ولا تحابِي أحدًا، (فَلَوْلا كَانَ مِنْ
الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ
فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ).
أعلى
(النيرات المنيرات)
أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
(الحكمة من تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم)
اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بتعدد الزوجات...
وهنا نقول إن تعدد الأزواج لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان إما
لحكمة إلهية تشريعية أو سياسية أو اجتماعية أو دينية. ويفند ادعاء
من اتهمه بذلك موقفان : أولا: زواجه من خديجة وعدم جمعه معها امرأة
أخري حتى توفيت رغم أنها كانت تكبره بخمس عشرة سنة.
ثانيا : حياته داخل بيته مع أزواجه كانت أقرب إلى الخشونة منها إلى
الترف والنعيم وعندما تظاهرن يطلبن زيادة النفقة كان الهجر والمغاضبة
. ثم نزول الآية الكريمة من السماء ( آية التخيير ) تخيرهن بين الحياة
مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم وابتغاء الدار الآخرة وبين التسرع
وابتغاء الدار الآخرة على متاع الحياة الدنيا . وهذا سنوضحه بالتفصيل
مستقبلا بإذن الله,وبصفة عامة فإن كل زيجاته كانت لحكمة عالية ـ كما
ذكرنا آنفا ـ فبعد وفاة أم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها ـ والتي
لم يجمع معها أي امرأة أخري رغم أنه كان صلى الله عليه وسلم في عنفوان
شبابه تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من سودة بنت زمعة - رضي الله
عنها . وقد كان زواجه من سودة إنقاذا لها من القهر. فقد كانت سيدة
مسنة في الخمسين من عمرها مسلمة توفي عنها زوجها المسلم في صدر الإسلام
قبل الهجرة إلى المدينة - وكان أهلها على الكفر فإن رجعت إليهم أجبروها
على الكفر أو عذبوها فلما علم صلى الله عليه وسلم بأمرها تزوجها وكانت
خديجة - رضي الله عنها قد توفيت وله منها أطفال ينبغي رعايتهم لذلك
كان زواجه صلى الله عليه وسلم منها رحمة بها وأيضا لرعاية أبنائه فزواجه
من كل من أم المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - وأم المؤمنين سودة -
رضي الله عنها - كان بعيدا كل البعد عن الشهوانية فكلتاهما قضى شبابه
معهما وهما عجوزتان ولم يجمع عليهما زوجة وأما زواجه من عائشة - رضي
الله عنها - كان بأمر من الله تعالى فقد جاء بصورتها في منامه صلى
الله عليه وسلم جبريل -عليه السلام - مرتين بالإضافة إلى صداقته الوطيدة
صلى الله عليه وسلم بأبيها الصديق - رضي الله تعالى عنه - وقد كان
من حكمة زواج النبي الكريم من أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -
أن تلتقط بذكائها الحاد وحداثة سنها العلم والحديث والفقه والأخلاق
منه صلى الله عليه وسلم لتروى كل ذلك من بعد لصحابته الأجلاء والتابعين
من بعدهم قرابة نصف قرن من الزمان وتتبوأ مقعدها ومكانتها العلمية
في صدر الطبقة الأولى من رواة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
حتى روت ألفين ومائتين وعشرة حديثا بالإضافة إلى علمها الغزير في الفقه
وغير ذلك من العلوم الدينية وما يتصل بها وكأنما رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يعلم هذه الحكمة فيقول لصحابته ( خذوا نصف دينكم عن
هذه الحميراء ) يريد بذلك عائشة .أما حفصة - رضي الله عنها - التي
تأيمت من زوجها وعرضها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على كل من عثمان
بن عفان وأبى بكر الصديق فقد كان زواجه صلى الله عليه وسلم بها تكريما
لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه0 وأما أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب
-رضي الله عنها - التي تنصر زوجها عبيد الله بن جحش بالحبشة ثم توفي
عنها مرتدا عن الإسلام فقد صمدت أمام هذه المحنة في هجرتها وتمسكت
بدينها وظلت مع ابنتها (حبيبة ) وحيدة بلا زوج وكان أبوها أبو سفيان
بن حرب رأس قريش ورأس الكفر مناهضا ـ وذلك قبل إسلامه في فتح مكة ـ
للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين مطاردا لهم معذبا
ضعفاءهم حتى اضطروا إلى الفرار بدينهم إلى الحبشة وإلى المدينة فإن
هي عادت إلى مكة وقريش تجرعت كؤوس العذاب والهوان. فأكرمها الله تعالى
برسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضها عن زوجها بخطبته لها وهي في
الحبشة ثم زواجه منها في المدينة.
إعداد ـ أم الزبرجد الشيبانية.
أعلى
مسؤولية الإنسان الرئيسية
في الحياة
العواقب الوخيمة التي تترتب على ترك التواصي والتناصح بالحق:
لم يشرع هذا الأمر إلا لأنه عظيم الشأن والأثر
في نفوس المسلمين فإذا ما ترك المسلمون هذا الباب ترتب على ذلك الهجر
العواقب الوخيمة والمشكلات العظيمة، فمن المعلوم أنه لا يمكن للمريض
أن يتلقى العلاج الصحيح والفعال إلا عن طريق الوصفة الطبية الصحيحة
ومن قبل من الطبيب الحاذق المختص فإذا قصر هذه الطبيب في إعطاء الدواء
الشافي والنصيحة للمريض لا ريب أن صحته ستكون عرضة للخطر فقد يلقى
حتفه بسبب تفريطه في تلقى العلاج من المرشد الطبي فكذلك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر إذا أهمل وقصر في حقه فستكون العواقب وخيمة وخطيرة
على المجتمعات بأسرها وهذه المصيبة في الحقيقة لا يحمد عقباها ولا
يعرف منتهاها، كالتفكك الأسرى وشيوع أنواع المنكرات من الفساد الخلقي
والإداري...
وقد عاب الله تعالى على الأمم السابقة بسبب تفريطها في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ومن بين هذه الأمم أمة بني إسرائيل فلم يكن التقصير
من قبل أنبيائهم فحسب وحاشاهم عن ذلك بل كان من بين أنفسهم فكانوا
يعمدون إلى اقتراف الأفعال المشينة والتي لا تليق في بعض الأحيان بالفطرة
الإنسانية السوية وقد كانوا يجاهرون بالمعاصي ما ظهر منها وما بطن
وأعرضوا عن التناصح بينهم فأصروا على عنادهم واستمرأوا إفسادهم للأرض
وأهلها فاستحقوا بسبب تلك الأفعال اللعنة الإلهية على لسان أنبيائهم
عليهم السلام فقال الله عنهم {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي
إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ
بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} {المائدة/78} فاستحقوا الطرد
من رحمة الله تعالى لأنهم {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} {المائدة/79} فالعصيان
والعدوان لا يختصان بمجتمع واحد فقط سواء أكان مسلما أو غير ذلك فقد
يشمل أنحاء متفرقة من المجتمع ( فقد يقعان في كل مجتمع من الشريرين
المفسدين المنحرفين فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ،
ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفا مصطلحاً
عليه؛ وأن يصبحا سهلاً يجترىء عليه كل من يهم به... وعندما يصبح فعل
الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشر
رادعا وجماعيا تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه...
عندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد
أو مجموعات يطاردها المجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة؛ وعندئذ لا تشيع
الفاحشة ولا تصبح هي الطابع العام! )(1) لو نظرنا نظرة إمعان وتدبرنا
في أحوال عالمنا المعاصر سنرى العجب العجاب فالله المستعان وعليه التكلى
وإليه المآب فالله تعالى قد أمرنا ان نتواصى بالحق في كل الاحوال {وَالْعَصْرِ
إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}{العصر1/3}
يقول المفكر الاسلامي الشهيد سيد قطب (ت 1966 م): في ايضاحه لهذه الاية
الكريمة ( فمن لفظ ومعناه وطبيعته وحقيقته تبرز صورة الأمة ـ اوالجماعةـ
المتضامنة الأمة الخيرة الواعية القيمة في الأرض على الحق والعدل والخير...
وهي أعلى وأنصع صورة للأمة المختارة .. وهكذا يريد الاسلام أمة الإسلام..
هكذا يريدها أمة خيرة قوية واعية قائمة على حراسة الحق والخير، متواصية
بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ تنضح بها كلمة التواصي في القرآن...والتواصي
بالحق ضرورة فالنهوض بالحق عسير والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس
ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة وطغيان الطغاة...والتواصي تذكير وتشجيع
وإشعار بالقربي في الهدف والغاية، والأخوة في العبء والأمانة فهو مضاعفة
لمجموع الاتجاهات الفردية، إذ تتفاعل معا فتتضاعف تتضاعف بإحساس كل
حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله... وهذا
الدين ـ هو الحق ـ لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة
متضامنة على هذا المثال .
والتواصي بالصبر كذلك ضرورة فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة
الحق والعدل، من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة ولابد من الصبر لابد
من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير والصبر على الأذي والمشقة والصبر
على تبجح الباطل وتنفج الشر والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس
المعالم، وبعد النهاية!
والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعث من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة
المتجه، وتساند المجتمع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار... إلى آخر
ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها،
ولا تبرز إلا من خلالها.. وإلا فهو الخسران والضياع..)(2)
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
أعلى
فبهداهم اقتده
التقليد الأعمى والتعصب المذموم
يا شباب المستقبل: إذا رفض الانسان الحق ورفض
اتباع طريقه والعمل به فهو يقلد تقليدا أعمى أو يتعصب تعصبا مذموما
لا خير فيه ولا نفع ولا فائدة.
وينشأ عن التقليد الأعمى ظلمات في النفس تحجب البصيرة عن رؤية نور
الحق واتباعه فلا يرى الانسان المقلد الا من يقلده في عمله ورأيه وطريقه
وأهوائه.
ويتولد التقليد الاعمى في النفس الانسانية ـ وخصوصا نفوس الشباب ـ
من ضعف الثقة بالنفس، واضطرابها، ويأتي التقليد من دافع المحبة أو
الهوى أو قناعة لا تقوم على أساس سليم.
وغريزة التقليد غريزة نافعة يكتسب بها الشاب من بيئته ومحيطه جما من
المهارات والعادات والاخلاق والمعارف التي اكتسبها الناس ممن سبقهم،
واستفادوا من تجاربهم؛ غير أن الانسان العاقل لا يتمسك بمذهب التقليد
إذا ظهر له أن ما يقلده أمر باطل فالارادة هنا ينبغي أن تكون تابعة
للحق، ولما هو أحسن وأفضل.
يقع عدد من الناس في شرك التقليد، فلا يقدر أحدهم على التمييز بين
التقليد المحمود، والتقليد المذموم، فلا يبحث عن الأحسن، ولا يكلف
نفسه أعباء البحث والنظر فيما هو أفضل، ويرضى أن يكون مع القاعدين
ويقلد غيره بدون بصر ولا بصيرة ولا نظر ويتعصب لكل ما يراه من الذي
يتابعه على طريقة التقليد الاعمى.
إن الإنسان الذي يتربى في بيئة من البيئات، يكتسب منها عادات وأخلاقا
كثيرة ومن هذه المكتسبات ما هو حق ومنها ما هو باطل ومن ثم فانه يألفها
مهما كان وضعها؛ صالحة كانت أو فاسدة.
ويعتبر الانسان نفسه جزءا من بيئته الاجتماعية وبالتالي يتبلور لديه
خلق التعصب لاهله وعشيرته وكل ما في بيئته من مفاهيم وعادات وأخلاق
دون أن يعمل عقله ليناقش ويميز بين الصالح والفاسد.
إن آفة التقليد آفة قاتلة مميتة، ولكن الانسان العاقل هو الذي يتدبر
الامور، ويقبل على العلم والمعرفة ليميز الخبيث من الطيب.
ولا شك في أن مجالسة العلماء سبيل لكسر طغيان التقليد والتعصب، فإرشادات
العلماء للشباب تقيهم من الزلل والهوى، وتجعلهم يسلكون طريق الاعتدال؛
و:
ومجالسة السفيه سفاه رأي، ومن عقل مجالسة الحكيم
فإنك والقرين معا سواء ، كما قـــــد الأديم من الأديم
وبعد هذا التوضيح عن التقليد الاعمى والتعصب المذموم نقول: (إذا قلد
الشباب غيرهم في علمهم أو تصرفاتهم أو في قدراتهم الفكرية فإنما يقلدونهم
تقليدا أعمى وتتعطل عند الشباب ملكة التفكير والاختيار. والتقليد الأعمى
مرض يقع في مصايده كثير من شبابنا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فقد
ترى شابا يلتزم أفكارا أو سلوكا لأحد الناس ثم يتابعه في حركاته وسكناته
ويناصر الأشياء التي يقلد فيها تقليدا أعمى بكل ما أوتي من حجة وربما
يحتال لتأييدها بحجج واهية وزخرف من الأقوال الملتوية.
وإذا أمعنا النظر في هذه الآفة التي تصيب شطرا من شبابنا لألفينا أنها
من أسوأ الآفات التي تعترض طريقهم ولا يقدرون على تجاوزها ظنا منهم
أنها عنوان الحضارة والنجاح والمكانة في المجتمع.
إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أعلى
|