كلمة ونصف
مشاريع بعمر الزمن
المشاريع الاقتصادية لدينا لا تأخذ عامل الوقت
في الاعتبار ، فدائماً مشاريع يعلن عنها في سنة وتنفذ بعد عشر سنوات
أو أكثر تنقضي في الحصول على التراخيص والإجراءات وفي أعمال روتينية
، إلى أن تضجر الناس قبل المستثمرين والاقتصاديين ، من سماع عن هذا
المشروع أو ذاك ، وهذه الحالة أصبحت ظاهرة تتكرر مع كل المشاريع
للأسف وتعد شكلا من أشكال البيروقراطية في إدارة الاستثمار فعلى
سبيل المثال منطقة صحار الصناعية والمشاريع التي بها ، أعلن عنها
في مطلع التسعينات ، وجاء تنفيذها بعد عشر سنوات ، ومشروع الموج
السياحي أعلن عنه منذ سنوات وإلى الان لم يوضع حجر ، والمدينة الزرقاء
مازالت حلما وقد يمتد الى 2019 وهكذا دواليك.
فبلا شك أن عامل الوقت ذا أهمية في تنفيذ هذا المشروع او ذاك ، وله
انعكاساته السلبية على مناخ الاستثمار في البلاد ، والجهود لجذب
المستثمرين ، والترويج لمشاريع اقتصادية مستقبلية ، وفقدان الدافعية
والطموح في التخطيط والتنفيذ لمشاريع أخرى ، والمصداقية في الوعود
والتى لا يمكن المساومة عليها ، فبقدر أهمية الاستثمار وتهيئة المناخ
والحرية الاقتصادية هناك أهمية مماثلة للإجراءات السريعة على أرض
الواقع ، والمستثمرون لا يركزون على النظريات ، أكثر مما يركزون
على ما وراءها من أفعال ، والمدى الزمني للتنفيذ.
فبلا شك أن غياب عنصر المحاسبة والتقييم للجهات المختصة عامل هام
، في تمييع تنفيذ المشروعات لعدة سنوات ، وإن بدأ المشروع يأخذ خطة
عشرية إلى أن يكتمل وبدون إطار زمني محدد ، يحدد بدقة زمن الانتهاء
من هذا المشروع او ذاك فعواقب هذه الممارسات وخيمة على الاستثمار
في البلاد والاقتصاد الوطني ، وذلك في عدم مواكبة التطورات والمستجدات
في العالم ، وكيفية إدارة الاستثمار بكفاءة عالية تسهم في تعظيم
الفوائد منه لا هروب الاستثمارات.
إن المسئولية الوطنية تقتضي العمل بشكل يتواكب مع العصر ، ويتماشى
على الأقل مع ما ينتهجه الآخرون في التعاطي مع الاستثمار وإدارة
المشاريع الاقتصادية .. إلا أننا سنتخلف عن الركب الذي وضعنا أقدامنا
فيه ، وعزمنا على المضي قدماً نحو التطور والتقدم وإنعاش الحركة
الاقتصادية في البلاد ، التى تحتاج إلى تسريع خطوات الاستثمارات
بشكل يفيّ بمتطلبات عديدة ، تنتظر بفارغ الصبر بصيص الأمل لمشروع
هنا ومشروع هناك .
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أصداف
العراق سنة رابعة احتلال- 20 -
تبعثرت واردات النفط العراقي ، خلال سنوات
الاحتلال ، ولم نر شيئاً من الخير الذي وعدونا به ، وبدلاً من ملامسة
الأحلام الوردية ، فقد اكتوينا بالفقر والعازة ، وعانينا كثيراً
من اشتداد الأزمات وتصاعدها عن الهدر المرعب الذي حصل في الثروة
النفطية في العراق ، أخبرني الدكتور همام الشماع الاختصاصي الاقتصادي
العراقي المعروف، بأن العراق قد خسر خلال ثلاث سنوات وهي فترة الاحتلال
ما يصل إلى أربعة وثلاثين مليار دولار من ثروته النفطية، بسبب ضعف
وتدني التصدير وعمليات التهريب التي تُمارس بالعلن وعلى مرأى الجميع،
وهذه الثروة الطائلة، تزيد بمرتين عن صادرات النفط العراقي خلال
السنوات الثلاث الأولى من تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي
بدأ عام 1996 ووفر احتياجات رئيسية وضرورية للعراقيين أما الأموال
الأخرى، التي أهدرت فهي كثيرة ولا تُعد ولا تُحصى، وعلى سبيل المثال
رصد الخبراء اختفاء تسعة مليارات دولار عام 2004، ولا أحد يعرف مصير
هذه الأموال، إضافة إلى العقود الوهمية، التي تم إبرامها بمليارات
الدولارات ويتحدث عنها المسؤولون في الإدارة الأميركية والعراقية،
وجميع الأطراف تشجب هذا الهدر الخطير، ويتحدثون عن تشكيل لجان تحقيق،
وسرعان ما يختفي أي أثر للحديث عن كل ذلك وخلال سنوات الاحتلال،
الذي دخل عامه الرابع، اختفت مفردات البطاقة التموينية، التي تعين
العوائل على مقارعة الجوع، وارتفعت الأسعار بصورة جنونية، فعلى سبيل
المثال، وصل سعر قنينة الغاز الواحدة إلى أكثر من عشرين ألف دينار،
بينما كان سعرها في السابق لا يتجاوز الألف دينار في أسوأ الأحوال،
وينطبق ذلك على جميع المشتقات النفطية الأخرى، واختفت الكهرباء،
وزادت الفوضى كما توقفت عمليات التنمية بصورة تامة، واستشرت ظاهرة
الرشوة والفساد الإداري، التي تقول عنها منظمة الشفافية الدولية،
أنها سجلت أعلى مستوياتها في العراق هذا وجه من الوجوه الكثيرة التي
يمكن أن نتحدث عنها ونحن ندخل السنة الرابعة من الاحتلال، وإزاء
ذلك ليس أمامنا، سوى رسم علامات الخوف الهائلة من القادم، الذي يمكن
رصد أخطاره بسهولة، من خلال التعرف على ما تحقق من مساوئ هائلة تحت
مظلة الاحتلال الأميركي لهذا البلد. وما ذكرناه ليس عبارات إنشائية،
بل إنه يعتمد على الأرقام والدلالات الواضحة.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

باختصار
حكاية بن لادن
مازال بن لادن يروي حكاية مرحلة من مراحل معارك
الصبر المتبادل بينه وبين الأميركيين فلا الأميركي يمكنه حسم المعركة
مع هذا الذي تعرفت عليه جبال أفغانستان أكثر مما يعرفه الشعب الأفغاني
، ولا هو استطاع أن يخرج المعركة من إطارها الإعلامي المحدود إلى
ماهو أقسى من الحادي عشر من سبتمبر ليصنع نقلة موازية لتلك الضربة
بقي بن لادن على مواعيد طلاته الإعلامية ، عالما بتفاصيل ما مر في
المنطقة والعالم لكنه حالم بتجديد شكل المعركة.
صارت جبال طورا بورا ـ اذا صح التوقع ـ من الأمكنة التي تروي تاريخ
أكبر مطاردة .. بل ربما جبال أفغانستان الصعبة المعقدة المتداخلة
بغيرها من جبال تطل على بلاد أخرى بقي المكان هو المكان ، وظل بن
لادن يتحرك دون أن نسمع عن ملاحقة حديثة له فهل لم تستطع الأقمار
الاصطناعية الأميركية التي تخرج الإبرة من كومة قش أن تحدد موقعه
كي يبقى ناسجا للأساطير حول قوته الحية ، ثم هل يريد بوش الذي عرف
كيفية توظيف التقاط صدام حسين يسعى لتوظيف مماثل للإمساك ببن لادن
في تناغم مع وضع داخلي أميركي.
الذين سيكتبون سيرة رجل جبال أفغانستان مازالوا أقرب إلى الوصف منه
إلى الحقيقة تجاوز بن لادن خيال الكتّاب الذين يريدون نشر حكايته
على أصولها كل مستور مرغوب ، وكل مالاتستطيع اليد الوصول إليه يتحول
إلى رقم صعب أو إلى أسطورة ينسج فيها الخيال مايشاء من القوة أو
الضعف بن لادن هو هذا النوع الذي افتتح القرن الحادي والعشرين ولم
يغلقه .. تاريخ يحتمل الاستفاضة من أية زاوية كتبته أو قرأته ، ولسوف
يبقى طويلا علما في رأسه نار كما يقول الشعر العربي حتى في قديمه.
تحولت أفغانستان إلى محمية أميركية وصار العراق محتلا من قبل الأميركيين،لم
يتغير بن لادن ولا خطابه ، بل كبرت رقعة اهتماماته وصار عليه أن
يتدخل في مناطق أخرى ليبعث منها الرسائل فها هو يدعو إلى نقل الحرب
إلى غرب السودان وهاهو يسمي الحصار الدولي على حركة حماس في فلسطين
حربا صليبية صهيونية ضد المسلمين جميعا وليس ضد الفلسطينيين وحدهم
، بل هو يدعو إلى مقاطعة البضائع الأميركية وكذلك الأوروبية التي
ساندت الدنمارك في عملية التعدي على رسول الله الأكرم .
اتسعت بوصلة بن لادن وهو الذي طرح حربا عالمية ضد ما يسميه "
الهجمة الصليبية " على المسلمين الذين مازال أكثرهم على حذر
من دعوته رغم إيمان البعض بأن مايقوله في موقع الصح.
وبانتظار ماسيقوله بن لادن في طلته الإعلامية المقبلة ، فإن عناوينه
الإضافية في " حربه " تحتاج لأكبر من تنظيمه ، فهل لدى
ذلك التنظيم الذي يمكنه من تغطية الحروب في كل مكان إسلامي ليس الجواب
سهلا لكن " القاعدة" التي تمددت بعد الحادي عشر من سبتمبر
وصارت ، كما قيل ، موجودة في كل مكان ، فإنها أقل من تنظيم عالمي
، وأكثر من تنظيم محلي .. هي بين الخيال وبين والواقع.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

اقول لكم
الاسلام والعولمة
تيار العولمة يحمل معه مخاطر احداث تأثيرات
سلبية على ثقافة المجتمعات وطمس ملامح هويتها الوطنية والانسلاخ
عن جذورها الحضارية، وهي أمور تتطلب بحوثا مستفيضة تحاول أن تؤكد
معالم صيغة حضارية اسلامية ترتبط بأصولها الفكرية، وفي ذات الوقت
تتمتع بمرونة توفر لها امكانية التواصل الحر والانفتاح على ثقافات
الغير والاختيار الانتقائي منها بما يؤصل الثقافة الوطنية ويبعدها
عن مخاطر الاغتراب عن جذورها وأصولها.
والقضية قديمة متجددة منذ أن بدأ الانفتاح على الغرب وتبدت الحاجة
إلى ضرورة تحديد أطر هذا الانفتاح وتقنين أساليب التعامل بما يضمن
للمجتمعات الاسلامية خصوصيتها ويجعلها أيضا عنصرا فاعلا في الحضارة
الانسانية المعاصرة، وربما تكون هذه هي الاشكالية الأساسية التي
تصادف الجاليات المسلمة التي تعيش في دول أوروبا وأميركا، وتحتاج
باستمرار إلى اجتهاد وابداع فقهي يحقق هدف الارتباط بالجذور مع الانفتاح
على العصر.
من هنا تتبدى الأهمية البالغة لندوة (الاسلام والعولمة) التي نظمها
مركز السلطان قابوس للثقافة الاسلامية على مدى يومين، ونظرة واحدة
لأوراق العمل التي ناقشها المشاركون وتوصياتهم تؤكد أن الندوة في
مجملها جهد مميز على درب طويل بالغ الوعورة والحساسية، نظرا لما
يتعرض له المسلمون الآن من اتهامات باطلة تتطلب ردا جميلا عقلانيا
يوضح الحقائق ويزيل كثيرا من الشكوك، وبما يتطلب المزيد من الجهود
العلمية في هذا المجال.
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
من يساعد الفقراء ؟
المساعدات الخارجية التي تقدمها الجمعيات والمؤسسات
الخاصة في أميركا تفوق ثلاث مرات ونصف حجم المساعدات الخارجية الرسمية
التي تقدمها الحكومة الأميركية للدول الفقيرة وتقول دراسة جديدة
أعدها معهد هدسون الأميركي إن المساعدات الخارجية الحكومية لم تنجح
في زيادة النمو الاقتصادي في الدول الفقيرة ولم تنجح في الحد من
الفقر في هذه الدول ولكن المساعدات التي تقدمها الجمعيات والمؤسسات
الخاصة على العكس من ذلك أحدثت أثرا ملموسا في تحسين نوعية الحياة
للفقراء في هذه الدول هذه المساعدات الخاصة بلغ حجمها 71 مليار دولار
في عام 2004 مقارنة ب 21 مليار دولار قدمتها الحكومة الأميركية كمساعدات
خارجية في العام نفسه هناك العديد من الجمعيات والمؤسسات الأميركية
الخاصة التي تجمع تبرعات خاصة وتقدم المساعدات المالية والإنسانية
للفقراء والمحتاجين والمنكوبين في العالم فضلا عن تقديم مساعدات
كالتدريب المهني والمنح لبدء مشروعات تجارية ولم تعد هذه الجمعيات
والمؤسسات الخاصة مقتصرة على المنظمات الخيرية والإنسانية بل انضم
إليها في هذا الجهد عدد متزايد من الشركات العالمية وبنوك الاستثمار
وكليات إدارة الأعمال التجارية .
ولكن المساعدات التي تأتي من هذه الجمعيات والمؤسسات والشركات والكليات
والبنوك تشكل ثلث حجم المساعدات الخاصة التي تصل إلى الفقراء في
العالم. تقول دراسة معهد هدسون : إن ثلثي المساعدات التي تتدفق من
داخل الولايات المتحدة على الفقراء في العالم تأتي من المهاجرين
الذين يعملون في أميركا والذين يرسلون أموالا إلى أسرهم وأهلهم في
أوطانهم الأصلية هؤلاء المهاجرون يرسلون الأموال عن طريق تحويلات
فردية أو جماعية عن طريق مئات من المؤسسات المنتشرة في أنحاء الولايات
المتحدة والتي تتخصص في هذه التحويلات.
الحكومة الأميركية تواجه انتقادات بأنها بخيلة ولا تقدم لفقراء العالم
ما يتناسب مع دخلها القومي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ، وهي
منظمة للدول الصناعية المانحة ومقرها باريس ، تحدد مستويات المساعدات
الخارجية التي يجب أن تقدمها كل دولة للفقراء في العالم وتقول هذه
المنظمة: إنه يجب على الحكومة الأميركية أن تزيد حجم مساعداتها الخارجية
إلى نسبة سبعة أعشار الواحد في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الحكومة
الأميركية تقدم اليوم مساعدات خارجية بنسبة عشري الواحد في المائة
من ناتجها المحلي ولكن إذا أضفنا المساعدات الخاصة التي تقدمها المؤسسات
والشركات والبنوك والمهاجرون إلى حجم المساعدات الحكومية الأميركية
سنجد أن الإجمالي يصل إلى سبعة أعشار الواحد في المائة من الناتج
المحلي.
يقول خبراء : إن المساعدات الحكومية إلى حكومات العالم لا تحدث أثرا
ملموسا أو مباشرا في تحسين الحياة للفقراء في تلك الدول على عكس
ما تحدثه المساعدات الخاصة التي تقدم إلى منظمات غير حكومية في تلك
الدول. الحكومات في الدول الفقيرة قد تنفق أموال المساعدات في تحسين
الطرق غير أن تحسين الطرق لا يحسن مباشرة حياة الفقراء لكن المساعدات
الخاصة تنفق على مشروعات تجارية أو صحية أو مهنية أو تعليمية تلمس
مباشرة حياة الفقراء وفضلا عن هذه الحقيقة فإن ظاهرة الفساد الحكومي
متفشية في أنحاء دول العالم النامي وتقول دراسات: إن 15 في المائة
على الأقل من أموال المساعدات للحكومات تهدر بصورة أو بأخرى ولا
تخدم الهدف من ورائها. ورغم أن الفساد لا يزال موجودا في المنظمات
غير الحكومية فإنه أقل تفشيا وأسهل اكتشافا ومحاسبة.
الاتجاه الجديد في المساعدات الخارجية يركز اليوم بصورة متزايدة
على المؤسسات الخاصة سواء المانحة أو المتلقية.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

كل يوم
من أين يأتي الانفراج!
هل يتجه العراق إلى الانفراج؟ وهل هذا الانفراج
المأمول سياسي أم أمني؟ وإلى أين تسير الامور وفي أي اتجاه، بعد
جلسة مجلس النواب العتيد الذي انتخب القيادات السياسية أو الرئاسات
الثلاث: رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة مجلس النواب، ونياباتها
جميعا.
وقد كان لافتا أن تجري هذه الجلسة المطولة بحضور سفيري الولايات
المتحدة وبريطانيا، بمعنى أن السلطة السياسية لقوات الاحتلال كانت
تشرف مباشرة ـ بلا غطاء ـ على هذه الانتخابات التي أجراها النواب
ـ بمنتهى السرية والنزاهة ـ وما يهمنا هو أن المحاصصة الطائفية كانت
هي السائدة، وأن الأطراف التي (خرجت من المولد بلا حمص) شاءت هي
الاخرى ان تخرج من القاعة، وتختار عدم ترشيح أي ممثل لها بدعوى عدم
المشاركة في (لعبة) لا ترضاها! مع انها كانت شاركت في مثيلة لها،
من قبل، وتولت مواقع متقدمة في المسؤولية في المرحلة التي كانت تسمى
(الانتقالية)، فما بالها تنسحب الآن، والمرحلة الدائمة قد بدأت،
والجميع أخذ نصيبه من الاستحقاقات؟!
ليس من شأن هذا الحديث أن يقلل من اهمية ما حدث، فالمرجو أن يكون
في صف المصلحة الوطنية العراقية التي تعني الوحدة والتوافق والانسجام
والتعاون بين الجميع. وأيا كانت الاعتراضات على (المحاصصة) الطائفية،
فإن المسألة الأهم هي استتباب الامن والاستقرار الذي هو العمود الفقري
للإعمار والتنمية المطلوبة بإلحاح، فهل تستطيع القيادات الجديدة
أن تحقق هذا الأمن، وان تعيد الاستقرار إلى العراق؟
سؤال يشكك كثيرون في الاجابة عليه بالايجاب. وأيا كانت مساحة التفاؤل
في التعامل مع النتائج على أرض الواقع بعد أكثر من أربعة أشهر من
التردد والاختلاف ضاعت هباء منثورا، فإن الشعب العراقي أولا، والعرب
ثانيا، والمسلمون ثالثا، ينتظرون الكثير، وبعضهم يتوقع الكثير من
قيادات المرحلة الجديدة في العراق الذي أنهكته حروب الاحتلال، وعمليات
الارهاب، والقتل على الهوية، والفوضى الأمنية.. والحروب الخفية والمستترة.
واستطلاعات الرأي السريعة التي أجرتها وكالات الانباء أو الصحافة
الاجنبية تدل على أن هذه التوقعات تتركز على شخص رئيس الوزراء الذي
تتهمه بعض الجهات بـ (الطائفية) بينما يراه آخرون (متشددا) و(حازما)
وهذا ما يؤهله لقيادة العراق في المرحلة الجديدة، ويرفع التوقعات
بنجاحه.
لا مجال لاستباق الأحداث، لكن هذا النجاح لا يرتبط بقوة رئيس الوزراء
الجديد فحسب، بل يتعداه إلى تعاون الأطراف الأخرى، وجدية قوات الاحتلال
في ضبط الأمن، وحفظ الاستقرار، ومواقف دول الجوار ذات الأثر الواضح
فيما يجري في العراق، ناهيك عن المجتمع الدولي، أما الغائب الأكبر
فهو الدور العربي الذي ظل مطلوبا، لكنه يؤثر التردد، ويراوح في مكانه
مكتفيا بالتمنيات!
د ـ محمد ناجي عمايرة
E-MaiI:mohamayreh@hormaiI.com
أعلى

في الموضوع
حماس والرئيس السويسري
بعد ظلمة الليل يأتي انبلاج الفجر بضوء النهار
، هذه الحكمة التي اكتسبها الإنسان من تواتر الليل والنهار ، بسبب
حركة الكون ، تدفع الإنسان إلى الأمل في الظروف الصعبة ، والعمل
من أجل تغيير الأوضاع السيئة ، لكنها في الوقت نفسه تعلمه درسا يجب
ألا ينساه ، وهو أن دوام الحال من المحال ، ومع كل تطور يحدث في
حياته ، تكون هناك مشكلات مصاحبة له ، لكن هذه المشكلات تختلف في
طبيعتها ، فربما كانت مشكلات النمو ، أو أخرى تصاحب التدهور في الأوضاع
، ويمكن أن يظل متأهبا للتعامل مع كافة أنواع المشكلات ، حتى يكتمل
النمو بإزالة تلك التي تأتي معه ، من خلال تكييف الأوضاع بما يتناسب
مع عملية النمو، أو يعمل على تخفيف حدة التدهور ومعالجة أسبابه ،
ويحقق في كلتا الحالتين كسبا مطلوبا ، أو خفف من ضرر غير مرغوب فيه.
في ضوء هذه الحكمة الأزلية المهمة ، وفي الظروف التي تعيشها الحركة
الوطنية الفلسطينية ، لابد وأن يرحب كل عربي بتشكيل لجنة للتوفيق
بين المواقف السياسية لحركتي فتح - في المعارضة وموقع الرئاسة ـ
وحماس التي تتولى الحكم في السلطة الفلسطينية ، لأن ذلك يعني أن
هناك قدرة على توصيف مشكلة موجودة بين الحركتين ، وجرأة على الإقرار
بذلك ، وإرادة للتوصل إلى حل وكأنه كان من الضروري أن تشعر حركة
حماس - رغم توليها الحكم ـ بمحاولات العزلة الداخلية ، التي زادت
حدتها بسبب الحصار الخارجي ، فيعلن وزير خارجيتها عن تشكيل قوة أمن
خاصة ، فيأمر الرئيس بوقف ذلك الإجراء ، ثم يخرج رئيس المكتب السياسي
خالد مشعل على الرأى العام ، ويعلن مخاوف حركة حماس من احتمالات
"انقلاب داخلي " ، يتزامن مع تنفيذ إسرائيل وعيدها باستهداف
قيادات من حماس - حتى وإن كانت في الحكم ـ بعمليات اغتيال انتقائية
، على النحو الإجرامى الذي اتبعته من قبل.
الشيء الإيجابى في هذا الأمر ـ رغم إيجابيته في ذاته ـ هو أنه تزامن
مع تصريحات أدلى بها الرئيس السويسري مورتيزلونيبيرغر، انتقد فيها
الموقف الأميركي الغربي من الحكومة"الحماسية" للسلطة الوطنية
الفلسطينية ، وقال إن المقاطعة والحصار الاقتصادي المفروض عليها
غير منطقي ، لأنه لا يساعد حركة حماس في ممارسة المهام التي تضطلع
بها، وانتخبها الشعب بطريقة ديمقراطية - في ظروف من الشفافية ـ لأداء
هذه المهمة وما يعنيه ذلك ، هو أن شرطا بدأ يظهر في صفوف التحالف
الغربي الداعم للحركة الصهيونية
وإسرائيل ، وعلى الحركة الوطنية الفلسطينية أن تواصل التصرف بحكمة
، حتى يمكن الاستفادة من تحطيم إرادة محاصرتها وأن تعرف أن الهدف
الغربي الصهيوني ليس محاصرة حماس ، وإنما اتخاذ وجود حماس في السلطة
ذريعة جديدة إضافية للاستمرار في إضعاف الوجود الفلسطيني على أرض
وطنه .
ما يتعين قوله ، هو أن الاتفاق بين فتح وحماس على حل مشكلة عدم الثقة
بين الطرفين، والعمل على حل هذه المشكلة ، بعد أن وقعت مصادمات بين
طلاب في جامعتي الأزهر وغزة في قطاع غزة ، أسفرت عن إصابة أكثر من
عشرين طالبا ، ودفعت بعض القيادات العسكرية الإسرائيلية إلى إصدار
تصريحات عن إعادة "احتلال" قطاع غزة ، الذي انسحبت منه
القوات التي تفرض الاحتلال في الأراضي الفلسطينية منه العام الماضي
، ينزع من الصهاينة مبرر إعادة انتشار القوات في القطاع ، الذي مازال
يخضع لحصار الاحتلال فعلا ، رغم انسحاب القوات منه ؟ مع العلم بأن
أي صدام بين القوى الفلسطينية هو ما تريده إسرائيل ، وإذا اتخذت
منه مبررا لإعادة الانتشار في القطاع ، فإن ذلك سيكون جزءا من خطة
لإحداث المزيد من الضرر بالحركة الوطنية الفلسطينية ، وإضعافها بشكل
متزايد ، استفادة من وضع الصراع الذي يمكن أن يتحول إلى مواجهة مسلحة
، ومن الناحية العملية ، فإنها تفضل الإبقاء على قواتها خارج القطاع
في الظروف العادية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان من الضروري على القوى الوطنية
الفلسطينية ، أن تنتظر حتى يصل الوضع إلى درجة معينة من التفاقم
،حتى تبدأ عملية التوفيق التي تجري حاليا ؟ يجيب خبراء العلاقات
بين القوى السياسية وحل الصراعات على ذلك ،بأنه من الضروري أن تصل
أى مشكلة إلى درجة من النضج ، تناسب الشروع في تقديم الحلول المطلوبة
وإذا كان ذلك يبدو منطقيا من الناحية النظرية ،فإن الوضع الفلسطيني-
بظروفه المختلفة- يفرض طريقة مختلفة لمعالجة أى موقف ، خاصة إذا
كان ينذر باحتمالات صراع فلسطيني داخلي ، يمكن أن ينتقل من المواجهات
السياسية إلى صدام مسلح ،أو أن يخرج إلى الشوارع في مواجهات تهدد
بالفوضى ، وتسيء إلى صورة النضال الشريف الذي يجري على الأرض بوسائل
مختلفة، ويتيح الفرصة أمام الصهاينة لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية،
أو للتدخل العسكري .
صحيح أنه تم انتخاب حركة حماس للحصول على الأغلبية البرلمانية وتشكيل
حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية بطريقة تتسم بالشفافية الديمقراطية
والنزاهة والوضوح،لكن الصهاينة وحلفاءهم في الغرب لا يريدون الديمقراطية
،إلا إذا كانت توفر لهم فرصة تحقيق مكاسب على حسابنا وهناك أسباب
عديدة أدت إلى هزيمة حركة فتح ،أولاها : هي ثبوت عدم فعالية المرونة
في التعامل مع العدو الصهيوني ،لأن الصهاينة لا يريدون التعامل مع
وجود فلسطيني ، وإنما إزالة هذا الوجود بشكل نهائي والثاني: هو الطبيعة
المركزية التي تدار بها شئون حركة فتح ، انطلاقا من الأسلوب الذي
يتبعه زعيمها الراحل "أبو عمار" ،وبدأت آثاره السلبية
تظهر للجميع بعد رحيله أما السبب الثالث : فهو الفساد الذي تفشى
في أوساط السلطة الفلسطينية ، ولعل من أمثلته الفاضحة ، أن وسطاء
توريد حديد التسليح والأسمنت - اللذين يستخدمان في بناء الجدار الفاصل
بين الأراضي المحتلة عام 1948 - وتلك التي تريد إسرائيل ضمها إليها-
وبين بقية أراضي الضفة الغربية المحتلة،قام بتوريده وسطاء فلسطينيون
، بعضهم مقرب من بعض كبار مسئولي السلطة الوطنية في عهد حكم حركة
فتح ، وهم مسؤولون كبار في منظمة التحرير الفلسطينية.
إذا كانت هذه هي بعض أسباب هزيمة حركة فتح ، وهي أسباب تستدعي احترام
قرار فوز حماس ، وتفرض على فتح إعادة النظر في بنيتها وأساليبها
، بما يحقق الوفاق من أجل المصالح الوطنية الفلسطينية ، ويفرض على
الجميع احترام القرارات الديمقراطية ، مما يضعف الحصار الدولي المفروض
عليها، انطلاقا من وجهة النظر التي عبر عنها الرئيس السويسري في
تصريحاته.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى

هل ثًمة مأزق أمام حماس
صديق فلسطيني من أهل فتح القدماء قال لي مستغربا:
تبين أن الأصدقاء في حماس شراهتهم للسلطة أكثر من دأبهم على "التحرير"
وما هي إلا بضعة أيام حتى اشتعلت حرب بين حماس والسلطة حول "الصلاحيات"
حتى لو أخذنا ذلك التعليق للصديق الفتحاوي بالكثير من الاحتراس ،
كونه صادرا من أحد "حمائم فتح" فإن المتأمل في سلوك حماس"
الحكومي" يرى أنها قد غاصت في التفاصيل ، وخاصة صراع السلطة
، دون أفق مرجو للخروج من الأزمة المستحكمة في الحكم الفرار إلى
إيران أو حتى سوريا لا تقدم لحماس الكثير غير "العلاقات العامة"
وهي علاقات عامة لا تُسمٌع في الجمهور العربي المحبط أصلا ولا غيره
من الجماهير ، وهي في النتيجة لا تعطي حماس قدرة على التقدم ، بل
تضيق عليها سبل المناورة .
طبعا لو كان هناك تفكير سياسي لدى حماس ولدى السلطة أيضا ، لكان
من الأفضل "تقسيم الأدوار" فيما بينهم ،بحيث يأخذ محمود
عباس وجه المفاوض وتأخذ حماس وجه المقاوم السياسي ، كأي حركة وطنية
مقسمة الأدوار موحدة الأهداف كل خطواتها تبتغي في النهاية تحرير
شعبها الذي يرزح تحت الاحتلال ويلاقي أهواله إلا أن ذلك لم يحصل
، ولا يعتقد أنه يمكن أن يتم في ظل الأجواء السائدة ربما لأن صقور
فتح أرادوا أن تبقى حماس في "حيص بيص" وبالتالي تسقط أو
تُسقط "بالتشديد على التاء" من الخارج ، فتعود فتح لسيرتها
الأولى من التحكم إلى الفساد ، أو الفشل الذريع لحماس أمام الناخب
الفلسطيني الذي ربما يعود من جديد كي "يستغفر" من الخطيئة
التي أوصلت حماس إلى الحكم.!
قابل ذلك تصور من "صقور حماس" بالبحث عن مخرج خارج البيئة
الطبيعية. والمخارج قليلة وتضيق مع الأسف باليوم والساعة .
فلا المال العربي سوف يتدفق على حماس ، لا بسبب بخل عربي ، ولكن
بسبب تاريخ طويل من الوعود العربية وعدم الوفاء بها من جهة ، وبسبب
قلة في الثقة التي تفتقر إليها المؤسسات الفلسطينية من جهة أخرى
، هذا الجفاف المالي العربي سيزيده جفافا موقف "الغرب"
المعارض من تصور حماس للمعركة السياسية ، وهي معركة يمكن أن تُوصف
بأنها " معركة في الخارج موجهة لجمهور ذي نبرة عالية ، وأقل
من معركة في الغرف المغلقة التي تقدم الكثير من التنازلات"
هذه الثنائية التي يعرفها العدو قبل الصديق تؤكل من رصيد حماس ،
الذي يتنازل معدله كثيرا كونها فقط في السلطة قوة حماس وشعبيتها
المفترضة كونها حركة شعبية تشتمل على كثير من الشفافية ، يمكن أن
تستخدمها لتوجيه شعبها بمصارحته بأن الحصار كبير ويضيق ، وأن أمامنا
تصورا يجب أن نتحدث فيه وهو أن الخطوة الأولى في المعركة السياسية
هي "الاعتراف بكل ما قامت الحكومات الفلسطينية السابقة بالاعتراف
به" كلما قربت حماس إلى الواقع هذا وإلى إنقاذه ، كلما استطاعت
النفاذ للتصورات الدولية للحل الفلسطيني، قربت من طموح الشعب الفلسطيني
النهائية، أما الحماس في الخطب، فلم يكن الراحل ياسر عرفات بقاصر
عنها،ولكنها أفضت إلى لا شئ تقريبا.
المؤسف أن حماس تكرر أخطاء سابقيها ، وهو الإصرار على تصور علني
لا يقبل من أطراف عالمية كثيرة وقوية ونافذة في عالمنا ، وفي الوقت
الذي تشير فيه الغرف الجانبية إلى إمكانية تقديم تنازلات حتى بالخطأ
أو ادعاء الخطأ، كما حدث في الرسالة "غير المقروءة" الموجهة
من وزير خارجية حكومة حماس إلى كوفي عنان! أو بالتصريحات الأخيرة
القائلة : إن أطراف من حماس ستقابل "في الخليج" أطرافا
أوروبية!
إذا كان المال لن يأتي بالصورة التي تريدها حماس، فإن المقلق أن
يضع بعض قادة حماس كل أملهم على الاعتماد على النفس، فقد قال أحدهم،
يجب أن نحول فلسطين إلى بؤرة تصدير إلى العالم العربي ؟ كيف سيتم
ذلك والمعابر محاصرة ؟ أليس في مثل تلك التصريحات محاولة للهروب
إلى الأمام دون جدوى.
عدم لقاء وزير الخارجية الفلسطيني بمثيله المصري رسالة يجب أن تقرأ
بما تعنيه ، وما حدث في الأردن يجب أن يقرأ بما يعنيه ، فحماس لا
تستطيع أن "تأكل التفاحة وتحتفظ بها في نفس الوقت" إذا
كان التمويل محدودا والعلاقات مع الخارج تضيق ، غير منفذي إيران
وسوريا ، وهما منفذان يئنان تحت وطأة المتابعة الدقيقة من المجتمع
الدولي ويحتاجان نفسهما إلى كل المساعدة.
لعل حماس تعي أن القضية الفلسطينية بسبب موقعها في قلب الإنسان العربي
يمكن أن "يتاجر بها" من بعض الأنظمة أو القوى، وقد تُؤجر
بها كثيرا في السابق لأغراض بعيدة كل البعد عن تحرير فلسطين، وهي
اليوم تستخدم أيضا تحت شعارات فضفاضة من قوى قد لا تكون أكثر إخلاصا
من قوى عربية سابقة استفادة لبعض الوقت من القضية.
ينقل الكاتب الأميركي ذو الأصول الهندية فريد زكريا في كتابه "الحرية"
الذي أصبح ذائع الصيت أن المرحوم ياسر عرفات عندما نصحه الرئيس المنتخب
بوش وقتها في نهاية عهد بيل كلينتون أن يقبل بالمعروض على الطاولة
، رد وقال لو قبلته لأصبحت حماس في السلطة.! وهذه الأيام تدور وتصبح
حماس في السلطة "دون أن يقبل عرفات بما عرض عليه"! فالبعبع
الذي كان يُخوف منه أصبح في الحكم أو القفص ، وأصبح محاصرا أكثر
من ذي قبل !
يبدو أن حماس أمام قياداتها نقاش مهم ، وفي وقت قصير يجب أن تتوصل
من هذا النقاش إلى نتائج، وهو يتمحور حول محاولة الإجابة على أسئلة
مركزية وحاسمة قبل أن تصلها أمراض فتح وهي واصلة لها لا محالة، أن
سارت على الدرب المعلن، فهي غير قادرة إلا على الكف عن عمليات كبيرة
في داخل إسرائيل لأن ثمنها سيكون فادحا على السلطة الحماسية كونها
حكومة شرعية ،كما أنها مجبرة على عدم شجب العمليات التي يقوم بها
غيرها بما يضعها موضع الاتهام أمام الرأي العام العالمي ، خاصة وإن
كانت تلك العمليات ضد المدنيين ، كما أنها في نفس الوقت غير قادرة
على فتح مسار سياسي معقول أمام جدار الممانعة العربية ، والرفض الدولي
الخيار الآخر هو أن تقوم حرب الأشقاء على أرض فلسطين ، وهي حرب تقترب
كثيرا وبعجالة على الأرض يخسر فيها المواطن الفلسطيني ( العادي)
أكثر مما يخسر حتى من الاحتلال نفسه ، ويدفع يوميا من أعصابه وكرامته
ودمه الكثير ، والكاسب الحقيقي هو الاحتلال الذي يتفرج على مسلسل
من الغباء السياسي ، الذي يبدو مع الأسف أنه تاريخي.
د.محمد الرميحي
كاتب وباحث أكاديمي كويتي
أعلى

إنهاك البيئة العراقية
مرت الصورة التي رسمتها وزارة التخطيط والتعاون
الإنمائي العراقية عن المشاكل في البيئة العراقية والصعوبات التي
تواجهها التنمية المستديمة بدون أن تأخذ من الإعلام العراقي الحد
الأدنى من الاهتمام ، فقد أوردت الوزارة بورقة عمل أعدتها أوضاع
البيئة والتنمية في العراق مشيرة إلى أن البلاد تصنف الآن ضمن الرقم
143 من أصل 146 بلداً هي في أدنى مستويات التنمية المستديمة إذ غطى
الفقر 72% من بعض المناطق ووصلت نسبة البطالة بين الشباب إلى 45%
من مجموع الشباب العراقي بينما تمثل 50% من عموم سكان العراق وأفادت
الدراسة أيضاً أن 60% من المدن العراقية غير مرتبطة بشبكة الصرف
الصحي.
هذه الصورة القاتمة التي رسمتها وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي
ليست هي الصورة القاتمة الوحيدة عن البيئة العراقية بشراً ومكونات
حياتية أخرى، إذ أفادت وزارة البيئة أن هناك 200 موقع في العراق
تعد شديدة التلوث في حين أن هناك مواقع متوسطة وقليلة التلوث تتجاوز
هذا الرقم بمرة ونصف.
والمؤلم في ذلك هو ليس باكتشاف هذه الظواهر السائدة الآن في العراق،
بل لأن هناك افتقارا لوجود آليات حقيقية راسخة لمواجهة هذا التردي
في الحياة العراقية مع ملاحظة أن جميع وسائل الإعلام العراقية لم
(تتكلف) بتناول هذا الموضوع بما يستحق من الاهتمام والتحذير لخطورة
نتائجه على الأجيال الحالية والأجيال القادمة، ربما للجهل بخطورة
ملامح هذه الصورة أو لأنها أيضاً وأعني وسائل الإعلام قد تقصدت إهمال
تناول هذا الموضوع امتداداً لقناعات أن ما يشغل المواطن العراقي
في الوقت الحاضر هو الموضوعان الأمني والسياسي.
كما يلاحظ أيضاً أن العراق لا يفتقر للمؤسسات والأجهزة التي تشخص
مثل هذه الظواهر بل إن المشكلة تكمن في أن النخب العلمية التي تتولى
مسؤولية ذلك ليست في موقع القدرة للتأثير على مجريات الأحداث بما
يعيد التوازن للبيئة العراقية أو لأن تلك النخب تخاف أصلاً من فضح
ما يجري بضغط تردي الوضعين الأمني والسياسي .
إن ما يعيشه العراق في هذا الشأن ليس وليد يومه إنما يمثل امتداداً
لسنوات الحروب والعقوبات الاقتصادية التي أنهكت البيئة العراقية
فعلاً ودفعتها إلى حافة الإفلاس في الكثير من المناطق العراقية وكانت
هناك شهادات لمنظمات دولية مثل الصليب الأحمر والصليب الأصفر الألماني
ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسيف ومنظمة أطباء بلا حدود ومنظمة
أصوات في البرية الأميركية قد حذرت منذ وقت مبكر من ظاهرة هذا الإنهاك
البيئي في العراق.
ولنا أن نضيف هنا أن الاحتلال قد عمق تلك الظاهرة الخطيرة على الرغم
من العناوين الكبيرة التي حاول الاحتلال أن يرسمها لنفسه كقوة إنقاذ.
لقد أتلفت الآليات الأميركية من طائرات ومدفعية ومدرعات العديد من
المستلزمات البيئية التي يمكن أن تكون عناوين لتنمية مستقبلية.
وقد تم اقتلاع الآلاف من أشجار النخيل والأشجار المثمرة الأخرى بذريعة
تأمين مدى أفضل للآليات العسكرية الأميركية وغير الأميركية كما مدت
العشرات من الطرق في أراض زراعية بذريعة تأمين شبكة طرق حماية وإذا
أضفنا إلى ذلك الأطنان من الاعتدة والقذائف التي انفجرت منذ مارس
عام 2003 وحتى الآن فإن مخلفات هذه العمليات العسكرية لابد أن تكون
قد أثرت سلبياً على البيئة العراقية وقللت من فرص التنمية الزراعية
التي هي حجر الزاوية في أي تنمية مستدامة ولعل ما يعزز هذا التشخيص
إعلان قيادة القوات الأميركية في العراق استعدادها للاعتذار عما
لحق ببعض المناطق الأثرية العراقية وخاصةً آثار بابل من دمار نتيجة
الاستخدام العشوائي لبعض هذه المناطق في تأسيس قواعد عسكرية متحركة
وجعلها مفازات تدريب أو مناورة للآليات العسكرية بدون أن تهتم بطبيعة
المناطق المذكورة .
والحال أن النخب الثقافية والعلمية تتحاشى الآن تكوين رأي عام عراقي
يأخذ على عاتقه التصدي لهذه المعضلات، كما يمكن القول إن هناك نوعاً
من الترضية الاقتصادية لشرائح واسعة من المجتمع العراقي بهدف السكوت
إن لم نقل الرضا عن الأحوال البيئية السيئة.
إن التنمية المستدامة التي يحتاجها العراق أولاً تكمن في وقف عملية
الإنهاك التي تعاني منها هذه البيئة وإلا فإن أي تنمية وإعمار جديدين
يقومان على قاعدة هذا الإنهاك لابد أن يتسلل الإنهاك إليهما أيضاً
وبذلك تتكرر دورة التخريب.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
في العالم الواقعي التفاوت في توزيع الثروة يتزايد
حان الوقت للاعتراف أن الاقتصاد القوي الذي
يتقاسم فيه الكل بشكل عادل ربما لايكون ممكنا في عصر العولمة.
ويأتي الدليل الأحدث من اليابان حيث إن انتهاء 15 سنة لها من الركود
الاقتصادي هو خبر طيب لثاني أكبر اقتصاد في العالم ولكل واحد يتاجر
مع تجار الشمس المشرقة بيد أنه في الوقت الذي زادت فيه الدخول وقيمة
العقارات وسوق الأسهم وانخفض البحث عن عمل فإن هناك شكوى معتادة
من أولئك الذين ينظرون إلى الفجوة المتزايدة بين الأغنياء وغير الأغنياء
على أنها ثمن فادح للرخاء بالطبع فإن هذه الشكوى هي أيضا في الولايات
المتحدة حيث إن المعجزة الاقتصادية التي حققتها الولايات المتحدة
في ربع القرن الأخير قد أنتجت عوائد غير متساوية .
فهناك أولئك الذين ينظرون إلى ذلك على اعتباره عيبا حتميا على الرغم
أنه من الصعب الاعتقاد أنهم يتطلعون إلى العودة إلى أيام المعدلات
الضخمة للتضخم والبحث عن العمل.
ومع ذلك فإنهم يرفضون النظر إلى التعارضات فيما بين الاثنين حيث
يعتقدون إلى حد ما أنهم يستطيعون إبطال قوانين الطبيعية البشرية
من خلال دفع الناس إلى الإنتاج بشكل أكبر حتى لو كانت هذه الشعوب
لن تحصل على زيادة مقابل هذا الإنتاج وإذا اعتقدت أن الاقتصاد العالمي
يخفي المساواة بين البشر فإن عليك انتظار بضع سنوات.
حيث عندما أصبحت الصين والهند مجتمعات طبقة وسطى وموجهة للمستهلكين
كما تتطلعان إلى ذلك, فبشكل حتمي فإنه سيكون هناك مئات الملايين
من الأشخاص الذين يتم لفظهم في ذلك .
هذه المجتمعات التي تتساوى في الفقر يمكن أن تقرر ما إذا كانت ترغب
في مستويات معيشة أعلى بدرجة تكفي لتجاهل حقيقة أنه ليس الكل يتقاسمون
العائدات بشكل متساوي .
تفرض العولمة والمنافسة في الأسعار المرتبطة بها أن يكون الاختيار
هو بين النظم الاقتصادية التي تقلق كثيرا حيال كيفية تقسيم الثروة
وتلك التي تركز أكثر على زيادة الثروة عموما بغض النظر عن كيفية
توزيعها.
بالبطبع فإن الرد الصحيح من الناحية السياسية أننا نستطيع عمل الاثنين
معا. لكن الدليل يناقض ذلك بشكل كبير فقبل كل شيء فلدينا الآن ومستقبلا
حاجات بشرية غير محدودة وموارد محدودة إن بني البشر ينتجون بشكل
أكبر عندما يتم مكافأتهم على هذا الإنتاج وبشكل حتمي فإن هذه الحوافز
تنتج مجتمعا يكون فيه البعض أفضل من البعض الآخر .
إن الأمر لاينصب كلية على الضرائب ولكن هاهي الطبيعة البشرية التي
ترى بأنه كلما زادت عوائد البعض من الضرائب زادت قلة الحافز على
الإنتاج وكل ذلك يجدر تذكره في الوقت الذي ينقضي فيه الموعد النهائي
لضريبة أخرى حيث نسأل أنفسنا بشكل محدد ماذا يجب أن يكون هدف نظامنا
الضريبي إن لم يكن أي شيء غير جمع عائدات كافية ؟
هل أو ربما الأكثر واقعية ما هو الحجم الذي يجب أن يستغل به القانون
الضريبي لإنتاج أهداف اجتماعية مرغوب فيها ؟ وما الحجم الذي يجب
أن تعزز به القوانين اقتصادا نشيطا دون الالتفات إلى هذه المخاوف
؟
الاهم ما هي المقايضة التي يمكن القبول بها؟
تطل هذه القضية مرة أخرى برأسها في الوقت الذي تخبرنا فيه دراسة
أخرى شيء ما نحن نعرفه بالفعل وهو أن خفض ضرائب الاستثمار لبوش التي
دخلت حيز التنفيذ قبل ثلاث سنوات قد استفاد بها في الأساس الأثرياء
الأميركيون.
هذه ليست مستجدات على الرغم من الإحصاءات التي يمكن استخدامها من
قبل أولئك الذين يسعون إلى دفع السياسة الاقتصادية الأميركية في
اتجاه مختلف.
كانت ال25 سنة الأخيرة- قياسا بأرقام معدل البحث عن العمل التقليدية
والتضخم والنمو الاقتصادي- جيدة جدا حسب المعايير التاريخية وأولئك
الذين يريدون إيجاد خلل يشيرون إلى تزايد العجز التجاري وعجز الميزانيات
وانخفاض معدلات الادخار الفردي وزيادة إجماليات الديون وهذه البيانات
جديرة بالقلق حيالها لأنها مقاييس حقيقية للصحة الاقتصادية وقد تدفع
المرء إلى استنتاج أن الوضع الاقتصادي الراهن قد ينهار برمته .
وإن كانت البيانات بأن الأغنياء يزدادون غنى يفرض علينا أن نسأل
لماذا يكون ذلك بالضرورة أمر سييء طالما أن الغالبية العظمى منا
يستفيدون كذلك ؟ تلك هي الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية حيث يعمل
البعض أفضل من البعض الآخر بشكل يقل أو يكثر .
ربما أنك لم تلحظ أن عددا من البلدان- الصين وروسيا والهند وكثير
من بقية آسيا وشرق أوروبا- التي اعتادت على أن تكون مركزة بشكل أكبر
على فكرة التأكد من أن كل واحد يتم معاملته بالمثل قد غيرت من حدة
لهجتها.
ولم تقع هذه البلدان في غرام مع عدم المساواة لكنها صارت تدرك أنه
في عالم الواقع فإن الحوافز تعزز الإنتاجية التي تخلق الثروة التي
يتم تقاسمها بشكل غير عادل إن البديل هو المساواة في الفقر أو على
الأقل في مستوى معيشة أقل.
بيتر براون
المدير المساعد لمعهد استطلاع الراي في جامعة كوينيبياك وكاتب عمود
سابق في صفحة الافتتاحية في اورلاندو سينتينيل.خدمة كيه ار تي خاص
ب(الوطن).
أعلى
روسيا وأميركا قبل قمة مجموعة الثماني
لم يسفر اجتماع موسكو لكبار مسئولي الخارجية
الذين يمثلون الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي بالإضافة إلى
ألمانيا , والذين حاولوا تقرير كيفية حل الأزمة المتعلقة بإيران
, لم يسفر عن نتائج والسبب هو الاختلاف في اتجاهات الغرب , لاسيما
الولايات المتحدة , من ناحية , وروسيا , من ناحية أخرى , من المناهج
والسبل التي يمكن أن تمنع طهران من أن تصبح نووية مازالت موسكو تري
أي استخدام للقوة عملا غير مقبول ومع ذلك , تتفق روسيا والولايات
المتحدة تماما على شئ واحد : هو أن لا إيران ولا كوريا الشمالية
يجب أن يسمح لهما بالحصول على القنبلة النووية .
وللأسف , فإنه في الوقت الذي يقترب فيه اجتماع قمة مجموعة الثماني
في سان بطرسبيرغ في يوليو القادم , هناك مجالات أقل متاحة تتفق فيها
روسيا والولايات المتحدة فالعلاقات بين موسكو وواشنطن قد فترت والخبراء
الروس قلقون من الانتقاد المتصاعد من واشنطن عن نوعية الديمقراطية
الروسية وسياسات روسيا الخارجية وهم يشعرون بأن هذه الملاسنات اللفظية
غير عادلة وتخفي وراءها مصالح عدائية لأميركا .
ودعونا ننظر إلى الموقف من خلال عيني روسي عادي إن إيفان إيفانونف
محتار : لماذا كانت واشنطن سعيدة جدا مع روسيا تحت حكم بوريس يلتسين
في التسعينيات ؟ في ذاك الوقت , كانت روسيا دمية أو نموذج ديمقراطية
مثيرا للشفقة كان يخفي وراءه سفه وترف الطبقات الفاسدة التي حكمت
الكرملين . فلماذا أصرت النخبة الأميركية , بقيادة الرئيس بيل كلينتون
, على أن يلتسين كان يدفع البلد - برغم كل نواقصه - في الاتجاه الصحيح
؟
إن معظم الروس موافقون على أنه عندما خلف فلاديمير بوتين يلتسين
, تولى زمام بلد كان في حالة فوضى ومع ذلك , تمكن الرئيس الجديد
من استعادة النظام الحاكم ومنع تفكك وتفسخ البلد .
واليوم من السائد اتهام موسكو بخطايا من مثل النخب الشمولية الاستبدادية
, وعودة الطموحات الإمبريالية واستخدام الغاز الطبيعي كأداة لحل
كل مشاكل السياسة الخارجية وفي شهر مارس الماضي , أصدر مجلس العلاقات
الخارجية الأميركي تقريرا يذكر أن روسيا تحت حكم بوتين كانت تسير
في الاتجاه الخاطئ وقد نشر البيت الأبيض نسخة جديدة من تقرير "
الاستراتيجية الأمنية الوطنية " , حذر فيه بشدة من أن "
المحاولات المبذولة لمنع التطور الديمقراطي بالداخل والخارج ستعوق
تطوير علاقات روسيا مع الولايات المتحدة " .
ثمة شئ واحد واضح : وهو أن تيار الادعاءات يكتسب قوة في الوقت الذي
تتعافى فيه روسيا بعد وعكة سببها تغيير نموذجها ونمطها الاجتماعي
والاقتصادي وكلما أصبح البلد قويا ,أثار تعاطفا أقل لدى البعض في
الولايات المتحدة وبعبارة أخرى , إن أسباب الحرب الباردة الجارية
في نواح وجوانب كثيرة مماثلة لأسباب الحرب الباردة الأولى وقتها
كان الغرب قلقا من نفوذ الاتحاد السوفيتي المتزايد في أوروبا الشرقية
واليوم يخشى انتقال روسيا إلى دولة نافذة ومؤثرة وحيوية .
لقد تزايد الاختلاف في التفسيرين الروسي والأميركي للديمقراطية بعد
أن تبنى مؤخرا " المجلس الشعبي الروسي " , وهو تجمع لحركات
عامة روسية , " إعلان حقوق الإنسان والكرامة " , والذي
صدقت عليه الكنيسة الأرثوذكسية . وهذه الوثيقة تتهم النموذج الغربي
للحريات المدنية باللاأخلاقية وعندما تنزع من السياق الأخلاقي ,
تسمح الحقوق والحريات للناس بإظهار رهاب الأجانب وإهانة المشاعر
الدينية للآخرين وارتكاب خطايا أخرى إن المفهوم الغربي يخطئ في حقوق
الإنسان بسبب التسيب والإباحية , وهذا وفقا لواضعي الوثيقة , التي
استحسنها المجتمع .
وكثيرون سيحسبون هذه الأفكار مشكوكا فيها ولكنهم لا يجعلون شيئا
واحدا واضحا : فإيمان أميركا بتفوقها في نموذجها الديمقراطي الخاص
من غير المرجح أن يتم فهمه في روسيا .
ولحسن الحظ بالنسبة لموسكو وواشنطن , جنبا إلى جنب في البرنامج الديمقراطي
, هناك برنامج آخر للعلاقات الروسية- الأميركية قائم على اهتمامات
ومصالح أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية إن الولايات المتحدة تحتاج
إلى روسيا كما أن روسيا تحتاج إلى الولايات المتحدة للتعاون في مجالات
مثل التعامل مع إرهابيي " القاعدة " , وضمان أن تبقى أبحاث
إيران وكوريا الشمالية النووية سلمية وضمان أمن إنتاج وتوزيع الطاقة
وبدون روسيا , وثروتها من المواهب االبشرية والتقنيات , سيكون العالم
اكثر عرضة للأخطار والتهديدات الدولية الجديدة مثل أنفلونزا الطيور
وارتفاع درجة حرارة الأرض أو الاحتباس الحراري .
فلاديمير سيمونوف
معلق سياسي بوكالة الأنباء الروسية " نوفوستي "
خدمة " كيه آر تي " - خاص ب " الوطن "
أعلى
عندما تكون الديون شيئا حسنا
منذ نهاية الثمانينيات تبنى عدد كبير من الدول
والمنظمات حركة بطولية تسعى إلى إسقاط ديون البلدان النامية. وبعد
موجات عديدة من الإلغاءات المتوازية وإسقاط مديونيات الدول الفقيرة
أخذت المؤسسات الدولية موقعها في مقدمة الركب وخرجت مبادرة خاصة
بالبلدان الفقيرة الأكثر مديونية تهدف الى إسقاط ثلثي الديون الخارجية
المستحقة على 28 دولة فقيرة.
وفي العام الماضي اتخذ المجتمع الدولي خطوة اكثر فعالية وذلك عندما
قام بإلغاء 100% من ديون تلك الدول نفسها المستحقة للبنك الدولي
وصندوق النقد وبنك التنمية الإفريقي.
مثل تلك الخطوات يجب الترحيب بها، بيد أن اعتبار جميع الديون شيئا
سيئا هو جنوح إلى الحد المفرط. وتجدر الإشارة الى أن هذا الزخم من
النوايا الحسنة يحمل في طياته تهديدا للعالم النامي. وتلك الحركة
التي تجمع بين أطراف الاختلاف يجمعها هذا التوجه المشترك.
وبعض من تلك الاطراف يقترح تحويل البنك الدولي الى هذا النوع من
المؤسسات التي يقتصر نشاطها فقط على توزيع المنح والهبات التي تقدم
لها. وهم يدعمون اقتراحهم هذا بالاشارة الى حقيقة أن الدول التي
بدأت تظهر على الساحة اصبحت قادرة بشكل أكبر على الوصول الى أسواق
المال.
بيد اننا يجب نتوخى الحذر للغاية قبل ان نقوم بشطب جميع الديون كاملة.
فالديون تمثل أقل من 15% من المساعدات الدولية، وهي نسبة آخذة في
التناقص التدريجي منذ ما يربو على 20 عاما. والسؤال هو ما إذا كان
من المفيد والمثمر أن يجري تخفيض أكبر يشمل استخدام تلك الأداة.
الإجابة لا.
والتاريخ الاقتصادي يظهر أن الاقتراض ظل دائما يمثل عنصرا جوهريا
في عملية التطور الصحي، والاستغناء عنها كلية يعني الحكم على الدول
الفقيرة بالركود وحرمانها من الاستقلالية.
نعم من الواجب تفادي الإفراط في منح الديون بيد انه يجب أن تمنح
المشروعات التي تجري في مناخ صحي الفرصة للاستمرار عن طريق منح القروض.
ويمكن للمؤسسات المالية الدولية ـ التي يجب مواصلة عملية الإصلاح
بها ـ أن تأخذ على عاتقها القيام بتلك المهمة. فأدوات منح القروض
الموجودة لدى تلك المؤسسات والتي تستخدم بالتزامن مع المنح توفر
ميزة لا يمكن الحصول عليها من استخدام المنح فقط.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن المنح الأجنبية ستكون كافية لمواجهة الإحتياجات
المالية الكبرى للدول الفقيرة. والقروض التي تخضع للضبط سوف تظل
تمثل أهمية وظيفية كبيرة. وبالمثل فإن التزام الممولين المعترف بهم
هو إشارة الى الثقة التي تجعل تعبئة المصادر الأخرى المالية أمرا
أكثر سهولة.
أما تسمية بعض الدول على أنها لا يمكنها الحصول على قروض فهو يعني
النزول بها الى حالة يمكن تسميتها الدول التي حصلت على مساعدة وهو
امر لا يؤدي إلى نتائج سوى وضع المزيد من الصعوبات أمام تكامل السوق.
وحتى بالنسبة للدول التي بدأت في الظهور والتي أمكنها الوصول الى
رأس المال الخاص فإن الإبقاء على تقديم القروض يمثل أهمية كبيرة.
وينعكس ذلك في حقيقة أن كثيرا من الدول التي تشهد معدلات نمو مرتفعة
ما تزال مستمرة في استخدام القروض المتبادلة مع جهة أو جهات متعددة
للإستثمار في مشروعاتها فيما يتم توجيه رأس المال العام الى الإستثمارات
التي تحمل نسبة أعلى من الخطورة وعوائد ربحية أقل، أي أنها تعمل
كرافعة للتمويلات الخاص.
ويجب أن تستفيد وكالات المساعدة من الأزمات السابقة ومن ثم تقوم
بتطوير ادوات خاصة لتجنب الازمات المستقبلية المحتملة. وتبقى عملية
منح القروض جزءا جوهريا في تلك المنظومة. فتقديم القروض بالعملة
المحلية هو إحدى طرق حماية الدول الفقيرة من المخاطر التي تتعرض
لها العملة وتلك المتعلقة بخدمة الدين من العملة الصعبة النادرة
بالنسبة لهم.
والقروض المحلية يجب ان تخضع لضوابط تمكنها من التعامل مع أخطار
الإفلاس. وكذا يجب تطوير آليات خاصة للتعامل مع صدمات تقلب أسعار
العملات وأسعار المواد الخام أو الكوارث الطبيعية. فالجهود التي
تتخذ لتطوير مثل هذه القروض سوف تكون أعلى بكثير عن تلك المتعلقة
بالمنح البسيطة.
وهناك دور كبير لمؤسسات المساعدة يتمثل في تقديم منتجات مالية تتناسب
مع الدول النامية. وإذا ما ثبتت كفاءة تلك الادوات سينتهي الأمر
بتبني الأسواق لها. ويجب أن يوضع في الاعتبار انه يجب المحافظة على
تنوع أدوات المساعدة.
ميشيل كامديسو
وجين سيفيرينو
المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي
المدير العام الحالي للوكالة الفرنسية للتنمية الدولية
خدمة انترناشونال هيرالد تربيون ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى