أعلى
المنجز الثقافي في عمان
تجوال في الفكر الثقافي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم
( 2 )
رابعا إنشاء مجلس البحث العلمي
جاءت خطوة تشكيل مجلس البحث العلمي، كحلقة متصلة في ميدان الدراسة
الأكاديمية وتشجيع البحث العلمي، ولقد أصدر جلالة السلطان المعظم
ـ حفظه الله ورعاه ـ مرسوما سلطانيا رقم 54/2005، بإنشاء مجلس
للبحث العلمي وتحديد اختصاصاته. وقد نشأ مجلس للبحث العلمي برئاسة
سمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد مستشار جلالة السلطان، ويعمل
المجلس على تنظيم شئون البحث العلمي وتشجيعه ودعمه بمختلف الوسائل
المادية والمعنوية، ويعتبر المرجعية الأساسية في هذا المجال
وتؤول إليه مسؤولية التنسيق بين الجهات والمؤسسات المهتمة بشؤون
البحث العلمي. ويختص مجلس البحث العلمي بالمهام الآتية:
1 ـ وضع استراتيجية علمية وخطة وطنية متكاملة للبحث العلمي ومتابعة
تطويرهما.
2 ـ تحديد أولويات الخطة الوطنية للبحث العلمي.
3 ـ وضع برنامج أو أكثر لتنفيذ أولويات الخطة الوطنية للبحث
العلمي والإشراف على هذا التنفيذ.
4 ـ الإعلان عن الخطط الوطنية للبحث العلمي وأولوياتها بالشكل
الذي يوفر الحافز لتطوير البحث العلمي
5- دعم الابتكارات الفردية والخطط البحثية حسب أولويات الخطة
الوطنية للبحث العلمي.
6 ـ دعم نشر المؤلفات العلمية القيمة.
7 ـ مناقشة مخصصات البحث العلمي ومقترحات توزيعها على الجهات
البحثية تمهيدا لإدراجها في الموازنة العامة للدولة.
8 ـ ما يكلفه به جلالة السلطان من أمور أخرى تتعلق بالبحث العلمي.(مرسوم
إنشاء مجلس البحث العلمي ، جريدة "الوطن" ، عدد .........).
وقد جاءت هذه الخطوة والبحث العلمي في عمان يشهد خطوات واعدة
، وخاصة بعد تأسيس المجلس العلمي ، ويتطلع الباحثون والأكاديميون
في عمان ، لدور هذا المجلس في تنشيط حركة البحث العلمي والأدبي
وتوسيع آفاقه ومعطياته. ويمكن أن يساهم هذا المجلس في دفع حركة
البحث العلمي ، ويمكن لمجلس البحث العلمي أن يصدر عدة توصيات
لكل الجامعات والكليات الخاصة بضرورة انتهاج سياسات جديدة في
مجال البحث العملي وتوفير مستلزماته للأساتذة في الجامعات وللطلبة
أيضا، مثلا ضرورة إصدار كل مؤسسة علمية وأكاديمية نشرة أو مجلة
علمية متخصصة بالبحث العلمي والفكري، تنشر فيها حصيلة النتاج
البحثي والفكري لتلك المؤسسة فصليا أو حوليا حسب الإمكانيات
المادية والعلمية لتلك المؤسسة. وربط مسألة الاعتراف الأكاديمي
بتلك المؤسسات بمدى نتاج المؤسسة العلمية من بحوث ودراسات ومشاركات
في خدمة المجتمع .وضرورة إجراء مسابقة سنوية للبحث العلمي على
مستوى المؤسسات الأكاديمية، بين مختلف منتسبي هذه المؤسسات العلمية،
أو على مستوى المؤسسة الأكاديمية ذاتها بين مختلف مدرسيها ولا
تقتصر هذه المسابقات على الطلبة فقط وإنما تشمل أساتذة هذه الجامعات
والمؤسسات .
كما ينبغي التشديد على ضرورة إنشاء عدد من المراكز البحثية في
أي مؤسسة علمية أكاديمية تهتم بتسليط الضوء على البحث العلمي
ودعمه في تلك المؤسسات ، على أن تختار كل مؤسسة ما يناسب توجهاتها
العلمية بالنسبة لمراكز البحوث ، فالكليات النظرية ممكن أن تنشئ
مراكز بحث نظرية ، والمؤسسات العلمية تنشئ مراكز بحث عملية ،
وتلك التي تهتم بالتجارة والاقتصاد يمكن أن تنشئ مراكز بحث مالية
واقتصادية ، أو مراكز بحثية تهتم بخدمة المجتمع في أي مجال اجتماعي
أو إنساني أو معلوماتي ."ويعد إنشاء مجلس البحث العلمي
خطوة نوعية جديدة في مسيرة النهضة المباركة، ولقد جاء مرسوم
إنشاء هذا المجلس للاستفادة من خبرة كوادر وطنية قادرة على خوض
هذا المجال بكفاءة, استثمارا لموارد البلاد البشرية وثرواتها
الطبيعية, سعيا لابتكار تكنولوجيا وطنية قادرة على الوفاء بمتطلبات
التنمية في مختلف مجالاتها. ونظرة فاحصة لتشكيل هذا المجلس تؤكد
على الفور انه يضم كل من له علاقة بهذا المجال من الناحية الوظيفية,
إضافة إلى عدد من الشخصيات العامة ذات الخبرات المتنوعة التي
تمكنها من تقديم إضافات إيجابية لعمل هذا المجلس ونشاطاته البحثية
كما أن اختصاصات المجلس كما وردت في المرسوم السلطاني السامي,
تؤكد في مجملها إتاحة فرصة كاملة للابتكار والبحث والتجريب في
مختلف المجالات من خلال استراتيجية علمية وخطة وطنية متكاملة
للبحث العلمي وتحديد أولوياتها. إن البحث العلمي في مجالاته
المختلفة نشاط أساسي يوجه خطط وبرامج التنمية الشاملة إلى الدروب
الصحيحة وفي عملية توطين للتكنولوجيا تستثمر كل معطيات الواقع
لتقديم حلول علمية لبعض المشكلات القائمة. والتحول من مستهلك
للتقنية إلى قائمة المنتجين لها من خلال البحث العلمي والتجريب
يضع السلطنة في مصاف الدول التي تسلك دروب العلم وبحوثه سعيا
وراء المعرفة التي تخدم العمل الوطني في شتى مجالاته.. ولا يقتصر
الأمر على العلمية في مجال العلوم البحتة فقط, بل تمتد إلى العلوم
الاجتماعية من خلال رصد مختلف الظواهر وإخضاعها للبحث بمنهج
علمي وأدوات بحثية مناسبة حتى تكون القرارات المنظمة لهذه المجالات
مستندة إلى جهد علمي موضوعي موثق وليس مجرد اجتهادات فردية ضئيلة
الحظ من المنهج العلمي ومن ثم من مصداقيتها". (كلمة جريدة
الوطن حول إنشاء مجلس البحث العلمي)
خامسا إنشاء عددا من الكراسي العلمية للدراسات العربية والإسلامية
:
وكنوع من الاهتمام الذي يبديه جلالته بتطوير أفاق التعليم في
العالم العربي والعالم الخارجي، أنشأ جلالته العديد من الكراسي
الجامعية في عدد من الجامعات في دول العالم المختلفة، ونلاحظ
على هذه الكراسي التنوع في التخصصات العلمية والجدة في هذه التخصصات
التي لم تكن موجودة في تلك الجامعات ومن هذه الكراسي:
1- قدمت عمان دعما ماليا لافتتاح كرسي للدراسات العربية في مجال
دراسة العلوم اللغوية والأدبية والتاريخ في جامعة جورج تاون
أقدم جامعة أميركية وذلك لخدمة التراث العربي والإسلامي ولإقامة
نوع من التفاعل الثقافي والتواصل بين الشعوب العربية والغربية
والحفاظ على الإرث الحضاري العربي والإسلامي وتقديمه للغرب في
صورته الصحيحة وقد افتتحت الدراسة في هذا الكرسي عام 1981م ،
وتواصلا للجهد العماني في الحفاظ على الإرث الحضاري العربي والإسلامي
التعريف به وعملا بالتوجه السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان
قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بالمشاركة الإيجابية
والإسهام الفعال في الحضارة الإنسانية فقد أمر جلالته بإنشاء
كرسي أكاديمي في أعرق جامعة أميركية وهي جامعة جورج تاون لخدمة
التراث العربي والإسلامي في مجال دراسة العلوم اللغوية والأدبية
والتاريخ ، وقد تم وقف هذا الكرسي في جامعة جورج تاون عام 1981
بتوجيهات سامية للإسهام في التفاعل الحضاري بين شعوب الأرض ،
حيث يتم تركيز الانتباه وتعزيز الفهم المتعلق بالأدب والثقافة
العربية عند الشعوب الأخرى. وقد تم اختيار جامعة جورج تاون لأنها
واحدة من أقدم وأعرق الجامعات الأميركية ولديها المعهد العربي
المستقل والوحيد بالولايات المتحدة الذي يمنح شهادات جامعية
، كذلك فهي الجامعة الوحيدة التي تمنح شهادات لبكالوريوس والدراسات
العليا في اللغة العربية. ويتم اختيار الأساتذة من خلال لجنة
مشكلة من الجامعة ، وكذلك يتم اختيار الطلبة الذين يتقدمون للدراسات
في المجالات التي حددها الكرسي من خلال لجنة خاصة يشارك فيها
أساتذة متخصصون في الدراسات العربية والإسلامية.(قابوس الإنسان
، عدد خاص بمناسبة العيد الوطني الخامس والعشرين ، إصدار جريدة
عمان ، 18 نوفمبر 1995م ص 156)
2- قدمت السلطنة دعما لافتتاح كرسي للاستزراع الصحراوي لطلاب
جامعة الخليج وهذا البرنامج الأكاديمي التعليمي الوحيد في منطقة
الخليج والوطن العربي الذي يمنح درجة الدبلوم العالي والماجستير
في هذا التخصص العلمي النادر. وقد تبرع جلالته بإنشاء برنامج
وتخصص الاستزراع الصحرواي والأراضي القاحلة ، وينفرد هذا التخصص
عن غيره من التخصصات في مجالات دراسة الصحراء ويتجاوز البرامج
التقليدية لمكافحة التصحر عن طريق تأهيل الطاقات والكوادر العلمية
والبحثية لتطوير وتحسين الموارد الصحرواية دون استنزاف للبيئة،
ويسهم هذا الدعم السامي في تطوير هذا البرنامج وذلك في ثلاث
مساقات رئيسية هي الاستزراع الصحرواي والهيدرولوجيا وإدارة الموارد
المائية والبيئية والموارد الصحرواية ويشمل تطوير البرنامج أيضا
الاهتمام باستخدام التقنيات الحديثة وتطوير قواعد البيانات وتبادل
الخبرات في مجالات مكافحة التصحر وتنمية الموارد الصحرواية بدول
الخليج. وتكمن الأهمية القصوى لتمويل جلالته لهذا التخصص كونه
البرنامج الأكاديمي التعليمي الوحيد في منطقة الخليج والوطن
العربي الذي يمنح درجة الدبلوم العالي والماجستير في هذا التخصص
العلمي النادر الذي يقوم بتطبيق أحدث التطورات العلمية في مجالات
الموارد المائية الجوفية والموارد الأرضية وإيجاد السبل المناسبة
لاستغلالها باستخدام التقنيات العلمية في الري الحديث وتنمية
وإدارة المراعي والزراعة المحمية. وقد تخرج بالفعل من خلال هذا
البرنامج العديد من الطلبة العمانيين ونظرائهم من أبناء الخليج
. وقد شكلت هذه المكرمة السامية من جلالته بتمويل كرسي الاستزراع
الصحرواي إسهاما آخر ضمن سلسلة جلالته العلمية والبيئية والإنسانية
بهدف أن يم الخير والمنفعة لدول الخليج والعالم أجمع . .(قابوس
الإنسان ، عدد خاص بمناسبة العيد الوطني الخامس والعشرين ، إصدار
جريدة عمان ، 18 نوفمبر 1995م ،ص166)
3- تم تدشين كرسي للأستاذية في مجال إدارة المياه والتنوع الاقتصادي
باسم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه
الله ورعاه ـ في أكاديمية روزفلت التابعة لجامعة اترخت في لاهاي
بهولندا والذي قررت الحكومة الهولندية إقامته عرفانا منها بالجهود
الخيرة لجلالته وإسهاماته في ترسيخ دعائم السلام والتعاون الدولي
ودوره البناء في إرساء أسس التنمية ودولة القانون والمؤسسات
العصرية في السلطنة والتقدير الدولي الواسع النطاق الذي يحظى
به جراء سياساته الحكيمة وتتويجا للعلاقات الطيبة التي تربط
بين البلدين.(موقع وزارة الإعلام على شبكة الإنترنت)
4- في إطار اهتمام جلالته بنشر وترسيخ ونشر الثقافة العربية
والإسلامية على المستوى العالمي والتشجيع المستمر والدائم لدراسة
الثقافة العربية والإسلامية من اجل التعاون والتفاهم وإطلاع
العالم على أصول هذه الثقافة ومبادئها الإنسانية لتكوين فهم
علمي للحضارة العربية والإسلامية ودعم التعاون والعلاقات، أمر
جلالته بإنشاء كرسي سلطان عمان في جامعة ملبورن باستراليا. ويهدف
هذا الكرسي إلى المساهمة في دعم الدراسات العربية والإسلامية
في الخارج ونشر الحضارة والثقافة العربية والإسلامية وقد وقع
الاختيار على الدكتور عبد الله سعيد لشغل منصب أستاذ كرسي سلطان
عمان للدراسات العربية والإسلامية وذلك بعد أن تم تشكيل لجنة
لترشيح المتقدمين لهذا المنصب ،ويشرف على هذا الكرسي الدكتور
عبد الله سعيد أستاذ كرسي سلطان عمان للدراسات العربية والإسلامية،
وقد تم تدشين هذا الكرسي يوم الثلاثاء 19/10/2004 في جامعة ملبورن
باستراليا. وذلك بحضور معالي وزيرة التعليم العالي الدكتورة
راوية بنت سعود البوسعيدية. (جريدة الوطن ، تاريخ 20/10/2004)
كما قدم جلالته الدعم لإنشاء العديد من مراكز الدراسات في جامعات
أخرى، مثل كرسي العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، وفي تقديم
الدعم المادي لجامعة الأزهر. .(موقع وزارة الإعلام على شبكة
الإنترنت)
ونلاحظ أن هذه الكراسي تقام في جامعات منتقاة تمثل البعد الجغرافي
والحضاري لنشر الثقافة والفكر العربي والإسلامي في العالم الغربي.
وتتنوع في مجال الدراسات العربية والإسلامية وكذلك في مجال العلاقات
الدولية، كما أن بعضها يمثل توجها جديدا في مجالات البحث والدراسات
الأكاديمية ، وخاصة في منطقة الخليج.
****
ثانيا : اهتمام جلالته بالتراث
لقد كان اهتمام جلالته بالتراث متنوعا بين المحافظة على الموروثات
الحضارية لسلطنة عمان ، وبين إحياء الفكر الثقافي العماني الممتد
لمئات السنين، وكان أول اهتمام جلالته بتأسيس المؤسسات التي
تقوم بالمحافظة على هذا التراث العظيم. ويمثل البعد التاريخي
للتراث الحضاري في السلطنة أهمية كبرى ليس فقط في كونه إرثا
عظيماً تعتز به . ولكنه أيضاً كأساس فكري لحركة النهضة الشاملة
بقيادة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ فمنذ فجر
التاريخ وعمان تحتل مكانة حضارية مرموقة ترجع جذورها إلى القرن
الخامس قبل الميلاد حيث تعاقبت عليها حضارات غنية وعريقة تركت
آثارها وبصماتها على امتداد ربوعها. كما اتسع النفوذ العماني
خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر اتساعاً كبيراً ليشمل
زنجبار وأجزاء أخرى من شرق أفريقيا واتصلت الحضارة العمانية
بالحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل وبلاد
الأندلس. .(موقع وزارة الإعلام على شبكة الإنترنت).
أولا تأسيس أول وزارة تهتم بالثقافة والتراث في العالم العربي
وكتعبير عن اهتمام جلالته بالثقافة والتراث أعلن في التشكيل
الوزاري الذي تم في عام 1975 عن تأسيس أول وزارة تهتم بالثقافة
والتراث في العالم العربي، ولقد بدأ منذ ذلك التاريخ تأسيس المؤسسات
الثقافية التي كانت إحدى ثمار النهضة العمانية ، فلقد قامت الحكومة
وخلال السنوات الأولى من عمر النهضة بتشكيل أول وزارة للتراث
والثقافة التي كانت تعد أول الأسس الثقافية التي قامت عليها
النهضة الثقافية في عمان ، ثم توالت بعد ذلك إقامة المؤسسات
الثقافية الأخرى التي تعنى بمتابعة الواقع الثقافي وتطويره مثل
إقامة الأندية الثقافية والمنتديات الأدبية والمكتبات العامة
والمراكز العلمية المتخصصة.وقد أنشئت وزارة التراث القومي والثقافة
عام 1975م وقد كان هدفها الأول هو حفظ وصيانة هذا التراث الفكري
والإنساني والمحافظة على كل أشكال التراث العماني المكتوب منه
و القائم كالحصون والقلاع ولقد بذلت الوزارة منذ اليوم الأول
لإنشائها جهودا ملموسة في سبيل إحياء هذا التراث والمحافظة عليه
من الضياع والاندثار ومن هذا المنطلق بدأت الوزارة في جمع هذه
المخطوطات من المكتبات الخاصة وقد تمكنت الوزارة خلال الفترة
الماضية من جمع عدد كبير من المخطوطات بالإضافة إلى وثائق ومطبوعات
عمانية قديمة ونادرة .
ثانيا تأسيس دار للمخطوطات والوثائق :-
ومن هذا المنطلق فان سلطنة عمان كدولة ذات تاريخ عريق تزخر بالعديد
من المخطوطات النادرة والوثائق التاريخية المهمة. وقد أولت الحكومة
أهمية بالغة لهذا التراث الإنساني إيماناً منها بقيمته التراثية
وباعتباره رافداً علمياً مهماً تستمد منه الأجيال الحاضرة والمستقبلية
أمجاد الماضي وعراقته ويتعرف الأبناء إلى أمجاد الآباء والأجداد
وما خلفوه من تراث حضاري في شتى العلوم والفنون والمعرفة ومن
هذا المنطلق أعطت عمان جل اهتمامها لجمع هذا التراث وتيسير الانتفاع
به وقطعت شوطاً كبيراً في هذا السبيل حيث تزخر دار المخطوطات
والوثائق بمجموعة قيمة من المخطوطات النادرة.
وقد قامت الوزارة بإنشاء دارا للمخطوطات العمانية والوثائق وتحتوي
دار المخطوطات على حوالي أربعة آلاف مخطوطة ، وقامت أيضا الوزارة
بطباعة العديد من المخطوطات العمانية حسب أهمية هذه المخطوطات
وسرعة وكفاءة تحقيقها، ويقدر عدد المخطوطات الموجودة لدى الأهالي
في عمان بحوالي ثلاثين ألف مخطوطة ، توجد في العديد من ولايات
السلطنة ولكن دار المخطوطات في وزارة التراث القومي والثقافة
تعد أشهر مكتبة جمعت أكبر مجموعة نادرة من المخطوطات بالسلطنة
، وقد شدت هذه الدار اهتمام الباحثين والدارسين من عمانيين وغيرهم
حيث أجرى عليها العديد من البحوث والدراسات وقد تم تحقيق ونشر
عدد منها كما أفادت طلبة الدراسات العليا بجامعة السلطان قابوس
والجامعات العربية الأخرى للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه
من واقع اعتمادهم على هذه المخطوطات في أخذ المادة العلمية منها
، وتضم دار المخطوطات والوثائق بين جنباتها أندر المخطوطات الفقهية
الإباضية مثل مخطوط قاموس الشريعة لمؤلفه جميل بن خميس السعدي
ويبلغ 91 جزءا وبيان الشرع والمصنف بالإضافة إلى مخطوطات نادرة
في الأدب واللغة مثل مخطوطة الإبانة لمؤلفها سلمة بن مسلم العوتبي
ومؤلفات ابن رزيق التاريخية وغيرهما ،وتوجد مجموعة من المخطوطات
الشعرية والمخطوطات الفلكية مثل مخطوطة الأسرار المخفية في علم
الأجرام السماوية ومخطوطة النونية الكبرى لمؤلفها شهاب الدين
أحمد بن ماجد 1.
وبذلت السلطنة جهوداً كبيرة في نقل وتصوير الوثائق العمانية
والمخطوطات المحفوظة في المتاحف والمكتبات العالمية. وفي هذا
المجال تم الحصول على تلك الوثائق والمخطوطات من دور المخطوطات
والوثائق في كل من بريطانيا والولايات المتحدة - البرتغال -
هولندا - كينيا - وفرنسا وغيرها من الدول التي تربط عمان بها
علاقات تجارية وثقافية وحضارية . وفي الوقت نفسه واصلت وزارة
التراث والثقافة جهودها لجمع المخطوطات العمانية المرتبطة بالتراث
الأدبي والتاريخي لعمان من جميع المصادر المحلية . وعلى أثر
ذلك فقد أصبحت تزخر بمجموعة واسعة من المخطوطات منها 150 مصحفاً
شريفاً والباقي في الحديث والتفسير والفقه والأدب والتاريخ وعلوم
الفلك والبحار والطب والكيمياء وغيره من فروع المعرفة المختلفة
وقد تمت فهرسة وتصنيف ما يزيد عن 75% منها طبقاً لأحدث النظم
المتبعة في المكتبات.
وقد حظيت المخطوطات الموجودة في وزارة التراث والثقافة بجانب
كبير من عناية واهتمام المسئولين الذين رأوا ضرورة تنظيم هذه
المخطوطات ومن هذا المنطلق فقد استقر رأي المسئولين على مشروع
في إعداد فهارس علمية شاملة لهذه المجموعة الهامة من المخطوطات
وأن تصدر تلك الفهارس في مجلدات تباعاً ، وفق خطة مدروسة ، وكان
الهدف من هذا العمل الكبير تعريف الباحثين والدارسين لمحتويات
دائرة المخطوطات الهامة ، كما يهدف هذا المشروع إلى توثيق مـجموعة
المخطوطات وتـحديد هوية كل مخطوط منها بالتحقق من مـحتواه ونسبته
لمؤلفه حماية لهذه المخطوطات وإبرازاً لكيانها، إضافة إلى تعريف
العلماء والباحثين في شتى أنـحاء العالم بهذا التراث الفكري
العُماني الأصيل ، وما قدمه أبناء هذا الوطـن للإنسانية من جهود
علمية وأدبية ودينية وتاريخية وجغرافية .
والى جانب المخطوطات توجد نسخ من الوثائق الخاصة بعمان والتي
تمكنت الوزارة من الحصول عليها من دور الوثائق العالمية مثل
مكتب حكومة الهند وسجلات الوثائق العامة بالمملكة المتحدة ودار
الوثائق الأميركية ودار الوثائق الفرنسية ودار الوثائق البرتغالية
وأرشيف الوثائق بزنجبار والوزارة بصدد استكمال الحصول إلى نسخ
الوثائق الموجودة في الهند وباكستان والصين وغيرها من دور الوثائق
العالمية الأخرى ، وقد تمكنت الوزارة من الحصول على مجموعة هائلة
من الوثائق النادرة من الأرشيف الزنجباري والبرتغالي و الهندي
وهي غنية بمادتها التاريخية المرتبطة بحضارة عُمان عبر العصور
والدائرة قائمة بدورها المتميز في الحفاظ على تلك المخطوطات
والوثائق وصيانتها ومعالجتها بالطرق الفنية العلمية الصحيحة
ويعمل فيه كوادر عمانية تم تدريبهم على أيدي خبراء متخصصين في
مجال ترميم المخطوطات،كما تتعاون الوزارة مع الموطنين في الحفاظ
على ما لديهم من مخطوطات بصيانتها ومعالجتها وترميمها لهم حفاظا
على هذا الموروث الحضاري. فالمخطوط كنز حقيقي لما يحويه من نتاج
فكر وعلم وإبداع الآباء والأجداد ننهل منه وننتفع حاضراً ومستقبلاً.
ومن أجل الانتفاع من هذه الثروة الفكرية أنجزت الوزارة تحقيق
وطباعة ونشر أكثر من ستمائة مطبوعة تناولت مختلف المعارف في
الفقه والتاريخ والأدب وغيرها، وقد عرفت هذه المخطوطات بعد طباعتها
بأوجه مختلفة من الفكر العماني القديم كما أنها كشفت عن جانب
مهم من جوانب التراث والحضارة الفكرية العمانية ومساهمة هذا
الفكر في تشكيل الحضارة العربية ككل.
ويعلق الأستاذ حفيظ الغساني على اهتمام عمان بتراثها وعلى جهود
وزارة التراث القومي والثقافة فيقول: " لقد أدركت عمان
قيمتها التاريخية الحضارية وإن ما تمتلكه من هذا التاريخ وهذه
الحضارة ، ليس مجرد إرث تعتز به فحسب ولكنها ترجمت هذا الاعتزاز
، وشكلت منه دعامات أساسية وحية في بناء نهضتها الحديثة ، لقد
جمعت كنوزها وآثارها وتراثها ومعارفها ومخطوطاتها عبر الحقب
والأزمنة السالفة وعرضت كل ذلك لضوء شمس النهضة المعاصرة، فأزالت
ما علق به من عوامل الزمن فازداد بريقه ووجدت فيه الأجيال الجديدة
زادا فكريا خصبا ومفيدا كما وجدوا فيه مصدرا للاعتزاز والافتخار
والثقة بالنفس ورأى فيه الدارسون والباحثون كثيرا من الحلقات
المفقودة في سلسلة تراث المنطقة العربية ككل ، وعلى امتداد الربع
قرن الماضية قدمت هذه المؤسسة الثقافية أربعة آلاف مخطوطة عمانية
في مختلف المعارف الإنسانية الحديث والتفسير والأدب والتاريخ
وعلم الفلك والبحار والطب والكيمياء ونظرا لأهمية هذه المخطوطات
وقيمة هذه الوثائق فلدينا دار المخطوطات والوثائق تضم كل هذا
التراث الضخم ".
وبلا شك فان إعادة طباعة هذه المخطوطات والكتب التراثية قد ساهم
في تقديم دفعة كبيرة للحياة الثقافية في عمان وفي ربط المثقف
العماني بتراثه الحضاري والفكري وفي تجديد مسيرة الفكر العماني
الحديث وفي خلق حركة فكرية تقوم على دراسة هذا التراث وتنقيته
من كل الشوائب والاستفادة منه في بناء الثقافة العمانية الحديثة.
وقد ثمن أكثر من عالم عربي جهود وزارة التراث والثقافة في جمع
هذه المخطوطات، فيقول الدكتور سعد دعبيس " ولعل من أبرز
الإنجازات الثقافية التي قامت بها وزارة التراث والثقافة في
مجال الشعر والدراسات الأدبية قيامها بنشر دواوين كثير من أعلام
الشعر العماني، وقام بتحقيق هذه الدواوين وشرحها والتقديم لها
علماء إجلاء وشعراء ونقاد بارزون، ومن حق هؤلاء العلماء والشعراء
أن نشيد بالجهد الذي بذلوه في تقديم هذه الدواوين إلى الدارس
والقارئ العربيين في كل مكان ، وعلى سبيل المثال -لا الحصر-
يسعدني أن أشير إلى الجهد الطيب الذي بذلته الوزارة في تحقيق
وشرح ديوان النبهاني وديوان السيد هلال بن بدر البوسعيدي وديوان
أبي مسلم البهلاني ".
أما الدكتور علي جواد الطاهر فيؤكد على ضخامة هذه المخطوطات
وعلى دور الوزارة في تحقيق ونشر هذه المخطوطات فيقول: "
ثم وزارة أخرى تنفرد بها عمان هي وزارة التراث والثقافة وقد
رأينا في ضخامة المخطوطات المورثة ما يدعو إلى مثل هذه الوزارة
وقد كانت - على ما يظهر - عند حسن الظن فيما شرعت تحقق وتصدر
من أجزاء المخطوطات متعددة الأجزاء ، أو ما تحققه وتنشره مستقلا
أو ما تنشئه من سلاسل أو ما تنشره من جديد لمؤلفين عمانيين ومن
المؤلفين أدباء وشعراء خصوصا ، ولم يفتها أن تستعين بالخبرة
العربية في التحقيق وأن تعيد نشر ما يحسن إعادة نشره ".
وفي مجال ترميم الآثار التاريخية فقد تم ترميم العديد من الحصون
والقلاع والأبراج العمانية في مختلف مناطق السلطنة كما تم ترميم
قلعة بهلا ولشهرة هذه القلعة من الناحيتن التاريخية والحضارية
فقد ضمتها منظمة اليونسكو إلى قائمة التراث العالمي باعتبارها
أثرا عالميا إنسانيا شهيرا في عام 1987م كما ضمت منطقة بات الأثرية
الشهيرة في السلطنة إلى قائمة التراث العالمي عام 1988م 2.
وتمثـل المتاحف العمانية بمقتـنياتها العديدة المتـنوعة والنادرة
من الآثار، صفحات رائعة من التاريخ العماني الذي يجسد حضارة
الشعب العماني ودوره الكبير في الحضارة الإنسانية عبر العصور.
وهناك ستة متاحف تابعة لوزارة التراث القومي والثـقافة هي المتحف
العماني بالقرم الذي أنشئ عام 1974 . ومتحف التاريخ الطبيعي،
والمتحف الوطني بروي، ومتحف الطفل بالقرم، والمتحف العماني الفرنسي
بمسقط، ومتحف قلعة صحار الذي أنشئ في عام 1993. وتستـقبل هذه
المتاحف عشرات الآلاف من الزوار سنويا من مختـلف الجنسيات ومن
المواطنين.
د.شُـبّر بن شرف الموسوي
Elia5454@hotmail.com
أعلى
ردهات
عُذْرَا ً أبِيْ ... لا أُرِيدُكَ أبَـا ً لِيْ (1)
لَدَيَّ اعْتِقَادٌ طَالَمَا عَزَوْتُ
إلَيْهِ سِرَّ تَمَيُّزِيْ وَعَائِلَتِيْ كَكُلّ .. ( لَمْ أكـُنْ
لأصِلَ لِهَذَهِ الدَّرَجَة ِ مِنَ الحَيَاةِ الكَرِيْمَة ِ
وَالنَّاجِحَةِِ إلا لأنَّ خَلْفِيْ وَالِدَينِ رَائِعَيْنِ
مَا لامَسَا شَيئَا ً إلا اسْتَحَال تِبْرَا ً )
وَلأننيْ لَسْتُ مِثَالِيَّـة ً إلا أنَّ الأمْرَ عِنْدَهُمَا
يَتَخَطَّى المِثَالِيَّـة َ ..
رَغْمَ ذَلِكَ فَإِنَّنِيْ لا أعْزُوْ أنَّ التَكْوِينَ الكُلِيَّ
لمُعْتَقَدَاتِيْ كَانَتْ بِهِمَا .. لَكِنَّ القَاعِدَةَ التِيْ
شَيَّـدْتُ عَليْهَـا حُصُونِيْ كَانَتْ مِنْ وَضْعِهِمَـا ..
تَحْكِيْ لِيْ إحْدَى الزّمِيلاتِ عَنْ جَارٍ لَهَا عُرِفَ بِشُرْبِهِ
الخَمْرَ وَارتِكَابِهِ أبْشَعَ الكَبَائِرْ ..
وَفَوْقَ هَذَا وَذَاكَ هُوَ أبٌ لِتِسْعَة ِ أبْرَيَاءٍ وَزَوْجَة
ٍ مُبْتَلاة ْ ..
لِذَا كَانَ مِنَ المُعْتَادِ أنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَهُوَ يَنْقُضُ
صَوْمَهُ دُونَمَا اكتِرَاثْ ..
وفِيْ إحْدَى نَهَاراتِ رَمَضَانَ رَأتْ أمَّهَا أحَدَ أطْفَالِهِ
فِيْ السَّابِعَةِ مِنْ عُمرِهِ خَارِجَا ً مِنْ البقَالَة ِ
وَهُوَ يَحْمِلُ خُبْزَا ً وَجُبْنَـا ً فَقَالتْ لَهُ أمُّهَـا
مَازِحَة ً.. ( هَا !! مَا صَايم ! ) فَأجَابَ الطّفلُ بِبَرَاءَة
ً شَدِيدَة ٍ دَافِعَا ً التُهْمَـة َ عَنْ نَفْسِهِ ( لا ..
أنَا صَايمْ ... هَذِهِ لِوالِدِي!! )
تَخَيَّلُوا مَعِيْ عُمقَ هَذِهِ الإجَابَةِ عَلى نَفْسِيَّةِ
المَرْأة .. وَغَادَرَها الصَّغِيرُ وَهِيَ تُتَمْتِمُ ( لا
حَوْلَ وَلا قُوَّة َ إلا بِاللهْ !! )
المُصِيبَة ُ أنَّ هَؤُلاءِ يُنْجِبُونَ العَشْرَة َ وَالعِشْرِينَ
لأنَّ لَدَيْهِمْ آلاتِ إنْجَابٍ فِيْ البَيْتِ مُسْتَعَدَّة
ً أنْ يَتَكَوَّرَ بَطْنُهَا كُلَّ عَامٍ وَتُخْرِجَ مِنْ جَوْفِهَا
فَرِيقَ كُرَةِ قَدَمْ ..
لِيَتَخرَّجُوا مِنْ مَدْرَسَةِ مَاذَا ؟!
مَدْرَسَة ِ اللصُوصِيَّةِ وَالإجْرَامِ وَالمُخَدِّرَاتْ ...
!!
لِذَلِكَ لَطَالَمَا أيَّدْتُ فِكْرَةَ إنْشَاءِ مَرَاكِزِ الحَالاتِ
الاجْتِمَاعِيَّةِ التِيْ تَكْثُرُ فِيْ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة
ِ وَفِيْ حَالَةِ عَجْزِ الأبَوَيْنِ عَنْ تَرْبِيَةِ أبْنَائِهِمَا
وَتَشْكِيلِهِمَا خَطَرَا ًعَلَيْهِمْ حِينَهَا يُؤخَذُ أطْفَالُهُمَا
(رُغْمَا ًعَنْهُمَا ) مِنْ كَفَالَتِهِمَا المَعِيشيَّة ْ ..
ولأنّنَا فِيْ السلطنة نَفْتَقِرُ لإحصائيات دَقيقَة ٍ تُتَابِعُ
الوَضْعَ الأسَرِيّ للأطْفَالِ فَإنّنَا نَجْهَلُ عَدَدَ الأطْفَالِ
الذِيْنَ يُنْتَهَكُونَ جَسَدِيَّا ًوَمَعْنَوِيَّا ً مِنْ آبَائِهِمْ
..
لا تَعْجَبُوا إنْ قُلْتُ أنَّ لَدَيْنَا عَشَراتُ الأطْفَالِ
الذِيْنَ يَمُوتُونَ بِسَبَبِ الضَّرْبِ المُبَرِّحِ مِنْ آبَائِهِمْ
..
فَمُنذُ أيَّامٍ رَأيْتُ بِأمِّ عَيْنِيْ طِفْلَة ً فِيْ الثَّالِثِة
ِ هِيَ ابنَة ُ جَارِ إحْدَى قَرِيبَاتِيْ
وَكَثيرَا ً مَا يَسْمَعُ الجِيرَانُ صُرَاخَ الطّفْلَةِ وَهِيَ
تُضْرَبُ مِنْ قِبَل ِ أمِّهَـا ..
وَرَأيْتُهَا البَارِحَة َ فِيْ بَيْتِ قَرِيبَتِيْ مَلأى بالنّدوبِ
وَالحُرُوق ِ وَهِيَ تُشِيرُ أمَامِيْ إلَى جِلْدِهَا المُطَرّزِ
بَخَرَائِطِ الضّربِ وبَرَاءَةِ الطّفُولة ْ : (تُوتوه .. تُوتـُوه)
فَإنْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الابْنَة ُ البَيُولُوجِيَّة ُ لأمِّهَا
فَمَا بَالُنَا بِزَوْجَاتِ الآبَاءِ اللاَتِيْ يَتَفنَّنَ فِيْ
مُسَلْسَلِ التّعْذِيبْ .. فَإحْدَاهُنَّ رَشَّتِ ابنَة َ زَوْجِهَا
بُمُبيدٍ حَشَرِيّ لِتَسْقُطَ الأخِيرَة ُ فِيْ غَيبُوبَة ْ
.. وأخْرَى تَرْمِيهَا مِنْ سَطْحِ المَنزِل !!
والغَرِيبُ أنَّ مَبْدَأ َ (مَالِيْ وْمَال غِيرِيْ) سَائِدٌ
لَدَى بعضنا فَلا أحَدَ يَتَحرَّكُ لِيُبَلِّـغَ الشُرطَـَة
ْ ..
وَلَقَـدْ عَايَشْتُ بِنَفْسِيْ وَقَائِعَ إجْرَامِيَّة ً مِنْ
أب ٍ مُتَوَحِش ٍ يَسْتَحِقّ الدّكْتُورَاه فِيْ شَهَادَة ِ
الصّفعِ وَاللّكْمِ وَالرّكْلِ وَفُنُونِ القِتَالِ التِيْ تُطَبَّقُ
عَلى أبْنَائِهِ !
فَهَذِهِ ابْنَتُه ُ الكُبْرَى استَقَلَّتِ
السّيَارَة َ مَعِيْ فِيْ إحْدَى أيَّامِ العَامِ المَاضِيْ
لإيْصَالِهَا إلَى المَنْزِلِ حَيْثُ كَانَتْ فِيْ نَفْسِ المَدْرَسَة
ِ مَعِيْ ..
تَخَيَّلُوا أنَّهُ فَوْرَ نُزُولِهَا
وَأمِّهَا المُعَلِّمَة َ فِيْ مَدْرَسَتِنَا مِنَ السِّيَارَةِ
إذْ بِيْ ألْمَحُ وَالِدَها يَنْتَظِرُها بأنبُوب ٍ بلاستِيكيّ
عَلى رَصِيفِ الشَّارِعْ .. وَدُونَ سَابِقِ إنْذَارٍ يَبْدَأ
ُ أمَامَ أمَّةِ لا إلَه َ إلا اللهِ وَأمَامَنا فِيْ ضَربِ
ابنَتِهِ بالأنْبُوبِ بِقُوَّة ِ فِيلٍ وَطِوَالَ مُدَّة ِ وُصُولِها
للمَنْزِلِ وَالوَحْشُ لَمْ يَتَوَقّفْ عَنْ ضَرْبِهَا إلَى
أنْ غَابَتْ عَنْ نَاظِرَينَا ..
هَذَا عَدَا عَنْ رُؤيَتِيْ للمِسكِينَةِ مَحْبُوسَة ً نَهَارا
ًكَامِلا ً فِي الصّيفِ فِيْ سَطْحِ المَنْزِلْ ..
وَمُنذُ يَوْمَينِ رَأيْتُ أخَاهَا وَهُوَ يَرْمِيْ القُمَامَة
َبِبنطَالٍ قَصِير ٍ كَشَفَ عَنْ حُرُوق ٍ وَخُطوطٍ فَظِيعَة
ٍ فِيْ رِجْلَيهْ ..
فَأيَّ نَشْأة ٍ سَيَنْشَأها هَؤُلاءِ فِيْ ذَلِكَ الجَوّ ؟!
جَوٍّ يَسْتَخْدَمُ القُوَّة ُلإخْضَاعِ الآخَرْ ..
هُؤُلاءِ المَلائِكَة ُالصِّغَارُ الذِينَ اصطَفَانَا اللَّهُ
بَيْنَ خَلائِقِهِ لِحَمْلِ أمَانَتِهِمْ ..
آبَاءٌ مَحْرُومُونَ يَحْلُمُونَ بِكَلِمَةِ أبِيْ .. تَمْلأ
الدُنْيَا عَلَيْهِم.ْوَهُؤلاءِ أصْحَابُ العَضَلاتِ يَنْعَمُونَ
بِالذّرِيَةِ لِيُمارِسُوا فِيهَا مَرَضَهُمْ وَسَوْءَة َ أفْعَالِهِمْ
..
وَلَوْ جَازَ أنْ يُحْرَمَ هُؤلاءِ مِنَ الذّرِيَة ِ لَكَانَ
أفْضَلَ بَدَلَ إخْرَاجِ جِيلٍ مَكْتُومٍ فَاسِـدْ..
هُؤُلاءِ لا يَسْتَحِقّونَ أبَوَّتَهُمْ بَل يَسْتَحِقُونَ أنْ
(يُضْرَبْ لهُمْ بِقَيد) مِثْلَمَا تَقُولُ جَدَّتِيْ الغَالِيَـة
ْ..
حَقَّـا ً لَيْسَ كُلّ مَنْ أنْجَبَ صَارَ أبَا ً وَلا كُلّ
مَنْ قِيلَ لَهُ "أبِيْ" استَحَقَّ ذَلِكْ !!
1 مجلة نزوى عدد اليوبيل الفضي ص 19.
2 المصدر السابق نفس الصفحة .
عائشة السيفي
أعلى
صوت
استقالة ملك الموت
أودعتْ أمي- حفظها الله - في أذني وثيقة
شفوية ، أصبحتُ أكررها دون تفكير أو تفكر كلما تشابه الحدث (
نسينا فلان ينساه الموت ) .. ترى هل ينسى الموت أحد ؟! ومن هو
ذلك المحظوظ أو المنحوس - إذا كان مريضا متعبا - ونساه الموت
، إن عبارة أمي قد تكون من الموروث الجمعي الذي لا نفكر ونحن
نرددها ، لكن إذا توقفنا عندها قد تكون صحيحة دينيا وأسطوريا
، ذات مرة قال الشيخ المثقف حسن الفارسي (أعمال البر تطيل العمر)
وسألته كيف والآية الكريمة تقول (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون
ساعة ولا يستقدمون) قال: (ومن قال لكِ متى ذلك الأجل؟).لسنا
في مناقشة المفهوم الديني .. بل في (استقالة ملك الموت). والحقيقة
أنني حضرتُ الاحتفال باستقالته بل وشاركتُ فيه . وقد كان ذلك
بالتحديد في الصيف الماضي وفي "ورشة الزيتون الإبداعية
بالقاهرة "، حيث اشتركتُ أنا ود.الناقدة فوزية مهران والناقد
الكبير مصطفى السويفي ، وبحضور لفيف كبير من الصحفيين ورجال
الإعلام في نقد رواية الكاتبة الشابة صفاء النجار "استقالة
ملك الموت" وهي رواية نسفتْ كل التسلسل المنطقي لعناصر
الرواية القديمة من(زمان ومكان وحدث) وتتداخل فيها كل العناصر
تداخلا يشفر حواسك ويشحذ ذهنك، فتتعدد زوايا الرؤية فلا تكاد
تمسك بخيط ألا ويفلت منك فهل كانتْ استقالة ملك الموت هي محور
الرواية الرئيسي ؟ ليست الكاتبة بهذه السذاجة حتى تهبك روايتها
من العنوان بهذه المجانية وهذا الترخص،ويراوغنا الحدث الذي تنثره
الكاتبة على شكل منمنمات أشبه بالفسيفساء الصغيرة متقطعة ومتباعدة
جدا ، عبر مختلف فصول الرواية وعلى القارئ أن يلملم خيوط الحدث
التي تحيكها المبدعة بإتقان شديد ولن تمنحك رؤيتها الفنية ألا
بعد آخر سطر تقرأه في الرواية.
كما تراوغنا اللغة الشاعرية الموحية التي تشير وتلمح ولا تفصح
( كل النساء تحب جمال وتعتبره نبي أو ملاك ما عدا زينب الغزالي
وحميدة قطب ) طبعا إشارة إلى عدم حب جماعة الإخوان المسلمين
لعبد الناصر ،ومثل هذا كثير في الرواية كما تلعب باللغة لعبا
حرا فالضمائر لا تعود إلى اسم سابق ولا لاحق ، إمعانا في تحدى
القارئ وشحذ همته، وعندما يأتي الأمر لملك الموت بقبض روح أم
المولودة ( حُسنة الفقي) - وهي بطلة الرواية الرئيسية - وتلامس
يدُّ الطفلة الطرية الناعمة خدَّ الموت ويلتمع الرجاء في عينيها
الواسعتين يتراجع الموت ويتحول إلى (جنتلموت).
ويقول ( جعلتني أرتعش شعرتُ بأشياء لم أكن أدرك وجودها تتحرك
في داخلي .. كنتُ أبكم فتحرك لساني الصامت ولهج بالدعاء والتوسل
، ابتسامة الرضيعة ، ترحيبها الهادئ ، قالا لي : موعدك ليس الآن
) ترك الموت حُسنة ومن يومها تحول إلى صديقها يأتي ويأخذ أحبتها
واحدا إثر الآخر ويتركها إلى أن جاء دورها فقدم استقالته وجعلها
تضمه إلى جملة من فقدتهم ، وجاءت اللغة في غاية الشعرية المكثفة
المختزلة: (عندما تكبر تنهار عقارب ساعتك فيؤذيك سمها) وكذلك
يراوغنا الخيال فلا تدري هل هو خيال أم حلم أم واقع أم مزج بينهما
أم جنون ، إنها حالة من الدهش المتواصل ، وكما يتداخل الخيال
تتداخل اللغة العامية بالفصحى ، المورث الشعبي والأسطورة بالمعاصر،
السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي بالديني ، التقليدية بالحداثة.
وتنفتح الرواية على كل عناصر الثقافة والفنون بكافة أشكالها
موسيقى نحت رسم غناء طبخ ، عادات وتقاليد علوم ،أدب ( غناء الفلاحة
للعجين لينتفخ ، غناء السبوع ، حكاوي الجن حكاية عوض المبدول
وعضوه الذكري ، الرسام مونيه ولوحته الشهيرة السيدة والمظلة
، سلفادور دالي ، بيت من لحم ليوسف أدريس ، الطب الشعبي،الجنس
والموت أي (العدم والحياة) فصفية هي إيزيس وعشتار قد تهب الحياة
وقد تنزعها كما نزعتْ روح الرجل الذي أجبرها على ممارسة الجنس
معه فظلتْ كذلك حتى حُمل من تحتها في الصباح جثة هامدة.. وتحولتْ
صفية إلى ( ولي ) تتبارك بقبرها - فيما بعد - النسوة العاقرات
فقد أصبحتْ رمزا للإخصاب .. الخ) ويتداخل الراوي فالراوي هو
حُسنة بطلة الرواية ، وهو الموت أيضا وهناك طرف ثالث خفي تشعر
به ولا تكاد تلمسه لعله الكاتبة وقد نجحتْ كثيرا في إخفائه ،
ولذا قل الحوار ( الديالوج ) وزادت مساحة السرد والحوار الداخلي
ذو الصوت المنفرد (المنولوج ) ونتيجة لهذه الخاصية فان الرواية
هي رواية أعماق أي باطنية تنبش في داخل النفس البشرية ، وهي
رواية أنثوية ناعمة ومن ثم فالبطلات أو الشخصيات الرئيسية فيها
نساء ولذلك جاء الحدث أيضا أنثوي ،(حسنة زواج الطبقات غير المتكافئة
راوية ختان الإناث ،صفية الجنس والموت ،حبيبة ضرب كل القيم المورثة
ومن ثم استنساخ طفلتها والاستغناء عن الرجل ).
الخلاصة هذا مختصر جدا لدراستي النقدية الطويلة لرواية تستحق
اعتناء النقد الأدبي بها، وتستحق منا أكثر من وقفة إعجاب وأكثر
من قراءة ،،،
ملاحظة الكاتبة من جيل الشباب وقد استمعتْ بإنصات شديد حول النقد
السلبي والإيجابي الموجه لروايتها فمتى يدرك أدباؤنا والمسؤولون
فضيلة هذا العلم المهمل حتى في عام الثقافة مع كثرة الأماسي
والمهرجانات الشعرية والقصصية والمسرحية والغنائية بشرط عدم
توفر النقد العلمي الجاد البناء ، وكل عام ونحن نعلك الثقافة
ونؤكد "مارش" (محلك سِرْ.. للخلف دُرْ )؟!!!.
د. سعيدة بنت خاطر الفارسي
شاعرة وكاتبة عمانية
أعلى
شاطئ آخر
مفتي عام السلطنة
أردت أن يكون عنوان مقالي هذه المرة باسم
عالم من هذا العصر، سأزين ردفات أسطري القادمة بحديثٍ عنه أزعم
أنه سيكون قاصراً وهو يلقي تحية الاحترام التي يكنها لسماحة
الشيخ أحمد الخليلي مفتي عام السلطنة.
وما دفعني للكتابة، هو المقارنة التي تحضرني عند الاستماع لبعض
المحاضرين، في مقابل الانصات وتقدير الفكر الذي يزهو بالتجدد
لسماحة الشيخ أحمد، وليس لمجرد شكليات تكون في الكلمة أو بطريقة
الإلقاء.
ولم أقصد في نفسي هنا الانقاص من مكانة آخرين، ذلك لأن عالمنا
الإسلامي مازال يزخر بعلماء يستحقون كل الإحترام والتقدير. غير
أني وبشعور ربما أتاني جراء تراكمات سابقة.. شدتني يوم السبت
المنصرم محاضرة في قناة فضائية لمتحدث عن الدين، كُتب على الشاشة
أنه ذو درجة علمية عالية.. فكنت أستشعر في نفسي حقيقة أننا لا
نعرف قيمة الشيء إلا عند فقدانه، وأحسست حينها بأهمية وجود عالم
دين من وزن سماحة الشيخ أحمد، جازماً أنه لو تناول مثل ذلك الموضوع..
لعرفت معنى تقليب اوراق العلوم والإبحار العميق في أسرارها.
****
إن التناول الفريد الذي يتميز به سماحة الشيخ أحمد، تجعل من
محاضراته ودروسه ذات عمق فريد في طرحها، ونحن في زمان غلب عليه
أن كان فيه التلقي سطحيا.. ولأبعد الحدود احياناً. ذلك لأن غالبية
أفراد المجتمع، أصبحت مراجعهم تعتمد على التبسيط الشديد للمعارف
الدينية.. وهذا الأمر وبالرغم من عدم سلبيته المطلقة، إلا أنه
سيكون سلبياً عندما لا يعرف المسلم الجوانب الداخلية من تعاليم
الدين، والتي ستساعده على الثبات على أساسياته.
****
إن الأسلوب العلمي الزاخر بالمصادر المتفرقة التي تصب في إناء
إيصال المعلومة للمتلقي، هي خير ما تتميز به محاضرات ودروس سماحته،
وذلك بالتوزيع بين المصدر القرآني والأحاديث النبوية ثم المصادر
الثقافية المختلفة ووصولا إلى العلوم الحديثة التي تتسع عندها
حلقة الاتصال بين الماضي والعصر الحديث.. ليبني عليه سماحته
مادة تعتمد على جوانب متفرقة من العلوم المختلفة في آن واحد.
ومثل هذا الزخم والمصدر العلمي التي تصنع بناء ثقافياً متيناً
هو الذي يعطي المعنى الحقيقي للتعريف بالقيم الدينية، والتي
لو كانت موجودة بحقيقتها، لأختلف الأمر من كون القيام بالشعائر
الدينية كفعل جسدي أو ممارستها بشعور روحاني. وكل ذلك يبنى من
التوجه للمصدر والأخذ من العلماء بما يحملونه من عقلية فكرية
واسعة.
****
ولا مراء أن هناك حاجة حقيقية للوصول للمجتمع بكل فئاته بالأسلوب
الانسيابي السهل، ولكن ليس بالطرق التي تضيع من مهابة عالم الدين
وقيمته العلمية أو بتفسير الماء بعد الجهد بالماء. وهناك من
علماء الدين الشباب في الوقت الحاضر، يسلكون منهجاً حضارياً
للوصول الإيجابي للمجتمع بوسائل لم تمس إحترام الناس لهم، وفي
المقابل استطاعوا ايصال مناهجهم العلمية، ومنهم الشيخ عائض القرني،
والذي كثيرا ما استخدم الطريقة واللغة السهلة لايصال معنى ومعلومة
واسعة النطاق.
غير أنه في ذات الوقت هناك من لا يفرقون بين كونهم يلقون محاضرة،
أو أنهم يجلسون وحيدين ويهذون بما يريدون. فبعض المحاضرين سواء
في لقاءاتهم الإعلامية أو المحاضرات.. تجدهم يحاولون أن يوضحوا
للناس بأنهم حداثيون جداً، ظناً منهم بأن ذلك طريق سهل للوصول،
كالحديث عن عشقهم لقصائد قد يخجل الفرد العادي أن يذكر بأنه
يقرأها. هذا وبالرغم من أني لا أتمنى أيضاً تمييز رجال الدين
أنفسهم عن بقية المجتمع بأشياء قد تكون أحياناً غير موجودة في
تعاليم الدين.
وفي المحاضرات يعتمد بعضهم على الجذب بأسلوب يخرج بعدها المستمعون
وقد عرفوا نكاتاً أو كلمة إنكليزية جديدة، بل أني رأيت المحاضر
المذكور في البداية، قيامه بالتعيب على لهجات بعض معارضيه..
ويفعل حركات مضحكة تسقط هيبته كرجل أولا وأخيراً. وسمعت ذات
مرة محاضرة كانت بأكملها تحتوي على قصص التقاء الشباب والشابات
وطرق التعارف بينهم!!.. وكأنها كانت درساً غرامياً بلسان عالم
دين!!.
إذا فحين أكون قد جلست يوماً في محاضرة لسماحة الشيخ أحمد، مستمعاً
لموسوعة في التفسير القرآني والحديث، وكتاب في شتى المعارف المختلفة،
بالإضافة إلى العلوم الحديثة يتحدث أمامي بهيبته ووقار قوله..
الا يحق لي حينها أن استشعر أهمية حضوره بيننا؟.
يوسف البادي
كاتب وفنان تشكيلي
alsafnat@hotmail.com
أعلى