الأخبار
|
|
| |
سلطنة
عمان
|
|
الارشيف
|
|
أضف الى المفضلة
|
|
|
الاشتراكات
|
|
|

|
الرحلة البيلوروسية في عهدين
الحلقة الأخيرة
سقوط الاتحاد السوفيتي يفتح الباب واسعا لانتشار المافيا وظاهرة
الرقيق الأبيض
|
ناقشنا وليلى موضوع السفر إلى الأردن، ولعل أهم ما فيه هو إمكانية استعادة
جواز سفري ووثائقي الأخرى، وتسجيل الولدين في الأردن باعتبارهما أردنيين.
فوالدهما كان في السابق يحمل جواز سفر أردنيا. . . استقر الرأي على ذلك.
. . ولكن كيف سأستطيع الدخول إلى الأردن؟ فما معي هو جواز سفر يمني جنوبي.
استمرت الحياة في مينسك، على صورتها، وابتدأت الإعداد للرحيل. كان من
حق الدارس في بيلوروسيا كما في الجمهوريات السوفيتية الأخرى، وقبل أن
يرحل نهائياً، شراء أثاث بيت وشحنه إلى بلده. . . ولكن من أين أشتري
الأثاث؟ وإلى أي بلد سأشحن؟ وأنا الفلسطيني، الذي يجوب الأرض ! استعد
صديق لبناني لشراء ما نطلبه ولكن بأسعار مضاعفة، اشترينا غرفة نوم، وبيانو،
وبعض الأشياء الصغيرة الأخرى، وأنجزت معاملتها المعقدة، وشحنتها إلى
دمشق. في هذه الأثناء حان موعد عودة ليلى والأولاد إلى دمشق. وكذلك أنجزت
معاملة سفر الكلبين، فلكل منهما استخرجت دفتراً خاصاً، وجرى توقيع الدفترين
من الهيئة الصحية المختصة. وكنّا سابقاً قد قمنا بإعطائهما جرعات التطعيم
اللازمة، وكذلك أخذنا الإذن من هيئة مختصة أخرى مسؤولة عن إعطاء الأذن
بسفر الكلاب. اشترينا قفصاً محدداً لوضعهما فيه في الطائرة حيث الركاب،
وليس مع الأمتعة، وفقاً للقوانين. سافرنا إلى موسكو، واستلمت شهادة الدكتوراة،
وودعتهم عائدين إلى العاصمة السورية، بعد أن اتفقنا على محاولة سفري
إلى الأردن. في موسكو ذهبت إلى السفارة الأردنية طالباً سمة دخول إلى
الأردن. القنصل مشكوراً طبعها على جواز سفري، كانت مدتها شهراً، ولكن
للأسف ضاعت المدة، لأنني لم أجد حجزاً إلى عمّان، إلا بعد الخامس عشر
من شهر اغسطس ، كان عليّ الانتظار ما يزيد على الشهر في مينسك، وكان
معظم الطلبة قد سافروا في إجازاتهم، وكذلك الكافيدرا، مما جعلني أملّ
من الجلوس في العاصمة البيلوروسية. ولذلك قررت السفر إلى سوتشي مدة عشرة
أيام. وبالفعل كانت رحلة ممتعة. فأجواء هذه المدينة مشابهة إلى حد كبير
مع مدينة يالطا. فهي أيضاً تقع على البحر الأسود، وتعتبر مصيفاً جميلاً،
وتؤمها رحلات سياحية كثيرة كل صيف، من مختلف أنحاء العالم. وقد صادفت
فيها عرباً كثيرين، جاءوا في بعض تلك الرحلات. سوتشي أيضاً مدينة خضراء،
ولكن الرطوبة فيها عالية، وغرف معظم فنادقها تحتوي على أجهزة تبريد مركزية،
فالحرارة فيها في الصيف لا تطاق. الجبال تحيط بها من جوانبها المختلفة،
باستثناء جهة البحر الجميلة والمتعرجة كثيراً، وشواطئ هذه المدينة أيضاً
رملية وجميلة. عدت من سوتشي، واتصلت ببعض الأهل وبعض المعارف ممن يسكنون
في عمّان، من أجل محاولة استخراج إذن لي بالدخول إليها. وبعد فترة أخبروني
بأن الموافقة تمت على دخولي. كان قد بقي لي للسفر مدة عشرة أيام. . .
كانت أطول مدة انتظار في حياتي، فكلي ترقب وقلق في انتظار ماذا سيحصل
معي. وأخيراً جاء موعد السفر. . . اَن أوان الرحيل عن العاصمة البيلوروسية.
. . وسافرت إلى عمّان. كان دخولي إلى عمّان سهلاً، استغرق ساعتين، ووجدت
أخي بانتظاري في المطار، وغادرنا إلى بيته، كان قد مضى على خروجي منها
ثماني سنوات. جاء الأهل والأصدقاء للسلام عليّ بعد غيبة طويلة. وجاء
أخي من الضفة الغربية، وكانت قد مضت فترة عشرين سنة لم أره خلالها، إذ
جرى اعتقاله عدة مرات، وكان ممنوعاً من الخروج من قلقيلية عدة سنوات
أخرى. . . واَخر مرة كنت قد رأيته فيها، كانت في سجن طولكرم وقبل إبعادي
إلى الأردن مباشرة في عام 1970. كان عليّ في الأشهر الأولى من قدومي
إلى عمان، زيارة الأجهزة المعنية من أجل استعادة جواز سفري، الذي استعدته
بعد ما يقارب الثلاثة أشهر. وبالنسبة للعمل، فوجئت بضرورة تقديم امتحان
في التخصص ينظمه المجلس الطبي الأردني، للمتخصصين في الخارج. وهذا القانون
ابتدأ العمل به منذ عام 1982 فقط. قامت حركة احتجاج واسعة عليه، شملت
حوالي أربعمائة طبيب، كلهم متخصصون في الخارج. ورفض المجلس الطبي الاعتراف
بشهادات تخصصهم، رغم أن معظمهم كان قد أمضى أربع سنوات في التخصص ، في
جامعات مشهورة ومعترف بها من وزارة التعليم العالي الأردنية. وكثيرون
من هؤلاء الأطباء، وأنا من بينهم، حائزون على أعلى درجة في التخصص وهي
درجة الدكتوراة. . . وكيف يمتحننا من أهم أقلّ منا درجات من حيث الشهادات
العلمية؟ من ناحية ثانية كان الامتحان في نتائجه السابقة تعجيزياً إلى
حدٍ كبير، فمن بين مائة طبيب يتقدمون إليه كتابياً وشفوياً. . . ينجح
عشرة على أكثر تقدير. انضممت إلى قائمة المحتجين، ورفضت دخول الامتحان،
شاركت في لقاءات كثيرة أُجريت مع مسؤولين من بينهم رئيس الوزراء: الأمير
زيد بن شاكر حينها، ووزراء من بينهم وزير الصحة، ونواب في البرلمان،
من أجل شرح قضيتنا. . . ولكن ما من مجيب! سافرت إلى دمشق بعد بضعة أشهر
من قدومي إلى عمّان، وكان من الضروري استخراج شهادة زواج جديدة وفقاً
لجنسيتي الأردنية، فقد كنت قد تزوجت بموجب كتاب من مكتب منظمة التحرير
الفلسطينية في لبنان، يشهد بأنني فلسطيني، وتم تسجيل ذلك في عقد الزواج.
من ناحية أخرى، كان عليّ استخراج شهادتي ميلاد جديدتين لبدر وبشار بأنهما
أردنيان، فقد سبق وأن سجلتهما كيمنيين! وكانت هذه القضية معقدة وشائكة،
ومثل القضية الأولى بحاجة كذلك إلى محكمة. كلفت محاميين في كل من صيدا
ودمشق، لمتابعة القضيتين. في فترة الانتظار تلك، قررت أن أخدم في عيادة
شعبية في أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان خدمة مجانية، ووقع الاختيار
على المخيم الكائن في مدينة بعلبك اللبنانية، وكان ذلك بناء على نصيحة
المعنيين بالأوضاع الصحية في المخيمات الفلسطينية، باعتباره المخيم الأكثر
فقراً وحاجةً إلى الجهود. بالفعل فقد ذهبت إليه، وبدأت الدوام في غرفة
صغيرة خصصتها لي إدارة المخيم، وأخذت بالتعرف على المدينة العريقة بعلبك
وعلى اَثارها التاريخية، بقيت فترة الثلاثة أشهر، ومن ثم عدت إلى دمشق.
أول ما وصلت. . . طلب مني بدر وبشار زيارة الكلبين. ففي وقت سابق ولضيق
المكان، قررت ليلى إعطاءهما لصديق يمتلك مزرعة ويسكن في درعا. كان الكلبان
قد ازدادا حجماً وكبرا. قررت تلبية طلبهما، وسافرت وإياهما إلى درعا
بحثاً عن بيت الصديق، الذي كنت لا أعرف أين يقع؟ وبعد استدلالنا، أخبرني
أهل بيته أنه في المزرعة وأن الكلبين أيضاً فيها. وأوضحوا لي أين تقع
المزرعة على وجه التقريب، وكانت على بعد بضعة كيلو مترات من دمشق. أخذنا
سيارة من درعا للذهاب إلى المزرعة، ابتدأ السائق في شرح ظروف عائلته
المكونة من ثلاثة وعشرين ابناً وابنة من ثلاث زوجات، استغربنا جميعاً
هذا العدد الكبير للعائلة مع أنه كان ما يزال شاباً! كنت ألحظ كيف ترتسم
الهموم على وجهه! وصلنا إلى المزرعة بعد عناء. . . وبالكاد كنا قد دخلنا،
فإذا بكلب أسود كبير يقترب منا ويأخذ في الرقص أمامنا، وبدأ في شمشمة
الولدين. . . صعقني المنظر، واستغربت كيف يحفظ الكلب في ذاكرته رائحة
صاحبه. . كان الكلب فرحاً إلى درجة كبيرة، كان ذيله يتحرك بسرعة فائقة.
أخبرني الصديق أن الكلب الثاني كان قد توفي قبل فترة نتيجة لدغة أفعى.
أخبرنا بدر وبشار أن مزارعاً اَخر، أخذه في نزهة مدة يومين، كان من الصعب
إخبارهما بالحقيقة. الفرح في عيون الولدين لا أستطيع وصفه يومها، بقينا
ساعتين وكان لابد من العودة مع السائق الذي ينتظرنا. أخبرنا الصديق فيما
بعد أن الكلب بعد زيارتنا انقطع عن الأكل والشرب، وبدأت الكاَبة في عينيه.
. . ثم ما لبث بعد يومين أن مات! . كانت القضيتان قد حلتا في هذه الأثناء،
أخذت الشهادات الجديدة وسافرت إلى الأردن لتسجيل بدر وبشار في دائرة
الأحوال المدنية في عمّان، وكذلك عقد الزواج الجديد، واستخرجت شهادتي
ميلاد جديدتين أردنيتين لبدر وبشار، وعقد زواج جديد أردني. وأول ما فعلته:
هو تسجيل بدر وبشار في جواز سفري، ذهبت إلى دمشق وأحضرتهما إلى عمّان.
فوجئا بكثرة أقاربي في الأردن، ففي سوريا كان من يزورنا هم المعارف والأصدقاء،
وليس الأقارب! تعرفا على العائلة، واستخرجت جواز سفر لكل منهما، وبذلك
استطعنا حل مشكلة أزلية. واصلت التنقل بين عمّان ودمشق، وكنت في هذه
الأثناء أتتبع ما يجري في الاتحاد السوفييتي، وقد أخذت الأحداث تتداعى
بسرعة: انقلاب من معظم قادة أجهزة الدولة والجيش فشل بعد يومين، عودة
غورباتشوف من مصيفه إلى موسكو، خطابه في مجلس النواب السوفييتي، مقاطعة
يلتسن له، وتطور الأحداث: انهيار الاتحاد السوفيتي رسمياً في عام 1991!
في ذلك اليوم، بكيت من صميم قلبي على انهياره، فبالمعنى العام، فإن انهيار
الاتحاد السوفييتي يعني تحكم الولايات المتحدة بأمور العالم. وفقدان
الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، يعني فقدان مساندة حليف
قوي لقضيتنا الفلسطينية وعموم قضايانا الوطنية العربية، وكذلك هو فشل
لأهداف سامية ومثل عليا، ناضلت من أجلها طيلة حياتي. فالعدالة والحرية
والمساواة بين البشر، ومجتمع تكافؤ الفرص ، والتأمين الصحي والدراسي
والشيخوخة، وتأمين المسائل الحياتية للإنسان هي شعارات ومبادئ رضعت حليبها.
كذلك فإن انهيار الاتحاد السوفييتي، ودول المنظومة الاشتراكية، يعني
حرمان عشرات الاَلاف من الطلبة الفقراء من مختلف أنحاء العالم وبخاصة
من الدول النامية. . من فرص الدراسة في تلك الدول. ويعني أيضاً حرمان
الاَلاف من المرضى، الذين هم بحاجة إلى علاج متقدم، من العلاج المجاني
في الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى، وقد دأبت هذه الدول
على تقديم كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي لدول كثيرة في مختلف أنحاء
العالم. أما بالمعنى الشخصي، فدولة درست فيها سبع سنوات. . . اندثرت!
موسكو بالنسبة لي هي عملياً تفتّح وعيي، وهي مدينة عشت فيها وتاَلفت
معها. ومن الصعوبة كان التصور، بأن الاتحاد السوفيتي سينهار بهذه السرعة،
وسيذوب تحت أشعة الشمس مثل كرة ثلج كبيرة. . . كنت أتألم وأنا أسمع أخبار
مرحلة ما بعد الانهيار: انتشار كبير لعصابات المافيا، التي أخذت تتحكم
بحياة الناس وفي رقابهم، فوضى عارمة وانعدام الأمن، وفي جلسة مع السفير
السوفييتي في عمّان على العشاء في منزل صديق، قال: أنا الروسي لا أستطيع
المشي في شوارع موسكو بعد السابعة مساءً! موسكو التي كنا نسير في شوارعها
وأزقتها وغاباتها حتى ساعة متأخرة من الليل، دون أن يجري معنا حادث واحد!
انعدمت كذلك المثل العليا للمجتمع، وبدأ بيع القطاع العام بأسعار بخسة،
وامتلأت محطات المترو بالمشردين، وبخاصة من الأطفال والشيوخ. وارتفعت
أسعار البضائع بشكل مذهل، ودبت الفوضى في أجهزة الأمن المكلفة بالمحافظة
على أمن المواطنين. وبدأ الناس بالهجرة خارج الاتحاد السوفيتي، وانتشرت
ظاهرة الرقيق الأبيض . . . فبدأت الفتيات الروسيات في المتاجرة بالجنس
في دول كثيرة من العالم، واغتنى القلة من المواطنين، وزاد فقر الأكثرية،
ومظاهر أخرى سلبية غيرها. لن أبحث في أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي،
بل حاولت تقديم الصورة لما كان يجري بإيجابياتها وسلبياتها، من أجل دعوة
القارئ نفسه للتفكير في أسباب هذا الانهيار، وبعد الاتحاد السوفيتي بدأت
دول المنظومة الاشتراكية بالانهيار واحدة بعد أخرى وفي زمن قياسي. |

الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|
|