الأخبار
|
|
| |
سلطنة
عمان
|
|
الارشيف
|
|
أضف الى المفضلة
|
|
|
الاشتراكات
|
|
|

|
الرحلة البيلوروسية في عهدين
الحلقة العاشرة
أيام في طشقند وسمرقند وبخارى ومقارنة بين تاريخ عظيم وواقع مؤلم
|
وسط تلك المشاغل الكثيرة والكبيرة، كان مطلوباً مني زيارة الطلبة الفلسطينيين
في طشقند. رحبت بالاقتراح، فمنذ سنوات طويلة، داعبت خيالي فكرة زيارة
طشقند وسمرقند وبخارى في جمهورية أوزبكستان. ما كان يمنعني هو طول الوقت
في رحلة الطائرة، ويستغرق أربع ساعات (وكأنني ذاهب إلى الأردن أو سوريا)
إضافة إلى أن الزيارة تستغرق عدة أيام. ولذلك وما إن سنحت لي الفرصة،
حتى نفذتها وبشوق كبير إلى هذه الزيارة. وصلت إلى طشقند من مينسك، وكنت
قد حجزت في أحد فنادقها. استقبلني بعض من الطلبة الفلسطينيين، وما إن
استرحت من عناء الرحلة، حتى ذهبت بصحبتهم إلى جولة في المدينة العريقة.
حرّيُ القول، بأن طشقند كانت قد دمرت بزلزال قوي ضربها في منتصف الستينيات.
حجم التدمير كان كبيراً، لذلك فإن غالبية ابنتيها قد أعيد بناؤها أو
أعيد ترميمها.
الطابع المعماري لمدينة طشقند ينقسم إلى ثلاثة مظاهر: الأول، هو الطابع
الشرقي الذي يعتمد الأعمدة والأقواس ، وهذا موجود في بعض الأبنية الرسمية
وفي بعض البيوت، والملاحظ أن إعادة التعمير بعد الزلزال، راعت الأشكال
السابقة للأبنية ذات الطابع التاريخي.
الثاني، هو الطابع الخليط بين الطرازين الشرقي والغربي، وهذا يلاحظ في
الكثير من الأبنية، مثل بعض الفنادق، وبعض المطاعم، وفي الشارع الرئيسي
فيها.
أما الطابع الثالث، فهو النمط الغربي في البناء، والذي يتوفر في أبنية
الأحياء السكنية الحديثة، العمارات الشاهقة المتتالية، ذات الشقق الكثيرة،
وهذه غالباً ما أتت، من محاولة حل الأزمة السكانية. في طشقند كثيرون
من الروس واَخرون من الجمهوريات الإسلامية الأخرى. وفيها، المقاهي الكثيرة
المنتشرة على قارعات الطرق، لشرب الشاي على الأغلب، والذي يقدّم في كاسات
شرقية مميزة من دون سكر، إذ يقدم إلى جانبه السكاكر المتنوعة، التي يجري
مصها في الفم، أثناء شرب الشاي. أحببت الجلوس في هذه المقاهي. وفي مرات
كثيرة، عندما يعرفون أنني عربي ومسلم، لا يطلبون ثمن ما شربت. إنهم ينظرون
بعين العطف والود إلى العرب والمسلمين، إنهم لا يفرقون بين السوري والفلسطيني
واليمني، فجميع هؤلاء عرب. حدثني الأوزبكيون، الذين التقيت بهم، بأنهم
يحافظون على التقاليد الإسلامية في الزواج، فالعروس يدفع لها مهرا يسجّل
في عقد شرعي لدى المحكمة الشرعية، إلى جانب التسجيل في قسم الزواج المدني.
والعقد الشرعي كان ممنوعاً في مراحل كثيرة متتالية من الحقبة السوفيتية،
لكن وفي السنوات الأخيرة منها، جرى السماح به. القاعدة التي يطبقونها
في الحياة هي: ما لله لله وما لقيصر لقيصر. غالبيتهم يصلون ويصومون رمضان،
ولكن بعد الانتهاء من صلاة العشاء وإقامة صلاة التراويح، يبدأون بشرب
الفودكا حتى ساعة متأخرة من الليل أو حتى السحور، فهم لا يرون تعارضاً
بين الالتزام بالشعائر الدينية وبين الشرب.
في طشقند توجد مساجد كثيرة، وهي في معظمها ذات طابع شرقي، لا تختلف عن
المساجد في البلدان العربية إلا في القليل. وفيها أيضاً مدرسة دينية،
تُخرّج الشيوخ، الذين كانت تنصبّ أعمالهم في إمامة المصلين في المساجد،
وقراءة القراَن، وإشغال المناصب الرسمية الدينية في الجمهورية. ولم يكن
يسمح بالقضاء الديني، فالمحاكم وفقاً للقوانين السوفياتية، هي المخولة
في بحث الخلافات بين الأزواج (على سبيل المثال). أما القضايا التي كانت
بحاجة إلى إفتاء، فيتم الافتاء فيها بالسر. الأوزبكيون ودودون وعاطفيون،
ويفخرون بتاريخهم وانتمائهم الإسلامي. كانت الجمهورية تسمح بأعداد محدودة،
للذهاب من أجل تأدية فريضة الحج، وغالباً ما كان يسمح للشيوخ من الجنسين.
ولتغطية تكاليف الرحلة يحمل هؤلاء بضائع أوزبكية كثيرة وبخاصة السجاد
الأوزبيكي المشهور، ليبيعوه في الطريق. فهم يذهبون في رحلات برية، يمرون
خلالها في العديد من الدول، وأمنية البعض ممن يذهبون إلى الحج، هي الوفاة
في الديار المقدسة، ودفنهم هناك. الأوزبكيون يفتخرون أنهم أنجبوا العلاّمة
ابن سيناء، الذي يعتبر من اَباء الطب، وغيره من العلماء، في مختلف المجالات،
في الفقه وفي العلوم. في طشقند، ينظم مهرجان سنوي للسينما، وهو مهرجان
مشهور، تشارك فيه معظم الدول العربية التي لها إنتاج سينمائي. قضيت في
طشقند عدة أيام حرصت على زيارة سمرقند، وذهبت إليها بالطائرة. سمرقند،
مدينة أو بلدة صغيرة، فيها شوارع قليلة، لا تختلف عن شوارع أي بلدة عربية
في بلاد الشام أو غيرها، فالدواب تمشي في شوارعها، وفيها المسجد الكبير،
وهو غاية في الفن المعماري الأوزبكستاني المميز، وبالقرب منه يوجد سوق
قديم، تباع فيه كافة أنواع البضائع، بما في ذلك الخضراوات والفواكه.
ويقول السمرقنديون عن هذا السوق، أن عمره يتجاوز مئات السنين، وبالفعل،
فيه أبنية قديمة ذات طابع شرقي، وتركت دون ترميم للمحافظة على طابعها،
وعلى الأغلب كان يجري ترميمها، في ظل الحفاظ على أشكالها، وفقاً للضرورة.
وفي سمرقند حارة قديمة، ضيقة الأزقّة، وبيوتها من طين، ولمست فيها طابع
المحافظة على التقاليد الإسلامية، أكثر من طشقند. فلم أر في سمرقند روساً
مثل طشقند. وعلى ما يبدو فإن احتكاك أهلها بمواطني الجمهوريات السوفيتية
الأخرى، كان قليلاً، في سمرقند شممت عبق التاريخ الإسلامي، والتقدم الذي
ميّز مراحله المختلفة. كنت وأنا أسير فيها، استعرض تاريخنا العربي الإسلامي،
وهذا التجاذب الروحي بين بلادنا العربية وبين أوزبكستان، وغيرها من الجمهوريات
الإسلامية الأخرى. وكذلك هذا التفاعل والاحتكاك الحضاري بين الجانبين،
الذي ولّد ثقافة إسلامية أثبتت قدرتها على الجمع وتوحيد المسلمين في
كافة مناطق تواجدهم. زيارة سمرقند كانت بمثابة تجديد للروح بالنسبة لي،
ودعتني إلى المقارنة بين تاريخ عظيم وواقع مؤلم، سمرقند هي منارة حضارية
متأصلة في التاريخ ، يلمس ذلك كل من يزورها في سمرقند أيضاً الكثير من
الأماكن التي تعتبر مباركة، حيث جرى دفن كثيرين من الفقهاء على أرضها.
عندما عدت إلى طشقند، كنت مسحوراً بزيارة سمرقند. لمس ذلك الطلبة الفلسطينيون،
الذين سهلوا مهمتي بشكل كبير. وقبل مغادرتي لطشقند بيوم واحد، ذهبنا
إلى السهول والجبال المحيطة بالعاصمة الأوزبكية. وما أجمل تلك الرحلة.
كان بودي لو تمكنت من زيارة بخارى في تلك الرحلة، لكنني للأسف لم أقم
بها، وحتى هذه اللحظة ما زلت نادماً على عدم القيام بها. أخبرني أحد
الطلبة المهتمين من شبابنا الفلسطيني، الذي قام بزيارتها، أنها بلدة
أصغر من سمرقند، وهي أشبه بقرية صغيرة منها إلى بلدة، وبالإمكان اعتبارها
حياً من أحياء سمرقند. مازلت أتمنى، لو تتكرر زيارتي إلى طشقند وسمرقند،
وسأحرص هذه المرة، على زيارة بخارى. في نهاية عام 1989، كنت أضع اللمسات
الأخيرة على أطروحتي. كانت النتائج جيدة، في الإحصائيات التي نظمتها،
مدعمة بالتحاليل الطبية، وبصور الرنين المغناطيسي للمرضى، قبل وبعد العلاج،
مما أثلج صدري وصدري المسؤولي ن عني. وفي تلك الفترة جرى تنظيم انتخابات
تشريعية لمجلس النواب، ترشّح فيها مسؤولي الوزير، إلاّ أن الحظ لم يحالفه.
وإضافة إلى هذا، فقد تمت إقالته من منصبه كوزير، وذلك احتراماً لنتائج
الانتخابات، التي اعتبرت استفتاءً على من شارك فيها. ثم (ومثلما قيل
لي) بسبب تشيرنوبل، فهو لم يعلن حقيقة النتائج السلبية على السكان البيلوروس
من نتائج الحادثة الخطيرة، والتي كانت كبيرة في تداعياتها ومخاطرها.
كنت أشعر بالحزن عليه، عندما تم سحب الامتيازات منه: السيارة الفارهة
وسائقها. ورغم امتلاكه لسيارته الخاصة، إلا أنه أصبح يأتي ويذهب إلى
ومن العمل بواسطة الباص ، مثل كل العاملين في المستشفى. في ديسمبر من
عام 1989 جرى تكليفي أيضاً بالسفر إلى بودابست (المجر)، من أجل إلقاء
كلمة في احتفال مركزي فلسطيني. هذه المدينة الجميلة التي أحبها، والتي
كتبت عنها في موضع سابق. في بداية زيارتي الثانية لها أصبت بأنفلونزا
حادة في يومي الأول، وأكثر ما ساعدني، هو شراب ساخن لخلطة من الأعشاب
حضّرتها صاحبة البيت الذي استأجرت غرفة فيه، ووصفتُها أفادتني كثيراً،
بل كانت مثل بلسم سحري. اقتصرت لقاءاتي في زيارتي السريعة إلى بودابست
على اللقاء بالطلبة الفلسطينيين، وزيارة السفارة الفلسطينية، وبخاصة
أن الرجل الثاني من العاملين فيها هو صديق حميم، توفي فيما بعد، عندما
كان سفيراً في مالطا بعد بضعة سنوات. كانت الأخبار التي تأتي من الأردن
مشجعة، فالمرحوم الملك حسين وبعد أحداث مدينة معان، أصدر عدة قرارات
بالتوجه نحو الديموقراطية. كما أصدر عفواً عاماً عن كل المطلوبين أمنياً
للأردن. وسمعت أن كثيرين من الذين تركوا الأردن في سنوات سابقة، بدأوا
رحلة العودة إليها، وتم تجديد جوازات سفرهم. ما كان يعنيه ذلك لي: هو
إمكانية العودة للعمل في الأردن، لكن ما كان يقلقني: وهل سيسمحون لي
بدخول الأردن؟ أجّلت حتى التفكير في هذه المسألة لما بعد التخرج. أردت
الاحتفال باَخر رأس سنة أقضيه في بيلوروسيا مع صديقي الحميم صلاح، الذي
كان يتخصص في مادة الجراحة العامة في مدينة سمفاروبل القريبة من يالطا.
اتفقت وإياه مسبقاً على قضاء يوم في المدينة، ثم في صباح اليوم التالي،
اَخر يوم من عام 1989، ننطلق إلى يالطة لقضاء يومين فيها. وكما أخبرني
صديقي الموظف في الانتوريست، بأنني لست بحاجة إلى حجز للفندق في يالطا،
لأن الموسم الشتوي فيها ليس سياحياً، لكنني طلبت منه وبإصرار حجز غرفة
مشتركة لي ولصديقي صلاح، وهذا ما تم. ابتعدت عن جو الثلوج في مينسك إلى
جوٍ شتائي عادي في مدينة سمفاروبل، هذه المدينة الجبلية الصغيرة، الكثيرة
الخضرة، والجميلة، والتي تعتبر مدينة عادية من مدن الاتحاد السوفيتي
المختلفة. قضينا يومين في يالطة، واستقبلنا رأس السنة في احتفال نظمه
الفندق، وذهبنا في الساعة الواحدة ليلاً مثل كثيرين، للمشي على شاطئ
البحر الأسود، الذي كان ليلتها هادئاً، وكان الجو صحواً. . . والقمر
كان بدراً يرسل أشعته التي تنعكس على صفحة مياه البحر وعلى تلك الجبال
المحيطة في صورة أبدعتها الطبيعة الفاتنة لهذه المدينة الجميلة. عدت
إلى مينسك، والفرح يغمرني بأن عام الانتهاء من الأطروحة قد ابتدأ. في
بداية سبتمبر من عام 1989، جرى التمديد لي من قبل الوزارة، لسنة ثالثة
تنتهي في سبتمبر من عام 1990 . وفي شهري يناير وفبراير من هذا العام،
انتهى المسؤولان من مراجعة مخطوطة أطروحتي، والتي أصبحت في صيغتها الأخيرة
في نهاية فبراير. وفي مارس ، كان عليّ الدفاع عنها في القسم (وهو دفاع
تجريبي - بروفة) وبالفعل دافعت عنها، وسئلت أسئلة كثيرة تحرزاً لما سيكون،
تمكنت من الإجابة على معظم الأسئلة، لكن بعضها كان غامضاً من حيث الأجوبة
عليه، وكان لابد من مراجعة بعض المصادر. حددت اللجنة الأكاديمية في المعهد،
أوائل شهر يونيو 1990، للدفاع رسمياً عن الأطروحة. كان عليّ إنجاز بعض
المعاملات المتعلقة بها من الهيئات المختصة التابعة لوزارة التعليم العالي
في موسكو، وهي معاملات روتينية بحاجة إلى تصوير الأطروحة وإيداعها في
جهة، ومن ثم أخذ أوراق من هذه الجهة إلى جهة أخرى في معاملات تستغرق
بضعة أيام، فكثر سفري إلى موسكو. وكان عليّ أيضاً دعوة بروفيسورين في
مادة العلاج الطبيعي من خارج مدينة مينسك، ورشح لي مسؤولي بروفيسورين
إحداهما من مدينة أوديسة، والأخرى من موسكو. الدعوة بالطبع كانت على
نفقتي لمدة يومين لكل منهما. وكان على هاتين العالمتين نقد أطروحتي وفق
ما تريانها، إيجاباً أو سلباً. والمهم أنهما وافقتا على الحضور في الموعد
المحدد من شهر يونيو ، بعد أن أرسلت لهما الأطروحة بالبريد. طلبت من
المعهد السماح لزوجتي ولبدر وبشار بزيارتي لحضور جلسة الدفاع عن الأطروحة،
واستخرجت الفيزا الضرورية للسماح لهم بالدخول، وأمّنت السكن لديّ. شهرا
ابريل ومايو كانا بالنسبة إليّ، مثل الاستعداد إلى معركة، حاولت فيهما
إعداد نفسي والتجهيز لكل شيء، وقد أبدى أصدقائي في مينسك من الطلبة الفلسطينيين
والعرب، استعدادهم لمساعدتي فيما أطلبه منهم، وفي العادة، وبعد الدفاع
الناجح عن الأطروحة تجري الدعوة إلى حفل عشاء في أحد المطاعم احتفاءً
بالإنجاز. حضرت ليلى مع الولدين بعد أن جرى السماح لبدر بتقديم امتحاناته
المدرسية لنهاية العام الدراسي بشكل مبكر، لم يكن بشار بعد في المدرسة.
وفي المطار في موسكو استقبلتهم، كنا في الطابق الثاني من المطار وذهبت
لشراء بعض الأشياء، بعد أن تركتهما مع ليلى، في محل في المطار. عدت،
وفجأة سمعت صوت زجاج ينكسر وينزل من الطابق الثاني، نظرت، فإذا بإبناي
يسوقان عربة من عربات الأمتعة بشكل سريع في ممر طويل على جانب صالة المطار،
فلتت العربة منهما واصطدمت بزجاج في نهاية الممر. والحمد لله أن وراء
الزجاج كانت بعض القضبان الحديدية التي منعت العربة من النزول إلى الطابق
الأول. انتبه الموظفون والناس في المطار إلى ما حصل، ذهبت إليهما، وأردت
معاقبتهما فوراً، أحسست بخجل كبير، وأبديت استعدادي لدفع ما يترتب عليّ
من كسر لوح الزجاج الكبير، وحمدت الله على أن شظاياه لم تقع على أحد.
لاحظ الموظفون انزعاجي الشديد مما حصل، وأخذوا في التهوين عليّ، والقول
بأنهما مجرد طفلين، وانتهت الحادثة. وانطلقنا إلى المطار المجاور من
أجل السفر إلى مينسك. وفي الموعد المقرر للدفاع، شعرت ببعض الإرباك.
وكنت قد جهزت لتصوير الجلسة، التي ابتدأت في الحادية عشر صباحاً. حضرت
وليلى، وتركنا بدر وبشار مع صديق لنا على باب المعهد. كانت اللجنة الأكاديمية
مكونة من خمسة وثلاثين أكاديمياً. كما حضر المناقشة بروفيسورتان من اوديسة
وموسكو، وحضر مسؤولاي، والعاملون في القسم وأصدقائي من الروس ، والعاملون
أيضاً في قسم أمراض الجهاز الهضمي، والعاملون في قسم التصوير في مستشفى
اللجنة المركزية للحزب، واَخرون غيرهم، وكثير من الطلبة الفلسطينيين
والعرب. ابتدأت في إلقاء خطابي الذي يستغرق ربع ساعة للتعريف بنتائج
أطروحتي، وفجأة رأيت بدر وبشار ينطلقان كالسهم ويدخلان إلى القاعة باتجاه
ليلى. ارتبكت، وأدرك رئيس الجلسة ارتباكي وأرادت ليلى الخروج معهما،
لكنه أشار لها بالبقاء وقال مازحاً: أنهما يريدان حضور دفاع والدهما
عن أطروحته وهذا حق. كانت كلماته وابتسامات الحاضرين دليلاً للموافقة
على قوله، بمثابة إنقاذٍ لي، اعتذرت عنهما واستأنفت.
بدأت في النظر إليهما والإيحاء لهما بالهدوء، لكنهما كان يقومان بحركات
طفولية، ويسألان أمهما (قالت لي فيما بعد) هل سينجّحون أبي؟. بدأت الناقدتان
في إبداء رأييهما في الأطروحة، وتحدث مسؤولاي عنها، وشارك كثيرون في
النقاش من خلال الأسئلة التي تم طرحها عليّ، واستمرت الجلسة حوالي الساعتين،
ثم تم الإعلان عن استراحة، لمدة نصف ساعة من أجل التصويت على الأطروحة.
أذكر أنني دخنت كثيراً خلالها، وبشكل متواصل. عدنا إلى القاعة، وضربات
قلبي اَخذة بالتسارع. جلس رئيس الجلسة، جلست اللجنة، وجلس الحاضرون.
اللحظات التي كانت تمر كانت بالنسبة لي مثل ساعات طويلة. الرئيس يتصفح
أوراقاً كثيرة. . . وأنا أتأمله وأطالب في نفسي بضرورة السرعة في إعلان
النتيجة. . . إيجاباً كانت أم سلباً! كان مهماً بالنسبة لي أن أعرف القرار
وبسرعة. بدأ الرئيس في تلاوة القرار، وبالمسألة الروتينية مثل: اجتمعت
اللجنة المؤلفة. . . الخ وقلبي يدق بعنف مستعجلاً الوصول إلى القرار،
وما لبث أن قرأه وكان: بالإجماع قررت اللجنة إعطائي درجة الدكتوراة في
العلاج الطبيعي والتأهيل. . . وابتدأ التصفيق حاراً من كل الجالسين.
فرحت، كانت فرحة حقيقية، ورأيت دموع الفرح في عيني ليلى وعيون بعض الحاضرين.
ذهبنا إلى خارج القاعة وابتدأت التهنئة من الجميع، حملت بدر وبشار معاً
وأنزلتهما، وانهالت عليّ الزهور الجميلة، والتي كان من الممكن فتح محلٍ
بها لكثرتها. أدركت لحظتها كم من المهم ،أن تمتلك علاقات طيبة مع الجميع.
كان علينا في المساء ،الاستعداد للحفلة ،التي أقمتها في قاعة جميلة في
فندق بيلوروس ، والتي اشرف عليها صديقي الذي عمل نادلاً في المطعم. كان
عليّ الذهاب مبكراً لاستقبال المدعوين، وكان عددهم يقارب المائة مدعو.
جاءت ليلى بعد أن نام بدر وبشار، وابتدأ الحفل، الذي استلم تنظيم الكلمات
فيه، مسؤولي الثاني البروفيسور برونوفيتز، بعد أن اعتذر مسؤولي الأول
عن الحضور. لقد تمنى لي كثيرون من الحاضرين التوفيق في مستقبلي. وكانت
الكلمات عبارة عن مواقف تأييد للشعب الفلسطيني، الذي أنتمي إليه، وعن
هذه العلاقة الأممية الحارة التي تربط ما بين الاتحاد السوفييتي والشعب
الفلسطيني. كان الأكل والشرب والرقص ،يتخلل الكلمات الجميلة والكثيرة
التي سمعتها من الأصدقاء والمعارف والأساتذة والزملاء. ألقت ليلى كلمة
مؤثرة بالعربية، قام بترجمتها صديقي نبيل الخطيب ،الذي كان يحضّر أطروحته
في الإعلام، والإعلامي الناجح فيما بعد. أكلنا وشربنا ورقصنا كثيراً،
كانت الخدمة في المطعم ممتازة، وكان الأكل كافياً ومتنوعاً،. بدر وبشار
لامانا كثيراً فيما بعد، عندما علما بخبر الحفلة ورأيا فيلماً لها.
كنت أحرص في الحفل على راحة المدعوين، وخاصة الضيفتين من أوديسة وموسكو،
واللتين اضطرتا للمغادرة بسبب السفر قبل انتهاء الحفل. طلبت من أصدقائي
توصيلهما، إحداهما إلى المطار القريب، والأخرى إلى محطة السكك الحديدية
القريبة أيضاً. وفي ختام الحفل قلت كلمتي التي عبرت فيها عن شكري وامتناني
للجميع. بقي الحفل حتى الساعة الثانية عشر ليلاً، أي أطول بساعة ممّا
كان مقرراً. بدأ المهنئون من الأصدقاء والمعارف يأتون إلى السكن. وكان
بدر وبشار يذهبان مع الأصدقاء في جولات في مينسك. وفي يوم من الأيام
أسمياه (يوم المواصلات العالمي) طلبا إليّ أن يركبا كافة أنواع المواصلات
في المدينة، وبالفعل نفذت رغبتهما، واستغرق المشوار بضع ساعات.
كان عليّ أيضاً وبعد الدفاع عن الأطروحة، أن أسافر إلى موسكو بضعة أيام،
لاستكمال إجراء معاملات ما بعد الدفاع. أردت استعجال استلام الشهادة،
ولذلك قررت متابعة كل شيء شخصياً. سافرت لوحدي إلى موسكو، وانتهيت من
تلك الإجراءات المعقدة، ووعدوني بتسليم شهادة الدكتوراة، بعد شهر من
ذلك التاريخ.
في مينسك، أصر بدر وبشار على شراء كلب واقتنائه. ففي جولاتهما في الحدائق،
كانا يريان كثيرين من البيلوروس مع كلابهم. إضافة إلى أن صديقي معتز
حكى لهما عن أهمية وضرورة اقتناء كلب للتسلية. وبالفعل ذهبت وإياهما
في صبيحة يوم أحد، إلى سوق بيع الحيوانات. رأينا كلاباً كثيرة من بينها
كلبان صغيران أسودان وعمرهما أسبوع، قررنا شراءهما، أطلقا عليهما اسمي
بوبي وجاك.
كانت المرة الأولى التي نقتني فيها كلاباً. تبين أنهما بحاجة إلى نوع
معين من الحليب، يقدم إليهما في مصاصتين. ذهبت إلى الصيدلية المعنية
وأحضرت ما يلزمهما. كذلك تبين أنهما بحاجة إلى تعليم. أضفنا مشكلة جديدة،
فكان لازما الاعتناء بهما على أكمل وجه. كنت أعتقد أن من يربون كلاباً
يمارسون ترفاً، ولكن من التربية المستمرة لهما، والاعتناء بهما، ظهر
نوع من التاَلف معهما، وكأنهما أصبحا مثل طفلين عزيزين. أنها نظرة إنسانية
قبل كل شيء، والمعروف عن الكلاب أنها من أوفى الحيوانات للإنسان. كنت
أعتقد بأن بدر وبشار سيحتفظان بالكلبين في مينسك فقط، وبعد سفرهما، سأهديهما
لأحد المهتمين من الروس ، لكن الأمر لم يكن كذلك فيما بعد! قررنا السفر
إلى كييف. حجزت في الفندق مسبقاً وحجزت للسفر بالقطار. فضلت أن اشتري
تذاكر سفر من الدرجة الأولى، أخبرتني الموظفة المعنيّة، والتي اعرفها
منذ مدة طويلة بحكم سفري الدائم، أن تذاكر الدرجة الأولى محجوزة بكاملها،
اشتريت تذاكر من الدرجة الثانية، وكان علينا أن نأخذ الكلبين معنا. في
رحلات القطار، يفضل بدر وبشار النوم على السريرين العلويين، فكبائن القطارات
في الاتحاد السوفييتي تحتوي على أربعة أسرة في كل كابينة، كل اثنين فوق
بعضهما. ونحن على رصيف المحطة، وقبل دخولنا إلى القطار المعني، فوجئت
بالموظفة التي حجزت لنا، وقد كانت فتاة في غاية الجمال تبحث عني، كان
معها أربعة تذاكر من الدرجة الأولى (فعلى ما يبدو أن من حجزوها تعطل
سفرهم)، أخذتُ التذاكر الجديدة ودفعت لها فرق السعر، وشكرتها من كل قلبي
على مبادرتها الطيبة والإنسانية، وأعطيتها تذاكرنا القديمة. . . فوجئت
ليلى بتصرفها. . . شرحت لها كم كانت إنسانية هذه الموظفة في موقفها،
حرصت على أن نستريح ويستريح أولادنا. المهم بدلاً من كابينة واحدة، أخذنا
كابينتين، وكبائن الدرجة الأولى لا تحتوي على أسرّة مزدوجة، في الكابينة
الثانية كان بدر وبشار ومعهما الكلبان. وصلنا كييف بعد نوم ليلة في القطار.
كنت قد زرت هذه المدينة مع شقيقي أمين، وما إن استقرينا في الفندق المعين،
والذي يقع على أطراف المدينة ووسط غابة جميلة، حتى نزلنا إلى الصالة،
فقد حان موعد طعام الغداء. كان في أحد جوانبها مجموعة من ماكنات الألعاب،
أراد بدر وبشار اللعب فيها، كانت قطعة النقود المطلوبة لوضعها في الماكنة
هي، خمسة عشر كوبيكا (15 فلساً)، وضعها بشار وكبس عدة أرقام، فنزل ما
يقارب التسعين روبلاً، استغربت كيف كان حظه جيداً وبشكل سريع وهو لا
يجيد اللعب بها.
تناولنا الغداء واتصلت بأصدقائي من أجل القيام بجولة في هذه المدينة
الساحرة. كييف، العاصمة الأوكرانية، مدينة خضراء جميلة بكل ما في هذه
الكلمة من معنى، فغاباتها تحيط بالمدينة مثل إحاطة السوار بمعصم اليد.
فيها شوارع طويلة، مغطاة بكاملها بالأشجار العالية من الجانبين، والتي
تظللها تماماً، حيث تحس أنك تسير في غابة وليس في شارع. نفس الإحساس
تشعر به وأنت في رحلة قارب على نهر الدانوب الذي يخترق المدينة، وعلى
ضفتيه توجد أشجار كثيفة في مناطق كثيرة منه. ذهبنا في كييف إلى مستنبت
هائل في مساحته، فكلمة مستنبت بالعربي تعكس هذه الحديقة الواسعة جداً،
والتي فيها تلال أيضاً، مزروعة فيها غالبية أنواع الأشجار والزهور في
العالم، بما فيها بعض مزروعات المناطق الحارة. والإنسان بحاجة إلى يومٍ
كاملٍ من أجل زيارة هذه الحديقة والاطلاع عليها.
من التلال فيها كنا ننظر إلى المدينة، كانت أشعة الشمس تنعكس على قباب
كنائسها المذهبة في منظر بديع، والكنائس والأديرة هي الأخرى كثيرة في
كييف. في اليوم التالي، ذهبت مع بدر وبشار من أجل الركوب في (التلفريك)
،الذي يربط بين جبلين، كانت عرباته المعلقة، عالية إلى حدٍ كبير، ومن
زجاجها المغلق يمكن النظر إلى الوادي السحيق في الأسفل. هذا المنظر يوحي
بالخوف، لكن العربات كانت مغلقة، مما يعطي شعوراً أكبر بالأمن. الساحة
الرئيسية في مدينة كييف تسمى (الخريشاتيك) وهي في وسط المدينة، وقد راقبها
العالم، والمتظاهرون يجوبونها في كل يوم، هذه المظاهرات التي كانت وراء
الأحداث السياسية والتغيير الذي حصل في بداية عام 2005. في الساحة الرئيسية،
يوجد الكثير من المطاعم والمقاهي والفنادق، وأبنيتها من طراز معماري
جميل، يعتمد على الأعمدة وعلى الواجهات المثلثة. وأذكر أن ليلى أرادت
شراء بعض الكاسات الجميلة المعروضة في واجهة إحدى المحلات. طلبنا من
البائعة شراء مثلها، أخبرتنا بأنها ليست موجودة، وهي من أجل العرض فقط،
وقالت بالحرف: ''إذا أردتم شراءها فاذهبوا إلى غورباتشوف! '' كان جوابها
دقيقاً ويلخص حقيقة الوضع قبل سنتين من انهيار الاتحاد السوفيتي، كانت
المحلات خالية من البضائع بشكل كبير، فما كان موجوداً هي مواد الأكل
الأساسية ليس إلاّ! لا أبالغ فيما أقول. . . فحقيقة الأوضاع كانت كذلك،
ليس في مينسك أو كييف وحدهما، وإنما في موسكو وفي كل المدن والقرى والأرياف
السوفيتية الأخرى، كان ذلك في عام 1990 وما تلاه حتى لحظات الانهيار.
في كييف، ذهبنا وبعض الأصدقاء إلى منطقة خضراء تشرف على نهر الدانوب،
من أجل شواء اللحم وتناول الغداء، كانت رحلة ممتعة إلى حد كبير، أشعلنا
النار، وكان الجو عليلاً، فلا حرارة زائدة، ولا برودة موجودة، كان الطقس
معتدلاً. ووضعنا اللحمة في الأسياخ، ثم على النار، كان اللحم شهياً إلى
حدٍ كبير. ولعل الطبيعة الجميلة أضفت عليه بعض اللذة في الطعم، لعب بدر
وبشار الكرة في الساحات المنبسطة بالقرب منا. في كييف زرنا أيضاً حديقة
الحيوانات، رأينا الأسود والنمور وكل أنواع الحيوانات الموجودة في الأرض
. ما اَلمنا كثيراً. . . أننا كنا ننظر إلى الأسود من الأعلى، فهي كانت
تحتنا، كنا ننظر من خلال سور مسيّج بقضبان حديدية، وفي موقع أسد، كانت
ترمى باقات الأزهار إلى الأسفل، استغربت الموقف وسألت عن السبب؟ أخبرني
بعض المتواجدين هناك، أنه في اليوم السابق وبينما كانت أم ترفع طفلها
لتريه الأسد، انزلق منها الطفل، وأكله الأسد وسط صرخات المشاهدين، الذين
لمہم والا يستطيعوا فعل أي شيء، ولما جاء المسؤولون عن الحديقة. . .
كان كل شيء قد انتهى. ذلك المنظر بقي عالقاً في ذهني حتى هذه اللحظة،
وبرغم أنني لم أره. . . لكن باقات الزهور ما تزال مصورة أمامي، الأسد
بقي في موقعه ولم يجر قتله! منظر اَخر، كان مؤلماً أيضاً، فأثناء عودتنا
إلى الفندق، وفي الطريق حيث كنا في سيارة، رأينا ازدحاماً، تبين أن سببه
كان حادث دهس ، رأينا جثة امرأة ملقاة على الشارع وبانتظار سيارة الإسعاف
والشرطة. تسبب لي المنظران الأول والثاني بانزعاج شديد وألمٍ كبير، فقد
أضحيت ميالاً إلى التشاؤم في ذلك اليوم، وخفت من عواقبه. . . لكن الله
سلّم.
كان الكلبان محط اهتمام كل الناس حيثما نسير، وبخاصة أنهما مع طفلين،
فالكل يريد مداعبتهما وملاطفتهما، والكل يريد لمسهما، وكثيرون قالوا
عنهما أنهما جميلان، والبعض يطلب الإذن من أجل إطعامهما، فالناس في الاتحاد
السوفيتي، يتعاملون بعطف كبير مع الكلاب. بعد أسبوع من قضائنا إجازة
في كييف. . . عدنا إلى مينسك. أخذ التفكير في المستقبل يفرض نفسه عليّ
وعلينا، فأنا أصبحت الاَن أمام حقيقة واضحة وهي: أنني انتهيت من التخصص
والدراسة العليا، وأنا بحاجة إلى بدء العمل. بالطبع كان مكاني محفوظاً
في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في دمشق، ففي المستشفى التابع لها
وهو مستشفى يافا، كان يوجد قسم للعلاج الطبيعي فيه. لكننا تعبنا من عدم
وجود جوازات سفر ووثائق حقيقية مع ابنينا، فهما مسجلان مع أمهما في جواز
السفر اليمني ، ونحن، أنا وزوجتي حرّان في اختيار طريقنا، ولكن من الخطأ
فرض هذا النمط الحياتي على ابنينا
|

الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|
|