الأخبار
|
|
| |
سلطنة
عمان
|
|
الارشيف
|
|
أضف الى المفضلة
|
|
|
الاشتراكات
|
|
|

|
جدار بغداد
|
ثلاثة اتجاهات عراقية في رؤية الاستراتيجية الأميركية
تجاه العراق : الحلقة السابعة
|
|
كانت المناقشات تجري على نطاق واسع بين العراقيين،
ابتداءً من الذين يرتادون المقاهي، إلى اؤلئك الذين يرتدون بزاتهم
العسكرية، ويأخذون مواقعهم في أماكن مختلفة في الدوائر المدنية والأمنية
والعسكرية.
وبينما أثارت المعلومات، التي نشرتها مجلة (تايم) الأميركية في عددها
الصادر يوم الثالث من مارس 2003، بعض المخاوف عند البعض ، رد الاَخرون
من العراقيين بتفسيرات أخرى، وكانت معلومات (التايم) تشير بوضوح إلى
إن مخطط واشنطن لإدارة العراق، يتضمن نشر (200) ألف جندي، إضافة إلى
مستشارين في الوزارات، وذكرت أسم (جي جارنر) الجنرال المتقاعد لحكم
العراق.
اتجهت المخاوف لدى البعض في الشارع العراقي، عند نقطة واحدة، مستندة
إلى تجربة سابقة مع الولايات المتحدة، إذ كان البعض يطرح مسألة وجود
هذا الحشد الهائل من القوات الأميركية، وهل يعقل، أن يعودوا بمعداتهم
الثقيلة وأجهزة التنصت، دون خوض الحرب.
هنا رصدت في تلك الأيام التفسيرات في الشارع العراقي، التي انقسمت
إلى الاتجاهات الثلاثة التالية:
الاتجاه الأول: يرى أن وجود هذه القوات، يدخل ضمن الحرب النفسية، وبدون
جلبها بهذا الحجم، لن تنفع وسائل الحرب النفسية الأخرى للضغط على صدام
حسين، الذي أعلن تحديه القوي لإدارة الرئيس بوش ، وأن مهمة هذه القوات،
ستنتهي متى تم الإعلان عن الوصول إلى جميع الأسلحة العراقية.
الاتجاه الثاني: رأى أن جلب هذه القوات يحقق هدفين، الأول هو ممارسة
الضغط على نظام صدام حسين لنزع أسلحته المحظورة، عن طريق الأمم المتحدة،
وصرف فواتير تلك القوات من ميزانيات دول الخليج، على اعتبار أن الخطاب
الأميركي، ما انفك يربط بين خطورة أسلحة صدام حسين، التي يتحدث عنها
بصورة مروعة، وأمن دول الخليج وبالأخص الكويت. مع التذكير الدائم بما
حصل في أغسطس عام 1990.
الاتجاه الثالث: تحدث عن رؤية ابعد، تتمثل باستراتيجية أميركية، تسير
على عدة مراحل، تبدأ بنزع أسلحة العراق المحظورة، ثم فرض شروط أخرى
على نظام صدام حسين، من بينها حل العدد الأكبر من الجيش العراقي، ثم
إرغام القيادة العراقية، تحت ضغوطات وتهديدات مستمرة، لتوقيع معاهدة
أمنية بين بغداد وواشنطن، تضمن الولايات المتحدة بموجبها الحصول على
قواعد عسكرية لها داخل العراق، وعند ذاك تتحقق الاستراتيجية الأميركية،
التي بدأت تتحدث عنها مع دخول الألفية الجديدة، من خلال وضع القوات
الأميركية قرب الحدود مع إيران وسوريا، الأمر الذي يمهد لمرحلة أخرى
بين هذه الدول وإسرائيل، كما أن هذه القواعد، ستضمن مستقبلاً تأمين
الحماية للمنشاَت النفطية وأنابيب نقل النفط من منطقة بحر قزوين، دون
وجود أية عوائق. وإذا ما حققت واشنطن هدفها بالحصول على قواعد داخل
العراق، فأنها ستخفف من تكاليف باهظة لقواعدها في منطقة الخليج، التي
قد تتقلص بنسبة كبيرة، وربما يتم الاستغناء عنها.
من خلال ذلك، نجد أن جميع التصورات، تتجه إلى الفرضية، التي لا ترجح
قيام الحرب، وتعتقد أن الاستراتيجية الأميركية، لا تقرر خطواتها من
خلال العداء مع أشخاص ، بقدر ما تتقرر من خلال المصالح بعيدة المدى.
ربما كان قلة من المسؤولين العراقيين، يتحركون وفق القناعة التي تقول،
ان جميع الإجراءات العراقية، خلال الأسابيع القليلة، التي سبقت الحرب،
إنما هدفها تأجيل الحرب، ولا يمكن الشطب عليها، إلا أن وجود اَراء
مختلفة إزاء قضية العداء بين حكومة بغداد وواشنطن، لا يمكن ظهوره،
وأن جميع الاَراء، تظهر من خلال ما يطرحه الخطاب الرسمي، المتمثل بما
يقوله الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وما يصرح به المسؤولون المعنيون
بالملفات السياسية، وكان أبرزهم طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي،
وطارق عزيز نائب رئيس مجلس الوزراء، ود. سعدون حمادي رئيس المجلس الوطني
(البرلمان) ومحمد سعيد الصحاف وزير الإعلام، ود. ناجي الحديثي وزير
الخارجية.
أما القيادات العليا في حزب البعث الحاكم، فكانت تكثف من اجتماعاتها،
وتضع المزيد من الخطط، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية خاصة (جهاز المخابرات
العامة، ومديرية الأمن العام، وجهاز الأمن الخاص ). وهذا القطاع كان
من مسؤولية عزت الدوري نائب أمين سر قيادة البعث، وعلي حسن المجيد،
ابن عم الرئيس العراقي صدام حسين، إضافة إلى أعضاء القيادة القطرية
لحزب البعث الحاكم.
تم تحديد مسؤولية ميليشيا البعث، بالتركيز على ضبط الأمن داخل المدن،
وقال لي أحد المسؤولين الكبار من كوادر البعث في ذلك الحين، أنه قد
تمت دراسة جميع الثغرات، التي أدت إلى فقدان السيطرة في الكثير من
المحافظات العراقية، بعد انتهاء حرب الخليج عام 1991، وصدرت الأوامر
بانتشار كثيف في الأحياء السكنية والأزقة، والإمساك بمداخل المدن ومخارجها،
من خلال إقامة نقاط تفتيش يشترك فيها عناصر من جميع الأجهزة الأمنية،
إضافة إلى كوادر وزارة الداخلية، وعناصر من الانضباط العسكري التابعين
لوزارة الدفاع.
وجاء في التعليمات المشددة، التي تم تعميمها على قيادة البعث والأجهزة
الأمنية، على خطورة الضربة الأولى، وأن يتأهب الجميع لامتصاص زخم ما
يحصل من جراء أول عملية قصف، وما يحصل في أول يومين، ويبدو أن تلك
التعليمات جاءت على خلفية ما أشاعته وسائل الإعلام الأميركية، والذي
وجد له حيزاً في الشارع العراقي، ويصب في اتجاه، أن الحرب الأميركية
قد تكون خاطفة جداً، وربما تقضي على جميع القيادات العراقية خلال ساعات،
وكان دونالد رامسفيلد، قد صرح في تلك الأيام بالقول، أن الحرب قد تستمر
لستة أيام أو ستة أسابيع أو ستة أشهر. ومن بين التعليمات التي وزعت
على مليشيا البعث، أن تضع القيادات الميدانية الخطط الكفيلة بإفشال
انزالات محتملة للقوات الأميركية، في مفاصل حيوية داخل المدن، وعلى
الطرق الخارجية، وتم استدعاء ضباط حرب من حملة الأركان لتدارس تلك
الخطط مع القادة البعثيين، وغالبيتهم من المدنيين، وتمت تلك المناقشات
بالتعاون مع المكتب العسكري، الذي يشرف على تنظيمات حزب البعث داخل
الجيش بجميع وحداته وصنوفه، بما في ذلك الحرس الجمهوري.
كانت خطط قيادات البعث تتمحور حول النقاط الثلاث التالية:
الأولى: أن يكون عناصر البعث، العين اليقظة دائماً، خشية أن تنشر الولايات
المتحدة بعض الجواسيس داخل المدن وحتى القرى والأرياف، لذلك أكدت التوجيهات
على التدقيق في هوية، أي شخص غريب، يثير الشبهات. وإذا استدعى الأمر،
يحال هذا الشخص إلى الأجهزة الأمنية للتحقيق معه.
الثانية: أن تتصدى لأية شائعات، تقلل من الروح المعنوية للجبهة الداخلية،
وأن يتم إبلاغ المراجع العليا، عن مثل تلك الشائعات.
الثالثة: أن تكون على أهبة الاستعداد، بكامل اسلحتها، المتمثلة بالخفيفة
(مسدسات مع كلاشنكوف)، . وتم توزيع قاذفات نوع وهذه تستخدم عادة ضد
الدروع، ولم تستبعد قيادات البعث في تعليماتها، حصول حرب شوارع، إذا
ما أندلع القتال، إذ قد تقدم الولايات المتحدة، على عمليات إنزال جوي،
في بعض المدن. وتم التنسيق في معالجة مثل هكذا أوضاع مع كبار المسؤولين
في منظمة (فدائيو صدام) التي كان يشرف عليها النجل الأكبر للرئيس العراق
عدي صدام حسين. وتم تدريب مجاميع خاصة من فدائيي صدام لمثل هذه المهام.
ان هذه الخطط، تم تدارسها خلال مراحل مختلفة، ولم تكن وليدة التهديدات
الأخيرة، التي أطلقها كبار المسؤولين الأميركيين لاحتلال العراق، بل
أنها تمتد داخل جهاز البعث إلى بداية التسعينات، لكن حصلت إعادة شحن
لمليشيا البعث خلال شهر فبراير، أي قبل بداية الحرب بعدة أسابيع، ومسألة
الخطط الخاصة باحتمال حصول إنزال جوي، فقد تدارستها القيادات الحزبية
مع المختصين في الشؤون الحربية، مطلع مارس ، أما البدء بتنفيذ كامل
التعليمات، فقد كان مرهوناً بتعليمات لاحقة، وعند دخول المواجهة مرحلتها
الحاسمة. وفعلاً دخل البعثيون الأنذار، مع إعلان الرئيس العراقي السابق
صدام حسين تقسيم العراق إلى أربع مناطق عسكرية، قبل ثلاثة أيام من
اندلاع الحرب.
لاشك أن أي دارس للأسابيع القليلة التي سبقت الحرب، مع تصاعد الموقف
في الأيام الأخيرة من تلك الأسابيع، لابد أن يتوقف عند حديث هام للرئيس
العراقي، أثناء اجتماع لمجلس الوزراء، الذي يرأسه صدام حسين، كان ذلك
بتأريخ الثاني والعشرين من فبراير، قال فيه (ان المعركة القادمة ستكون
الفاصلة، وقال ان الظروف الاَن تختلف عن عام 1991، لأن العالم الاَن
يعارض التوجهات الأميركية سواءً في أوربا أو في أميركا نفسها). وبثت
هذا الحديث وكالة الأنباء العراقية الرسمية على شبكتها الداخلية والخارجية.
قبل هذا الاجتماع وفي نفس اليوم، كان الرئيس العراقي السابق، قد التقى
على انفراد مع طارق عزيز نائب رئيس مجلس الوزراء، الذي عاد من تركيا،
بعد زيارة التقى خلالها كبار المسؤولين الأتراك، وجرى التباحث حول
موقف الحكومة التركية من الحرب على العراق، واحتمال استخدام أراضيها
لشن هجوم من المناطق الشمالية. وكانت تجري في تلك الأثناء نقاشات حامية
داخل تركيا حول هذا الموضوع، وحضر اجتماع مجلس الوزراء د. ناجي الحديثي
وزير الخارجية، الذي كان عائداً من اجتماع لوزراء الخارجية العرب عقد
في القاهرة.
هناك ملاحظتان جديرتان بالاهتمام في حديث الرئيس العراقي السابق صدام
حسين، هما:
الأولى: أنه تحدث عن معركة، ولم يتحدث عن حرب، هذا يعني أن المستلزمات
الخاصة بالمواجهة، ستكون في حدود المعركة، التي يفترض أن تقتصر على
توجيه ضربات، والمرجح أن تكون جوية باستخدام الطائرات والصواريخ، ويبدو
أنه كانت هناك قناعة لدى القيادة العراقية، أو ربما الرئيس صدام حسين،
بأن الإدارة الأميركية، ستضطر إلى نهج ذات الطريق، الذي سلكته أواخر
عام 1998، إبان (ثعلب الصحراء) في عهد كلنتون. وأن تلك الضربات قد
تكون قاسية، لكن أطرافاً دولية، ستتدخل ويتم إيقافها باتفاق عراقي-أميركي
واسع، يشمل تسوية الكثير من الأمور الإقليمية والدولية.
الثانية: من الواضح أن الرئيس العراقي صدام حسين، يراهن كثيراً على
الموقف الدولي من الحرب، إضافة إلى نظرته إلى الموقف داخل الولايات
المتحدة نفسها، التي شهدت احتجاجات ضد الحرب، وما قاله صدام حسين،
هو نتيجة لقناعته، بأن الإدارة الأميركية، لابد أن تلتزم بما يقرره
المجتمع الدولي، من خلال الأمم المتحدة، وما يفرضه الشارع الأميركي،
المتمثل بالرأي العام، وتأثير جماعات الضغط الداخلي، ورغم أن الجميع
من المراقبين والمحللين، أرادوا الوصول إلى نقطة الجزم في مسألة رؤية
صدام حسين لنشوب الحرب من عدمه، إلا أن ما برز مجرد تكهنات، فالذي
يستند في تحليله إلى هذه الزاوية، سرعان ما يكتشف ما يناقضها في زاوية
أخرى.
فإذا كانت الدولة العراقية، تسير بسياقات واضحة واعتيادية في جوانب
عديدة، وبما يعطي مؤشرات لاقتناعها بحتمية نشوب الحرب من عدمه، فإن
ثمة ما يشير إلى أن الدولة تتخذ احترازاتها بقوة، وخير مثال على ذلك،
ما قامت به وزارة التجارة. إذ سارعت إلى توزيع حصص غذائية وفق نظام
البطاقة التموينية، التي بدأ العمل بها، عام 1990، مع بداية تطبيق
العقوبات الاقتصادية على العراق، وخلال أربعين يوماً، تسلمت العائلات
العراقية حصصاً غذائية تكفي لثلاثة أشهر، وأردت الحصول على إجابة تؤكد
أن ذلك يأتي ضمن قناعة الدولة بقرب نشوب الحرب، وناقشت الموضوع مع
د. محمد مهدي صالح وزير التجارة حينذاك، فأجابني بطريقة دبلوماسية،
وقال، أننا استوردنا كميات كبيرة من المواد الغذائية، وكمياتها تزيد
عن الطاقة الاستيعابية للمخازن العائدة لوزارة التجارة في المحافظات
العراقية، ونحاول إفراغ هذه المخازن، وتجهيز العائلات بحصصهم الغذائية.
استفسرت منه، إذا كان يتوقع تدمير هذه المخازن، كما حصل خلال حرب 1991،
أجانبي باقتضاب، أنهم كوزارة مسؤولة عن توفير الغذاء للمواطنين ويضعون
بحساباتهم جميع الاحتمالات. وليؤكد أنه يتحدث عن خطط استراتيجية، قال
لي، مثلاً على صعيد مستلزمات البناء من حديد تسليح وزجاج وغير ذلك
تم استيراد احتياجات العراق لثلاث سنوات مقبلة.
أما الجواب الذي لم أحصل عليه من وزير التجارة، فكان عن استفسار أردت
من خلاله استيضاح نقطة تشير إلى اقتراب أو ابتعاد موعد الحرب واحتمالات
توقف الصادرات النفطية العراقية، أو إيقاف العمل ببرنامج النفط مقابل
الغذاء والدواء، وكان سؤالي محدداً عن المصادر المالية، التي اعتمدتها
الدولة في توفير متطلبات فقرات البطاقة التموينية، التي بدأ تطبيقها
كما ذكرنا منذ منتصف عام 1990، في الوقت الذي توقفت فيه الصادرات النفطية
العراقية، واستمر هذا الحال على ذات المنوال، حتى مطلع عام 1996، عندما
تم الاتفاق بين الأمم المتحدة والعراق، على تطبيق برنامج النفط مقابل
الغذاء والدواء والحاجات الإنسانية.
صمت د. محمد مهدي صالح قليلاً، وأجابني بعدها بقوله، لقد أرسلت المخابرات
الأميركية أكثر من عشرين صحافياً لمقابلتي ومعرفة هذا السر، الذي مازال
يدوخ الحكومة الأميركية، لأنه وكما تعلم، ليس من السهل، أن نوفر الغذاء
والدواء لمدة ست سنوات لثلاثة وعشرين مليون عراقي. وقال لي، إنه لم
يعط أي جواب للأميركيين.
قلت له أنا عراقي، وكما تعلم أنا مهتم بدراسة أوضاع العراق والعلاقات
العراقية الأميركية، وأريد أن أفهم الطريقة التي تديرون بها الأزمة،
وهي ليست بالأزمة البسيطة وطرفا المعادلة مختلفان تماماً بجميع الإمكانات.
ما قاله لي، أن الذين يعرفون هذا السر هم ثلاثة أشخاص ، الرئيس صدام
حسين، وكان معه الفريق حسين كامل (صهر الرئيس العراقي) الذي قُتل مع
بعض أفراد عائلته فيما بعد، إثر عودته من رحلة الانشقاق الشهيرة إلى
الأردن في عام 1996. وهو شخصياً، أي وزير التجارة، ولم يزد على ذلك
أي شيء.
قلت له هذا لا يكفي، وهذه المعلومات لا تغني أي جانب من اهتمامي بالموضوع.
ابتسم الوزير العراقي، حدجني بنظرة، قال، لا يمكن أن أتحدث بذلك، إلا
بعد أن يتم رفع العقوبات عن العراق، واعدك، أنك أول من سيعلم بتفاصيل
هذا السر، لكن الذي حصل، أنه عندما تم رفع العقوبات من قبل الأمم المتحدة،
كان الوزير العراقي داخل معتقله مع أركان القيادة العراقية، في معتقل
المطار، في الضاحية الغربية من العاصمة العراقية. وما هو مؤكد أن وكالة
المخابرات المركزية، قد علمت بالتفاصيل الدقيقة، قبل أن أعلم بها أنا،
وليس من خلال الصحافيين، الذين أرسلتهم إليه، كما قال لي، ولكن من
خلال المحققين، الذين استجوبوه منذ أن تم اعتقاله بعد احتلال العراق.
خلاصة ذلك، أنني لم أحصل على ما يعزز قناعتي، بأن الحكومة العراقية،
تتصرف على أساس أن الحرب قائمة، لا محال، كما أنني، لم أتوصل إلى ما
يفيد بعكس ذلك.
لكن ما يمكن تأكيده، أنه لم يسجل أحد، أي حالة ارتباك لدى كبار المسؤولين
العراقيين، خاصة من خلال تصريحاتهم الصحافية، أو اللقاءات التي تتم
معهم، ورغم وصول قرع طبول الحرب، إلى أعلى درجاته خلال الأسبوع الثالث
من مارس 2003، وحصول عمليات نزوح للعائلات من الأثرياء باتجاه الأردن
حصراً، وتوجه الكثير من العائلات، لتأمين أماكن سكن لها في المدن والمحافظات
المحيطة ببغداد، إلا أنه لم يسجل واستناداً إلى معلومات مؤكدة، أية
عمليات نزوح لعائلات كبار المسؤولين العراقيين، من داخل العاصمة. وروت
عائلة أحد المسؤولين الأمنيين في الدولة، وهو ليس من الخط الأول، كيف
فقدت هذه العائلة، كل ما لديها من ممتلكات، بسبب إصرار رب الأسرة على
عدم السماح لهم بمغادرة منزلهم، وبعد يوم التاسع من أبريل، يوم احتلال
بغداد، وما حصل من عمليات نهب خاصة للوزارات وبيوت المسؤولين، فقد
ضاع كل شيء، عندما اضطروا لمغادرة البيوت على وجه السرعة، بعد أن انهار
كل شيء، واختفى جميع المسؤولين.
كان يقول لهم رب الأسرة، وهو مسؤول أمني من الخط الثاني، أنه طالما
ظلت عائلات المسؤولين في بيوتهم، فلا يمكن أن نغادر، وبعد أن ألحت
الزوجة على الرجل، أجابها بصراحة، بأن خروجهم، قد يُعnد ، أحد أنواع
التخاذل، وربما يدخل في خانة الخيانة، ولمح لها، بأن عقوبة ذلك، تصل
إلى حد الإعدام، وهذا الحوار بين أفراد العائلة، اشتد اثناء زيادة
القصف الجوي، واقتراب القوات الأميركية من بغداد، أي عندما وصلت تلك
القوات إلى مدينة النجف، واحتد النقاش أكثر، بعد أن احتل الجيش الأميركي
المطار عصر الثالث من أبريل عام 2003.
أما بقية عائلات كبار المسؤولين، فكانت تجابه بجواب رادع من أؤلئك
المسؤولين، وهو أن عائلة الرئيس صدام حسين، لم تغادر مسكنها، رغم دخول
الحرب موعدها فجر العشرين من مارس ، وكان بيان رسمي عراقي، قد صدر
صباح ذلك اليوم، وبعد أن تم استهداف قصر دورة، وهو خاص بسكن زوجةال
الرئيس (ساجدة خير الله وبناتها وأطفالهن)، وروى مقربون من الحراس
الشخصيين للعائلة، أن أوامر سريعة وصلت إلى زوجة الرئيس بالخروج من
القصور الرئاسية مع الأطفال، وإخلاء المنازل بصورة كاملة، وكان ذلك
قبل خمس وأربعين دقيقة من سقوط الصواريخ، على تلك القصور الفخمة، التي
تقع وسط بساتين من النخيل والحمضيات، ولا تبعد كثيراً عن نهر دجلة
على الضفة الشرقية، ومن المرجح أن الإخلاء بدأ بعد أن انطلقت الطائرات
والصواريخ الأميركية من قواعدها.
في الأسبوع، الذي سبق اندلاع الحرب، اختلطت سويعات الربيع، بلحظات
من التوتر والتشنج لدى بعض العراقيين، وعدم المبالاة لدى البعض الاَخر،
ومثلما اختلفت التفسيرات بخصوص اندلاع الحرب من عدمه، فقد اختلف الشارع
العراقي أيضاً، بهذا الشأن، فبينما انهمكت شريحة وبالأخص من كبار ضباط
الجيش المتقاعدين بالاستحضارات الضرورية، لمواجهة حرب قد تكون على
الأبواب، سواءً محاولة إحكام النوافذ وتحصين مداخل المنزل، وتهيئة
المستلزمات الضرورية لاحتمالات حرب كيمياوية، والاتصال ببعض الأقارب
في المدن القريبة من بغداد، لتهيئة أماكن للطوارئ، وبادر البعض إلى
استئجار منازل بسيطة في مدن المحمودية والفلوجة وبعقوبة وبلد، وحتى
في القرى القريبة من مراكز تلك المدن، وحرص هذا الفريق، الذهاب بسياراتهم
الشخصية إلى محلات الصيانة، لتجهيزها على أفضل وجه، استعداداً لأي
طارئ وأي احتمال.
أما غالبية شرائح المجتمع العراقي، فلم تأبه كثيراً، لما كان يدور
في فلك السياسة، وكانوا يراهنون على نجاح المفتشين في مهامهم، أكثر
من الإصغاء والتدقيق، إلى ما كان يحاك بدقة وعناية فائقتين في البيت
الأبيض ، وتجري مراحل تنفيذه، بسرعة على مقربة من الحدود العراقية.
في تلك الأيام، التي كانت مشحونة بكل شيء خطير، وترسم بوضوح ذلك المستقبل
المجهول، لفت انتباهي اندفاع العراقيين للاستمتاع بالأجواء الربيعية،
التي مازالت تحمل بعض لسعات برودة الشتاء، رغم سطوع الشمس ، وفي منتجع
(صدامية الثرثار) قرب المدخل الشرقي لمدينة الفلوجة، انزويت لمدة،
أتأمل تلك الحشود من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وقد استغرقوا
في عالم اَخر، بين مجاميع تتجول بالزوارق الصغيرة داخل البحيرات الاصطناعية،
واَخرين انشغلوا بإعداد المشويات العراقية من تكة وكباب على الفحم،
وهناك مجاميع من الشباب والشابات، كانوا يرتدون الملابس الأنيقة، ويؤدون
رقصات عراقية، تصاحبها انطلاق ضحكات فرح مجلجلة.
في هذه الأجواء، وعلى مقربة من مويجات البحرية المتدافعة، التقطت صورة
فوتوغرافية لولدي الأكبر (محمد) البالغ من العمر عشر سنوات. ووسط ذلك
الصخب والزحام، وانشغالنا بما يحصل من احتفاليات صغيرة غادرنا المكان،
قبل الغروب، وسمعت العديد من العائلات، يرددون، أنهم سيأتون إلى هذا
المكان عدة مرات، بعد انتهاء امتحانات نهاية السنة، من العام (2003)،
أي بعد ثلاثة اشهر تقريباً من ذلك التأريخ، ولم يدر بخلد أحد أن هذا
المنتجع السياحي، سيتحول إلى ثكنة لجنود المارينز الأميركيين بعد أسابيع
من ذلك اليوم، لتخرج منه الدوريات الأميركية في مداهمات كثيرة وتنفيذ
حملات الاعتقالات، وبالمقابل أصبح هدفاً يومياً للقصف بالهاونات والصواريخ.
بعد يومين وجدت نفسي أتأمل بحذر وخوف وقلق الصورة الفوتوغرافية، التي
التقطتها لأبني (محمد) من بين مجموعة الصور، التي التقطناها في تلك
السفرة العائلية بمنطقة (صدامية الثرثار) قرب مدينة الفلوجة، التي
أشرت إليها سابقاً، وتوقفت كثيراً عند نظرته الطفولية، التي بدت حزينة،
أو ربما أنا أحسست بها هكذا، فكرت اً، وكنت أخشى أن يطول هذاكثير الحزن
العائلة خلال الأيام المقبلة، وربما الأشهر، ومازال الاحتمال مفتوحاً،
وحتى هذه الأيام، وأنا أبحث في حيثيات فواجعالحرب وما تحمله من ومفاجاَت،
لا أستطيع النظر ملياً بتلك اللقطة، التي بدا بها (محمد) ملتحفاً كل
هذا الحزن. o
|

الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|
|