كلمة ونصف
التعليم عن بعد
أصبح " التعليم عن بعد " حقيقة ثابتة
وهامة ، تفتح آفاقا واسعة أمام الباحثين عن مواصلة دروب العلم والمعرفة
، وخيارا من الخيارات الواسعة أمام الراغبين من تكملة دراساتهم العلمية
والانسانية في أمكنة التعليم المختلفة في هذا العالم الذي أصبح أصغر
من القرية الصغيرة.
وإذا كان " التعليم عن بعد " أحد إفرازات التطور العلمي
والتكنولوجي في العالم اليوم وتطورا ايجابيا ضمن إفرازات العالم
المعاصر ، فإنه يتطلب علينا مواكبته الاستفادة منه في نشر وتوسيع
التعليم وفتح الابواب المغلقة لمؤسساتنا الاكاديمية ، بل وفتح آفاقنا
وعقولنا أمام هذا التطور الذي يجتاح العالم ، ومسايرة الركب قبل
أن يفوتنا هذا القطار الذي يسير بسرعة الضوء في حين نمشي ببطء شديد،
وبخطوات متثاقلة، ويعد التعليم عن بعد رديفا للتعليم الجامعي التقليدي،
الذي يمكن ان يستوعب عددا من الطلبة والطالبات ، وبالتالي سيساهم
في تضييق الفجوة بين المخرجات ومعدلات الاستيعاب.
يواجه التعليم عن بعد تحديات كغيره من النظم الجديدة، ولعل من أهم
التحديات هو عدم فهم المجتمع لماهية " التعليم عن بعد "
لقلة المعرفة بهذه التطورات وعدم تهيئة المجتمع للمراحل المتطورة،
ناهيك عن البنى الاساسية للمؤسسات الاكاديمية، التي ما زالت غير
قادرة على الايفاء بمتطلبات هذا النوع من التعليم، ومدى توافر متطلبات
التعليم عن بعد والخبرة في إدارة هذا الجانب.
ولكن لا يمنع من المبادرة في الشروع في تجريب نظام التعليم عن بعد
في مؤسساتنا الاكاديمية العامة والخاصة، ودراسة هذه التجربة دراسة
متعمقة لكي تسهم في توسيع التعليم العالي، وتمهد لتطبيقه والاستفادة
منه، وارتباط مؤسساتنا التعليمية العليا اكاديميا مع الجامعات في
العالم، لتسهيل انخراط الطلبة والطالبات الراغبين في مواصلة دراساتهم
الجامعية والعليا في هذا النوع من التعليم كأحد البدائل لمواكبة
التطور العلمي والتكنولوجي.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى
أصداف
العراق سنة رابعة احتلال- 13 -
هناك
اخطار تدهم المجتمع العراقي ، استشرت في مفاصل الحياة اليومية ،
وبسبب الانشغال الواسع بجوانب كثيرة أخرى ، فإن العين البشرية ،
لا تركز كثيراً على هذه الأخطار ، رغم أنها تنهش في الناس في كل
ساعة ، ومن أبرز هذه الأخطار الأحوال البيئية وما شهدته من تدهور
خطير، والرعاية الصحية ، التي تراجعت بمستويات كبيرة ، ما زاد في
الصعوبات ، التي تواجه الناس في حياتهم اليومية.
أهم المؤشرات التي يراها العراقي أمامه فيما يتعلق بالجانب البيئي
، هو ازدياد الإصابة بالأمراض السرطانية ، بسبب تأثيرات اليورانيوم
المنضب، وقد بدأت اخطار ذلك قبل بداية الغزو بعدة سنوات، إذ أخذت
الإصابات السرطانية تزداد بصورة ملحوظة منذ منتصف تسعينات القرن
الماضي، على خلفية استخدام القوات الأميركية لليورانيوم المنضب إبان
حرب الخليج الأولى، التي شنتها واشنطن وثلاث وثلاثين دولة مطلع عام
1991، وتأكد بالأدلة القاطعة استخدام ذلك السلاح وهو محرم دولياً،
واعترفت بذلك فيما بعد المصادر الأميركية، لأنه يساعد في القوة التدميرية
للسلاح الأميركي الذي تم استخدامه في ذلك الوقت، وساهم في انتشار
الإصابات السرطانية، وسوء التغذية لدى الأطفال، بسبب العقوبات الاقتصادية
الصارمة والقاسية، التي أصرت الإدارة الأميركية على استمرارها. وعندما
اجتاحت القوات الأميركية العراق، استخدمت اليورانيوم المنضب من جديد
أيضاً في جملتها العسكرية، وهكذا أضافت كميات أخرى إلى ما كان عليه
الحال، وبهذا فقد سجلت الإصابات السرطانية معدلات كبيرة جداً بين
الأطفال والشيوخ، والذي يزور مستشفى الإشعاع الذري في ساحة الاندلس
بقلب العاصمة العراقية، يشاهد المرضى بحالات يرثى لها، ويرى الحزن
والألم والمرارة في وجوه الاباء والأمهات.
إن الأوضاع البيئية قد ازدادت تدهوراً، بسبب المشاكل الكبيرة في
الصرف الصحي وفي مختلف الجوانب الحياتية الأخرى، وبالمقابل فقد شهدت
الخدمات الصحية الأساسية تراجعاً كبيراً، ولم يحصل أي نوع من التطوير
في المؤسسة الصحية، خاصةً ما يتعلق ببناء المستشفيات وتأثيث القاعات
وتزويدها بالأجهزة الطبية الحديثة مع النقص الكبير بالأدوية، ويحاول
البعض أن يسوغ لقوات الاحتلال، ويأتي بمبررات لهذا النقص، ونقول،
لو كانت الإدارة الأميركية حريصة على العراقيين، لخصصت عدة طائرات
شحن لنقل الأجهزة الطبية الضرورية للعراقيين، وهذه الطائرات مستمرة
في نقل احتياجات القوات الأميركية، وهذا يكشف أحد أوجه الأخطار التي
خلفها الاحتلال الأميركي للعراق خلال ثلاث سنوات.
وليد الزبيدي
* كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى
أطياف
من يحتاج لتحسين صورته ؟
هذا
هو السؤال الذي ينبغي التركيز عليه الآن ونحن في حوار شبه دائم عن
العلاقة بيننا وبين الغرب ، وكيف أن الصورة التي يحملها الغرب في
ذاكرته عنا مشوشة وكيف نحتاج الى تحسين تلك الصورة ، وأهمية إيجاد
الوسائل اللازمة والمتجددة لتنفيذ ذاك الهدف وهو تحسين الصورة الذهنية
للغرب التي يحملها عنا !
الأمر يبدو انه منطقي للوهلة الأولى باعتبار الحاصل الآن في العالم
على وجه اخص ما يحدث لنا أو في عالمنا العربي على التحديد. ولو انك
سألت أي أحد حولك عن صورتنا أمام العالم لاسيما الغرب ، لقال لك
على الفور إنها بحاجة الى تحسين والى الدرجة التي صار كثيرون منا
يتحسسون ويشعرون بشيء من الإحراج حينما يكون احدهم في أي بلد غير
عربي من أن يعترف بعروبته وأحيانا بإسلامه ، ويفضل أن يقول ولو كذباً
انه من دول آسيوية غير عربية أو أميركا الجنوبية ، على أن يقول انه
عربي أو مسلم !!
بالطبع ما وصل أحدنا الى محاولة التنصل من عروبته وإسلامه إلا بسبب
وقوعه ضحية ما يسمع ويقرأ ويشاهد ، دون أن يحاول التدبر والتفكر
قليلاً فيما يقرأ ويشاهد ويسمع . صار يقبل ما يأتيه من الغرب خصوصاً
ويعتبره الصدق ذاته أو الموضوعية ذاتها . وبطبيعة الحال ليس أي أحد
يقدر على فهم مغزى أي رسالة إعلامية بالسهولة التي نتحدث عنها ،
ولكن مع هذا الانفتاح الحاصل الآن في العالم ، ومع وجود مفكرين وعلماء
في الأمة الذين ما يزالون في كل مناسبة يحذرون من تلك الرسائل الإعلامية
التي تأتينا من الغرب ويطلبون أهمية تمحيصها وتدبرها قبل السماح
لها بالدخول الى الوجدان والأذهان ، لا أجد عذراً لغالبيتنا أن يقبل
ما يأتيه من الغرب سريعاً دون توقف ولو يسير ..
أعود الى الموضوع الأساسي وأقول بأن الأمر المنطقي ليس ما هو حاصل
الآن ، بل ما يجب أن يكون . بمعنى أن الذي يحتاج الى تحسين صورته
في أذهاننا قبل أذهان الآخرين في هذا العالم ، هو الغرب نفسه وليس
نحن ، باعتبار انه هو البادئ بالظلم وهو من أساء إلينا وهو من بدأ
القتل والتشريد واحتلال الأراضي ونهب الخيرات بشتى الطرق والوسائل
.
هذا الغرب هو صاحب الصورة السيئة التي يجب ألا تختفي وتنمحي من الأذهان
، وليس نحن ضحاياه . هو الذي يجب أن يعتذر ويعمل على كسبنا والتودد
إلينا بكل الطرق كضريبة تجاوزاته وظلمه لنا ولأجيال منا كثيرة ولعقود
عديدة مضت. وبالمثل علينا ألا نشعر بالحرج أمامه ونخجل من هويتنا
وديننا. يجب أن يدرك العالم أننا ضحايا الغرب والى يومنا هذا . بل
يجب أن نوضح هذا للآخرين لا أن نساعد الغرب على تكريس نظرته إلينا
وبالتالي نساهم في أن ينظر غير الغرب إلينا بتلك النظرة الدونية
.
نعم المسألة تحتاج الى جهود كبيرة لا سيما من العلماء والمفكرين
والكتاب والإعلاميين وكل من له صلة بالغرب وغيره . أضف الى أهمية
أن نتنبه الى كل ما يأتينا من الغرب وأهمية أن ندع عقولنا مقفولة
أمامه ولا نفتحها إلا بعد التمحيص والتفكر فيه . واحسب أن الخطوة
الأولى هي التفكر في هذا الحديث الذي أطرحه اليوم ، فالاقتناع به
جزء مهم ، وخلاف ذلك لن يجدي ويكون بالتالي كل ما تحدثت فيه وهما
أو سرابا بقيعة ، يحسبه الظمآن ماء ! الأمر إليك أيها القارئ، فانظر
ماذا ترى.
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى
في الموضوع
خسارة فرد مقابل ربح ألوف
تفرض
قضية الأفغاني (عبدالرحمن) ـ الذي تحول عن دينه الاسلامي الاصلي
الى المسيحية ـ ضرورة مناقشة جادة وموضوعية وعميقة، بعيدة عن العواطف
والتعصب والجنوح الى العنف. فمن الاهمية بمكان التمعن في حكم (الردة)
في الاسلام، ومحاولة الغوص في روح هذا الحكم والظروف التاريخية التي
شرع فيها ومقارنة ذلك بحال المسلمين في الوقت الحاضر، والاوضاع العالمية
التي يعيشون في ظلها، وكذلك أوضاع أفغانستان ذاتها على نحو الخصوص.
كل هذه الاعتبارات يجب ان تتوفر، لكن ـ في البداية ـ يتعين القول
ان حكم (الردة) صدر في السنوات الاولى للاسلام، وفي بيئة صحراوية
قاسية قسوة الحياة هناك، في أوساط انتقل بعضهم من حالة الجاهلية
الى الايمان بالعقيدة الجديدة عليهم، وكان بعضهم يدخل في الدين لأسباب
تتعلق به، ليس فيها من الايمان الحقيقي شيء، وكان عدد المسلمين محدودا،
ومن ثم كان الهدف هو الحفاظ على الدين ونشره، بينما كان هناك منافقون،
يحاولون اختراق المجتمع الاسلامي لتخريبه، وتشجيع ضعاف النفوس على
الخروج منه، كما كانت هناك محاولات الارتداد عن الاسلام ـ بعد وفاة
الرسول صلى الله عليه وسلم ـ التي ظهرت فيها صلابة الخليفة الاول
أبوبكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ على عكس ما كان يتوقع الكثيرون،
ونجح في الحفاظ على نواة الأمة الاسلامية.
القضية هنا، هي ان المسلمين يعيشون ـ في هذه المرحلة من حياتهم ـ
تحت ضغوط عديدة، وبلادهم إما خاضعة للاحتلال الاجنبي المباشر او
الهيمنة الغربية. وبسبب الربط بين الاسلام والارهاب ظلما في هذه
المرحلة، يحاول الغربيون ضرب الاسلام بطرق عديدة، ليس أقلها ما يجري
على صعيد التبشير، أو ترويج كتاب محرف عن القرآن الكريم يحمل اسم
(الفرقان)، على النحو الذي قاومه اخوة خلصاء في الكويت الشقيق ويشير
ذلك الى ان أصوليين مسيحيين غربيين يحاولون اختراق المجتمعات الاسلامية
لأسباب تخصهم ولا يمكن استبعاد الاسباب السياسية منها، ويحدث ذلك
في البلاد الاسلامية المركزية، كما يحدث في بلاد الاطراف ذات الديانات
والاعراق والثقافات المتعددة.
وفي مثل هذه الظروف، يفاجأ الجميع بالانتشار الواسع الذي يحققه الاسلام
في الدول الغربية، كما هو الحال في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا،
لكن المسيحيين الغربيين لا يتوانون عن أعمال التبشير في البلاد الافريقية
وجنوب شرق آسيا، لمحاصرة الامتداد الاسلامي هناك، وغرس عداء للمسلمين
بغرض الفتنة من أجل تبرير التدخل السياسي، وقد حدث الامر نفسه في
منطقة البلقان خلال العقدين الأخيرين، عندما تفجرت هناك الحروب لتفتيت
دولة يوغوسلافيا السابقة. ووسط هذا كله، تبرز حالة فريدة في مصر،
حيث يرفض بابا الكنيسة الأرثوذوكسية الأنبا شنودة الثالث أعمال التبشير
الغربية، التي لا تهدف فقط الى تنصير المسلمين في بلاده، وإنما أيضا
الى تحويل الاقباط الارثوذوكس المصريين الى كنائس غربية أخرى ترغيبا
للضعفاء الى ذلك، عن طريق التلويح بإنجازات الحضارة الغربية، والزعم
بأنها نتيجة اتباع كنائس طوائف معينة هناك، رغم معرفة الجميع بضعف
القبول العام للكنائس ـ وظاهرة الدين عموما ـ في المجتمعات الغربية.
وبالعودة الى ظاهرة (ارتداد) عبدالرحمن، يجب ان نأخذ في الاعتبار
ان أفغانستان تخضع لاحتلال اميركي ـ غربي، ويحاول الذي يفرض الاحتلال
فرض نموذج تطور الحياة الذي يراه على أبناء تلك البلاد، بكل ما يتضمنه
ذلك من إفساد للحياة، وليس أدل على ذلك من تراجعهم عن تقديم العون
من أجل مساعدة الناس على زراعة محاصيل بديلة للمخدرات، فعادت تهدد
مجتمعات كثيرة في مناطق العالم الاخرى، بعد ان نجحت حكومة طالبان
في الحد من أثر ذلك. ومن ثم فإن معالجة ظاهرة ارتداد فرد عن الاسلام
وتحوله الى المسيحية، لابد ان تكون معالجتها في اطار النفوذ الغربي
الطاغي داخل المجتمع الافغاني في الوقت الحاضر، والاغراءات التي
تقدم لأولئك الذين يضعفون أمام الاجنبي، ويرون في القوة المادية
والعسكرية نتاجا لحالة حضارية ناضجة، على عكس ما يظهر من ممارسات
أولئك الذين يفرضون الاحتلال.
النقطة المهمة التي يتعين التركيز عليها، هي ان الأمة الاسلامية
الآن لها تراث هائل في الحضارة، وينتشر أبناؤها ـ الذين يقارب عددهم
ألفا و400 مليون ـ في مختلف أرجاء العالم، وينضم إليهم ألوف كل عام
في الدول التي يعيشون فيها، دخولا في الاسلام عن قناعة، أو تأثرا
بحسن سلوك المسلمين الذين يحسنون تقديم دينهم للآخرين، على أساس
عملي بتصرفاتهم اليومية. وفي الوقت نفسه، فان بعض المسلمين ـ لأسباب
تتعلق بهم شخصيا أو مجتمعيا ـ يرتدون عن الاسلام لعقائد دينية أخرى،
لكن ذلك لا يضعف الاسلام في شيء، لأنه يحدث بصورة فردية وفي حالات
خاصة محدودة، كما انه يحدث ـ في أغلب الاحيان ـ على ارض بلاد لا
تخضع للحكم الاسلامي، أو يهرب أولئك المرتدون الى تلك البلاد، فلا
يمكن تنفيذ حكم (المرتد) بحقهم.
إذا كان يحدث في بعض الحالات، ويمثل تحديا للمسلمين، فانه يتعين
عليهم مواجهة هذا التحدي بما يتفق مع الظروف التي يعيشون فيها، والتأكيد
على أهمية إعادة النظر في طرح القضايا بطريقة مقنعة، فلا تكون الدعوة
الاسلامية موجهة الى الخارج فقط، وإنما للحفاظ على الجبهة الداخلية
أيضا، عن طريق ان يكون علماء الاسلام أفضل قدوة لغيرهم، وان يشعر
المواطن المسلم بالمساواة في مجتمعه، ويرى إقرار مبادئ العدالة بين
الناس، على النحو الذي تقضي به التعاليم الأصيلة لعقيدته، حتى تترسخ
لديه فكرة ان أحواله في ظل الاسلام، أفضل منها في ظل اي عقيدة أخرى،
فالاصلاح والعود الى صحيح الاسلام، هما أفضل الوسائل للحفاظ على
الامة الاسلامية في أوطانها، وكذلك لنشر الاسلام في أوطان أخرى.
وخلاصة القول، انه بعد تاريخ مع التراث الانساني الاسلامي يقارب
15 قرنا، يجب ان يكون لدينا من الثقة، ما يجعلنا نتقبل ان نخسر أفرادا
قلائل مثل (عبدالرحمن) الأفغاني، وندعوة له بالهداية، لأننا نكسب
ألوفا في مقابل تلك الخسارة المحدودة، وان كان علينا ان نتبع الطرق
الصحيحة لتحسين أوضاعنا لكي نحد من خسارتنا ونزيد من مكاسبنا، حتى
تظل الامة الاسلامية دائما بخير ان شاء الله.
عبد الله حمودة
mrhomouda@aol.com
أعلى
أخطاء تكتيكية .. أم خطايا؟
د. فايز رشيد*
قبل أيام من وصولها الى بغداد، وبصحبتها جاك سترو، وزير الخارجية
البريطاني، صرّحت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، بأن
ادارة بلادها ارتكبت الاف الاخطاء التكتيكية في العراق.
بداية، فإن من الأصح لرايس القول: ان بلادها ارتكتب آلاف الخطايا
بحق هذا البلد العربي وبحق ابنائه، وبحق كل العرب والمسلمين والانسانية
جمعاء. لقد تذرعت اميركا بأسباب من اجل احتلالها للعراق، وثبت منذ
اليوم الأول بطلان هذه الحجج، فالعراق خال من اسلحة الدمار الشامل،
ولم يكن يشكل خطرا لا على الأمن القومي الاميركي، ولا على الامن
الاسرائيلي، ولم يثبت أنه له علاقات لا بالقاعدة ولا بغيرها، مثلما
ادّعى مسؤولو الادارة الاميركية مرارا.
لقد قامت الولايات بعدوانها على العراق انطلاقا من تصور استراتيجي
للمنطقة كجزء من العالم، الذي تسعى للسيطرة عليه، ولتحقيق أهداف
استراتيجية في العراق: ان بالسيطرة على نفطه او كما تقول صحيفة الاندبندنت
البريطانية: من اجل التواجد العسكري الدائم على أراضيه، فهناك الآن
ست قواعد اميركية يجري تشييدها خارج المناطق الكثيفة السكان، ومنها:
قاعدة الأسد الجوية، وقاعدة بلد، ومعسكر التاجي، وقاعدة التليل الجوية.
ولقد سبق وان رصد البنتاغون (280) مليون دولار اتبعها بـ (170) مليونا
اخرى من اجل هذا الوجود الدائم.
مارست الولايات المتحدة حربها على العراق من أجل اهداف تتمثل بحماية
الأمن الاسرائيلي (مثلما كان كولن باول قد عبر صراحة عن ذلك)، ومن
اجل ممارسة سياسة التهديد لدول المنطقة، مثلما يجري التلويح حاليا
بتوجيه ضربات عسكرية لكل من ايران وسوريا وغيرهما.
صحيح ان رايس حصرت الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة، بإسقاط نظام
الرئيس السابق (بالطبع بعد فشل اثبات الكثير من المبررات الاخرى
التي ساقتها الادارة الاميركية من اجل شنها للحرب واحتلال العراق)،
ولكن هل القيام بتدمير البنية الاساسية، وحل الجيش ونهب آثار العراق
هي مستلزمات لاتمام عملية اسقاط النظام؟ يجري التعامل معها كأخطاء
تكتيكية؟ ام انها سياسات مدروسة جيدا، مورست بهدف القضاء على أية
قدرات مستقبلية للعراق، الذي يشكل عمقا استراتيجيا للكثير من البلدان
العربية؟ الولايات المتحدة مارست سياستها في العراق بعد احتلاله
عن سابق وعي وإصرار.
من زاوية ثانية: هل أن القمع، واستباحة البيوت العراقية، واهانة
العراقيين في الشوارع وعلى مرآى من أجهزة الاعلام، وممارسة تعذيب
السجناء في (أبو غريب) وغيره من السجون، والهجوم على المدن وتكبيد
العراقيين ثلاثمائة الف قتيل (جراء الحرب ـ والعدد مرشح للزيادة)
يدخل من وجهة نظر السيدة رايس في باب الاخطاء التكتيكية؟ أم ان ذلك
هو جرائم حرب تنهى عن ممارستها كل المواثيق والاعراف الدولية؟
لا يختلف اثنان على وصف ما يجري في العراق، بأنه يلحق المزيد من
الكوارث الفعلية على اهله، وهو بالفعل جرائم حرب.
على الصعيد السياسي، تتشدق الولايات المتحدة بأنها لا تتدخل في الشأن
العراقي. لكن اهداف الزيارة المفاجئة لوزيري الخارحية البريطاني
والاميركي لم تعد خافية على احد، وبخاصة أنهما استقبلا الجعفري (رئيس
الوزراء) بفتور واضح في الوقت الذي تناولا فيه الغداء على مائدة
منافسه (والذي تخلف عنه بصوت واحد) عادل عبدالمهدي في اشارة واضحة
فسرها المراقبون على أنها دعوة لاقصاء الاول وخطوة تأييدية لتسمية
الثاني للمنصب.. وفي غمرة ذلك قالت رايس (بانها لا تتدخل في الشأن
العراقي) ! فإذا كان هذا لا يعتبر تدخلا.. فما هو التدخل من وجهة
نظر الوزيرة الاميركية ؟ جاك سترو كان اكثر وضوحا من زميلته الاميركية
عندما أعلن وبصراحة (ان خسائر البلدين في العراق تسوغ هذا التدخل
.. مستطردا وفي ايحاء واضح.. نريد رجلا قويا يجلب الامن والاستقرار
للعراق).
من المواضح ان زيارة الوزيرين (المصاحبة) الى العراق تستهدف ترتيب
الأوضاع السياسية، بدءا بمحاولات الضغط لتسمية رئيس للحكومة وأعضائها
كذلك (وفقا للمقاييس الطائفية)، بعد ان طال انتظار تشكيلها لما يزيد
على أربعة اشهر ، نتيجة للاستقطابات الحادة في الوضع العراقي، الذي
لم يشهد انقساما طائفيا منذ تشكيل الدولة العراقية في عام 1921،
وفقط بعد احتلال العراق من قبل التحالف الانجلو - اميركي، ابتدأ
انقسام طوائفه الاصرار على التدخل في الشأن العراقي من قبل أميركا
وبريطانيا يصب في مجري استمرار السير (فيما تحدثت عنه رايس) في اقتراف
الاخطاء، وليس تلافيا لها، مع الفارق أنها خطايا.. وخطايا كبيرة.
*كاتب فلسطيني
أعلى
انشروا الديمقراطية و أوقفوا الإرهاب ، لكن لا تخلطوا الأمرين
فرانسيس فوكوياما *
آدم غارفينكل *
طرحت إحدى افتتاحيات صحيفة الوول ستريت جورنال
على قرائها سؤالا يقول هل لديكم أفكار افضل من سياسة إدارة الرئيس
بوش حول نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي في محاولة
لمحاربة الإرهاب . نعتقد ان الإجابة نعم . وهذه الأفكار تتكون من
الفصل بين محاربة الإسلام المتطرف ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط
بالتركيز على الجهد الأول وبتغير الخطاب والأساليب بالنسبة لنشر
الديمقراطية على الأقل في الوقت الراهن .
ان المشكلة الأساسية في منهج الإدارة الأميركية تكمن في انه يخلط
بين قضيتين مختلفتين ترتبط الأولى بالإسلام المتطرف المعادي للحداثة
والذي يؤمن بالعنف (وتجسد مؤخرا في الاحداث التي وافقت نشر الرسوم
الدانماركية وفي تفجير الضريح في سامراء) وترتبط القضية الثانية
بعجز المؤسسات السياسية والاجتماعية في غالبية الدول العربية
تفترض الادارة الاميركية ان القضية الثانية تتسبب بالقضية الاولى
وكذلك قولها ان السياسات الأميركية ايام الحرب الباردة في دعم الأنظمة
العربية المستبدة والصديقة لها مسئولة الى حد بعيد عن الدكتاتورية
العربية وقد عبر عن ذلك الرئيس بوش في خطاب له في نوفمبر من العام
2003 ورددته بعد ذلك عدة مرات كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية فقد
قال بوش إننا ضحينا بالحرية من اجل السلام في الشرق الأوسط لمدة
ستين سنة الا أننا لم نحصل لا على السلام ولا على الحرية نستنتج
من ذلك ان الولايات المتحدة لو أوقفت دعمها للأنظمة المستبدة وبذلت
قصارى جهودها لصالح الديمقراطية فربما انحسرت قضية الإرهاب بشكل
كبير او ربما حلت الى الابد .
ان الثقافات السياسية الاستبدادية تدعم الإسلام المتطرف الا ان السبب
الرئيسي للأخير سواء اليوم ام في السابق وكما يظهر في مناسبات تاريخية
عدة يعود الى الصعوبة التي تواجهها بعض المجتمعات والأفراد في محاولتهم
التوافق مع التغيرات الاجتماعية ان مسلمي أوروبا الديمقراطية متورطون
في هذه المشكلة مثلما يتورط مسلمو الشرق الأوسط فيها . وهذه القضية
هامة جدا لأنها تعتبر تحديا مباشرا لواحد من اركان وجهة نظر الإدارة
الأميركية .
ان ما تعتبره الإدارة الأميركية مشكلة واحدة يجب ان تراه على انه
مشكلتان يجب ان نتعامل مع الإسلام المتطرف بشكل منفصل عن نشر الديمقراطية
. وهذا يتطلب ان نفعل ما نستطيع لضمان النجاح السياسي لحكومتي العراق
وافغانستان .. ويتطلب أيضا قتل او اعتقال او تحييد المتطرفين من
الإرهابيين في العديد من اصقاع الدنيا وضمان عدم وصول المواد الخطيرة
اليهم في عمليات هي الأقرب الى عمل الشرطة والمخابرات من الحروب
.
لكن الخطر يتمثل في مستوى الأفكار ومثلما كان بالإمكان في السابق
قطع دابر العبودية والتخلص منها دون الحاجة لانتظار نشر الديمقراطية
يمكن أيضا قطع دابر الإرهابيين اولا دون انتظار ولادة الديمقراطيات
من المغرب حتى بنغلاديش . وعلى الولايات المتحدة وحلفائها من الدول
الغربية مساعدة المسلمين الحقيقيين والتقليديين والورعين لتأكيد
سيطرتهم على حضارة دينية جميلة ورحبة ضد هجمات الإرهابيين ذات التمويل
المالي الجيد هذه الفكرة ليست بالجديدة الا أننا لم نأخذها على محمل
الجد عند التطبيق وعلينا دعم الدانماركيين بسخاء وكذلك جميع الليبراليين
الأوروبيين الحقيقيين عند تعرضهم لهجمات الإسلاميين المسلحين والمتطرفين
.
يجب إبعاد قضية الترويج للمؤسسات الديمقراطية والليبرالية في الشرق
الأوسط عن هذه المعركة لأن القضية تحتاج الى وقت طويل والى عادة
تخطيط جذري ان الإدارة الأميركية لم تحدد مقدار الضرر الذي تسبب
به الوضع المتأزم في العراق لخططها الزمنية . ان مشروعها الخاص بنشر
الديمقراطية في الشرق الأوسط كان يستند في الأساس على النجاح المتحقق
في زرع الديمقراطية في العرق الا ان ذلك النجاح لم يتحقق وان العديد
من المنافسين الديمقراطيين لبعض الأنظمة (مثل سوريا وايران) سيقولون
انهم يفضلون الوضع الراهن على وضع يشابه ما يحدث في العراق الآن.
ذلك لن يقدم صورة وردية لمبادرة الادارة الأميركية الجديدة لنشر
الديمقراطية . في إيران ستجد تلك الإدارة صعوبة بالغة في العثور
على متعاونين لتوظيف خمسة وسبعين مليون دولار رصدت للعملية .
ان حرب العراق لم تزد من هيبة الولايات المتحدة وأفكارها مثل الديمقراطية
بين شعوب الشرق الأوسط . ليس للولايات المتحدة من السلطة الأخلاقية
الكثير ليجعلها قادرة على نشر سيادة القانون طالما ان اول شيء يقفز
في مخيلة تلك الشعوب عن الولايات المتحدة هو تعذيبها لسجناء غوانتاناسو
وبغرام وابي غريب . حاول العديد من الأميركيين تبرير تلك الأحداث
بالقول ان التعذيب ضلال سوقه أعداء الولايات المتحدة وان مثل هذه
الأحداث متوقعة في أوقات الحرب . ربما يكون ذلك مقبولا الا ان الواقع
يقول ان غوانتانامو مازال مفتوحا ولم تدن الإدارة الأميركية سوى
نفرين من جنودها بتهم إساءة معاملة السجناء . ان إصرار الولايات
المتحدة على سيادة القانون وحقوق الإنسان يبدو زائفا .
لقد فتحت الإدارة الأميركية بابا للحوار والمشاركة السياسية في العالمين
العربي والإسلامي لكن الانتخابات الأخيرة التي جرت في إيران ومصر
وفلسطين والعراق قد أوصلت الى سدة الحكم او زادت من قوة جماعات متطرفة
جدا مثل حماس والاخوان المسلمين في مصر وحتى أصدقائنا المفترضين
في التحالف الشيعي الذين ابلوا بلاء حسنا في الانتخابات التي أجريت
في ديسمبر الماضي انشغلوا في فرض نظام إسلامي متشدد في المناطق التي
يسيطرون عليها .
ان مبادئ الإدارة الأميركية ينبغي ان تتحدث عن خلق مساحات كافية
للمعارضة والحوار والا فانها ستنكفئ داخل المساجد مما سيوفر الفرصة
امام الجماعات المتطرفة للوصول الى السلطة .
ان الرأي العام اليوم لا يجري في صالح الليبراليين العلمانيين من
أنصار الغرب وانما يؤيد الإسلاميين وهذا يعني في العديد من البلدان
العربية ان الانتخابات الديمقراطية غير الناضجة ستأتي حتما بالمسجد
الى الساحة العامة بينما يجري في الوقت نفسه التعتيم على أساليب
التعبير الأخرى ان المتسامحين يخلون الساحة للمتطرفين الذين لن يسمحوا
بعد ذلك بتداول السلطة للطرف الآخر .
كم من القوة سنحتاج لنشر الديمقراطية على المدى البعيد أمر صعب التكهن
به ان السياسات الأميركية التي تدعم الإسلاميين الذين يصلون الى
الحكم ستؤخر عملية التحرر السياسية وستساعد الأطراف الخطأ في الحوارات
الكبيرة التي تجري في المجتمعات الإسلامية ونتيجة لذلك ستزيد قضية
الإرهاب تعقيدا .
علينا تغيير الأساليب التي نتبعها في مؤازرة الديمقراطية في الشرق
الأوسط ان إدراج الإدارة الأميركية لمبدأ نشر الديمقراطية في أولويات
استراتيجيتها للأمن القومي واستعجالها في تغير بعض الأنظمة (على
سبيل المثال النظام الايراني) سيضر كثيرا بالديمقراطية في المنطقة
. ان الجهود لدفع الدول لاجراء انتخابات مبكرة والذي اوصل اليوم
الإسلاميين الى سدة السلطة سيدفعنا الى ارتكاب المزيد من النفاق
عندما تفرز الانتخابات نتائج لا نريدها . يمكننا تقديم العون للعديد
من المؤسسات الديمقراطية مثل الانتخابات البلدية ومؤسسات المجتمع
المدني ان ميل الكونغرس لتقديم المساعدات والدعم للديمقراطية من
خلال وزارة الخارجية امر غير فعال بالرغم من توفر النية الحسنة .
ان آخر الأمور التي يفكر بها الان ناشطو الديمقراطية والحصول على
أموال أميركية لذلك يستحسن تقديم العون المالي عن طريق مؤسسات بعيدة
عن الإدارة الأميركية وهنالك العديد من السبل لدعم الجماعات الديمقراطية
في المنطقة مثلا العمل مع الدول التي شهدت تحولات ديمقراطية والتي
قد تملك مصداقية اكبر من واشنطن .
ان الإدارة الأميركية تضغط بقوة في الأماكن غير المناسبة الا إنها
كثيرا ما تكون لينة في المناطق التي تتطلب ضغطا قويا مثلا كان بإمكان
الإدارة ان تترك امر تمويل الديمقراطية على المدى الطويل بيد المعهد
الوطني الديمقراطي او المعهد الجمهوري الدولي .
علينا ان لا نفكر بقلب نتائج الانتخابات التي جرت مؤخرا لكن علينا
الضغط على القوى التي امسكت بالسلطة ان تحكم بنزاهة . لقد كسبت الأحزاب
الإسلامية في مصر وفلسطين شعبية كبيرة ليس لسياسة تلك الأحزاب الخارجية
وانما لضغطها على بعض قضايا الإنعاش الاجتماعي مثل التربية والصحة
والوظائف ومواقفها من الفساد . لنتركهم يعملون في ذلك الاتجاه ،
واذا لم يورطوا أنفسهم في الفساد فانهم سيكتشفون في منتصف الطريق
عظم المسئولية التي تواجههم .
ان نشر الديمقراطية يجب ان تبقى جزءا لا يتجزأ من السياسة الخارجية
الأميركية الا اننا يجب ان لا ننظر اليها على انها سلاح هام في محاربة
الارهاب علينا محاربة الإسلام المتطرف وسد الطريق أمامه بعيدا عن
التخلف السياسي والاجتماعي العربي . وعلينا تحسين الوضع السياسي
والاجتماعي بعيدا عن الإرهاب وبشكل ذكي وهادئ وصبور وبمعونة اكبر
عدد من الحلفاء ان خلط الأمرين سيحرمنا من فهمهما وبالنتيجة سوف
لن نهزم الإرهاب او ننشر الديمقراطية وانما سيحدث العكس .
* فوكوياما يعمل استاذا في جامعة جونز هوبكنز وصدر اخر كتبه تحت
عنوان : اميركا على مفترق الطرق : الديمقراطية والقوة وتركة المحافظين
الجدد .
* غارفينكل رئيس تحرير مجلة الاميركان انتيرست
نقلا عن صحيفة الوول ستريت جورنال
أعلى
رايس تتحدث بلغة سياسية جديدة عن السلام!
جواد البشيتي*
عبر كوندوليزا رايس ، شرعت إدارة الرئيس جورج بوش تتحدث ، أو تتهيأ
للتحدث ، بلغة سياسية جديدة عن النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل
، لجهة طبيعته وسُبل حله ، قبل أن تتوصل "حماس" ، حركةً
وحكومةً ، إلى تلك اللغة السياسية الجديدة ، التي وعد رئيس المكتب
السياسي للحركة خالد مشعل بتبنيها عما قريب ، وبإجبار الولايات المتحدة
وإسرائيل والاتحاد الأوروبي على تعلمها واستعمالها.
رايس لم تعلن، ولن تعلن، إنهاء إدارة الرئيس بوش لالتزامها "خارطة
الطريق"، فاللعبة السياسية والديبلوماسية الجديدة تقضي، في
الوقت الحاضر، وإلى أن تجري رياح التغيير الفلسطيني (والعربي) بما
تشتهي سفينة الشروط الإسرائيلية للحل النهائي المتَّفق عليه مع "فلسطينيين
جدد"، بالإبقاء على "الخارطة"، ولكن كمثل ظل فَقَدَ
جسمه.
الفلسطينيون، بحسب وجهة نظر رايس وتقويمها ، لم يستوفوا حتى الآن
شروط الاعتراف بهم على أنهم شريك لإسرائيل في مفاوضات سياسية ، يمكن
أن تفضي إلى الحل النهائي الذي تضمنته "خارطة الطريق"،
أي أنهم ، في معنى آخر ، قد استوفوا ، بعد وبسبب تأليف "حماس"
لحكومتها، الشروط المضادة ، والتي ستسمح لإدارة الرئيس بوش بإعلان
وتبني مزيد من المواقف الإيجابية من "خطة اولمرت"، التي
هي امتداد لـ "خطة شارون"، والتي تحظى الآن بتأييد نحو
ثمانين من أعضاء الكنيست.
لقد تغيرت "معادلة السلام"، بحسب الاستنتاج الذي توصلت
إليه رايس وأعلنته. أما سبب هذا التغيُّر فيعود إلى "نجاح الانسحاب
الإسرائيلي المنسَّق والأحادي الجانب من قطاع غزة"، و"تولي
حماس السلطة في الأراضي الفلسطينية". رايس أرادت أن تقول إن
"الأحادية" قد نجحت في تجربتها الأولى، أي في قطاع غزة
، ولا بد، بالتالي، من بذل الجهد في سبيل جعلها تنجح في تجربتها
الثانية، أي في الضفة الغربية، وفي سبيل تمكين اولمرت من أن يفي
بوعده برسم الحدود النهائية الشرقية لإسرائيل من جانب واحد بحلول
2010.
وتبريرا للتراجع المحتمل، أو المرجح، لإدارة الرئيس بوش عن مواقفها
المعلنة، و"السلبية"، تجاه الأحادية الإسرائيلية، قالت
رايس: "نحن نؤيد الحل، وحل مشكلة الحدود على وجه الخصوص، عبر
التفاوض، فخارطة الطريق دعت إلى ذلك، وحضت عليه، ولكن إذا أردت إجراء
مفاوضات فيجب أن يكون لديك شركاء.. وحكومة حماس ليست بالشريك".
قد نتفق على أن للجدال في أمر هذا الموقف من "حماس" وحكومتها
مبرِّرا، ولكن يتعذر، بل يستحيل، أن نوافق على اتفاق الولايات المتحدة
وإسرائيل على أن الحكومة الفلسطينية التي ألفتها "حماس"
غير شرعية، فما هي المعايير التي بما يتفق معها وُصِفت حكومة "حماس"
بأنها "غير شرعية"؟!
لقد ضربت الولايات المتحدة صفحا عن حقيقة أن غالبية الناخبين الفلسطينيين
في الضفة الغربية وقطاع غزة هي التي منحت الحكومة التي الفتها "حماس"
شرعية سياسية ديمقراطية، يمكن ويجب أن تُستكمل بشرعية أخرى لا تقل
أهمية، هي الشرعية المتأتية من اعتراف "حماس" بمنظمة التحرير
الفلسطينية على أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. حكومة
"حماس" ليست "غير شرعية"، وإنما "ناقصة
الشرعية"، بحسب المعيار الفلسطيني للشرعية.
الولايات المتحدة، في اتفاقها ذاك مع إسرائيل، لم تُظهِر أقل اهتمام
بهذا المعيار أو ذاك للشرعية، فالشريك الفلسطيني، وجوداً وشرعيةً،
لا يأتي من "صندوق الاقتراع الديمقراطي الشفاف"، ولا من
قرار يصدر عن الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وإنما من تلبيته
لشروط ومطالب إسرائيلية في المقام الأول، تُظهِرها رايس على أنها
شروط ومطالب دولية.
كان في مقدور الولايات المتحدة أن تقر بشرعية حكومة "حماس"،
وأن تؤكد، بالتالي، قوة التزامها الديمقراطي الذي تتحدث عنه رايس
كثيرا في محاضراتها، على أن توضح، في الوقت نفسه، أن لاعترافها بـ
"حماس" وحكومتها شروطا أخرى، منها الاعتراف بإسرائيل،
والتخلي عما تسميه "أعمال عنف وإرهاب"، والتزام ما التزمته
السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية من قبل. هنا، وفي هذه
الطريقة، كان ممكنا أن تُظهِر الولايات المتحدة شيئا من الإيجابية
في موقفها من الفلسطينيين، ولكنها فضلت أن تُظهِر إيجابية ليست بالإيجابية
في موضع آخر، فقالت، عبر اتفاقها مع إسرائيل، بضرورة التمييز بين
اعتبار سلطة فلسطينية بقيادة "حماس" غير شرعية وبين تلبية
الحاجات الإنسانية للفلسطينيين. وهذا التمييز الضار وغير المفيد
سيُتَرجَم عمليا بحظر كل اتصال مع "حماس" وحكومتها، وبتحويل
الطرف الآخر في السلطة الفلسطينية إلى ما يشبه "الأونروا"،
فمن خلاله يتلقى الفلسطينيون "المساعدات الدولية الإنسانية"!
هذا الموقف، الذي اتفقت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، إنما يعني
معاملة السلطة الفلسطينية على أنها مؤلَّفة من طرفين: طرف "غير
شرعي" هو حكومة "حماس"، وطرف شرعي هو الرئاسة الفلسطينية.
الطرف الأول لا اتصال، أو تعاون، معه، ولا مكان له في جهود ومساعي
ومفاوضات السلام التي لا وجود لها. والطرف الثاني هو، أيضا، ليس
بشريك في مفاوضات السلام؛ لأنه لم يقف ضد الطرف الأول، ولكن يمكن
التعاون معه بصفة كونه قناة يتلقى عبرها الفلسطينيون "المساعدات
الدولية الإنسانية"!
اولمرت، الذي يعد العدة لإقامة ائتلاف حكومي يقوم، في أساسه، على
تحالف بين "كاديما" و"العمل"، جنح، بعد فوزه
الانتخابي الذي لم يرضه كثيرا، لبرغماتية خادعة كاذبة، إذ خاطب رئيس
السلطة الفلسطينية محمود عباس قائلا: "إني مستعد للتخلي عن
حلم إسرائيل الكبرى. نحن على استعداد لإجلاء يهود يعيشون في مستوطنات
من أجل أن نتيح لكم تحقيق حلمكم في أن تكون لكم دولة. لكن ينبغي
لكم أن تتخلوا عن حلمكم في تدمير دولة إسرائيل. إذا وافقتم على العمل
في هذا الاتجاه فسوف نجلس معكم ونتفاوض. أما إذا لم تفعلوا فسوف
نتحرك وحدنا، ومن دون اتفاق معكم".
كان اولمرت، على ما أحسب، يرد على دعوة السلطة الفلسطينية الحكومة
الإسرائيلية المقبلة إلى "مفاوضات فورية مع منظمة التحرير الفلسطينية"،
فإذا كانت "حماس"، أو حكومتها، غير مستوفية لشروط الاعتراف
بها على أنها شريك فلسطيني، وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية
مستوفية لتلك الشروط، ويحق لها وحدها تمثيل الشعب الفلسطيني في مفاوضات
السلام، فلِمَ لا يلبي اولمرت الدعوة؟!
حتى يفكر اولمرت في احتمال التفاوض مع "حماس" لا بد للحركة
وحكومتها من أن تلبي شروطا ومطالب إسرائيلية لا يمكنها أبدا تلبيتها.
وحتى يقبل الجلوس مع رئاسة السلطة، أو المنظمة، والتفاوض معها، ينبغي
لها أن تقبل حلا نهائيا لا يختلف إلا جزئيا عن الحل الذي يعتزمه
اولمرت في "غياب" الشريك الفلسطيني. والفلسطينيون، بحسب
"مبادرة اولمرت"، سيظلون مستمسكين بحلم تدمير إسرائيل
إلى أن يقبلوا ذاك الحل النهائي، فالمشكلة التي يجب حلها، في رأي
اولمرت، إنما تكمن في أن الحلم الفلسطيني هو حلم بتدمير دولة إسرائيل،
التي من فرط إنسانيتها وحبها للسلام مستعدة لتنازلات مؤلمة، تتخلى
فيها عن حلم إسرائيل الكبرى، وتمنح الفلسطينيين جزءا من "يهودا
والسامرة"، يقيمون فيه دولة لا يستحقونها، بمعياري "الحقوق
القومية" و"الحقائق التاريخية"!
إننا نقر بالصلة العضوية بين "خارطة الطريق" و"خطة
شارون ـ اولمرت" على أن تُفهم هذه الصلة على حقيقتها، فـ "خارطة
الطريق" إنما هي الطريق إلى "خطة شارون ـ اولمرت"،
وليس إلا وهما خالصا فهم "خطة شارون ـ اولمرت" على أنها
الطريق إلى "خارطة الطريق". ولو تهوَّد الفلسطينيون، ولو
قبلت إسرائيل تهوُّدهم، فلن تتبدل تلك الصلة!
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
هل تتعلم أميركا من سنغافورة كيفية التعامل مع مسألة الهجرة ؟
دانيل سنايدر *
تتجاهل المناقشات الحادة الدائرة في الأوساط الاميركية حول موضوع
الهجرة حقيقة هامة للغاية وهي أن ما يحدث مع الولايات المتحدة ليس
سوى جزء صغير من صورة أكبر تشهدها معظم دول العالم.
وقد تفاجأت قبل اسبوعين عندما كنت في زيارة إلى سنغافورة - وهي الجزيرة
التي تقع في جنوب شرق آسيا ويشار إليها دائما على أنها نموذج اقتصادي
بل وهي كذلك العاصمة الاقتصادية للمنطقة بأسرها - بوجود نفس المشكلة
التي تواجه الولايات المتحدة بأبعادها المتباينة.
فالاقتصاد في سنغافورة يواجه خطرا ديموغرافيا
يتمثل في تقلص عدد السكان البالغ 4 ملايين نسمة وذلك بسبب الانخفاض
الشديد في معدلات الخصوبة. فالمعروف أن الزوجين السنغافوريين يعملان
بجد وكد وليس لديهما سوى عدد محدود للغاية من الأطفال كما انهما
مشغولان في الوقت نفسه بالعناية بالوالدين الكبيرين في السن. وبحلول
عام 2050 من المتوقع ان يزيد المتوسط العمري في سنغافورة على 52
عاما ، وهو واحد من أكبر المعدلات في العالم.
وفي إطار المحاولات التي تبذلها سنغافورة لحل
مشكلتها في استيراد الأيدي العاملة من الخارج أصبح هؤلاء العاملون
الوافدون يمثلون ثلث إجمالي الأيدي العاملة. وهناك واحد من كل سبعة
منازل تعمل به خادمات يحصلن على رواتب منخفضة ومعظمهن من إندونيسيا
أو الفلبين المجاورتين.
وتجتهد سنغافورة في تقديم المغريات للأشخاص
من ذوي المهارات المتميزة من المهاجرين كي يقيموا بشكل دائم هناك
فيما يقع العمال الذين يقومون بالأشغال العادية وعاملات غسل الملابس
في تصنيف مستقل للعامل الضيف المؤقت حيث تكون الفرصة المتاحة امامهم
للاستمرار في العمل لفترة طويلة محدودة للغاية. فإذا ما وجد ان إحدى
العاملات قد اصبحت حاملا تجري إعادتها إلى بلدها خلال سبعة ايام
، كما ان أصحاب الأعمال يلتزمون بتسديد تأمين لضمان عدم مخالفة الخادمين
للوائح الإقامة وتجاوز الفترة المسموح لهم بقضائها وهو ما يجعل أصحاب
الأعمال يقومون بدور شرطة الهجرة.
وقد بلغت حدة المشاكل والانتهاكات التي تتعرض
لها الخادمات في المنازل إلى الحد الذي أثارت فيه تقارير لجنة حقوق
الإنسان في ديسمبر الماضي .
وربما يمثل اعتماد سنغافورة على استقدام ايد عاملة من الخارج أقصى
درجاته مقارنة بدول العالم الأخرى ، فالسوق العالمي يتأثر في المقام
الأول بعامل الأيدي العاملة مثله مثل رأس المال والمنتجات.
والملاحظ أن حركة الأشخاص عبر حدود الدول بحثا
عن فرص أفضل للعمل خلال السنوات الأخيرة - وغالبها من الدول النامية
إلى الدول المتقدمة - تأخذ منحنى تصاعديا قياسيا. فقد تزايدت أعداد
العاملين ووصل إلى حد انه ما بين عامي 1980 إلى 2000 قفز العدد من
48 مليونا إلى 110 ملايين ما يعني اكثر من الضعف. وأصبح العاملون
المهاجرون يمثلون نسبة 12% من القوى العاملة في البلدان ذات الدخل
المرتفع. وهناك 4 ملايين مهاجر ينتقلون عبر حدود الدول كل عام بطرق
غير شرعية.
ومن العوامل التي تحمل أكبر الأثر على حركة
تنقل الأيدي العاملة الكوارث الديموغرافية ومعدلات النمو السكاني
في الدول المتقدمة ، فجميع هذه الدول تقريبا تنخفض معدلات الخصوبة
بها دون 2.1% وهذه النسبة المنخفضة تعني تقلص أعداد الايدي العاملة
وزيادة نسبة كبار السن. وبدون الهجرة - كما تشير الدراسات - لانخفض
أعداد السكان في دول أوروبا بـ 4.4 مليون من 1995 إلى 2000 . وخلال
هذه الفترة كان أعداد المهاجرين يمثلون 75 % من الزيادة في اعداد
السكان في الولايات المتحدة.
والواقع أنه لا يمكن وقف حركة تنقل الأشخاص سواء عن طريق الحواجز
أو قوات حراسة الحدود ، فهي مسألة تتطلب تعاونا دوليا لمجابهتها
.
وكانت لجنة عالمية خاصة بالهجرة الدولية قد تشكلت عام 2003 بقرار
من أمين عام الأمم المتحدة واتخذت خطوات اولية حيال القضية. وقد
دعا تقريرها الذي نشر في الشتاء الماضي الى دعم برامج العامل الضيف.
وإحدى المشاكل التي تواجه هذه البرامج ان العامل الضيف لا يغادر
البلد المضيف ، وأهم ما يثير القلق لدي أنا شخصيا هو ان تلك البرامج
تفرز طبقة دنيا من المهاجرين لا يندمجون مطلقا في المجتمع كما هو
الحال في ألمانيا ، وهو ما قد يكون مشجعا على نهج الاساليب التي
تطبقها سنغافورة وآليات تعاملها مع المهاجرين.
وفي الولايات المتحدة تأتي مثل تلك البرامج كدعوة إلى اصحاب الاعمال
لتقليص أجور العمال الاميركيين ولا يقتصر ذلك على الوظائف الدنيا
التي يفترض أنه من الصعب الوفاء بمتطلباتها من الأيدي العاملة.
وتفخر الولايات المتحدة - وهي محقة في ذلك - بتقاليدها التي دأبت
على معاملة جميع المهاجرين على أنهم مواطنون ولكن أليس الأفضل من
برنامج العامل الضيف وبما يتماشى مع النهج الأميركي أن يتم وضع نسب
هجرة على أسس واقعية وأن يتم تطبيقها بطريقة حاسمة وعادلة ؟
* كاتب عمود في الشئون الخارجية لصحيفة سان
خوس ميركري نيوز
خدمة كيه ار تي خاص بـ(الوطن)
أعلى