أعلى
9 أبريل 2003
بعـض مما عـلق في ذاكـرة السقوط
هذا اليوم.. كنت معهم هناك.. تنتشي.. وتحتفي.. ودون ان تدري
كنت ترقص فرحا في شوارع بغداد.. تناظر المشهد الذي تاقت عيناك
لرؤيته.. كنت في وسط المعلقة اعينهم بالتمثال الشامخ.. وهو يقاوم
السقوط.. ويرفض الخضوع.. حتى اذا ما سقط.. شعرت بدمعة حزينة
تنحدر على خديك.. وبكاء يضج به القلب.. وسقم في الفؤاد.. لم
تدر مبعثه.. فرحت معهم تهتف وتهتف..
كان يوم التاسع من ابريل العام 2003م..
تاريخيا بالمعنى المراد للكلمة.. برغم انه ابتدأ كباقي الايام
التي سبقته.. في الصباح الباكر كانت عناوين الصحف هي ذاتها التي
كانت بالامس.. وقارئ نشرة الاخبار التليفزيونية.. يعيد على مشاهديه
عناوين النشرة التي قرأها بالامس.. لا شيء جديد في صباح هذا
اليوم.. تواصل القصف.. توالي الدمار.. وموت في كل مكان.. لم
يسلم منه احد.. حتى مراسل شبكة الاخبار.. وجد نفسه صورة تراجيدية
للمشهد برمته.. كان يعتمر خوذته.. ويشير غير بعيد الى سحب الدخان
التي تنبعث من هناك.. حيث ثمة موت قادم لم يدر انه سيكون مقصده
ومحط رحاله.. حتى اذا ما سقطت قذيفة بالقرب منه.. وتهاوت عدسة
التصوير.. ادرك الجمع المجاور له.. بأن ثمة خطبا ما وقع على
مقربة منهم.. وكانت الدماء تنبئ بالتفاصيل التي حدثت.. ابلغ
من كلمات المراسل ذاته التي باحها قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة..
سقطت العدسة اذا.. بعدها دفع احدهم حياته ثمنا للجريمة التي
ستتعاظم بعد حين وجيز من الزمن.. لكن الصورة التليفزيونية ظلت
ماثلة للعيان.. متواصلة البث من مواقع اخرى.. وبين هذا الوجع
وذاك.. لا اختلاف.. ولا فروقات.. ولا يكاد المرء يتواصل الى
تحديد اليوم او الساعة التي التقطت فيها هذه الصورة طالما ان
القاسم المشترك بين جميعها هو الموت والدمار.. وصرخات الرحيل
التي تنبعث من كل مكان..
ومع مراسل شبكة الاخبار.. سقط العشرات.. وتناثرت الجثث في الشوارع
وعلى مداخل الاحياء السكنية.. وفي ملاعب وحدائق الاطفال.. وفي
المنازل.. في كل مكان.. كانت لعب الاطفال وحدها الشاهدة على
جريمة وقعت هنا قبل قليل.. لكن كل ذلك يعدو مألوفا.. في بلد
ألف الحرب.. وتعود الصحو على بكائيات الموت والدمار.. وعلى ملاسنة
القادة والسياسيين.. يديرون الحرب عن بعد.. كلما خفتت زادوها
سعيرا.. يقذفون إليها اجساد الصغار.. كيما يزداد سعيرها.. ويتعاظم
لهيبها.. ومن البعيد.. كان نخب الموت يتبادل بين اكلة لحوم البشر
ومصاصي الدماء..
كانت شمس التاسع من ابريل.. تشرق كأي يوم.. ترسل اشعتها الحزينة..
تضئ الامكنة التي اظلمتها نيران الحرب.. والاجساد التي تفحمت..
وما عاد يعرف منها غير رائحة الموت.. وكان من بقي من الاحياء
يجول في طرقات المدينة يترقب خبرا او حدثا ما ينهي زئير الحرب
ولفيحها.. كان يتجول دون خوف او وجل.. وهو الذي بترت ساقه..
او جدعت انفه.. او اصابته عاهة في حرب اخرى.. ما كانت بالنسبة
له اخر الحروب.. على رأسه تحلق الطائرات.. وتقذف الموت الى كل
مكان.. لا تفرق بين الشجر والحجر.. ولا بين المنازل والثكنات
العسكرية.. بين الذين يعتمرون الخوذات والذين انكشفت رؤوسهم
وبانت اجسادهم واصبحت هدفا يسهل اصطياده.. واضافته الى رقم يتضاعف
في كل لحظة..
لا شئ جديد في ذلك اليوم.. لا وجع مختلف.. على الاقل حتى وقت
الظهيرة.. البيانات العسكرية التي حفظتها الافئدة عن ظهر قلب..
واصبحت تدرك ما ترمي إليه وتقصده.. جنود الاحتلال ينتحرون على
اسوار العاصمة.. والمدينة ما زالت منيعة مستعصية.. والقادة العسكريون
في مقدمة الصفوف.. حالهم حال قادتهم.. عاشقي الحروب والدمار..
واراقة دماء الابرياء بشتى الطرق والوسائل..
كانت الشوارع والمحلات التجارية تنبض ببعض حياة.. وتتدثر بالامل
الذي ينهي الحرب لحظة ما تبلغ ذروتها.. وكانت الاجساد التي تمرق
في الشوارع تعبر غياهب الدروب دون ان تدري مستقرها ومستودعها..
كانت ثمة حياة نابضة فيها توشك ان تنفجر كبراكين تقذف حممها
الى كل مكان.. وكانت الصرخة المؤججة في النفوس.. المحبوسة داخل
الصدور تكاد تنفلت من زمامها.. وتطلق ذاتها.. لتصرخ بملء فيها..
أن كفى..
تسكن الشمس بعدئذ.. تتوقف الحركة في شوارع بغداد برهة وجيزة
من الزمن.. لا تكاد تدرك بالعين المجردة.. تتبدل الاجساد.. والصورة
تنقلب من حال الى آخر.. يخفت صوت الدمار.. وطلقات البنادق تستكين
لبرهة ريثما تكتمل الصورة /المشهد/ الوجع الذي لن يتكرر في زمن
او مكان آخر..
الجميع ترك موقعه.. والاكثر منهم هرب.. والذين كانوا يتشدقون
ببث البيانات والخطب السياسة.. والحماسية كانوا اول من ترك المعركة
وهرب ليقودها من مكان آخر.. يحفظ فيها حياته لا كرامته.. وجوده
لا شرفه.. ماله لا عرضه..
كانت صورة ساحة الفردوس وهي تتبدل من هيئة الى اخرى.. وتحوي
وجوها غير تلك التي عرفتها على مدار سنوات سبقت هذه اللحظة..
طال الزمن عليها وهي تقاسي مرارة الذين يأتون بالمشانق وآلات
الموت الى هذا المكان كيما ينهوا حساباتهم ويمارسوا سطوة الانتقام..
وحدها الفردوس من كانت شاهدة على كل ذلك.. تقاسي مرارة التحول
وعذابات الرحيل عن الكراسي طوعا وكرها..
والذين دخلوا الفردوس ذات مرة.. مكرمين.. مبجلين.. تحفهم مباركة
الجموع من حولهم.. وترفع لمقامهم الولاء والطاعة.. وتهتف باسمهم..
بالمجد.. والعزة.. والكرامة.. وبكل الكلمات البديعة العظيمة
ذات المقام الرفيع.. ها هم يتأهبون للخروج منها الى الجحيم..
حيث تصلاهم نار اللعنة من كل صوب وحدب.. ويقذفون بلظى الانتقام..
وثأر الجوع في سنوات الحرمان.. عندما كانت دماؤهم تستباح لأجل
علو مجد القائد.. والذود عن حياض الوطن..
هاهم الآن يتبدلون ويتغيرون على غير الصورة التي كانوا عليها
قبل شروق شمس هذا اليوم.. ملامحهم تتبدل كما هيئتهم وألسنتهم..
وقوميتهم.. حتى هتافهم الحماسي بحياة القائد.. صار هتافا آخر..
اكثر صوتا وحماسا.. للقائد ذاته.. لكن بموته لا حياته.. ولعنته
لا رحمته.. الفردوس في لحظة تالية صارت سعيرا.. تطيح بكل الامجاد
التي بزغت هنا.. والغزاة الذين وطئت اقدامهم ساحتها للتو.. اغدقوا
عليها بوسام الحرية.. وانعموا عليها باولى تباشير العهد الجديد..
كان اختراق اسوار وموانع بغداد الحصينة عبر ساحة الفردوس.. نذيرا
بولادة احتلال جديد يعيد للذاكرة احتلالات سابقة.. سقطت فيها
مدن وانهارت انظمة واطيحت حكومات.. كان مشهد المدرعات وحاملات
الجند الاميركية وهي تعرج الى الفردوس الاسفل.. لا الفردوس الاعلى..
تزاحم العابرين في الشوارع والطرق الرئيسية والفرعية.. في المناطق
والاحياء السكنية.. في القناطر والجسور.. وعلى ضفاف النهر..
والمارقين سريعا.. والاتين على اجساد الموتى.. هؤلاء جميعا اختفوا..
وتبدلوا كما السماء ذات شمس قائضة.. جاءها ريح عاصف.. وحجبها
الغيم من كل شعاع..
كان المشهد يتطاير سريعا بين الفضائيات والارضيات التليفزيونية..
الكل يبث نصيبه من الكعكة التي بدأ تقاسمها للتو، ويطلق الزغاريد
تارة على سقوط المدينة وبكائية تارة اخرى على ضياع مجد القائد
وانتحار طموحاته.
تحوم المدرعات والآليات العسكرية حول تمثال المهيب.. وكأنها
تحوم حول فريستها.. وتتحين الفرصة المواتية للانقضاض عليها..
واطلاق رصاصة ليست بالضرورة ان تكون رصاصة رحمة طالما ان المصير
والنتيجة ستكون لا محالة الى الموت..
وكأن لحظات المشهد التالي.. مرسومة بحرفنيته متناهية.. وبدقة
شديدة تستقرئ ماضي العراق ومستقبله.. بعدما اصبح الحاضر نسيا
منسيا..
العربة العسكرية المدججة باعتى الاسلحة تتوقف دون ان تستخدم
ايا منها..
ينزل الفاتح/ المحتل الجديد.. ينظر ذات اليمين وذات الشمال..
ومدرعته باسطة رصاصاتها بالوصيد.. هو الآن (المهيب) ولا احد
غيره.. وحده هذا الذي بقربه.. على قامته.. ينازعه (الهيبة)..
ويخاصمه (المكانة(..
ينظر إليه..
والنظرات تقول ما لم تقله الكلمات..
يقترب الجندي الفاتح الى موضع التمثال..
يخاطبه..
هكذا نحن اذا ايها الرفيق، قد غدونا في خط واحد.. ومستوى مماثل..
وفي فضاء كهذا احدنا لا بد ان يسقط من موضعه كيما يبزغ نجم آخر..
كانت أيديولوجيا الجندي في تلك الوضعية وطن/ حضارة، توشك ان
تبزغ شمسها لتغرب شمس اخرى.. وما بين الشمسين تضيع الحرية ومعانيها
الفضفاضة.. تلك التي يرفرف رمزها في كل واد.. ليرتفع مع الجندي
كيما يغطي وجه المهيب.. ويحجب عن ناظريه الصورة التالية.. ويبعد
شبح الوجوه وهي ترجم التمثال بعدما كانت تحيط به.. تقدسه ليل
نهار.. تقدم ارواحها قرابين ولاء وطاعة له.. وفي اللحظة التي
ادرك الجندي فيها انه خرج عن السيناريو المحدد له.. وعن الصورة
المراد الوصول إليها.. غطى وجه التمثال برمز الوطنية.. وبالصورة
التي ظل مدافعا عنها.. ومنتصرا لها.. كانت صورة المهيب الصامتة
دون حراك في اللحظة التالية مغطاة بالعلم العراقي.. كيما يكون
الحكم الصادر بحقه من ذات الوطن الذي كان يصدر احكام الموت بحقه..
انها لعبة تبادلت فيها المواقع.. واختلفت الاماكن.. وصار القاضي
/الحاكم/ الجلاد في موضع الاتهام.. اما المتهمون.. فقد تحولوا
الى قضاة /حكام/ جلادين.. واصدروا في تلك اللحظة حكمهم غير القابل
للمداولة..
كان التنفيذ سريعا.. لكن الشعب لم يكن هو الجلاد هذه المرة..
كانت جنازير الاحتلال ومدرعاته هي من انزلت العقوبة وغيرت الصورة
الماثلة والصور التالية لها.. كان مشهد سقوط الزعيم.. او لنقل
اقرب للواقع وللصورة المتحركة والساكنة المتناقلة عبر الفضائيات
والارضيات الى اقطاب العالم واصقاعه.. مشهد خفوت وانهيار الرمز..
من المشاهد التي تكررت كثيرا في عموم العراق.. الكل يهرع نحو
اقرب تمثال او صورة او مجسم للقائد الذي كان مهيبا ومجاهدا..
وبطلا ومغوارا وكل الصفات البطولية والنضالية والجهادية.. وصار
هاربا ومطاردا.. سجينا.. مكبلا.. متهما.. على انقاضه تحطمت هيبة
الرمز وشموخ التمثال وكبرياء المجسم.. ومن سقوطه المدوي.. المفاجئ..
طار الخوف والوجل من عيون المواطن حينما كان كل ذات مرة يمرق
بقرب التمثال فيجد فيه شخص القائد وروحه الحية وليس تمثاله..
كان مرام الجندي.. ان تتحقق جّل هذه الاهداف والمرايا ـ هز شموخ
الرمز وكيانه ـ.. فراح يسرع في تطويق الصنم البرونزي.. فيما
يتقاطر الاخرون كيما يحصلوا على نصيبهم من البرونز.. ويطلقوا
لعنة الانتقام من هذا الذي سرق قوتهم في زمن الحصار وراح يعلو
على هاماتهم.. يناظرهم انّ خطت الاقدام ساحة الوطن.. ونشدت السير
في دروب تخلو من اعين وتماثيل السيد المقداد..
وتحقق بعض المرام..
سقطت اكذوبة المجاهد وسط المعركة.. كان سقوط الصنم في تلك اللحظة
الخالدة.. ـ الخلود هنا نعمة تاريخية حتى لا تنطوي سيرة وحدث
السقوط في غياهب التاريخ واحداثه ـ هو سقوط للخوف والرعب المزروع
في قلب كل مواطن عراقي.. برغم ان السقوط ذاته سيحال الى بكائية
اشبه ما تكون بعاشوراء كربلائية.. تضرب الصدور جزعا على من رحلوا
في لحظة غدر.. وتلطم الخدود حزنا على المجد الذي اندثر في اوج
عليائه.. وما بين كربلاء والفردوس فاصل زمني ومكاني.. وبعد بين
شخوص الحدث كما بين المشرق والمغرب..
انهيار التمثال /الرمز للقائد الصنم، هو اذا انهيار للذات وللروح
المتقدة والمتعطشة لحكايات المعارك وانتصارات الحروب.. وللقصص
والحكايات التي يتردد صداها كلما اشتعل فتيل حرب او تطاير دخانها..
كانت حياة العراقي وهو يراقب انهيار كل شيء من حوله.. ويعايش
التحول السريع من دولة المؤسسات العسكرية والامنية الى دولة
الفوضى والتخريب.. من الخوف المتربص بالقلوب والافئدة وهي تناظر
انهيار مراكز الدولة واجهزتها القمعية.. الجماعية والفردية..
بعدما كانت تنصب الاعين لكل حركة او همسة يمكن تفسيرها بمعاني
ودلالات تجرد وطنية وانتماء قائلها..
كان انهيار الرمز وسقوط التماثيل وتوشح صور المهيب بالسواد..
انهيار مقابل لدولة الخوف والقمع.. وفي ذات الوقت بروز لدولة
الموت والدمار والسيارات المفخخة التي ستجوب العراق من اقصاه
الى اقصاه في تجوال مجاني للموت لم يسلم منه احد..
صار يوم السقوط يوما وطنيا غير متفق عليه في الذاكرة العراقية..
البعض يستعيده ببكائية يسترجع معها زمن القائد الصنديد.. والبعض
الآخر يسترجعها لينفض عن كاهله خوف الليالي الفائتة.. وخفافيش
الظلام المترصدة به حتى في خلوته مع ذاته..
وبينهم كانت ساحة الفردوس تلملم بقايا ذاكرة كانت هنا.. ما عاد
لها مكان في قلوب المارين والعابرين والآتين على فجيعة الحدث..
كان قدرها ان تكون شاهدة ومتأثرة بكل صراعات الكراسي وانهيار
الحكومات وقيام اخرى.. كانت مشانق الانهيار والانتقام تنصب في
الساحة.. وتعلق بقايا الانظمة عبرة ليعتبر النظام القادم فيما
سيؤل مصيره إليه..
في ساحة الفردوس او الجنة او الحرية التالية للمسمى الجديد..
وجّل التسميات تلك تشاكس النهايات التي يتجه إليها كل من ترتفع
هامته ذات يوم على هذه الساحة ـ من هنا طاحت هامات قادة وعلت
هامات أخرى.. والفجيعة التالية هي ذاتها التي سبقت.. كل من يأتي
العراق يخرج منه مدحورا ملعونا.. قتل الملك فيصل الثاني هو وأفراد
عائلته وخاله عبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد وتم جر جثث
بعضهم في الشوارع.. واعدم عبدالكريم قاسم بعد محاكمة صورية سريعة..
واغتيل عبدالسلام عارف.. وتشرد عبدالرحمن عارف.. واحجر احمد
حسن البكر رهين محبسه حتى رحل في صمت.. وها هوذا المهيب في لحظة
ذل وهوان بعدما ارعب وارعد.. في لحظة كانت الفردوس حاضرة وشاهدة
على الحدث.. المشهد الذي احدث هزة في الصورة المتأنقة للزعيم
البطل.. وكانت البداية اسقاط الصنم الرمز.. في مشهدية حملت معاني
وقراءات عديدة.. ستظل متداولة لزمن طويل.. قبل ان تفيق الذاكرة
من هول المفاجأة وتعي الحقيقة التي لا مناص منها، وهي ان الزعيم
الاوحد انتهى الى غير رجعة، وكانت نهاية غير متوقعة حتى لاولئك
الذين رسموا /ساهموا في رسم صورة الاحتلال البغيض.. وتقديم الوطن
قربانا للوصول الى الكراسي واحلام المنافي والشتات.. لتأتي بعد
ذلك صور اخرى لتحطيم صورة الزعيم وكسر شعبيته وجماهيريته وتحوير
الصورة المغروسة في قلوب مؤيديه.
كان سقوط الصنم بداية لمرحلة جديدة تكتب تاريخ العراق من اللحظة
التي وصلت فيها المدرعات الاميركية الى ساحة الفردوس، فبرغم
ان الحرب قامت قبل حوالي ثلاثة اسابيع، الا ان تلك اللحظة كانت
وحدها من انطبع وظلت فاصلة في تاريخ العراق، تكتب التغير والتحول
الذي صار..
في رحلة سابقة الى بغداد، وقفت قبالة ساحة الفردوس، تأملت الزعيم
المهيب وهو يلوح بيديه محييا المارة والعابرين، راسما الهيبة
والشموخ للمكان، كانت ثمة مشاعر تنتابني في تلك اللحظة، وجدتني
اتوحد مع الرؤية التي يطلقها الزعيم ـ ربما بسبب قربي الشديد
من التمثال/ الرمز ـ، كانت جّل اوصالي تهتف بكلماته، وتنادي
بشعاراته.. كنت كحال الكثير من حولي اجسد صورة الزعيم في شخصي..
اهتف واهتف.. حتى اذا ما بلغ الهتاف ذروة سنامه.. سقط الزعيم/
الرمز.. وتكالبت عليه الرماح من كل صوب، وغدا ملهاة تتردد صداها
في كل مكان.. تأخذ في طريقها المؤيدين بالهتاف والمعارضين بالهتاف
ايضا..
سقط تمثال المهيب.. وعمت الفوضى في كل مكان.. كان الفتح المبين
للاحتلال يستبيح حرمات الوطن.. ويضع ثروة البلاد غنائم لهذا
الفتح والدخول المبارك الى اسوار مدينة السلام..
في صورة تالية.. تناقلت الفضائيات المتحركة والساكنة.. كوميديا
سوداء اخرى من ارض العراق.. الكل يهرع نحو اقرب دائرة حكومية
/مستشفى/مدرسة/ متحف أثري/ ملجأ ايتام.. ـ لا تهم التفاصيل هنا،
طالما تتعلق بمؤسسة كانت ترفع العلم العراقي او تنضوي تحت لوائه
من قريب او بعيد ـ فقد اصبحت جميع الاماكن مستباحة حرة للطامعين
والناقمين وطالبي الثأر.. الذين انطلقوا منعتقين من أنفسهم ينهبون
ويحرقون ويدمرون وكأنهم يحتفلون بالفوضى أو كأنهم قاموا من نومة
طويلة ومفزعة.. كان ممتهني انتهاك حرمات الوطن.. ولصوص ثرواته
يتناسلون ويتكاثرون خلف جنازير دبابات الاحتلال.. ويدبون عند
كل شاخصة وسارية يحملون خطاياهم على اكتافهم.. ينثرونها بضاعة
تباع وتشترى.. والمجد لمن يحوز البضاعة الاكبر..
انهار الصنم.. والصدمة تلقي رداءها تدثر كل من يتابع الحدث..
والدهشة تلجم الالسن.. وتحبس دموع المآقي.. لا شيء يقال هذه
اللحظة.. لا بكائية ولا فرح تستحضر المشهد وتعيد رسم كينونته،
كل شيء يأتي سريعا.. كل شيء يمر بطئا.. ورغم كل ذلك الاتيان
السريع للاشياء /المرور البطئ لها.. لا شيء تغير في بغداد..
قبل قيامة الصنم وبعد قيامته.. لم تكن المدينة تحمل غير ملامح
الخوف.. والجوع.. والعراء.. وهاهي تتدثر به من جديد.. بنايشين
مطرزة بالحرية القادمة على فوهة المدافع..
الجثامين التي كانت تساق سرا.. اصبحت اليوم تساق جهرا.. لا فرق
بين الموت بسيف الزعيم المبارك.. او برصاصة طائشة /اخطأت الهدف..
فكلاهما يقود الى ذات الغياب.. طالما الفعل (طغى) باق في البلاد
يعيث فيها الفساد.. تماثيل تهوي.. واخرى تقام على عجل.. يسقط
الزعيم المهيب.. وترتفع هامة الشهيد السعيد.. والامام النجيب..
حتى صور اللصوص صارت ترتفع في كل ركن، وفي كل حائط.. بمسميات
ومعان مختلفة.. ودلالات الصورة هي ذاتها.. لم تتبدل كينونة السارق
ولا الخائن.. اكان مقدمه بالهتاف.. او الرصاص.. فكلاهما ذو معان
ودلالات قد تشي بالقبول وقد تشي بالرفض والاعتراض..
بغداد التي ودعت ذات مساء طغاتها.. تستقبل في ساعة تالية طغاة
اخرين.. حرية تعقبها حرية.. موت يخلف الموت.. صرخة تتلو الصرخة..
وتماثيل الشهيد تسقط لترتفع تماثيل اللصوص.. ووحدها تلج يوما
آخر دون ان تدري لأي حرية تهتف.. ولأي طاغ تصفق.. وبأي يوم تحتفل..
غير ان الحقيقة الوحيدة التي تحتفظ بها في ظل صراع سقوط وقيام
التماثيل.. انهم وحدهم الشعراء والعلماء والنجباء من ترتفع هامتهم
ويعلو شموخهم.. ويتجسد كبرياؤهم.. يقاومون اعتى الرصاص.. وحمامات
الدم المارقة في كل مكان.. كانت تماثيل الرصافي والمتنبي والفارابي
وعباس بن فرناس وابو النواس تنظر الى النيران التي تتصاعد من
حولها وتحيط بها.. دون ان يمسها الشرر وينالها الاذى..
مشهد يتلوه مشهد..
انكسار يعقبه آخر..
دماء تخلف دماء..
ويوم طويل ما اذنت شمسه بالشروق.. ولا الافراح اينعت في ملاعب
الصغار.. ولا ارتسمت البسمات في وجوههم..
فرحة السقوط.. صارت حسرة تالية.. والموت لغة مشتركة والفتح ما
عاد مبينا.. ولا النصر ظافرا.. وبغداد.. كما هي.. عاشوراء متواصلة..
وجملة اعتراضية خارج النص.. ماض قاس يثير الفزع والدمع.. وحاضر
مضحك حد البكاء.. اما المستقبل.. فهو اسم مجهول.. لا يدرك في
بلاد الرافدين..
وفي خضم الاحداث نسينا مراسل شبكة الاخبار الذي قتل على طلائع
هذا اليوم.. ونسينا الدماء التي ارقيت غدرا.. نسينا قوت الجوعى..
وأمن الخائفين.. وسلام عبور النهر بين الضفتين.. ونسينا... ونسينا..
ومع كل هذا وذاك..
نهتف..
ونهتف..
ونهتف..
ينبشها: خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى
التصميم الإعلاني وضوابط الفنون التشكيلية بتعليمية جنوب الشرقية
صور ـ من عبدالله باعلوي:نظمت دائرة الإشراف
التربوي بتعليمية جنوب الشرقية مشغلا تربويا حول التصميم الإعلاني
وضوابط الفحص والتدقيق لمادة الفنون التشكيلية لمعلمات المنطقة
وذلك بمركزي التدريب بصور وجعلان حيث استهدف المشغل 50 معلمة
مادة الفنون التشكيلية وقد أكدت فاطمة بنت خميس الحسني مشرفة
مادة الفنون التشكيلية بأن هذا المشغل تم تنظيمه في إطار الخطط
والبرامج التي تنفذ خلال العام الدراسي 2005/2006 ويهدف الى
تعريف المعلمة بالمفاهيم الأساسية المرتبطة بإنشاء تصميم الوحدات
الشكلية الزخرفية والأرضية بالخطوط يصلح لتنفيذه على أسطح اللوحة
وتفسير معنى التصميم الجيد وشرح معنى قيمة التناسب الشكلي الزخرفي
الخطي وكيفية تحقيقه في التصميم الزخرفي الذي تنفذه على أسطح
اللوحة بالخطوط واتقانه والتعرف على خطوات إنشاء التصميم من
الوحدات الشكلية الزخرفية المتنوعة مع الأرضية واتقانه وأهمية
تعلم الزخرفة على أسطح اللوحة المختلفة لتجميل البيئة المحيطة.
وحول برنامج المشغل قالت فاطمة الحسني ان المشغل استمر على مدى
ستة أيام مقسمة على معلمات قطاعي صور وجعلان وتم خلاله تنفيذ
العديد من المواضيع بمشاركة يحي هلال وفا مشرف مادة الفنون التشكيلية
واشتملت على ضوابط الفحص والتدقيق لمادة الفنون التشكيلية والتعرف
على عناصر التصميم الجيد وبدء التخطيط للملصق الإعلاني السياحي
والتدريب على استخدام الألوان المتنوعة لإنتاج ملصق إعلاني والمعالجة
اللونية في العمل الفني وتنمية القدرة الإبتكارية في خلط الأعمال
والإخراج الفني للأعمال.
أعلى
صـوت
مهرجان المسرح العماني الثاني
قراءة أولية لتشكل الوعي المسرحي (الحلقة الأولى)
يعتبر المسرح، أبا الفنون كما يقال، وأحد
المقومات الموازية، للفروع الادبية. وطالما هو كذلك، فهو يعتبر
حقلا مهما من حقول المعرفة وتشكل الوعي الاجتماعي والثقافي.
وحينما يصبح المسرح في كامل تألقه ووعيه، يعني ذلك ان المجتمع
اصبح يتقدم نحو النضج والوعي بالعالم المسرحي.
فمن ادبيات المسرح انه لا يقف عند حد معين، ولا يقف عند موضوع
معين، كما انه لا يمكن ان ينزل الى مستوى من الحضيض. وانما هو
مفتوح في جميع الاتجاهات والمسارات. وحينما يقام، مهرجان للمسرح،
انما ذلك يعني، تكريم للمسرح وتكريم لمن ينتسبون اليه، ممن ممثلين
ومخرجين ومؤلفين ومهندسي ديكور ( السينوغرافيا) وممن يقفون خلف
الكواليس، وهو تكريم للكتاب العمانيين ايضا حينما تقام مثل هذه
المناسبات، ويتم دعوتهم. وهو ما يوحي ان هناك ثمة مناخ ثقافي
بدأت تتشكل ملامحه. اقول هذا الكلام وبلدنا احتضنت في الايام
الماضية مهرجان المسرح العماني الثاني. وعدد من النقاد والفنانين
من الخليج والدول العربية. وبلغ عدد الفرق ما يقارب ثماني فرق
مسرحية تمثل بعض محافظات ومناطق السلطنة، قدمت عروضها على خشبة
مسرح الشباب. بغض النظر عن الافكار والموضوعات التي طرحتها وهي
من الشروط الأساسية لتؤكد على مدى التقدم والتطور الذي وصلت
اليه، على الأقل في هذه المرحلة بالذات لأن تحقيق شيء من الاستفادة،
هو المطلوب، اذا ما اراد القائمون والمهتمون على المسرح ان يكون
لهم رصيد. لقد حان الوقت، لأن نرى فرقة من الممثلين المحترفين
وهي تقدم عروضها سواء هنا في السلطنة. او في خارج السلطنة وللاستفادة
من تسويقها في المحطات التليفزيونية او بيعها في السوق المحلي.
والمسرح في الواقع حينما يتطور وحينما يصل الى مرحلة من الابداع،
فأن ذلك يعد مكسبا للمبدعين والكتاب، ويكون محل جذب واغراء.
فتجد كثيرا من المهتمين بالمسرح، والمتخصصين منهم، يتسابقون
لتأليف النصوص المسرحية، وكذلك بالنسبة للمخرجين، ومهندسي الديكور
وغيرهم. اضافة الى اهتمام وسائل الاعلام والصحافة والنقاد المتخصصين
في المسرح. فنحن مثلا عندما نشاهد مسرحية بشكل مباشر، او من
خلال التليفزيون، فأنها ستبقى عالقة في أذهاننا، خصوصا اذا كانت
هذه المسرحية، تناقش قضية اجتماعية معينة او تطرح افكارا جديدة
لأن المسرح في الاساس هو مكان لطرح الافكار والتجريب فكلمة (اعطني
مسرحا اعطيك شعبا) لم تأت من فراغ ولم تأت بشكل عبثي او اعتباطي،
وانما جاءت للدور الكبير والرسالة النبيلة والهادفة التي يضطلع
بها المسرح، في تنوير العقول، وفي ما يبثه من وعي جماهيري لدى
شريحة واسعة في المجتمع. واوروبا في الواقع حينما قامت وتأسست
نهضتها الثقافية والفكرية، انما تأسست على أيدي مفكريها وشعرائها،
مثل افلاطون وارسطو واسخيليوس وبيراكيتس الذين يعتبرون من مؤسسي
النهضة اليونانية ، ثم بعد ذلك النهضات الاوروبية التي تأثرت
بالثقافة اليونانية مثل روما واسبانيا وعصر اليزابيث ولويس الرابع
عشر من امثال روسو ودانتي وموليير وراسين وشكسبير وغيرهم.
ويعتبر كتاب الشعر لأرسطو من اهم الكتب التي تستقي منه جميع
الفنون مصدر ثقافتها. وحينما تنهض الامم في الواقع وترتقي فهي
تقوم على مدى تقدم الحركة الثقافية فيها وتقدم لغة الحوار ومساحة
الحرية ، وتتأثر الشعوب فيما بينها من خلال ما تقدمه من ثقافة
وابداع راقيين. وحينما يكون الحديث عن المسرح فانه لايمكن الاشارة
اليه ، كمجرد التذكير به او التعريف به لدى الجمهور. فالمسرح
ليس الخشبة فقط وليس (السينوغرافيا) الديكور والاكسسوارات وليس
الممثلين بتلون وجوههم واجسامهم والملابس التي يرتدونها ، انما
المسرح عالم مقعد وعالم من الشموخ والكبرياء. فمن خلاله تتداخل
كل القيم ، ومن خلاله تطرح الافكار ، واللغة الجميلة التي يقودها
شخوص المسرحية. ولايمكن المسرح ان يكون صديقا للجمهور اذا ما
اتكأ على النص الجيد والافكار التي يطرحها.
اضافة الى الممثلين الجيدين والمخرجين الجيدين الذين يستطيعون
ان يتفاعلوا مع النص المسرحي. اضافة الى توفر النقاد ، فهذه
العناصر جميعها هي التي توجد وتؤسس مسرحا ذا فلسفة متأصلة وحضورا
جماهيريا فاعلا.
ومن خلال هذا الموضوع الذي سيكون على حلقتين عن مهرجان المسرح
العماني الثاني سنحاول تسليط الضوء على بعض العروض المسرحية
، خصوصا وانني لم اشاهد سوى مسرحيتين، مسرحية (الحلم) لفناني
فرقة مجان ومسرحية (آباء للبيع) لفرقة شباب صحار وللحديث بقية
في الحلقة القادمة بعنوان (العروض المسرحية الواقع والطموح).
*محمد الرحبي
*كاتب عماني
أعلى