تدور أغلب أحداثها في ولايات السلطنة
طالب عمران: (مزون) عمل ملحمي.. واحتكاكي بالمجتمع العماني
يظهر في جوانب الرواية
حوار ـ سلطان العزري:صدر
عن دار الفكر في اغسطس 2005 رواية (مزون) ملحمة روائية كما خط
على غلافها الذي اوضح كاتبها انها الجزء الاول في سلسلة روايات
سوف تتبعها، وتمتد (مزون) في 326 صفحة من الحجم الكبير وتحتوي
على فصل تمهيدي بعنوان (لغز البحيرة البيضاء الكبيرة) ثم يتبعه
القسم الأول تحت عنوان (غابة من النخيل) ثم يأتي القسم الثاني
بعنوان (دوائر العاصفة) وليختم بالقسم الثالث وهو بعنوان (أنفاق
الأزمنة المقبلة).
الدكتور طالب عمران من مواليد طرطوس عام 1948 في سوريا وقد تلقى
تعليمه في المحافظة ودرس في جامعة دمشق ثم نال شهادة الدكتوراة
في المنطويات التفاضلية والفلك من الهند عام 1984 ليعمل أستاذا
في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، وهو يعمل حاليا أستاذا
في كلية التربية بالرستاق، وله العديد من الدراسات والروايات
الخيالية.
لم تكن هناك من فرصة للإطلاع على الكم الكبير الذي كلل به مسيرته
الكتابية والبحثية ولكن من خلال عناوين كتاباته السابقة ومن
خلال (مزون) وأحداثها التي تدور في أغلبها في السلطنة كالرستاق
التي لها النصيب الأوفر في الرواية أو بركاء والسوادي والبرويمي
(كما تمت طباعتها) وعبري وصور وصحار ومسقط.. والكثير من المناطق
العمانية كما انها (الرواية) تتنقل بين دمشق وبيروت والبحرين
وأبوظبي وغيرها من الأماكن رابطة كل ذلك في أحيان بوسائل الاتصال
الحديثة وفي أحيان أكثر بالحاسة السادسة أو ما يسميه طالب عمران
في (مزون) بالقدرة على اختراق الزمن والغوص في الأزمنة سواء
القديمة أو المستقبلية.. إلخ، يمكن القول بأن (مزون) وهو اسم
جدة محسن البطل القادم من الشام ليستكشف سر أجداده ويحافظ عليه
ورغم البطولات التي تحاول الرواية وصفها، إلا أن الرواية في
النهاية أقرب كثيرا إلى الكتابة الخيالية المستعينة في أحيان
كثيرة بالقوى غير الطبيعية (الجان والسيطرة على الحواس كما ورد
في الرواية)، وقد كان لنا هذا الحوار مع كاتب الرواية الدكتور
طالب عمران حاولنا أن نستقرئ بعض جوانب الكتابة في مزون..
* ما هي مواصفات الرواية أو الكتابة الإبداعية الخيالية؟
** الرواية الابداعية الخيالية تتحدث عن وقائع غير مألوفة في
نسج من الخيال الملاصق للواقع.. والخيال العلمي يختلف عن الخيال
الأدبي من أنه يربط الإبداع بالعلم، ويربط الخيال بالعلم، بحيث
لا يقدم خيالا بعيدا عن المنطق العلمي.. أما الخيال الأدبي،
فهو خيال حر، لا يشكل المنطق العلمي هاجسا له.
* صنفت روايتك (مزون) كرواية تاريخية، فما هي الأزمنة التي تريد
أن تفكك بنيتها في الرواية ومن اي منظور؟
** (مزون) عمل ملحمي وليس عملا تاريخيا، والملحمية هنا يتداخل
فيها الواقع في الخيال في أحداث شيقة لها علاقة مباشرة بأبطال
الرواية وأزمنتها وأمكنتها.. والأزمان فيها تنتقل بين الماضي
والحاضر والمستقبل بشكل مفتوح ومتداخل أحيانا.
* تتمتع روايتك بالقدرة الفنية على الحركة سواء في الأزمنة أو
الأمكنة كيف استطاعت هذه الثيمة أن تكون عنصرا مهما لرواية (مزون)؟
** العمل الروائي عندي هو عمل متكامل، ورغم أن الزمن مهم جدا
في حياة الانسان، إلا أنني كروائي لا يشقيني البحث عنه.. أنا
أتعامل معه بإيجابية، أغوص وانتقل في أبعاده بكل حرية، تتداخل
أحلام المستقبل بالماضي والحاضر، وتتفاعل الأحداث بحرية بين
هذه الأبعاد.. وهو ما يعطي الجانب الملحمي في روايتي، طابعا
متميزا.
* هل للتخصص العملي جدلية ما أو طابع على العملية الكتابية لدى
الدكتور طالب عمران؟
** التخصص العلمي يعطي الكاتب منطقا في كتاباته لا يتناقض به
مع العمل الابداعي والخيالات المجنحة.. والخيال العلمي يتواجد
بشكل مألوف في كل أعمالي الابداعية، حتى في (مزون) تجد أن فصل
(نفق الأحداث المقبلة) له طابع من الخيال العلمي.
* رواية مزون عمل روائي يحمل طابعا قوميا، يؤصل ما هو مؤصل في
التاريخ المشترك لأمكنة مجرى الرواية، كيف يرى الكاتب أن عملية
الربط كانت ناجحة في الرواية؟
** لهذه المناطق الممتدة من الشام حتى اليمن ومن بحر عمان حتى
البحر الأحمر، ثم كل شمال افريقيا، لها تاريخ مشترك، ونبعه الفياض
من جنوب جزيرة العرب.. هاجر العرب في هجرات متتالية نحو الشمال
والغرب، واستوطنوا وبنوا المدن وأسسوا لحضارت امتدت آلاف السنوات،
وكانت الأقرب إلينا في هذه الحضارات الحضارة العربية والاسلامية،
التي امتدت ما بين القرن الثامن والسادس عشر الميلاديين.
المشكلة أننا نحن العرب لا نقرأ تاريخنا بشكل صحيح، بل وربما
لا يكترث به البعض، كأننا نتمرن على مسح الذاكرة في عرف الغرب
(الظالم) ذاكرة ارهاب.. ويجب أن تقاوم هذه الفكرة بقوة، فنحن
صناع حضارات ومبدعون أثروا التاريخ الانساني بالآداب والعلوم..
يجب أن نركز على انتمائنا وتاريخنا وجذورنا بل وعلى إشراقة عقولنا..
نحن متجذرون في التاريخ ولا أحد يستطيع أن يقتلع جذورنا.. ونتمنى
على أجيالنا الجديدة مقاومة طمس الذاكرة التي يحاولون تطبيقها
علينا.
* هناك جانب ماورائي/ غيبي في الرواية، هل تعتبر معالجة الجانب
السيرَي (سيرة سيف بن ذي يزن مثلا) أو الاستفادة منه ممكنا في
العمل الروائي، وما هي الضوابط الممكنة؟
** حينما أكتب انطلق وتتلاحق الأفكار والأحداث، والجانب السيري
ضروري جدا في العمل الملحمي، وتنبني عليه فوائد كثيرة توظف لخدمة
أهداف الرواية فمن خلال هذا الجانب الماورائي أجعل من الشجاعة
والحكمة والعلم مقومات تطرد الغيبيات والشعوذة، فحين تطلب (مزون)
من حفيدها محسن، عدم الخوف من الجن، نراهم يختفون ولا يظهرون
بعد ذلك.. لأن العقل يطرد الوهم والتخيلات غير المبنية على المنطق..
أما عن الضوابط الممكنة في هذا، فهي تختلف من كاتب إلى آخر،
بعضهم يستلهم من السيرة أحداثا لخدمة أهدافه العامة.. وبعضهم
يجعل السيرة تدور حول مدن فاضلة، يصارع سكانها الوهم والخرافة
بالعلم والمنطق.
* تنتهي الرواية نهاية مفتوحة، ترى في القادم والمستقبل هاجسا
مخيفا دون أن تكون هناك عناصر علاج له؟ ما رأيك؟
** الذي نشر هو الجزء الأول من الرواية، وهو مفتوح بالطبع، أما
الجزء الثاني ففيه تتضح الأحداث، وربما كان الجزء الأهم، حيث
تتضح الملامح بصورة واضحة، ونقرأ سفر أحداث الملحمة بشكل أكثر
عمقا.. نصل إلى المقولة والحبكة والعقدة والحل.. وهو ليس حلا
وإنما جملة من الاراء الايجابية فيما يجب أن نفعل، لمقاومة انقراضنا
في زمن كثرت فيه علينا الحضارات والحروب والكوارث.. وبالطبع
المستقبل هو الهاجس الأعظم لدينا، وترى محسن الحفيد، يخرج من
قوقعته ليحارب القوى الباغية، متبعا خطى جده وإلى جانبه جدته
تشد أزره وتدفعه بقوة نحو ملاحم المكابرة والشجاعة والنصر.
* سياق اللغة الروائية ذو منحى واحد أو مسار وخط واحد، لغة الجد
والجدة والحفيد لغة مشتركة. هل الفكرة في الرواية تتقدم على
اللغة؟
** اللغة سلسلة تنساب دون تعقيد، وهي وسيلة للتعبير عن الاحداث
بدون تكلف.. وبالطبع اللغة مهمة جدا ولكن الفكرة والهدف والبناء
الملحمي هو الأهم.
* هل تعتقد أن سيمياء المكان الواضح في الرواية له ارتباط بنائي
بالحاسة السادسة؟
** الحاسة السادسة والقدرات الخفية لدى الانسان أحد محاور الرواية،
فهي تركز على استخدام طاقة العقل في الخروج من أسر الخنوع والمذلة،
نحن نحرك قدراتنا الكامنة ـ إن رغبنا ـ في سبيل الابداع، والدفاع
عن المبادئ والكرامة.. وهو مشروع، كما أنه امر منطقي.. فنحن
نملك في أدمغتنا كما هائلا من الخلايا الغافلة لا نستخدمها رغم
اننا لو استخدمنا بعضها لتفوقنا في قدراتنا.. الدماغ البشري
فيه (130) مليار خليه، لا يستخدم الانسان منها سوى العشر، ماذا
عن التسعة اعشار الباقية؟ لدينا قدرات كبيرة كبيرة ولكن الانسان
كسول في طبعه.
* عالجت الرواية أو تطرقت للعديد من المواضيع الاجتماعية المحلية
ولو بصورة سريعة، هل استطاع الدكتور طالب عمران أن يغوص أو يخوض
في المجتمع ومع الناس في احتكاك مكنه من التعاطي مع تلك المواضيع؟
وكيف؟
** الاحتكاك بالمجتمع العماني يظهر في جوانب الرواية، وسيكون
أكثر ظهورا في الجزء الثاني.. بالطبع المجتمع العماني، غني بتفاصيله
وهو مجتمع بكر، لم يكتب عنه سوى القليل، واعتبرت وجودي في السلطنة
مناسبة للخوض في هذه التفاصيل، لأعرفها للناس في الخارج.. وأعتقد
أن (مزون) ربما بجزأيها ستجد طريقها إلى كل بيت عماني، كعمل
يحكي بلغة خاصة ـ غير مألوفة ـ عن عمان بإنسانها وتاريخها ومستقبلها
القادم.
أعلى
وفد الخطاطين العمانيين يتوجه إلى تركيا غداً
يغادر البلاد صباح غد وفد الخطاطين العمانيين
اعضاء الجمعية العمانية للفنون التشكيلية متوجها الى جمهورية
تركيا في زيارة تستغرق عشرة أيام وتأتي هذه الزيارة ضمن برنامج
الانشطة الفنية لهذا العام 2006 الذي تنظمه الجمعية ويضم الوفد
كلا من الخطاطين: عبدالله بن سليمان الوائلي وسامي بن زين الغاوي،
وبدر بن ناصر العنقودي، وبدر بن حسن العجمي.
سوف يستقبل وفد السلطنة المختصون بمركز الابحاث للتاريخ والفنون
والثقافة الاسلامية باسطنبول (إرسيكا) التابع لمنظمة المؤتمر
الاسلامي، حيث سيشرف المركز على البرنامج الفني لوفد الجمعية،
كما سيقوم بالتنسيق مع الجهات المختصة بالفنون التشكيلية بالجمهورية
التركية لاجل تعريف الوفد على ابرز الخطاطين الاتراك المعاصرين
والتعرف على المخطوطات الاثرية في مجال الزخرفة الاسلامية القديمة،
وتطور فن الخط العربي بالجمهورية التركية، وزيارة المعارض الخطية،
والوقوف على المستويات التي احرزها الخطاطون الاتراك، كما يتضمن
البرنامج حلقة عمل فنية للخطاطين العمانيين تحت اشراف احد الخطاطين
الاتراك المعروفين لمدة (7) أيام.
تأتي هذه الزيارة لاتاحة الفرصة لتبادل الخبرات الفنية في مجال
الخط العربي بين الخطاطين العمانيين ونظرائهم الاتراك، وفي ظل
تحقيق التعاون المشترك بين البلدين في المجال الثقافي والفني،
كما سيقوم الوفد بتعريف الجانب التركي بالمستويات الفنية التي
وصل اليها العمانيون في الفنون التشكيلية بصفة عامة والخط العربي
بصفة خاصة خلال الفترة الماضية.
ان التبادل الثقافي بين السلطنة والجمهورية التركية له جذوره
التاريخية، الا ان هذه الزيارة تعتبر (الاولى) في تخصصها في
مجال الخط العربي، حيث تتفرد بهذه الصبغة الفنية، كما تعتبر
مبادرة الجمعية العمانية للفنون التشكيلية نافذة مطلة تفسح المجال
لمزيد من التواصل الفني بين البلدين مما يخدم بكل تأكيد مسيرة
الحركة التشكيلية المشتركة.
أعلى
صوت
رائحة المكان
* الغبــار ..
ماذا تريد أيها الرجل ؟ هل أنت غريب عن ديارنا ؟ لا. هل ضللت
طريقك ؟! لا . هل فقدت ذاكرتك ؟! لا . أتبحث عن شيء . في خيالك
أنت ، في ذاكرتك . شيء هلامي بعيد ، بمقدار سنوات عمرك . أمرك
عجيب أيها الرجل !! تود الإمساك به ، بماذا ؟! كلام غامض ، غير
مفهوم . لكنك لا تقدرعلى الإمساك بهذه اللحظة الماضية ، هل أنت
مجنون . يبدو هذا واضحا من شطحاتك ، مظهرك الخارجي . ثيابك ،
نعليك ، شعرك المنكوش ، وإن كان المظهر لايدل على الجوهر . لا
تعرف كيفية استرجاعها أواصطيادها . زوجتك ، السمكة ، اللحظة
الهاربة من حياتك . هل عملت صيادا في البحر ، غرق قاربك ، في
عقلك شيء ما . لا ، ياسيدتي . أنالست بسيدة ، أنا امرأة مثل
بقية النساء . تكلم وقل ماعندك . كنت تعيش هنا منذ زمن ، كأنما
دفعك شيء ما خفي للبحث عن هذا المكان . توجد ألفة بينك وبينه
. هذا المكان قديم . لا تدري ماالسبب !! هذا سبب حيرتك في البحث
عن هذه الصلة . هل ولدت هنا أيها الرجل . لا تعرف ياس س س...
قلت لك لاداعي لسي ، سي ..ي ، دتي هذه . هل أقمت هنا في زمن
سابق ؟ لا تذكر يا.. ماذا في الأمر ؟! هذا مايحيرني . تسمع منذ
الصغر بأن هذا بيت الفلالي . من هو هذا الرجل صاحب البيت ، لا
أعرف . هل كان أبوك يقيم هنا ، لا تعرف . أمك .أهلك .. أقاربك
. لا . لا . زوجتك . أخ ، أخت . صديق . رفيق . أحبة . كنت هنا
من زمن سابق على هذا الزمن . نحن في زمن الغبار. هل أنت جني
ولست من البشر . أعوذ بالله .. لا ، لا أخاف منك ، أنت مثل بقية
البشر . ولكنك تتوهم .. تتخيل ، سألتك من قبل .. هل أنت فنان
مجنون . شارب وسكران . كلامك غير منطقي . كيف كنت تعيش هنا من
زمن مضى ، زمن البراءة ، تعرف كل جنبات البيت . لعبت فيه لعبة
الاستغماء مع بقية الصغار في طفولتك ، كنت تختفي تحت السلم المؤدي
للسطح في ظلمة المكان ، هذا السلم كانت درجاته ثقيلة من الرخام
، خافوا أن يسقط على أحد .. فتمت إزالته ، كان عدد درجاته في
ذلك الزمان ، تسعة وثلاثين درجة وثلاث بسطات للراحة ، الدرجة
الثلاثون كانت مكسورة ، كنت اتعثر فيها .. كنتم تصعدون على السطح
وتمسكون بجريد النخلة وتهزونها فيتساقط الرطب على الأرض . تعلقت
بالسعفة ، أمسكت بها بشدة ، طاحت بك في الهواء . لكنك لم تسقط
. ظللت معلقا هكذا طوال الوقت . احتاروا في كيفية إنقاذك وأنت
تتمرجح في الهواء ، هل سقطت . كيف تمت نجاتك . جاء العم علي
الجنايني واحتضن الساق حتى القمة وجذب السعفة نحوه ببطء حتى
أمسك بي وضمني إلى صدره وهبط بي سالما . لم نسمع عن هذه الحادثة
. هذا الرجل الذي كان يرعى النخلة مات منذ زمن . لم أره أو اشاهده
. كان في حياة جدي يعمل عنده . فقط اسمع عنه . فكيف عاصرته أنت
. جدي توفي من أكثر من ربع قرن . هل عاصرت جدي ، كان هو راعي
هذا البيت . صاحبه . والجزء الأمامي من البيت يفتح على الخلفي
، ولقد تعرض البيت للسرقة ذات ليلة ، لكنهم هربوا بعد أن أطلق
عليهم النار من البارودة . كانت لها ماسورة واحدة ومشهورة في
أرجاء البلدة . لكن اللصوص جاءوا من طريق السقف ، بواسطة سلم
وضعوه على جدار البيت الخارجي واستطاعوا الصعود به فوق السطح
. لقد حدث هذا من زمن طويل ، طويل ، لم أعاصره أنا لكنني سمعت
عنه من المرحومة أمي ، فكيف عاصرت أنت كل هذه الأحداث في بيت
الفلالي .
من أنت أيها الرجل ؟! وماذا تريد ؟! بدأت اشك فيك . هذه الحكاية
هل سمعتها من أحد . من روى لك هذه الأحداث وجئت تدعي أنك كنت
هنا . من أين جئت . من تحت الأرض أم من فوق السطح . عابر سبيل
. جاء من زمن الغبار الذي ولى وانقضى . رائحة المكان مازالت
تسري في عروقك ، في كيانك ، شدتك . جذبتك إليها . استيقظت من
نومك الطويل .. وأتيت إلى هنا . هذا كلام لايصدقه عاقل . مجنون
يتكلم وعاقل يستمع . عندما طرقت الباب بالمطرقة الحديدية ، قلناغريب
يريد حسنة أو مساعدة أو رغيف خبز . وأنت صغير كنت تشب على أصابع
قدميك لتصل إلى هذه المطرقة التي على هيئة قبضة اليد ممسكة بكرة
حديدية. الجدران شممت رائحتها . جذبتك أنفاس من كانوا فيها .
محال أن تنسى هذه الرائحة مذ كنت هنا !! آخر الكلام ، آخر اللف
والدوران . خبرني ماذا تريد . تريد أن تدخل البيت . تراه ، هل
مازال على حاله أو تغير منذ الزمن القديم الذي كنت فيه هنا .
وماذا بعد الدخول والتجوال في أنحاء البيت . لاشيء . لاشيء ،
ياسيدتي . قلت لك أنا لست سيدتك أيها الغريب .. من رمى بك على
هنا . أنت تهمة . قضية . حكاية غريبة لا أحد يصدقها . قل خبرني
. هل كنت تحب أحد هنا . تعشق إحدى النساء وعدت إلى المكان الذي
يذكرك بها . كنت تعتقد بأنك سوف تجد الديار على حالها أيها المعتوه
. أعطيك فرصة للكلام . لا . لا .. سأعطيك فرصة لأن تتجول في
أنحاء البيت . هذا البيت أصبح الآن غبار يتراكم على غبار ، أطلال
. تريد أن ترى غرفة الحاجة زمزم أولا . هل كنت تعرفها . تحبها
، كان صوتها مثل صوتي . كانت جدة أبي .. وزوجها الفلالي هو الذي
بنى هذا البيت الكبير . هل جئت تطلب بحق لك في ميراث البيت .
لا . وألف لا . غرفة الحاجة زمزم أصبحت مخزنا لعلف الدواب ،
نطلق عليها مخزن التبن . لاشيء فيها يلفت النظر . الرجال في
الغيطان البعيدة يقدمون البرسيم الأخضر للدواب ، هذا موسمه .
عندما ينتهي موسم الخضرة يبدأ موسم العلف . تسألني عن الخزانة
الخاصة بها ، عن ماكينة الخياطة علامة سنجر.. هذه أشياء قديمة
يعلوها الصدأ تآكلت ووضعناها في غرفة الكرار. هل براني السمن
مازالت موجودة . كانت تحتفظ بكنوزها في الزلع الفخارية .. هذه
حكاية . حدوتة كنا نسمعها من الكبار . هل مر كل هذا الزمن .
كأنما كان بالأمس القريب .. اشم رائحة الحيطان . أنفاس الذين
عاشوا هنا ياسيدتي .. هل ستواصل الجولة في أنحاء المكان . لا
. لم يعد له أهمية عندك بدون الغبار وأنفاس الرجال . والنساء
.أنفاسهم كانت هنا . كنت في شوق إليهم ، تود الالتقاء بهم .
أنت خارج . ذاهب . من المكان الذي جئت منه. سوف تعود إليه .
ربما يدفعك الحنين والغبار والأنفاس إلى هنا في الزمن القادم..
عبدالسـتار خليف
كاتب وروائي مصري