أعلى
(شقائق).. برنامج يعبق بغراس أرض طيبة
تتمثل عظمة هذ الأرض العمانية المباركة
في عطائها الزاخر, ونبتها الكريم الذي يؤتي أكله كل حين, كشجرة
مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء. فكم أنجبت هذه الأرض من
العباقرة والأدباء والعلماء والقادة الذين أضاءوا بعلومهم وهاد
الحياة, وأشرقت بهم حوالك الدهر, فاهتدت الإنسانية بهديهم, وارتوت
من معين عطائهم النقي الصافي عبر القرون والأحقاب.
وكما أسهم إنسان هذه الأرض بعطائه عبر التاريخ, فإن الأرض التي
أنبتت ذلك الركب العظيم من المبدعين والعباقرة, الذين ضربوا
أروع الأمثلة في الكفاح والعطاء والمثابرة في طلب الريادة, هذه
الأرض ما زالت حبلى بالخير والبركة والنماء والخصب. فها نحن
نكتشف كل يوم كنزا من كنوزها الهاجعة, ونطالع ما يثلج الصدر
من صور البذل والعطاء السخي, والعزيمة والإصرار الذي لا يحده
حد. ومما يزيد الدهشة ويثير مشاعر الإعجاب هو الدور الذي تلعبه
المرأة العمانية.. تلك الأنثى المتفردة بكل عنفوانها وشموخها
وبذلها الكبير, لكأنما هي ينبوع نابض بالحياة لا ينضب.
هذه المشاعر جاشت في ذهني وأنا أطالع إحدى حلقات البرنامج التليفزيوني
المحلي (شقائق) الذي تعده وتقدمه المذيعة جيهان اللمكي ويخرجه
سعيد تمان, وهو برنامج يسلط الضوء على تجارب نسائية رائدة عايشت
انطلاقة فجر النهضة المباركة في هذه البلاد, فشقت طريقها إلى
القمة متجازة كل الصعاب والمعوقات, وبذلت الغالي والنفيس وقدمت
التضحيات من أجل الارتقاء بذاتها, والإسهام في النهوض بمجتمعها
الذي أعطته خلاصة طاقتها, وروت غراسه بعرقها وأنفاسها الزاكية.
الحلقة التي شاهدتها استضافت احد النماذج النسائية العمانية
التي كان لها قصب السبق في طلب العلم الحديث، وهي سعدة الحجرية
من المنطقة الشرقية, تلك المرأة التي بذلت كل ما تملك في سبيل
الحصول على العلم, الأمر الذي قادها إلى ان تتبوأ مناصب رفيعة
في سلك التعليم, مكملة بذلك رسالتها الإنسانية والوطنية النبيلة.
لقد كنت وأنا أستمع إلى قصة تلك المرأة كمن يتلقى دروسا في الإصرار
والعزيمة والبذل والمثابرة والصمود في وجه التحديات وتخطي الصعاب
وتذليل المعوقات.. لقد تابعت بشغف ودهشة بالغين, سيرة هذه المرأة
وهي تسرد جوانب منها في عجالة سريعة وفقا لوقت البرنامج, متنقلة
بين محطات العمر والذكريات البعيدة, محلقة في فضاء الزمان والمكان,
جارفة معها الحنين والدموع أحيانا.
لقد شعرت حقا بأن هذه الأرض مباركة الغراس طيبة العطاء, تحتضن
في ارتمائها الخير الكثير, وأن علينا أن نلتفت لمثل هذه التجارب
الإنسانية والنماذج الوطنية ولنتوقف عند حكايتها, ونتلمس دروبها,
ونبرز جانبا من كفاحها الكبير. إنها حقا تجارب جديرة بالاحتفاء
والتقدير, كي نتذكر بعض إسهاماتها ونبرز جانبا من أدوارها الرائدة
في بناء الوطن.
إن برنامج (شقائق) بهذه المبادرة الممزية, أشرع بابا نورانيا
جميلا على جانب من ثروتنا الوطنية, والمتمثل في عطاء المرأة
العمانية لاسيما النماذج الرائدة التي حاورها البرنامج عبر حلقاته
السابقة, حيث حاور بالأمس الأديبة الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسي
وفقا لما نشر في الصحف المحلية, إلا أنه لم يتم بثه حتى كتابة
هذه السطور المتواضعة. وإننا لعلى يقين بأن تفاصيل سِيَرِ النساء
اللاتي استضافهن البرنامج وسيستضيفهن عبر حلقاته القادمة ستكون
مليئة بالدهشة والمواقف النيرة.
حسن المطروشي
أعلى
(حوار الأنا والآخر) في أعمال التشكيلي العراقي جبر علوان
الكويت - من أنور الجاسم:نجح الفنان العراقي
جبر علوان في جذب انتباه العديد من النقاد الغربيين لفنه ، لا
سيما في إيطاليا، حيث درس وأقام واشتغل ، وأثار لدى العديدين
من الفضول ، وكتب بعضهم دراسات أكاديمية حول أعماله وقد اكتسب
هذا الفنان شهرة عالمية من خلال وجوده المتواتر في عشرات صالات
العرض العريقة المنتشرة في أهم عواصم الفن في أوروبا ، إضافة
إلى أبرز الصالات على المستوى العربي ومن الصعب الحديث عن عامل
رئيسي وراء بروز جبر وانتشار أعماله والإقبال عليها ، واقتنائها
كمجموعات خاصة في العديد من الدول ، فهذا الفنان الذي ولد وترعرع
في بلاد حضارات ما بين النهرين ، ووسط مفاهيم الحضارة العربية
والإسلامية وتقاليدها ، وتفاعل من بوابة الرسم التشكيلي مع حضارات
روما القديمة والحديثة ، أمسك أيضا بإتقان شديد بأدوات وأساليب
الرسم الحديث ، ووجد لنفسه أسلوبا خاصا ، أو طريقة تميزه وتطبع
لوحاته .
في هذا الطريق الذي اختاره لنفسه ، يبدو جبر كأنه ( يُلوّن )
أكثر مما يرسم ، أو يداعب اللوحة بالريشة ، أو يلاطفها بخليط
ألوانه الذي ينتج منه الموضوع ، وتظهر معالمه وشخوصه ، وليس
مصادفة أن تكون المرأة غالبا هي الحاضرة ، وهي المحور بأوضاعها
النفسية والاجتماعية والثقافية المختلفة ، على قارعة الطريق
أو في الصالونات ، في وقت القيلولة أو في حركتها ، المهم هو
محاولة الوصول بالناظر إلى حالة الانفعال والتفكير ، وإماطة
اللثام عن القصد ، فألوان جبر تحمل دائما معنى شعريا ، وتخلط
دائما بين الواقع والخيال أيا كان الموضوع ، سواء تعلق الأمر
بالمرأة أو بالرجل وفي قراءة تحليلية لبعض أعماله نرى عوامل
باطنية تؤثر وتجسد أطر الريشة لديه حنين إلى الماضي بلغة أكثر
شوقا وهياما في عمله ( ذاكرتي لقريتي ) وفيها تنضج الألوان وتعيش
الحنين في أنشودة تجريدية تلتقي حد لها أشجار النخيل وتجلس اللوحة
على حدود اللون الأصفر .. في المقهى الشرقية تسليط علوان شخص
والمجلس البسيط وحكايات الأصدقاء ، وجلسات الحوار والحكي ، وثقة
في عمله ( إسهاب مع الأحمر ) يغرد بريشة داخل أسرار ظلال اللون
وتجسيدها امرأة داخل أسوار الحياة .
جبر علوان لا يجد إلى التلاحم اللوني في (تداخلات خضراء) ينوع
اللون وينقل للمتلقي شعورا أقرب بحكايات ألف ليلة ولية ويتركه
في منتصف المسافة المرئية ، لكنه يعود ثانية إلى الحياة.
الواقع
في صباغ النسيج يروي علوان أسطورة الحكاية ويجلس مستذكرا هذا
الشيخ الحاتي وكأنه يشاهد اقترابات الواقع ثم بعده ، إنها سيمفونية
المشاهدة والبعد لدى ريشة تصف الواقع في سلة الشيخ ، ويجنح علوان
إلى مساء التأملات في ( غروب ) ولكنه في هذه الثلاثية المرأة
والغير والشجرة لم تتوافق ألوانه بل كانت قاتمة ، فالسواد لا
يعبر إلا بلغة التشاؤم عن غروب جميل يهدي العاشقين إلى الآلاف
من الحكايات الأسطورية .
أحلام التخيلات
لون الحلم أيضا تفاعل مع ريشة علوان ويبدو أن اللون الأسود كان
حاضرا في لاشعوره وصورة برداء الخوف والترقب ، وفي اعتقادي أن
الحلم يظهر التخيلات المتفائلة الجميلة والطبيعية ، الآن إن
هناك في أعلى اللوحة تجد أعينا تترقب ، ربما حالة التفاعل اللوني
أسدلت ستارها الفني فبدت وكأنها لوحة شيطانية ، ويهمس علوان
عطيل ودرذمونة ولا ينسى العظيم الجواهري ويعود في ( المقهى )
ليستعيد لغة أخرى ليعبر عن منحنى آخر في أعماله ويرسم ( من الشرق
) ثم ( حوار مع الأحمر ) وبشاعرية مجردة في اللون وواقعية في
المضمون يرصد ( همس ) وهول عمل جميل يرصد حالة من الرومانسية
واللقاء وتفاعل الألوان أيضا أدى لواقعية العمل ، ويعود علوان
للون الأسود فيرسم
( قهوة سوداء ) ثم ( في المقهى الغربة ) ويبدو أن حالة الترحال
النفسي واللوني قد تفاعلت داخل كينونة الحكاية فبدأ في ألوانه
وحكاياته التشكيلية أقرب إلى الباحث عن حياة في الحياة .
هم أفريقي
لم يشأ علوان إلا أن يصول في دنيا الأمكنة ويرصد الحلم الأفريقي(هم
أفريقي) ويسود طائر نهاية قدمي أو إنسان يصدع طائر ، إن لغة
الانعتاق النفسي لديه حادة ومؤلمة وتصور تعبيراته البسيطة احتمالات
عروبيته ورحيله الدائم داخل الوطن المفقود يعود حيران في عمله
( الحان الليل ) ليبدو أكثر تفاؤلا ويظهر لونه الابيض الى الرمادي
على بيانو جميل ، وتظهر اللوحة العودة إلى أعماق استقرار مفقود
ربما هي معنية أو تأمل أو لا شيء !!
الألوان
الأحمر والأسود في غالبية أعماله تشكلان خطا نفسيا واضحا يحيطها
الأحمر امرأة تغرق في أحلامها محاطة بالأحمر من كل مكان وترتدي
ثوبها الأسود ربما هي مجهولة المكان والزمان ولكنها تحمل رمزية
الاسترخاء ففي لحظات يبدو أن لغة الاستسلام تحمل اللون إلى أمكنة
وفضاءات يود أن ينقل الفنان إلى جمهوره ومتذوقي فنه .
تأثيرات
يقول التشكيلي العراقي جبر علوان: إن المهجر ( المنفى ) رغم
سلبياته له إيجابيات للفنان التشكيلي أدخله على تجربة أو رؤية
كبيرة ( كارزما ) تواجد فيها النحت الروماني وعصر النهضة والباروك
والفني الحديث بالإضافة إلى المتاحف وكثافة الجاليريات وتعدد
المعارض تلتفت في مدينة لها الجزء الأساسي مكملات اللغز التشكيلي
وهي عن العمارة يمتد من عصر النهضة إلى آخر تطورات المعمار (
الباروك الروكوكو ) المرتبطة بالمعمار الحديث إضافة إلى ذوق
الملبس والتشكيل وهي روح جماليات خاصة حتى طبيعة المأكل والمشرب
.يقول علوان : اختار اللون حسب الموضوع ، موضوعات رسمتها قراءة
سيكولوجية للشخص الذي أرسمه للمرأة والشاعرة والمشهد تتطلب الحالة
لون ما اللون الأحمر في بعض الأحيان استخدمه لعوالم إنسانية
كامنة .
تأثيرات متعددة
وعن تأثيراته التي ساهمت في حواره التشكيلي يقول : بداية تأثرت
بالأساتذة أمثال مايكل أنجلو ودافنشي وغيرهم من عمالقة الكلاسيكيات
وتحولت بعد ذلك إلى التعبيرية الألمانية ولها دور أساسي في حياتي
ثم التأثيرية الفرنسية واستطعت أن أجمع المدرستين وألخص في واحدة
لتكون عملا للفنان طوال مشواره الفني .
أعلى
ردهات
مَـنْ أنـا؟!
قَرَأْتُ مُنذُ أُسْبُوعٍ مَوْضُوعَاً فِيْ مُنتَدَىً مَا طَرَحَهُ
أحَدُ الإِخْوَةِ وَكَانَ عُنْوَانُهُ (مَنْ أنَـا؟!) وَقَدْ
أثَارَنِيَ المَوْضُوعُ لِدَرَجَةِ أنِّيْ بَدَأتُ الرَّدَ فَوَجَدْتُ
أنِّي لَنْ أنتَهِيَ عَلَى الإطْلاقِ مِنْ حَدِيثِيَ حَوْلَ
هَذَا الأمِرِ وَأنِّيْ أحْتَاجُ تَدْوِينَ كِتَابٍ كَامِلٍ
حَوْلَ إجَابَةِ هَذَا السّؤَالِ، فَقَرَّرْتُ أنْ يَكُونَ رَدِّيْ
مَادَّةَ هَذَا الأسْبُوعِ لِحَسَاسِيَّةِ الفِكْرَةِ بِالنِّسْبَةِ
إلِيَّ كَوْنِيْ تَصَارَعْتُ كَثِيرَاً مَعَ هَذَا السّؤَالِ
كَمَا تَصَارَعَ كَثِيرُونَ مِمَّنْ بَحَثُوا عَنْ إجَابَتِهِ..
مَرَرْتُ فِيْ مَرْحَلَةٍ مِنْ حَيَاتِي بِهَذَا السّؤَالِ وَأذْكُرُ
أنِّيْ مَلأْتُ صَفْحَةَ كَامِلَةٍ فِيْ دَفْتَرِ العُلُومِ
بِسِؤَالِ (مَنْ أنـَا؟!).
وَوَجَدْتُ بَعْدَ أمَدٍ كَم اهتَمَّ الإسْلامُ بِالحَدِيثِ
عَنِ النّفْسِ، وَمَا أكْبَرُ دَليلٍ عَلَى ذَلِكَ سِوَى أنَّ
النّفْسَ ذُكِرَتْ فِيْ القُرْآنِ بِمَا يَزِيدُ عَلَى 200 مِرَّة
جَاءَتْ تَتَنَاوَلُ النّفْسَ فِيْ أغْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَظَلَّ هَذَا السُّؤَالُ يُشَاكِسُ الأمَمَ مُسْلِمَةً أوْ
غَيْرَ مُسْلَمَةٍ مُعْتَمِدَةً فِيْ ذَلِكَ عَلَى المُسْتَوَى
الحَضَارِيِّ الذِيْ وَصَلَ إلَيْهِ عُلَمَاؤُهُا.
فَقَدْ تَنَاوَلَ كَبِيرُ فَلاسِفَةِ اليُونَانِ (أَرِسْطُو)
النَّفْسَ وَشَّخَصَّهَا عَلَى أنَّهَا جَوْهَرٌ مُتَمَيّزٌ
فِيْ حَقِيقَتِهِ عَنْ عَالَمِ المَادَّةِ، وَكَذَلِكَ فَعَل
تِلْمِيذُهُ (أَفْلاطُونُ) الذِيْ رَأى أنَّ النَّفْسَ تَنْقَسِمُ
إلَى الذِهْنِ وَالإِرَادَةِ وَالشَّهْوَةِ بَلْ ذَهَبَ إلَى
أبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَشَبَّهَ النّفْسَ بِالدّوْلَةِ التِيْ
يُمَثِّلُ الذِهْنُ فِيهَا المُلُوكَ الفَلاسِفَةَ وَالإِرَادَةُ
الحُرَّاسَ بَيْنَمَا تُمَثِّلُ الشّهْوَةُ المَوَاطِنِينَ العَادِييّنَ.
وَجَاءَ عُلَمَاءٌ آخَرُونَ أَمْثـَالُ دِيْكَارْتَ لِيَرْبُطَ
وُجُودَ النّفْسِ بِفِعْلِ التّفْكِيرِ حِينَ أطْلَقَ مَقـُولَتَهُ
الشّهِيرَةَ (أنَا أُفَكِّرُ، إذَنْ أنَا مَوْجُودٌ).
وَوَضَعَ النّظَرِيَّةَ الشّهِيرَةَ فِيْ عَلاقَةِ النّفْسِ
بِالجَسَدِ فَقَالَ أنَّ الأُوْلَى جَوْهَرٌ مُفَكِّرٌ غَيْرُ
مَادِيّ بَيْنَمَا الأخِيرُ هُوَ جَوْهَرٌ جِسْمَانِيٌ مُمْتَدٌ
فِيْ المَكَانِ يُرَى، وَأنَّهُمَا يَلْتَقِيَانِ فِيْ الغُدَّةِ
الصّنَوْبَرِيَّةِ أسْفَلَ الدِّمَاغِ.
وَتَنَاوَلَ عُلَمَاءٌ غَرْبِيّونَ النّفْسَ بِمَاهِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ
عِلْمِيَّةٍ إذْ رَأَوْا أنَّ مَنْطِقَةً مَا فِيْ الدّمَاغِ
تَتَحَكَّمُ بِالنّاحِيَةِ النّفْسِيَةِ للانْسَانِ أكْثـَر
بِكَثِيرٍ مِنَ الجَسَدِ فَخَرَجُوا بِأنَّ النَّشَاطَ الكَهْرُبَائِيّ
لَدَى الأشْخَاصِ المُتَدِيّنِينَ أعْلَى مِنَ المُلْحِدِينَ.
وَرَأى عُلَمَاءٌ آخَرُونَ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُونَ إلا بِالمَادِيَّاتِ
أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلا مَا هُوَ مُحْسُوسٌ؛ لِعَجْزِهِمْ عَنِ
الوُصُولِ للمَاهِيَةِ الرّوْحَانِيَّةِ للنّفْسِ.
فَقَدْ جَمَعَتْنِيَ الأقْدَارُ فِيْ مُنْتَدَى إِلِكْترُوْنِيٍ
أجْنَبِيّ بِألْمَانِيّ كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ إلْحَادِهِ بَعْدَ
أنْ كَانَ أرْثُوذُكْسِيَّاً وَبَدَأ اليَهُودُ يُحَاوِرُونَهُ
وَالمَسِيحِيّونَ كَذَلِكَ وَكُلٌ يُوَضِّحُ لَهُ خَطَأَهُ..
أمَّا أنَا فَاكْتَفَيْتُ بِسُؤَالِهِ عَنِ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ،
فَأجَابَ (الحَيَاةُ هِيَ المَوْجُودَاتُ وَإذَا مَاتَتِ اختَفَتْ
تَمَامَاً كَتَحَلّلِ الانْسَانِ وَالعُشْبِ وَكُلّ شَيْءٍ).
وَهَكَذَا ظَلّ كُلّ عَالِمٍ يُغَنِّيْ عَلَى لَيْلاهُ بِالقَـَدْرِ
الذِيْ أسْعَفَهُ مُسْتَوَاهُ العَقْلِيّ فِيْ الوُصُولِ إلَى
حَقِيقَةِ النّفْسِ.
وَبَهَرَتْنِيْ جُهُودُ العُلَمَاءِ العَرَبِ الذِيْنَ أسْهَبُوا
فِيْ الحَدِيثِ عَنِ النّفْسِ استِنَادَاً إلَى النَّاحِيَةِ
الإسْلامِيَّةِ وَألَّفُوا عَشَراتِ الكُتُبِ التِيْ تَنَاوَلَتِ
النّفْسَ بِطَرِيقَةٍ اجتِهَادِيَّةٍ كَانَ مِنْ أبْرَزِهِمْ
فَيْلَسُوفُ الإسْلامِ أبُوْ حَامِدَ الغَزَالِيّ وَابْنُ رُشْد
وَالرَّازِيْ وَالفَارَابيْ وَابْنُ سِينَا وَأَحْمَدُ البَلَخِيّ
الذِيْ كَانَ أوَّلَ مَنْ أوْضَحَ العَلاقَةَ النّفْسِيَّةَ
ـ البَدَنِيَّةَ عَبْرَ كِتَابِهِ (مَصَالِحِ الأَبْدَانِ وَالأنْفُسِ).
أمَّا الغَزَالِيّ فَرَأى أنَّ الانْسَانَ تَرْكِيبٌ مِنْ جَسَدٍ
وَرُوْحٍ وعَقْلٍ استِنَادَاً إلَى تَعَامُلِ الاسْلامِ مَعَ
هَذِهِ التّرَاكِيبِ بِأشْكَالٍ مُنْفَصِلَةٍ كَمَا فِيْ أسَالِيبِ
التّرْوِيحِ عَنْ كُلٍ مِنْهَا.
وَاتَّفَقُوا جَمِيْعَاً عَلَى أنَّ النَّفْسَ جَوْهَرٌ رَوْحَانِيّ
مُتَفَرّدٌ عَنِ الجَسَدِ وَأنَّهُ المُدَبِّرُ لَهُ وَعَلَى
أسَاسِهِ يَسِيرُ وَرَأَوْا أنَّهَـا ـ أيّ النّفْسُ ـ جَوْهَرٌ
مِنْ طَوْرٍ أعْلَى مِنْ عَالَمِ المَادَّةِ مُسْتَنِدِينَ فِيْ
ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ تعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوْحِ
قُلِ الرّوْحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أوْتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ
إلا قَلِيلاً).
وَبِذَلِكَ أكَّدُوا أنَّ النّفْسَ تَشْتَرِكُ فِيْ مَدْلُولِهَا
مَعَ الرّوْحِ التِيْ تَخْرُجُ مِنْ إطَارِ المَادِيَّاتِ وَيَتَكَفَّلُ
اللّهِ بِعِلْمِهَا.
وَمِنْ ثَمَّ شَرَعَ العُلَمَاءُ فِيْ إيْضَاحِ العَلاقَةِ بَيْنَ
النّفْسِ وَالبَدَنِ إذْ رَأى عَالِمٌ فَرَنْسِيّ عَدَمَ تَأثِيرِهِمَا
عَلَى الآخَرِ بِقَوْلِهِ إنَّهَا وَحَدَاتٌ مُنْفَرِدَةٌ مُغْلَقَةٌ
عَنِ الآخَرِ وَهَذَا مَمَّا أبْطَلَهُ عُلَمَاءُ الإسْلامِ
حِينَ أوْضَحُوا وُثُوقَ العَلاقَةِ بَيْنَ الاثْنَيْنِ فَجَاءَ
الشّيْخُ الرّئيسُ ابْنُ سِينَا بِمِثَالٍ مُغْرِقٍ فِيْ الرّوْعَةِ
حِينَ قَالَ (انْظُرْ أنَّكَ إِذَا اسْتَشْعَرْتَ جَانِبَ اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ وَفَكَّرْتَ فِيْ جَبَرُوْتِهِ كَيْفَ يَقْشَعِرّ
جِلْدُكَ وَيَقِفُ شَعْرُكَ).
لَكِنَّ د.مَعْمَد عَبْدالهَادِيْ يُشِيرُ إلَى أنَّ ابْنَ سِينَا
أيْضَاً عَزَى أنَّ الانْسَانَ يَسِيرُ فِيْ حَيَاتِهِ حَسَبَ
اختِلافِ أمْزِجَةِ هَذِهِ الأنْفُسِ عَائِدَاً فِيْ ذَلِكَ
إلَى العَقْلِ وَالبَصِيرَةِ التِيْ تُسَاعِدُ النّفْسَ وَالانْسَانَ
(حَامِلَ الرِّسَالَةِ) عَلَى تَوْجِيهِ حُقُوقِ البَدَنِ دُونَ
إسْرَافٍ أوْ تَقْتِيرٍ إذْ تَسْتَنِيرُ بِالعَقْلِ مُسْتَنِدَاً
فِيْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا،
فَألْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) وَفِيْ ذَلِكَ أشَارَ ابْنُ سِينَا
إلَى (سَوَّاهَا) عَلَى أنَّهَ تَعْدِيلٌ لَهَا بِوُجُودِ البَصِيرَةِ.
وَمِنْ هُنَا استَدَلّ الشّيْخُ فِيْ كِتَابِهِ (الإشَارَاتِ)
إلَى التَّكَامُلِ البَدِيعِ بَيْنَ المُكَوِّنَاتِ لِكيَانِ
الانْسَانِ.
لَقَدْ أعْطَى الإسْلامُ الإجَابَةَ عَلَى سُؤَالِنَا (مَنْ
أنَا ؟!) وَجَاءَ هَؤُلاءِ العُلَمَاءُ لِيُفَسِّرُوا لَنَا
وَيَجْتَهِدُوا؛ لِيُخَلّفُوا وَرَاءَهُمْ ثَرَوَاتٍ عَظِيمَةً
لَمْ تَخْرُجْ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا بَلْ جَاءَتْ إثْرَ
سَنَوَاتٍ طِوَيلَةٍ مِنَ الاجتِهَادِ العَقْلِيّ وَالفِكْرِيّ
عَبْرَ الانْصِهَارِ الكُلِيّ فِيْ آيَاتِ القُرْآنِ التِيْ
أقْسَمَ اللّهُ فِيْ كَثِيرٍ مِنْهَا بالنّفْسِ لِيُدَلّلَ عَلَى
عِظَمِهَا وَمَكَانَتِهَا.
وَكَانَ لَنَا الفَخْرُ الأجَلّ بِأنْ جَاءَ ابْنُ سِينَا هَذَا
العَقْلُ الذِيْ لَمْ يَأتِ مِثْلهُ عَقْلٌ لِيَكُونَ أوَّلَ
طَبِيبٍ نَفْسِيّ مُعَالِجٍ أدْرَكَ أنَّ خَطَرَ أمْرَاضِ النّفْسِ
أعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ أمْرَاضِ البَدَنِ..
وَلَمْ أجِدْ شَيْئَاً أخْتِمُ بِهِ مَقَالِيَ الذِيْ سُقْتُ
فِيهِ خُلاصَة َ قِرَاءَاتِيَ حَوْلَ سُؤَالِيَ (مَنْ أنَا؟!)
غَيْرَ قِصَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ نُبُوغِ ابْنِ سِينَا وَطَرَافَتِهِ
إذْ رُوِيَ أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ رَجَلٌ يَظُنّ نَفْسَهُ بَقَرَةً
وَيَخُورُ مِثْلَهَا وَيَرْفُضُ أنْ يُقَدَّمَ الطّعَامُ لَهُ
وَيُصِرّ أنْ يُذْبَحَ فَجَاءَ ابْنُ سِينَا وَجَارَاهُ وَأتَى
بِالسّكِينِ وَكَأنَّهُ يَسْتَعِدّ لِذَبْحِهِ وَأخَذَ يَتَحَسَّسُ
جَسَدَهُ وَيَقُولُ (لا لا.. هَذِهِ البَقَرَةُ هَزِيلَةٌ جِدَّاً،
وَلا تَصْلُحُ للذَبْحِ بَلْ تَحْتَاجُ إلَى تَغْذِيَةٍ لِتَسْمِينِهَا)،
وَبِالفِعْلِ بَدَأَ الرَّجُلُ فِيْ الأكْلِ حَتَّى شُفِيَ مِنْ
عَلَّـتِهِ.
عائشـة السيفـي
ufuq4ever@yahoo.com
أعلى

صوت
أقصر الطرق إلى المقصلة أو المزبلة
حين قامت الثورة الفرنسية عام 1789 وسيق
الذين كانوا يوما رأس القوم ووجهاء المجتمع الفرنسى إلى المقصلة
وعلى رأسهم الملك وزوجته كان الذين يسوقونهم قوم من الدهماء
والسابلة لا يعرفون لأصول الحكم وشرعته أى سبيل ، لذلك كان القتل
والرغبة في إسالة الدماء هو الهدف الأول والأخير ، وحين فرغ
الثوار من قتل من كانوا يعتقدون أنهم غرماؤهم أخذوا يحاكمون
بعضهم بعضا ويحكمون على من يقع عليه الاختيار بالموت تحت شفرة
المقصلة الحادة ، وبذلك لقي الثوار أو بعضهم نفس المصير الذى
أذاقوه لسابقيهم ، وانتشر شعار منذ ذلك الحين حول الثورة الفرنسية
بأنها الثورة التى أكلت أبناءها وأصاب هول الثورة الفرنسية الأوروبيين
بالهلع وكتب الروائي الانجليزى الشهير تشارلز دكنز حكاية الثورة
الفرنسية في روايته (قصة مدينتين) واصفا إلى اى حد انحرفت الثورة
عن مسارها ، وظل شبح الملك لويس .
وهو يساق الى المقصلة مع زوجته ماري انطوانيت يطارد كثيرين من
الحكام في العصر الحديث ، وكان هذا الشبح سببا في أن لاذ الملك
فاروق الأول ملك مصر بالفرار حين قامت ثورة 1952 في مصر ، رغم
أن إمكانيات المقاومة كانت متوفرة لديه حيث إن بعض المؤرخين
يرى أن فصيلا كبيرا من الجيش كان يدين له بالولاء ، واشترك انعزال
الملك عن الناس وتشويش القائمين بالثورة وعدم وجود برنامج سياسي
للحكم لديهم في جعل حركة التغيير في مصر غير مكتملة وعاشت مصر
بعدها والى الان في مرحلة تجريب سياسي لم تشف منها بعد .
وفي عام 1979 قامت الثورة الاسلامية في ايران وتكرر المشهد للمرة
الثالثة ، بمعنى ان هناك قوما غير سياسيين استطاعوا تغيير نظام
حكم بلدهم من ملكي الى جمهوري مع عدم وجود برنامج سياسي واضح
مما جعلهم يمسكون بالأطر الدينية كملاذ لإقناع الناس بجدوى الثورة
وامتيازاتها ، لكن لم يكن عند الثوريين المهارات التى تمكنهم
من تجاوز مفهوم السلوك الثوري بمعنى العنف والدماء وليس غير
، وفي مطلع الثمانينيات وبالتزامن مع قيام الثورة الايرانية
اندلعت الحرب بين العراق وايران واستمرت عشر سنوات لتهلك الحرث
والنسل على الجانبين ولم تتوقف إلا بعد شعور ايران الثورة بالانهاك
حتى ان قائد الثورة (الامام الخوميني) قبل قرار وقف الحرب ،
لكن وصفه بأنه مثل (تجرع السم) أى أنه كان يتمنى أن يتجرع السم
ولا تتوقف الحرب إلا بهزيمة العراق .
ومع دوران الزمن تعلم الفرنسيون كيف يتجنبون ويلات الحرب ومآسيها
وتعلموا كيف يؤسسون لمجتمع ديمقراطي يفخرون به اليوم ، بينما
خاض ثوار مصر حربا خاسرة ضد اسرائيل لم يفلحوا في تجنبها بسبب
حالة (الغرور الثوري) التى اكتنفتهم ودخلوا في ازمات سياسية
واقتصادية لم تنته حتى اليوم ودفع العرب كلهم مع المصريين فاتورة
هذا الخطأ القاتل .
الغرور الثورى نفسه قاد نظام البعث في العراق الى التهلكة واسقط
العراق في أتون مأساة دامية بدأت مع الغزو الأميركي البريطاني
عام 2003 وهكذا انتصر الايرانيون دون الاشتراك في القتال الذى
أنهوه بلا نصر على العراق من قبل ، والذى صنع لهم هذا النصر
هم اعداؤهم التقليديون (الأميركيون) واليوم ايضا يشعر الاسرائيليون
بأنهم في مأزق تاريخي كبير يوشكون فيه على الاختناق داخل جدران
يبنونها بأنفسهم ويستوردون المهاجرين الجياع من أصقاع الأرض
لتزداد أزماتهم (الديمغرافية) بينما جلست مصر في هدوء بعد اتفاقية
كامب ديفيد تتفرج على المنتصر وهو (يعاني) ثمار انتصاره ، حيث
حلت ايران محل مصر في تخويف الإسرائيليين بالغموض النووى الذى
اعتقدوا انه سلاحهم الوحيد في مواجهة العرب غير النوويين ، وبعد
أن كانت إيران تحارب العرب ها هي اليوم تحارب (لهم) ولنفسها
وعاد شبح (الماسادا) يطارد الاسرائيليين أكثر من ذي قبل .
وقدمت تجارب الشرق الاوسط من جديد حكمة بالغة لمن أراد ان يستوعب
ابعادها ، وتقول هذه الحكمة إن العبرة ليست بتحويل نظام سياسي
من ملكي إلى جمهوري والعكس (العكس حدث في بريطانيا) خلال ثورة
كرومويل عام 1649 وما بعدها من إعدام كرومويل ثم عودة الملكية
مرة اخرى ، وفي اسبانيا بعد حكم فرانكو وعودة الملك خوان كارلوس
الى عرش آبائه بأيدى الجمهوري فرانكو نفسه منذ عام 1975 لأن
فرانكوكان ق ادرك قبل موته وبعد طول عناد ان عودة الملكية هى
الافضل لاسبانيا وكان على حق فيما فعل كما أثبتت لاحقات الايام
فقد عاشت اسبانيا في كنف الملكية مناخا من الاستقرار والديمقراطية
لم تشهده من قبل في ظل نظام فرانكو الجمهوري .
إنما العبرة بمدى إخلاص الحكام وبعد نظرتهم للأمور وربطهم أحداث
التاريخ ببعضها ، ولو انهم فعلوا لأدركوا أن الاهم هو خدمة شعوبهم
بصدق واخلاص وتنزه عن الغرض الذاتي وإدراكهم لجدلية التاريخ
التى تقول ان الانتصار أو الهزيمة هى مجرد تصور ذهني تضخمه الآلة
الاعلامية الساحقة خاصة في عصرنا الحاضر والتى (تلفح) هذا التصور
بمزيج من الغرور الثوري وعدم وضوح الرؤية تجاه المستقبل .
فالنظام الديمقراطى يحمي الشعب والنظام السياسي معا من الانجراف
وراء رغبات العنف القاتلة التى تمثل شراكا خداعية لا تراها الفريسة
إلا بعد سقوطها في حبائلها ، واليوم يوجد في العالم نظم ملكية
وجمهورية ديمقراطية ، وايضا نظم ملكية وجمهورية دكتاتورية ،
لكن الرابح دائما هو الممارسة الديمقراطية التى لا تعزل الآخر
ولا تحكم عليه بالنفي الاجباري ولا تصادر حقه في الاختيار للنمط
السياسي الذى يريد عبر صناديق اقتراع حرة ونزيهة وشفافة ترضى
الجميع بدلا ان تسوقهم الى (المقصلة) أو في أحسن الاحوال تفرض
عليهم عزلة قاتلة تسكنهم (مزبلة التاريخ)
محمد عبدالخالق
jawaber@hotmail.com
أعلى