كلمة ونصف
نحو التجديد في شرايين التربية
كل عام يتزايد خريجو كليات التربية من الكليات
والجامعات بداخل السلطنة وخارجها وتبذل وزارة التربية والتعليم جهودا
كبيرة لاستيعاب الخريجين والخريجات بكل الطرق الممكنة إلا أن تزايد
هذه المخرجات خاصة معلمي المجالين الأول والثاني، أصبحت مشكلة تؤرق
الجميع وتلقي بظلالها على أكثر من اتجاه مما يفرض ضرورة إيجاد حلول
قبل أن تتفاقم مع مرور الوقت.
ولعل من الحلول التي يمكن العمل بها ، هو عرض منح التقاعد للعاملين
القدماء في سلك التدريس والمجالات التربوية الأخرى بمزايا جيدة تساهم
في تسريع خروج هؤلاء الموظفين إلى المعاش وإحلال الكوادر الجديدة
، واستيعاب هذه المخرجات بشكل سنوي كإحدى الخطوات لإيجاد حل لهذه
المعضلة.
رغم أن هذه الخطوة تكتسب أهمية ليس على صعيد إيجاد فرص عمل للخريجين
والخريجات فقط ، وإنما أيضا لتجديد الدماء في شرايين التربية والتعليم
، ورفد هذا القطاع بكوادر مؤهلة ومزودة بأساليب تربوية وبأفكار جديدة
في مجالات التدريس ومؤهلة في مجالات التكنولوجيا والتقنية، ذات الأهمية
في العملية التعليمية في المرحلة الراهنة والقادمة.
وهناك عاملون في سلك التدريس ممن أمضوا أكثر من ثلاثين عاما وقدموا
الكثير من الجهد طوال السنوات الماضية ، وقد حان الوقت أن يفسحوا
المجال لأبنائهم لدرجة أن بعض المدرسين أصبحوا مشرفين وإداريين على
معلميهم السابقين ، مما أوجد وضعا تربويا غير سليم، أن يشرف الطالب
على أستاذه ، خاصة في مجال مثل التربية والتعليم.
إن على وزارة التربية والتعليم تقديم مقترحات للجهات المختصة لإيجاد
حلول لهذه الأمور واستثناء العاملين في مجال التربية والتعليم من
بعض الشروط الواجب توافرها لطلب التقاعد للضرورة التي ذكرناها آنفا
وغيرها ، ومنح عروض جيدة للتقاعد بهدف تسريع هذا الجانب.
وهذه الخطوة قد توفر ما يربو على ثلاثة آلاف فرصة عمل للخريجين والخريجات
سنويا ، وبالتالي ستكون حلا مناسبا يحقق العديد من الأهداف ، خاصة
وأن إحلال الكوادر الجديدة في ميادين التربية والتعليم يشكل أهمية
في الارتقاء بالنظام التعليمي باعتبار أن العنصر البشري بمثابة العمود
الفقري في العملية التعليمية.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أطــياف
الانطباع الأول (1)
مهم جداً الانطباع الأول الذي سواء أكنت
من سيأخذه أنت عن الآخر ، أم العكس . فهذا الانطباع الأولي هو الأقوى
تأثيراً والأطول بقاء في الذهن والنفس ، مهما حاول أحد الطرفين تغييره
، فإنه سيكون من الصعوبة بمكان ، ولهذا يهتم كثيرون بالنظرة الأولى
أو الانطباع الأول في أي لقاء مهما كانت طبيعته .
لنتحدث عن الذي يجب عليك الانتباه إليه وأخذ الاستعداد الكافي وأنت
ذاهب إلى لقاء هو الأول مع شخص ما ، سواء لعمل تجاري أو غيره . وأول
ما يجب عليك أن تراعيه وتتنبه إليه جيداً ولا تخرقه أو تقلل من أهميته
، هو الاهتمام بالموعد . احرص دائماً أن تكون على الوقت والموعد
الذي حددته أنت مع من ستقابله . كن في المكان الذي أنت ذاهب إليه
ليس في الوقت المحدد فحسب ، بل يفضل قبله بعدة دقائق ، فإن الذي
ستقابله لأول مرة لن يهتم مطلقاً بالأعذار التي ستبدأ في تقديمها
له إن أنت تأخرت . وهذه واحدة من النقاط السلبية التي ستؤثر على
ما يأتي بعدها .
كثيرون منا لا يهتمون بهذه المسألة ، وصار الوقت عندنا وللأسف بلا
قيمة كما عند غيرنا في العالم المتقدم . الوقت قيمة حياتية يجب الاهتمام
بها أيما اهتمام ، وكلما كان حرصك على وقتك ووقت الآخرين ، كلما
كان ذلك دلالة واضحة ومؤشر إيجابي على تقديرك للآخرين وأهمية أوقاتهم
وحياتهم ، وهذا ما يحبه كل شخص أن يجده في من يتعاملون معه ، التقدير
والاهتمام .
وهذا الوقت لو أنك تملك فائضاً منه ، فليس يعني أن الآخرين مثلك
. إذ ربما هناك من يبحثون عن الدقيقة والثانية ، وربما في الوقت
ذاته تكون من يهدر الساعات والأيام في عمل اللاشيء . ونحن المسلمين
من المفترض أن نكون من أكثر الناس تقديراً وتثميناً للوقت ، ليس
لشيء سوى انه هو الحياة ، وسنحاسب على كل ساعة في حياتنا كيف قضيناها
وماذا عملنا فيها .
خلاصة الدرس الأول في درس ( الانطباع الأول ) الاهتمام بالوقت والوقت
والوقت . حاول بكل الطرق أن تخرج من بيتك نحو موعدك بوقت كاف ، واضعاً
في حسبانك زحمة المرور وربما لا قدر الله الحوادث التي لا يدري المرء
منا كيف يمكن أن يقع فيها في أي لحظة ، وربما الأعطال الميكانيكية
أو الكهربائية للسيارة كذلك ، وغيرها كثير وكثير من معوقات الوصول
في الوقت المحدد . ولهذا كله يجب أخذ كل حيطة وحذر من تلك المعوقات
، التي إن لم نهتم بها ونحتاط منها ، تحولت إلى مثبطات وأسباب لخسائر
قد تكون كبيرة .. وللحديث بقية .
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

باختصار
دماء على الرمال
آخر صيحة في الكذب والتكاذب أن يقول
الاسرائيلي إنه يحقق في هذا القتل البربري الذي اقترفه جنوده. لم
يستطع حنان هذا المتغطرس والعاصي على الحقيقة والتاريخ ان يتهرب
من دم غزير اسيل على رمال غزة ، لكنه لايفعلها لاول مرة ولا هي من
المفاجآت بقدر ماهي عطاء من عطاءاته وهدية من هداياه وصورة من تركيبته
المتوحشة التي لم يستطع هضمها المجتمع البشري ولا استطاع عقل متفتح
الا ان يتأذى بمشاهدها.
الحزن يملأ قلوب الفلسطينيين الذين ملأهم الحزن بعدما امتلأت برادات
المستشفيات بالجثث وفتش الاطباء الفلسطينيون على الدواء فلم يجدونه
، لأن ابناء العروبة قرروا أن يتركوا جزءا من جسمهم الحيوي يموت
امام اعينهم.
لكثرة المآتم الفلسطينية صارت الاراضي الفلسطينية جغرافيا بحجم دمعة.
ولكثرة الدم الفلسطيني السيال تحولت الارض الفلسطينية إلى لون احمر
تدل من ألوانها ومن مباهجها التي لم تكن يوما معروفة لديهم. لم تقبل
السلطة المشهد الدموي فسارعت إلى ثلاثة أيام من الحزن الصارخ وهي
تعلم في علم الغيب أن ماجرى سوف يتكرر وأن هذا العدو التاريخي لايملك
شيئا من التأمل لانه ليس موهوبا به كي يخرج ولو يوما من لعبته الصارخة.
نفهم الآن معنى ان تكون ضعيفا وان ينكرك الاخ والصديق وان يتفرج
عليك من لم يكتشف بعد أسرار المعركة التاريخية التي يخوضها الفلسطيني
ولا يتراجع. ابنة القتيل المرمي على شاطيء البحر وسط الرمال ملأ
بكاؤها أجهزة الاعلام وليس ثمة من أشار إلى الحقيقة أو ذهبت نفسه
لتلعن الضعف والمستضعفين. ومع ذلك لاترى الولايات المتحدة مشكلة
في هذا المشهد المدوي بل هي تشد على يد الاسرائيلي طالبة منه مضاعفة
جهده من اجل المزيد من المشاهد المشابهة.
وماذا ستفعل حماس التي اعلنت انهاء الهدنة التي لم تكن موجودة اصلا
. تعرف حماس انها اليوم سلطة رغم محاربة الجميع لها ومنعها من ممارسة
دورها الطبيعي في مجتمع يحتاج لالف عون وعون . هل تعود حماس إلى
ساحة الجهاد بعدما طفح الكيل وزاد ، وما هو نوع العودة اذا لم تكن
مقرونة بقوة جديدة وبإضافات في العقل العسكري يجعل من الضربات المتوقعة
مفصلا في حرب الارادات التي لن تهدأ .
الكثير من الاستنكار بات مضيعة للوقت .. صار صعبا اعتبار المواهب
السياسية وحدها كفيلة بمحاربة الطواغيت ، والاصعب ان تسكت عن الحق
لتدخل في معنى اللعنة . والأدهى ان الدم الذي سال في غزة وفي كل
مكان فلسطيني مجبول مع الخوف بأن يوصل إلى حرب اهلية فلسطينية ،
لكأن المواعيد المضروبة حتى نهاية يولية ، وهو موعد الاستفتاء الذي
ضربه الرئيس محمود عباس ، تمشي دقائقه على حافة السكين لتقرب حرب
الاخوة الذين يعيشون العداوة بلا ادنى اضطراب نفسي ظاهري .
بكل لغات الارض تدان همجية اسرائيل ...
وماذا تنفع الادانة اذا لم تصاحبها حلول مستفادة أقلها توحيد السلطة
والرئاسة من أجل وحدة فلسطينية تخرج من معادلة الافق المسدود لتفتح
بابا من الرد الموحد على ماأسماه رئيس الوزراء اسماعيل هنية تدمير
الواقع الفلسطيني .
وهل بقي في هذا الواقع ماهو غير مدمر او مجبول بالدم الفوار ؟!
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أصداف
مؤتمر الوفاق والمصالحة-1-
أكثر طرف من المدعوين للمشاركة في مؤتمر الوفاق
العراقي ، وجهوا سؤالا محددا لي باعتبار أنني العضو المستقل الوحيد
، الذي شارك في مؤتمر القاهرة ، الذي عقد في العشرين من نوفمبر عام
2005 ، ومحور السؤال يتركز على النتائج الايجابية ، التي يمكن أن
يحققها مؤتمر الوفاق الذي يفترض انعقاده في غضون أسبوعين أو أقل
من ذلك ، رغم صعوبة او استحالة ذلك ، إذا أرادت جميع الأطراف العمل
بجدية وموضوعية لإنجاح هذا المؤتمر .
أما النتائج الإيجابية لانعقاد مثل هذا المؤتمر ، فأنها ترتبط بتوفر
ثلاث مسائل أساسية ، نعتقد أنها ستكون المرتكز الذي يمكن أن تنطلق
منه العجلة بالاتجاه الايجابي .
وهذه المرتكزات الثلاثة هي :
أولا : أن يتم حسم موضوع مكان عقد المؤتمر ، لأن هذه القضية تثير
حساسية الأطراف ،رغم أن البعض يفضل عدم الحديث عنها صراحة ،أقول
،إن الطرف الذي دخل العملية السياسية ، يرى أنه قد تحقق للبلد استقلاله
وحصل على سيادته ، ويستند في ذلك إلى نتائج الانتخابات التي جاءت
بأركان السلطة الحالية إلى الحكم ،وعند هذا الطرف ، لاحساسية من
عقد المؤتمر في بغداد ، أما المعارضون للعملية السياسية ، فأنهم
لا يعارضون انعقاد المؤتمر في بغداد شريطة ألاّ يكون داخل المنطقة
الخضراء ، وهذا يعني عدم اعتراف أركان هذا الطرف بالحكومة الحالية
والقول ضمنا او صراحة إن البلد ما زال محتلا وإن الذي يسيطر على
المنطقة الخضراء هم قوات الاحتلال ، كما أنهم يرفضون عقد المؤتمر
في أي مكان آخر ،ولهم وجهة نظرهم بذلك . أما إذا وافق الطرف الاول
على انعقاد المؤتمر خارج العراق ، فإن هذا الطرف يقر صراحة بأحقية
ودقة ما يقوله الطرف المعارض ،والذي يرفض العملية السياسية برمتها
، وهنا تدخل إدارة الجامعة العربية بإشكالية كبيرة ،فإذا اقنعت الطرف
الداخل في العملية السياسية بالذهاب إلى خارج العراق فإن الطرف الاول
سيكون قد كسب أولى النقاط الايجابية لصالحه ،ومن الواضح أنه من المستحيل
عدول المعارضين للعملية السياسية عن موقفهم الذي يتمسكون به ، ويرفضون
بموجبه دخول المنطقة الخضراء ، حيث تفرض القوات الاميركية سيطرتها
التامة والمطلقة عليها . وبهذا فإننا أمام إشكالية المكان ، وهي
من أول المرتكزات التي يجب الاتفاق عليها قبل البحث في جوهر النقاط
الاخرى ، التي من شأنها إنجاح هذا المؤتمر ، والتي سنأتي عليها .
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@hotmail.com
أعلى

نافذة من موسكو
الصراع على الطاقة والتحالفات العسكرية الاقتصادية
يرى العديد من الخبراء الروس أن الصراع على
أسواق الطاقة ، ستدفع في المستقبل إلى إنشاء تحالفات عسكرية اقتصادية.
وينظر هؤلاء ، ومنهم المحلل السياسي الروسي ألكسي ماتفييف ، إلى
تأسيس قادة جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدافيا مؤخرا التكتل المعروف
بـ غوام ـ المنظمة من أجل الديمقراطية والتنمية الاقتصادية ـ كصورة
واضحة لتضافر الروح العسكرية والاقتصادية. ويعتقد المراقبون الروس
أن هذه المنظمة التي يسعى أعضاؤها ، خصوصا جورجيا وأذربيجان ومولدافيا
، إلى تدويل النزاعات في أراضيها ـ أي في إبخازيا واوسيتيا الجنوبية
وبريدنيستروفيه ـ من خلال استبدال القوات الروسية التي تدعم عمليات
السلام في هذه المناطق ، بقوات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة أو الناتو،
تتبنى سياسات مناهضة لروسيا. هذا بجانب أن أوكرانيا أحد الأعضاء
الأساسيين في هذه المنظمة تنظر بعدم الرضا لتواجد أسطول البحر الأسود
في أراضيها، وترغب في إخراجه من هناك . ومن المعروف أن الولايات
المتحدة والدول الأوروبية والناتو يدعمون أعضاء هذه المنظمة في جميع
مطالبهم ومساعيهم تجاه روسيا. وهذه الجمهوريات السوفيتية السابقة
الأربع المذكورة تسعى مع الدول الغربية ، كما هو معروف ، إلى فك
التبعية في مجال الطاقة مع روسيا. ويشير ألكسي ماتفييف إلى أن السيطرة
على أسواق النفط والغاز تحتل أول سلم الأولويات في العالم اليوم.
ويقول إن هذا يتضح من غزو الولايات المتحدة للعراق. ويذكر أن جميع
البلدان الأعضاء في (غوام) عدا أذربيجان تابعة لروسيا في مجال الطاقة.
ولكن أذربيجان ـ حسب الروس ـ لا ترغب في إغضاب موسكو ولذلك تتبنى
سياسة تتأرجح بين روسيا والغرب . في نفس الوقت صدرت دعوة بإنشاء
ما يشبه حلف شمال الأطلسي تحت اسم تحالف الطاقة أثناء لقاء قادة
جمهوريات البلطيق وعدد من البلدان الأعضاء في رابطة الدول المستقلة
في فيلينوس في شهر مايو الماضي بحضور نائب الرئيس الأميركي . وترى
هذه الدول التي اجتمعت في فيلينوس ، مثلها مثل أعضاء غوام ، أن روسيا
عقبة في طريق توفير الطاقة لها لأن جميع مسارات نقل النفط من منطقة
بحر قزوين الحبلى بالنفط تمر بروسيا ، باستثناء خطوط الأنابيب الإيرانية
وخط أنابيب باكو - تبليسي - جيهان المزمع افتتاحه رسميا في الشهر
المقبل . ولكن روسيا أيضا لا تقف مكتوفة اليدين حيث تسعى أيضا لتشكيل
تكتلات في مجال الطاقة للحفاظ على موقعها المتميز في هذا المجال
. فالعاصمة الروسية تعج اليوم ، وعلى مستوى ممثلي السلطة ، بالكثير
من الأفكار لإنشاء تكتلات في مجال الغاز والنفط مع دول مثل كازاخستان
وتركمانيا وكازاخستان وغيرها لمواجهة الأطماع الأميركية. ولا يستبعد
بعض الخبراء الروس تحول مثل هذه التكتلات مستقبلا إلى تكتلات عسكرية
لحماية مصالح أعضائها في مجال الطاقة.
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

من المنعطف الشمالي الغربي للنصب التذكاري بدوار المطار
ألف السالكون وهم يعبرون دوار المطار دخولا
إلى عمق مدينة مسقط أو هم خارجون من ذلك العمق على السواء , ألفوا
شخصية الشرطي الذي يقوم بدور رائع وعمل مقدر مفعم بالنشاط والحيوية
يستحق الشكر والتحية , اعتادوا رؤيته أول الصباح بسماته التي لا
تتغير وموقعه الذي لا يفارقه وملامحه المتسمة بالجد والصرامة حتى
أضحى مثالا للإنسان المثابر في عمله المجد في أدائه الواعي لدوره
المتمكن من تنفيذ مهامه في تنظيم حركة السير في غمار الزحام الصباحي
حيث يتوجه الموظفون والعمال والطلبة والمراجعون والمسافرون والعائدون
وغيرهم في سباق مارثوني إلى مؤسساتهم وإلى مدارسهم وجامعاتهم ومواقع
عملهم وفي قضاء حاجاتهم ........... , يقودون سياراتهم وهم في عجلة
من أمرهم اليد على المقود والفكر منشغل بعناصر حياتية تتواصل وتتجدد
وأمور وقضايا شتى تجوس مشتتة الذهن دون انقطاع , جهاز البصمة الذي
ستتحول إشارته من اللون الأخضر إلى الأحمر بعد دقائق معدودة , الملفات
والمعاملات المكومة على المكتب والتي تتطلب جهدا ووقتا وذهنا حاضرا
وتشكل هاجسا لا ينتهي , الطابور الذي سوف يستهلك جزءا كبيرا من الوقت
قبل إنجاز المعاملة , مضمون ومستوى الاختبار الشفهي الذي سيبدأ بعد
قليل وارتباط المستقبل بنتائجه , صفقة يسيل لعابها ستشهد الدقائق
القادمة مراسم التصديق على وثائقها , مردود اليوم من المحل ومن الصيد
ومن المركبة ومن المشروع , أحلام وآمال , أهداف ونتائج , تشاؤم وتفاؤل
, حزن وسعادة , نشاط وكسل , مشاعر وأحاسيس تولد وتموت وشرطي المرور
صامد صمود جبل لا يبعد عنه بأكثر من بضع مئات من الأمتار شامخ شموخ
النصب التذكاري الماثل بجواره , شغله عمله عن التفكير في أمر آخر
غير الشارع الفسيح الممتد إلى ما لانهاية وسلامة من عليه من مشاة
ومركبات ولمسات جمالية وشغلته مسئولياته عن قراءة الأفكار وعن التدقيق
في ملامح وجوه لا عدد ولا حصر لها , تمرق السيارات المتباينة في
أشكالها وألوانها وعلاماتها الجارية جديدها وقديمها جيدها ورديئها
من منافذ وزوايا واتجاهات مختلفة تمرق من أمامه وبإشارة من يده النافذ
أمرها التي تملك سلطة القانون يقف الجميع ويتحرك الجميع , طابور
من البشر تتفاوت مكانتهم الاجتماعية وتختلف درجاتهم ومناصبهم فيهم
الغني المفرط والفقير المدقع مكومون في غرف حديدية مغلقة تتنسم وجوههم
وأجسامهم نسمات باردة يطلقها مكيف يلاقي الأمرين إذ اجتمعت عليه
حرارة الطقس وحرارة الآلة , وشرطي المرور صامد وإن لفحه هيف الصيف
ولسعته أشعة الشمس وأغرقته حرارة الطقس وأصمت أذنيه أبواق السيارات
المحتجة ظنا من قائديها أن الرجل قد نسيهم بعد أن أدار لهم ظهره
وصوب اهتمامه ناحية الغرب حيث طابور السيارات القادم إلى مسقط يأبى
أن يهدأ أو يتراجع , ومع ذلك فهو يوزع الفرص بعدالة والساعة التي
يطالع حركتها باستمرار شاهدة على ذلك وينظم حركة السير بدقة وانتظام
ويده التي تنطلق في الفضاء وتعود في أسرع من البرق تؤكد على صبره
وعلى يقظته , نتأخر أحيانا عن العمل وعن المدرسة وعن الموعد فدرجة
حرارة الغرفة التي لا تزيد عن العشرين تغري بالبقاء فترة أطول في
الفراش ونتقدم في التوقيت أحيانا فالموعد المنتظر لا يحتمل التأجيل
والتنبيه الإداري السابق المعتمد من المسئول الذي أصم موظفيه بشعارات
ومثل إدارية لم يحرص هو يوما على تطبيقها تفرض ذلك وما يهم شرطي
المرور من ذلك هو الدقة في أداء الواجب وإنهاء عمله اليومي في سلام
مودعا آخر قائد سيارة متوجه إلى عمله . رجال ونساء مسرعون تائهون
مهووسون يتمنى البعض منهم أن لو كان الشارع في يده يتحكم به كيفما
شاء لا عين رادار تراقبه , لا عربة قديمة تبطئ من حركته , لا شرطي
يوقفه , لا إشارة مرور ترفع ضغطه بلونها الأحمر ... لا يهمه من ذلك
كله سوى قضاء حاجته في أسرع زمن ممكن , قريبا سيختفي النصب التذكاري
الشامخ الذي ميز دوار المطار زمنا ليس بالقصير كما اختفت إخوة له
من قبل وستتغير معالم المكان وستختلف المسارات والاتجاهات ومع اختفاء
وتبدل ذلك كله سيختفي شرطي المرور كما اختفى من شوارع روي ومطرح
ومسقط فبعد أيام قليلة سوف تشرع بلدية مسقط في تنفيذ الجسر المعلق
, فوداعا لآخر دوار أرضي في شارع السلطان قابوس.
سعود بن علي الحارثي
كاتب عماني
Saud2002h@hotmail.com
أعلى

هَزُلتْ... صراع ديكة في قفص أوسلوي... وتحت احتلال!
هَزُلَتْ... قالها بمرارة فلسطينية جداً...
رددها محاوري الكسير الخاطر ، المثلوم الوجدان ، وهو يحاول أن يخفي
، وهو المكابر عادة ، ألماً ، هو أيضاً ألم فلسطيني جداً ظل دائماً
يعتمل في داخله ... يخفي ألماً عميقاً عمق المعاناة الفلسطينية ويتساوى
مع حجمها ، كما يوازي الخشية المزمنة والإشفاق الدائم على الحلم
الفلسطيني ... ألماً لا يختلف عما يشعر به سائر الفلسطينيين... الفلسطينيون
الأسرى كشعب داخل أقفاص وطنهم الأسير أو المشردون منهم، وهم غالبيتهم،
في منافي الشتات...
هَزُلَتْ... قالها محاوري ، ونحن نتابع كلينا ، مع سوانا في الساحة
الفلسطينية، وطول الوطن العربي وعرضه ، تداعيات ما يجري في هذا الجزء
من هذا الداخل الفلسطيني أو هذا المختصر من فلسطين فيما تبقى من
مزق الضفة ومعتقل غزة الكبير ... راعنا كلينا ، ما راع سوانا ، أن
ما كان يدعى خطاً أحمر ، زعم الجميع في الساحة ، وبلا استثناء ،
أنه تابو أو محرم لا يمكن تجاوزه، وهنا نعني الاقتتال الفلسطيني
الفلسطيني ، أو مقاربة مشروع الاحتراب الأهلي المنشود إسرائيلياً
، قد بدأ رويداً رويداً في البهوت وأخذ في التآكل. وإن ما يمكن وصفه
بالحاجز النفسي الحائل بين المتصارعين واجتياز هذا الخط المحظور
قد بدأ في التصدع... حتى الآن، سفك المتطاولون على هذا المُحرّم،
عبر الأحداث الداخلية المؤسفة الأخيرة في قطاع غزة، قطرات عزيزة
من الدم المحرّم سفكه، ونأمل ألا تكون نذيراً سابقاً لأول غيثهم،
لا سيما وأن العدو المتربص القادر يكمن، عبر عيونه وأدواته وعملائه
وطائراته بطياريها وبدونهم وأقماره الاصطناعية، في كل زاوية ومنحنى
من زوايا أقفاص ما تبقى أو لم يهوّد بعد من كانتونات ومزق ومعتقلات
هذا الوطن المنكوب المغتصب...
هَزُلَتْ، فميليشيات الطرفين تدق نفيرها، وترتب صفوفها، وتستن سلاحها،
وتطلق صيحاتٍ تبدو مكتومة حتى الآن لكنها تأخذ في التعالي، وكإنما
هي في سبيلها لأن تغدو في أية لحظةٍ صرخات ما قبل خوض الوغى!
ونقول ميليشيات، لأننا كلينا، أنا ومحاوري، وكذا سوانا، لا نرى قوى
سلطة تحفظ أمناً وتديرها مؤسسات. وإنما نلحظ بداية اصطفافات عصبوية
النكهة تعجل فرزاً فئوياً محتوماً بدأ يلوح لا ينجم عنه إلا معسكران
كل منهما يحشد مريديه والمستفيدين منه... ولأننا اتفقنا على طرح
السؤال التالي:
هل نحن إلا إزاء بوادر اصطراع على سلطةٍ هي أصلاً بلا سلطة، يدور
بين طرفين، وأحدهما من فقدها جراء انتخاباتٍ سعى هو بظلفه إليها
لاجتذاب خصمه المعترض على منطقه السياسي ومنهجه التسووي إلى ملعبه،
وأملاً في احتوائه وتدجينه، فلما جاءت هذه الانتخابات بالخصم إلى
سدة السلطة عزّ عليه، وهو الخاسر في صناديق الاقتراع، مفارقتها،
وبين من استدراج إلى حبائل هذه السلطة فوجد نفسه، وقد فاز بها، وجهاً
لوجه أمام معضلة التوفيق بين من كان منه قبلها ومن أصبح منه بعدها...
وجد نفسه للأسف وجهاً لوجه مع استحالة حل متحارجة الجمع بين السلطة
والمقاومة؟!!
...ونقول صراع على السلطة التي هي بلا سلطة، أو هو صراع أشبه بصراع
الديكة الآسياوية الذي يدور في حلبةٍ متفرجوها، أو الأقرب إلى متعهديها،
أعداء محتلون وحلفاء لهم دوليون، ومن هم في حكم المتواطئ معهم ضمناً
إقليمياً أو دولياً ... صراع ديكة في وطن أشبه بقفص محكم الإغلاق
بقبضةٍ دموية لا ترحم، إذ تمسك بوحشية غير مسبوقة بتلابيب معابره
وتخيم بغطرسةٍ على كامل أجوائه، وتعبث عبر عملائها في تفاصيل دخائل
أحشائه... نقول، صراع على سلطة بلا سلطة، لأنه ليس صراعاً واضحاً
في معالمه على برنامج يطرح ليدافع عنه أو خلاف جلي على الاجتهاد
الأنجع لمقاومة عدو، وإن اختلف موقع طرفيه، من حيث مفهومهما لطبيعة
الصراع الأساسي، الذي هو مع العدو، أو على أسلوب حله، لاختلاف منطلقاتهما
وثوابتهما، وتباعد نهجهما ورؤيتهما النظرية والأيدولوجية... لماذا؟
لأنه صراع شاء طرفاه أم أبيا يدور تحت سقف أوسلو وتحكمه قوانين ملعبها...
لا نريد هنا تبسيط الأمور، ولكن، لنبدأ بالسلطة... كلنا نتفق على
إنها نتائج اتفاقية أوسلو التي دفنها شارون قبل ذهابه إلى الغيبوبة
بأمد يمكن تأريخته بأول وصوله إلى السلطة... وفي البدء كانت، وانسجاماً
مع أحكام الاتفاقية إياها، تلك التي وقعت في حينه من خلف ظهر الفلسطينيين
جميعاً، تدعى سلطة الحكم الذاتي الإداري، أو المحدود، ولا تخص من
فلسطين والفلسطينيين إلا ما اعتبرته الاتفاقية المتنازع عليه من
المحتل في العام 1967 ومن يتواجدون فيه من الفلسطينيين... لكن الزعيم
الراحل ياسر عرفات، وانسجاماً مع منطقه المعروف وأسلوبه الذي عرف
به، نفخ في بالون هذه السلطة عله يفرض أمراً واقعاً باتجاه انتزاع
ما أمكن من سلطة على طريق الاقتراب من دولة ما كانت وتظل موهومةً
. حيث لم يفكر الإسرائيليون يوماً في السماح بوجودها، الذي يعتبرونه
مسألة خطر وجودي عليهم. اللهم إلا إذا كانت مسخاً خالياً من مضمونها
السيادي وكافة مقومات الدولة الطبيعية ، أو كانت قائمة بلا قوائم
وعلى سكان بلا أرض، أي تتكفل نيابة عن محتل بإدارة شؤون يومية لرعايا
هم الأقرب إلى الجالية الأجنبية في وطنهم، والذين يظلون برسم الترانسفير
في مستقبل الأيام، وآن تسمح الظروف التهويدية بالشروع فيه. سلطة
حكم الذاتي الإداري، غدت السلطة الفلسطينية، بما توهم به هذه التسمية...
ورئيسها الرئيس الفلسطيني، وحكومتها الحكومة الفلسطينية ... كان
يومها حرس الشرف والسجادة الحمراء في المطار الذي أقيم جنوبي القطاع
ليدمر فيما بعد ويغلق ، والميناء المنشود في غزة الذي لازال مخططات
مشروع أعيق تنفيذه ليظل رسماً على ورق... إلى آخر هذه المظاهر التي
اختفت مع محاصرة أول رئيس لهذه السلطة ، تمهيداً لإنجاز قرار تغييبه
أو اغتياله سياسياً ومن بعد جسدياً ، لأنه تمسك في كامب ديفيد الثانية
بآخر خطين أحمرين من خطوط ممانعته لتصفية القضية: القدس وعودة اللاجئين...
بعد رحيله، أخرج الإسرائيليون من جعبتهم شعار اللاشريك الفلسطيني،
وما لم يعطوه لعرفات لم يتكرموا به على أبي مازن... الأسوار العازلة
أخذت في الزحف مبتلعةً ما تبقى من فلسطين، ثم أعقبت بأحبولة الانفصال
من طرف واحد الشارونية، أو إعادة الانتشار لأسباب ديموغرافية، أي
للحفاظ على يهودية الكيان، بالانكفاء من غزة إلى خارجها، وتحويلها
إلى المعتقل الذي هو الآن، أوإلى ما هو الأشبه بحاوية بشرية برسم
التفجر جراء مكائد التجويع والترويع، بالإضافة إلى الاكتظاظ وارتفاع
منسوب الاحتقان جراء العبث بالأمن اليومي وانسداد الأفق السياسي
والاجتماعي والاقتصادي... حتى اعترف أطراف السلطة ذاتها بأنه لم
تبق سلطة ولا ما كانت أوجدتها، أي ما توصف بالتسوية السلمية المزعومة...
فجاءت بارقة الانتخابات... كانت مطلباً غربياً - إسرائيلياً، نفذتها
أطراف سلطة لم تحتمل فيما بعد فقدان سلطتها، وخاضها المنتصرون فيها
دونما سابق تصور لمدى انتصارهم المحتمل فيها ... صوت فلسطينيو الضفة
والقطاع، كما هو معروف لصالح المقاومة وضد الفساد. لم يتحمل من رعى
ونفذ هذه الانتخابات نتائجها... أرادوا إما تدجين حماس التي وقعت
في خطأٍ استراتيجي لا تدري اليوم كيفية الفكاك من ربقته أو إفشالها
... وصلت الحال إلى ما وصلت إليه: بدلاً من الحديث عن المؤسسات التشريعية
والتنفيذية والقضائية، أو هذه المؤسسات المعروفة في سائر مخلوقات
الدول، بدأنا نسمع عن مؤسستين لا غير... مؤسسة الرئاسة في مواجهة
مؤسسة رئاسة الوزراء ...
الأولى، من اختصاصاتها المفاوضات والسفارات والقوات المسلحة أو الأمنية
بأنواعها ومسمياتها تحت الاحتلال ، والمعابر ، وحتى صندوق الضمان
، وصولاً إلى بعثة الحج ... وما قد يستجد من مهام يمكن تأميمها رئاسياً
عند اللزوم ، أو حرمان رئاسة الوزراء منها عند الضرورة ... رئاسة
الوزراء التي تحولت إلى أشبه ما يكون بالبلدية أو الشماعة المسؤولة
عن هذا الحصار الخانق الذي علق عليها والذي ضرب من حولها لترويضها،
فيجوّع رعاياها أملاً في استثارتهم ضدها... بدأنا نسمع عن القوة
التنفيذية أو قوة الإسناد التابعة لوزارة الداخلية مقابل الأمن الوطني
التابع مباشرة أو مداورةً للرئاسة... وهكذا، وبدلاً من أن تنجو حماس
بجلدها المقاوم فتترك السلطة لأصحابها عائدة إلى منطلقاتها التي
انتخبت على أساسها عاندت وقاومت من يحاولون إفشالها فخرجوا عليها
بآخر البدع:
الاستفتاء على وثيقة الأسرى ... أو وثيقة سجن هداريم... قبل الحديث
عن هذه البدعة ، علينا أولاً الإشارة إلى الخطأ الاستراتيجي الذي
وقعت حماس فيه أو استدرجت إلى حبائله:
قبيل الانتخابات كانت السلطة أشبه بالوهمية أصلاً تفقد مع مرور الوقت
القدرة على الإيهام بوجودها، وكان رئيسها محاصراً سياسياً ، ولدرجة
أن هناك من تصور أنه ربما سيواجه ذات المصير الذي واجهه سلفه ، لكن
قبول حماس دخول اللعبة الانتخابية تحت سقف أوسلو، عوّم هذه السلطة
من جديد، وقوى رئيسها في مواجهة حكومتها، لأسباب تخص الرافضين لنتائج
انتخابات رعوها بغية استيعاب الفائزين بها، الأمر الذي وضع حركة
مقاومة مثلها أصبحت فجأة في السلطة البلا سلطة أمام استحقاقات أوسلوية
مطلوبة منها وإلا... هذه الاستحقاقات هي:
القبول، قبول السلطة الجديدة، بما وقعته سابقتها أو التعهد بمواصلة
التزاماتها في ظل ما أملته عليها الروح الانهزامية ومستحقاتها التنازلية
، وصولاً إلى الاعتراف بالشرعية الدولية ، التي هي ضمناً اعتراف
بالعدو، وولوج عملية التسوية أو ما تعني عملياً التصفية ... هل تقدم
على ذلك؟! من الصعب تصور هذا ، لكن ، هذا هو السؤال المطروح عليها
، أو الخيار المعروض عليها: إما الخضوع أو الرحيل..!
وعودة، إلى الاستفتاء العتيد ... قبله ابتدع ما عرف بحوار العشرة
أيام فقط لا غير، أو كما قيل، العشرة أيام الكافية للحوار والاتفاق
على أو الموافقة على ما يعرض للتحاور بشأنه... إما الاتفاق على وثيقة
الأسرى كما هي أو الاستفتاء عليها... كان حواراً طرح على محاورية
أو أطرافه المختارة من حواضر البيت الأوسلوي والمستجدين عليه وليس
كل الفلسطينيين، هذا السؤال: أهو حوار من أجل السلطة، أم لتجنب الاقتتال،
أم من أجل الوصول إلى برنامج اعتراضي أو حد أدنى وطني أو ابتكار
سبل وأشكال متوافق عليها لمقاومة الاحتلال؟
لكنه، كان، ربما وفق المطلوب منه، حوار طرشان وصل بالضرورة إلى طريقه
المسدود المنشودة على ما يبدو ، فعاد سيف الاستفتاء مشرعاً ، ولم
يكف لأن يغمد الاحتجاجات بأنه يجري تحت سقف سلطة أوسلوية، وبلا قانون
استفتاء ينظمه ، ولا دور لمجلس تشريعي السلطة فيه، أو في استنان
قانونه غير الموجود. بل هل من ضرورة توجبه وقد كانت الانتخابات التي
لم يمض عليها وقت تتسم بالديمقراطية، بحيث يأتي هذا الاستفتاء وكأنما
هو بديل يفرض للالتفاف على نتائجها... بل وحتى الوثيقة مدار الاستفتاء
ليست وثيقة كل الأسرى، لأنها، كما قيل، نتاج سجن هداريم وحده، كما
أوضحت عرائض وبيانات بعض الأسرى اللاحقة... الأسرى الذين إن اجتهدوا،
وهم في مكانة اعتبارية عالية في وجدان الفلسطينيين، ليست محل إجماع،
لأنها تطالب بالاعتراف بالشرعية الدولية التي تعنى الاعتراف ضمناً
بمحتل لا يعترف بأبسط حقوق من يحتله أصلاً... والأهم أنه استفتاء
لجزء تقارب الثلث من شعب وفي غياب ثلثيه الآخرين، وعلى ثوابته التي
لا يجوز الاستفتاء عليها، وبدى وكإنما المستفتي يطرح على من يستفتيهم
سؤالاً، أو يقول للمحاصرين المجوعين في مزق الضفة ومعتقل غزة الكبير:
هل تعترف بإسرائيل مقابل وصول الصدقات والمساعدات؟!
لعل المراد تحويل الوثيقة مدار الاستفتاء إلى برنامج يفرض على الطرف
الآخر أو على من يعارضه باسم الشعب، من قبل من كانوا لم يستفتوه
يوماً من قبل... لا على أوسلو التي هذه هي تداعياتها وتبعاتها واستحقاقاتها
الكارثية، التي يكابدها راهناً، ولا على العبث بالميثاق الوطني الذي
قامت عليه منظمة التحرير. أي برنامج الإجماع الوطني الوحيد لكامل
الشعب الفلسطيني، أو ما يمكن وصفه بموحّد الأرض والإنسان الفلسطينيين
داخلاً وشتاتاً... هذه المنظمة التي أوسعت إهمالاً وأضعافاً، والتي
لطالما ركنت جانباً، فلا يتذكرونها إلا لتوقيع على تنازل، ولا تستحضر
إلا لاستخدامها استخدام وثيقة الأسرى المشار إليه... ألم يقلها الإسرائيليون:
إن المنظمة يجب أن تبقى قائمة لأننا نريد حل أخطر قضية وهي قضية
اللاجئين ولا يمكن حلها إلا عبر منظمة التحرير... إذن يبقى السؤال
هو: في غياب ثلثي الشعب وانقسام الثلث الحاضر، ترى يستفتون من؟ وعلى
ماذا؟!
الجواب، مررنا عليه ضمناً... لنخلص إلى ما يلي:
نعم ما يحري في السلطة الفلسطينية، وبحكم كونه يدور تحت سقف أوسلو،
يظل صراع على سلطة بلا سلطة، يجري في وقت ضائع لصالح عدو يستثمره
وهو يجتهد على مدار الساعة في فرض وقائعه التهويدية على الأرض.
إذن، وحيث، كما قال محاوري، قد هَزُلَتْ... ما الحل:
إنه لا خروج من هذا المأزق الذي هو مأزق يتشارك فيه فريقان رئيسان
أو الأكبران في الساحة الفلسطينية، ولا تسلم من تداعياته قضية شعب
بكامله... وأحدهما يمثل فصيلاً تاريخياً قاد ثورة معاصرة ثم جنحت
قيادته نحو وهم تسووي قاد الساحة والقضية إلى ما ألت إليه من كوارث،
لكن قاعدته الوطنية لا زالت تقدم التضحيات وظلت رغم ذلك الجنوح في
مقدمة من يقاوم. والثاني، مقاوم أساساً جرّ أو استدرج إلى الأوحال
الأوسلوية ، إلا بوحدة وطنية حقيقية تستند إلى برنامج وطني مقاوم
جامع، هو لن يكون إلا بمشاركة جميع الأطراف في الساحة الوطنية في
حوار وطني شامل هدفه الأول والأخير استعادة منظمة التحرير إلى خطها
الوطني، وذلك غير ممكن إلا بإعادة الاعتبار إلى ميثاقها الوطني،
أي بالعودة إليه كما كان قبل العبث المعروف به... وإعادة بنائها
على هذا الأساس منظمة تحرير لا تمرير، ودونما إهمال كان بمثابة المقتل
للبعدين القومي والإسلامي للصراع في بلادنا... وأخيراً إذا كان للأزمة
الراهنة التي كنا بصددها بعدها الذاتي ، أي الفلسطيني، فإن لهذا
البعد علاقته الجدلية بالبعد الموضوعي العربي... لذا على الأمة العربية،
شعوباً قبل الأنظمة، تحمّل مسؤولياتها التاريخية التي لن يسامحها
التاريخ على التواني في حملها، والمتمثلة في وجوب أن تهب لإنقاذ
الحالة الفلسطينية مما تتجه إليه في سبيلها لاجتياز خط أحمر كان
يزعم الجميع سابقاً ولا يزالون أنه من محرمات الساحة... الاحتراب
الأهلي... والذي لا يعني إن فعلت، وعليها أن تفعله، سوى القيام بواجب
الدفاع عن نفسها بالحفاظ على قضية قضاياها في فلسطين.
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
اختطاف ترومان
مهما بلغت حدة الاستقطاب في واشنطن ، لا يزال
قاسم مشترك من الحب يجمع الديموقراطيين والجمهوريين: هاري ترومان.
في ديسمبر الماضي ، صرحت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس
بأن جهود إدارة بوش لتعزيز الديمقراطية تتفق مع التراث الضخم للسياسة
الخارجية الاميركية خاصة التي اتبعها رؤساء معاصرون مثل هاري ترومان.
وفي الاسبوع الماضي كرس الرئيس بوش خطابا له لعقد مقارنة موسعة بينه
وبين الرئيس الثالث والثلاثين ، ذاكرا اسم ترومان ما لا يقل عن 17
مرة. الكتاب المحافظون مغرمون ايضا بمثل هذا التشبيه. فلقد بات جزءا
من الايمان من جانب إلىمين المعاصر أن يكون محافظو إلىوم -- وليس
ليبرإلىي إلىوم - هم الورثة الحقيقيون للتراث المناهض للاستبداد
الذي نقرنه باسم ترومان.
غير أن الحقيقة مختلفة بعض الشيء. بوش ورايس على حق في أن ترومان
رأى في الاستبداد تهديدا للسلام العالمي ، وأنه آمن بمقاومته بوسائل
من ضمنها استخدام القوة. في خطابه المشار إلىه ، اقتبس بوش إعلان
ترومان الشهير في مارس 1947 باقتراح تقديم مساعدات عسكرية لحكومتي
إلىونان وتركيا المحاصرتين حيث قال: يجب أن تكون سياسة الولايات
المتحدة دعم الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات الاخضاع من جانب الأقليات
المسلحة أو الضغوط الخارجية.
لكن هناك مأثورات لترومان تجاهلها بوش بما يناسبه. خذ مثلا قول ترومان:
علينا جميعا أن ندرك ، مهما عظمت قوتنا ، اننا يجب ألا نجيز لانفسنا
أن نفعل دوما ما نشاء. فضلا عن هذا ، ترومان لم يؤمن فقط بتعزيز
الديمقراطية والسلام ؛ بل كان يرى ان ذلك يتطلب وجود مؤسسات دولية
قوية ، يمكن ان تستثمر القوة الاميركية التي تتمتع بالمصداقية التي
افتقر إلىها السوفييت.
في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة ، أدخلت الولايات
المتحدة نفسها في شبكة من الهيئات الدولية -- من الامم المتحدة وحلف
شمال الاطلسي إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتفاقية العامة
للتعريفات الجمركية والتجارة (وهي الآن منظمة التجارة العالمية).
وكان ترومان صريحا في الاعتراف بأن هذه المؤسسات منحت البلدان الضعيفة
تأثيرا على التحركات الاميركية.
بوش ، علي العكس من ذلك ، أكثر من اي رئيس في التاريخ الحديث ، سعي
إلى انسلاخ الولايات المتحدة من المعاهدات الدولية والمؤسسات --
من معاهدة كيوتو للاحتباس الحراري إلى المحكمه الجنائية الدولية
ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. ومن المؤكد أنه حتي بيل كلينتون
، واجه أحيانا عقبات في تمرير الاتفاقات الدولية من خلال الكونغرس.
لكن في ادارة بوش ، أصبحت معارضة الانتهاكات للسيادة الأميركية مبدأ
أساسيا في السياسة الخارجية. وحسب رؤية بوش ، فإن القوة الاميركية
تجيز نفسها -- لسنا بحاجة إلى الاستماع إلى الدول الاخرى، لانه عاجلا
ام اجلا ، سيدركون اننا علي حق وانهم علي خطأ. ولو كان بوش موجودا
في أواخر الاربعينات ، لكان اتهم ترومان بالبحث عن (زلة ترخيص) قبل
الانزلاق في الدفاع عن الولايات المتحدة. بل ان بعض المحافظين قالوا
مثل هذا تقريبا في ذلك الوقت. فهم -- وليس ترومان - الاسلاف الايديولوجيون
الحقيقيون لبوش.
كان ترومان يعتقد ايضا ان الديموقراطية تتطلب مكافحة انتشار اليأس
الاقتصادي ، وخصص ما بين 2.5% و 5% من الدخل القومي الاميركي لأكثر
من أربع سنوات لخطة مارشال ، اعتقادا بأنه ما لم تقم الديمقراطيات
الهشة في اوروبا ما بعد الحرب بتحسين حياة الناس ، فمصيرها أن تفشل
على الارجح. ثم في عام 1949 في خطاب حالة الاتحاد ، ذهب أبعد من
ذلك ، واقترح خطة مارشال للعالم الثالث. وفي الواقع ، إذا كان ترومان
زاد الانفاق العسكري ، فإنه ومستشاريه اكدوا مرارا على ان التنمية
الاقتصادية أهم بالنسبة لقضية مكافحة الشيوعية. وفي عام 1947 قال
وزير الدفاع جيمس فوريستال: حاليا نحن نبقي النفقات العسكرية دون
المستويات التي لابد ان القادة العسكريين بضمير حي يعتبرونها الحد
الادني الذي يشكل في حد ذاته ضمانا للأمن القومي. بذلك نستطيع ان
نزيد النفقات للمساعدة في الانتعاش الاوروبي. حاولوا ان تتصوروا
دونالد رامسفيلد يقول هذا الكلام.
وقد رفعت ادارة بوش المساعدات الخارجية فوق سقف ما قبل هجمات 11
سبتمبر المنخفض بشكل مروع ، الا ان هذه الزيادات كانت تافهة بالمقارنة
بالمخصصات الجديدة الضخمة للدفاع. ومن أهم أسباب تزايد الشعور المعادي
لأميركا في أفغانستان عدم وفاء الولايات المتحدة بالوعود التي قطعتها
للمساعدة في إعادة بناء ذلك البلد بعد أن أطاحت بنظام طالبان. أو
كما قال بارتون غيلمان ودافنا لينزر في تقرير نشرته الواشنطن بوست
في اكتوبر 2004: إن الرئيس وأكثر مستشاريه المؤثرين حسب قول العديد
من المسئولين لم يعتبروا هذه العوامل (الاقتصادية) -- او سياسة الولايات
المتحدة في الخارج - عوامل رئيسية مساهمة في التهديد الإرهابي.
مرة أخرى ، هناك حرب باردة تشكل سابقة لمثل هذا الرأي ، ولكنها تكمن
في حجج المحافظين مثل باري غولدوتر والذي سخر من القول بأن الفقر
في العالم الثالث ساعد في قبول الشيوعية. هاري ترومان ، علي العكس
من ذلك ، كان يؤمن بقتال الاستبداد بشراسة ، ولكن بوسائل أكثر من
مجرد البنادق ، وعن طريق المؤسسات الدولية التي اجازت شرعية القوة
الاميركية في العالم. وحري بجورج دبليو بوش ان يتذكر هذا في المرة
القادمة التي يستشهد فيها باسم ترومان عبثا.
بيتر باينارت
محرر صحيفة نيو ريبابليك ومؤلف كتاب (الحرب الصالحة: لماذا الليبراليون
- والليبراليون فقط -- قادرون علي كسب الحرب علي الارهاب وجعل اميركا
عظيمة مرة اخري
-خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست - خاص بـ (الوطن)
أعلى
احترام البيئة وأولويات التنمية
أثار الاعتراف الأخير للرئيس الصيني هو جينتاو
أن النمو المتسارع الذي تحققه الصين بمعدل يزيد عن الحد المطلوب
يأتي على حساب البيئة تساؤلات جديدة عن دور المحافظة على الموارد
خلال عمليات النمو المستمرة. وربما يكتسب تصريح الرئيس الصيني بعدا
جوهريا لأنه جاء خلال لقائه مع لين تشان الزعيم السابق للمعارضة
في تايوان. وكان التصنيف الذي أشرفت عليه جامعة ييل حول معدلات الأداء
البيئي قد وضع تايوان متقدمة درجتين عن الولايات المتحدة في حين
جاءت الصين في مرتبة متأخرة تفصلها سبعين دولة عن تايوان.
وفيما تخوض الصين كفاحا ضد أعداء البيئة لديها نجد ان هناك كثيرا
من الدروس التي يمكن أن تتعلمها الصين من تايوان لتحقيق التقدم البيئي
، كما أن تبادل التقنية النظيفة والمعرفة البيئية بين هاتين الدولتين
المتنافستين ربما يمهد السبيل نحو التوصل إلى سلام.
وقد حققت كل من الصين وتايوان نموهما في القطاع الصناعي من خلال
نطاق واسع من الصناعات التي شملت كل شئ تقريبا من الأدوات البسيطة
إلى أجهزة التلفاز. إلا أنه في تايوان اكتسب القطاع الصناعي زخما
وقوة دافعة على نطاق أوسع من خلال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أما في الصين فلم يقم كثير من المنتجين الأجانب بافتتاح مصانع لهم
هناك حتى وقت قريب للغاية ومن ثم كان الاعتماد على الشركات المحلية
في تولي دفة التصنيع. ولم تكن المعايير الخاصة بالبيئة والعمل تحظى
بالقدر المناسب من الاهتمام من قبل الشركات التي لم تكن مسؤولة أمام
المجتمع المدني كما هو الحال في تايوان. وبينما يلقي الناشطون في
مجال البيئة باللوم على التعاون متعدد الجنسيات الذي تشارك فيه دول
متعددة ويصورونه على انه مسؤول عن إلحاق أضرار بالبيئة إلا أن المقارنة
بين الصين وتايوان ربما تسهم في إماطة اللثام عن مدى الخطورة التي
تمثلها الشركات المحلية في البلدان التي لا تضع لوائح صارمة للحفاظ
على البيئة وربما زادت درجة خطورة مثل هذه الشركات عما تمثله بعض
المظاهر السلبية في التعاون الدولي.
والحقيقة انه على الرغم من وصف الناشطين للعولمة بأنها تتحمل مسؤولية
تدهور الاداء البيئي إلا أن انتقال النماذج والمعايير والخبرات بين
الدول قد يثمر تحسنا في ذلك الأداء. وكانت الضغوط المتزايدة التي
مارستها الشركات الأجنبية قد عززت من رغبة الصين في تحسين صورتها
البيئية. والآن فإن تصنيع المنتجات القادمة من الخارج حتى من أكبر
الأسماء المشهورة في تجارة التجزئة مثل وول مارت أصبح يتطلب شهادة
معتمدة من مكتب الشركة في الولايات المتحدة.
وأكثر من ذلك فمع تزايد توسع وانتشار الشركات الصينية عالميا باتت
تدرك أنها لا تستطيع أن تمارس نشاطها في البلدان الأجنبية ما لم
تغير تلك الصورة البيئية غير الجيدة المتناقلة عنها.
وداخل الصين نفسها فإن كثيرا من الشركات التي لا تلتزم في عملها
بالمعايير البيئية وهي شركات توجد معظمها في المقاطعات الواقعة غرب
الصين قد تأثرت بشدة من الناحية الاقتصادية. وكشفت واحدة من الدراسات
الحكومية التي نشرتها وكالة الانباء الصينة أن المقاطعات الواقعة
في غرب الصين سوف تعاني من خسارة سنوية تصل إلى 15 مليار يورو وهو
ما يعادل 13% من إجمالي الناتج المحلي في هذه المقاطعات ، والسبب
في ذلك هو الخسارة البيئية. وربما تعكس العبارة التي قالها الرئيس
الصيني إدراكا لعواقب تلك الآثار الاقتصادية المباشرة.
ومن ثم فنحن نشاهد الآن محاولات منظمة لتصحيح الأخطاء البيئية ،
فهل ستصبح الصين قادرة على المحافظة على الموارد البيئية قبل أن
تسنفد قدرتها في محاولات كبح جماح الأضرار البيئية؟
إذا كانت الولايات المتحدة وبريطانيا قد استطاعتا أن تتراجعا عن
انحرافهما البيئي حيث كانت الأنهار تعج بالملوثات فمن المحتمل أن
تنجح الصين في ذلك.
والسؤال الآن لماذا نسير في طريق التنمية بهذا القدر من اللامبالاة
أو غض الطرف عن سبل أخرى لتحقيق التقدم توفر فرص المحافظة على البيئة
؟ والحقيقة فاليابان وتايوان يقدمان مثالا على أن التطور الصناعي
يمكن أن يواصل تقدمه مع الالتزام بعدم إلحاق الأضرار بالبيئة.
ويجب ألا تكون مؤشرات النمو الاقتصادي قصيرة المدى هي المعيار الذي
نقيس به أداء التطور ، ولكن يجب ان تكون هناك طرق أرحب وأكثر اندماجا
في السياسة العامة لتعزيز مثل هذا الأداء.
واعتراف بكين بإلحاق الضرر بالبيئة يتيح فرصة لشراكة أكبر بين المتخصصين
والخبراء ومنهم الناشطون في مجالات البيئة لمساعدة الصين على استكمال
مرحلة الانتقال.
وأكثر من ذلك سوف نصبح أقدر على تمرير دروس التجربة الصينية إلى
قوى أخرى اقتصادية عملاقة وواعدة مثل الهند والبرازيل. وسواء كان
تناولنا للقضية على أساس أخلاقي أو اقتصادي فإن احترام البيئة هو
مكون جوهري في التنمية الفاعلة.
سليم علي
مدرس مساعد للتخطيط البيئي وحل الصراعات بجامعة فيرمونت
خدمة انترناشونال هيرالد تربيون خاص بـ(الوطن)
أعلى
المذابح العربية من دنشواي إلى حديثة
مائة عام كاملة تنقضى بعد أيام على مذبحة دنشواي
وهى المذبحة التى ارتكبتها قوات الاحتلال البريطانى فى قرية مصرية
أثناء احتلالها لمصر , ولكن ما تزال تتكرر حتى اليوم مع اختلاف الأماكن
, ولكن تحت السماء العربية فسوف يظل الأمر قابلا للتكرار والاستنساخ
دوما ..
وها هى تفاصيل مذبحة مدينة حديثة العراقية تتكشف عنها التفاصيل يوما
بعد يوم , هناك الإنكليز وضحاياهم من المصريين , وهنا الأميركان
وضحاياهم من العراقيين , مرورا بدير ياسين , و قبية , والقسطل ,
وكفر قاسم , وبورسعيد , والجزائر , والعامرية, وكان يمكن أن يكتب
التاريخ العربي , بوجه من الوجوه ,على انه تاريخ المذابح والإبادة
...
فما حدث فى حديثة العراقية , وفى بلدة الاسحاقي بعدها يتواصل مع
ما حدث فى دنشواي المصرية منذ مائة عام , إن القتل بدم بارد , وإعدام
المدنيين كعقوبة لإهانة عسكرية أو ردا على عملية للمقاومة يجعلنا
نتأمل الرؤية الأميركية للآخر , وكيف يختزل العقل الغربى (ممثلا
فى جنود الاحتلال الأميركيين ) الآخرين إلى كائنات اقل فى درجة التطور
, وكمادة استعمالية تؤدى إلى غرض ما , ويجرد المستعمر , المسلم العربى
, اللاأميركي من ماهيته الإنسانية ويخلع عليه ماهية أدنى ربما تكون
بدائية أو متوحشة أو حيوانية , لا يحرك موته مشاعر التراحم أو الشفقة
والدليل على ذلك أن اغلب جثث الأربعة وعشرين مدنيا الذين قتلتهم
قنابل الطائرات الأميركية أو رصاص المارينز أو دانات الدبابات كانوا
يمارسون حياتهم اليومية من نوم وصلاة وأكثرهم بملابس النوم ..
تبرئة التحقيق الأميركى لجنود مذبحة الحديثة من المسئولية أو إدانتهم
بإساءة استخدام القوة يشير فى النهاية إلى نوع العقل الأميركى و(
البريطانى كذلك فى أحداث مشابهة بالبصرة ) ويحيل الأمر برمته إلى
اختلافات ثقافية حقيقية فى رؤية العالم لدى الغربيين , وفى تجريد
الآخر من ماهيته الإنسانية , ولو قريبا مما حدث فى دنشواي المصرية
أو فى مذبحة ماي لاي الفيتنامية والتى أصابت السمعة العسكرية الأميركية
بشرخ عميق عندما أبادت قوات المارينز مئات القرويين الفيتناميين
المسالمين انتقاما لمصرع زملائهم على يد قوات المقاومة الفيتنامية
.
ستظل دائرة المذابح العربية مفتوحة قابلة للتكرار , وسيراق دمنا
مجددا فى موت مجاني عيني طالما تعلق الأمر بقراءة وحشية ومشوهة للعالم
تضع الآخر اللاغربي
( أو اللاأميركي) فى منزلة إنسانية غير متكافئة, وتجرده من ماهيته
الإنسانية وتحيله إلى مادة استعمالية للانتقام أو الترويع , وهو
ما يفضح عملية الضبط الاجتماعي فى الثقافة الغربية.
هل كتب التاريخ العربي بعد من هذه الزاوية.
زاوية المذبحة الدامية أو المسلخ ؟.
يبدو أن تأويل التاريخ تجاه دنشواي أخرى أو دير ياسين أو قبية أو
قانا أو الحديثة سيظل قائما وممكنا ما دام ميزان المعاملات بين الغرب
وبقية العالم مختلا , وطالما سادت النزعة الاستقلائية العنصرية للعقل
العربى وهو يحيل الأذن إلى خدم ومتوحشين وحيوانات يمكن استئصالها
فى أى وقت.
أ . د. محسن خضر
أستاذ جامعى مصرى
E.mail/
Mohsen_khuder@hotmail.com
أعلى
وثيقة الأسرى .. والاستفتاء
وثيقة الوفاق الوطني، او ما اصطلح عليها (وثيقة
الأسرى)، التي وقعها ممثلون من فتح وحماس والجبهتين الشعبية والديموقراطية
والجهاد الاسلامي، كانت تهدف الى تقريب وجهات النظر بين مختلف الفصائل
الفلسطينية، وبخاصة بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة
وتشكيلها للحكومة.
الوثيقة الموقعة بين معتقلين فرادى في سجن واحد (هداريم) من الفصائل
الآنفة الذكر، تتألف من 18 بندا، تتطرق الى حق الشعب الفلسطيني في
الحرية والعودة والاستقلال وإقامة دولته على جميع الاراضي المحتلة
عام 1967 وضمان حق العودة للاجئين وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم
(194) الذي ينص على هذا الحق اضافة الى التعويض. الوثيقة تدعو ايضا
الى الاسراع في انجاز ما اتفق عليه في حوار القاهرة في مارس 2005،
وتدعو الى تطوير وتفعيل م. ت. ف وانضمام حركتي حماس والجهاد الاسلامي
اليها بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
تتطرق الوثيقة ايضا الى اهمية تشكيل مجلس وطني فلسطيني جديد على
أساس تمثيلي نسبي وفقا لحجم الفصائل على الأرض، كما تؤكد على حق
الشعب الفلسطيني في المقاومة مع ضرورة تركيزها في مناطق 67، ووضع
خطة فلسطينية واحدة للتحرك السياسي على أساس برنامج الاجماع الوطني،
والشرعية العربية (مبادرة السلام العربية التى رفضتها وترفضها اسرائيل!)
والشرعية الدولية، وتدعو الى تعزيز وحدة وطنية والى تحرير الاسرى
والمعتقلين، واهمية مساعدة ورعاية اللاجئين.
وإلى التمسك بالنهج الديموقراطي في الحياة السياسية الفلسطينية،
والى رفض وادانة الحصار الدائم ضد شعبنا، ودعوة الشعب الفلسطيني
الى الوحدة ونبذ مظاهر الانقسام، وضرورة اصلاح المؤسسة الأمنية،
وإلى أهمية الانتباه الى لجان التضامن الدولية.
المعتقلون الخمسة (من الخمسة تنظيمات) هدفوا من توقيع وثيقتهم الى
ايجاد ارضية من الحوار بين الفصائل لتقريب وجهات النظر فيما بينها
على أرضية القواسم المشتركة.
وثيقة الأسرى أشبه ما تكون .. ببرنامج النقاط العشر (البرنامج المرحلي)
الذي أقرته الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد
في القاهرة في عام 1974، والذي خرج بقرار سياسي ينص على: إقامة سلطة
الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء يتم تحريره من الارض
الفلسطينية) مع بعض الجديد من القضايا (مبادرة السلام العربية، والمقاومة
حينها تحفظت بعض فصائل النضال الوطني الفلسطيني على هذا القرار،
انطلاقا من رؤيتها الاستراتيجية بضرورة تحرير فلسطين، كل فلسطين،
الوثيقة وكما قلنا تشكل أرضية للحوار، اضافة الى خمسة برامج للاصلاح
قدّمت من خمسة تنظيمات فلسطينية، غير أن التركيز جرى فقط على وثيقة
الأسرى، والتي ينقصها من أجل أن تكون ممثلة للفصائل الخمسة (التي
وقع اعضاء منها عليها) إقرار الهيئات المركزية لهذه الفصائل، وهو
ما لم يتم. ولذلك فإن حماس (على سبيل المثال ومع اعترافها بأهمية
هذه الوثيقة، الا انها طالبت بالمزيد من الوقت لأجل المزيد من تمحيصها
(أي عرضها على الهيئات القيادية في الحركة لإبداء الرأي حولها)،
وفي تقديري، فإن هذه المسألة مشروعة، واما الجبهة الشعبية، فعندما
طرح الرئيس أبو مازن الوثيقة للحوار في بداية جلساته، وحدد المهلة
بعشرة أيام، والا سيقوم بعدها بطرح الوثيقة على الاستفتاء .. فقد
قالت مندوبتها في لجنة الحوار من خلال تصريح تليفزيوني (بأنه ومع
أهمية الاستفتاء كنهج ديموقراطي، إلا أنه لا يجوز أن يخضع جزء من
الشعب للاستفتاء من دون الاجزاء الاخرى ـ كانت تقصد الفلسطينيين
في الشتات، والذين يبلغون ثلثي الشعب الفلسطيني) هذه المسألة ايضا
محقّة.
بعد التمديد لمدة ثلاثة أيام الذي أعطاه الرئيس الفلسطيني للمتحاورين
من اجل الوصول الى اتفاق، وبناء على وصول هذا الحوار الى طريق شبه
مسدود (بمضي ما يقارب اليومين من المهلة) فإن المرسوم الرئاسي بإحالة
وثيقة الاسرى إلى الاستفتاء بات في شبه المؤكد. خمسة تنظيمات (حماس
والجهاد والقيادة العامة وجبهة التحرير العربية والصاعقة) استبقت
القرار الرئاسي بالاستفتاء واعلنت رفضها القطعي له.
ما الذي يعنيه ذلك؟
للأسف ذلك يعني ازدياداً في حدة الاستقطاب في الشارع، وبين الفصائل
الفلسطينية، مما يعاكس الاهداف التي حددها موقعو الوثيقة، والذين
لو أدركوا انها ستقود إلى هذه النهاية .. لما كانوا قد أصدروها!
أما بالنسبة الى الاستفتاء فيمكن قول ما يلي:
إنها المرة الأولى التي يخضع فيها جزء من الفلسطينيين الى استفتاء
على قضايا حقوقية وطنية لا يجب ان تخضع لمثل هذا الشكل. ولم يسبق
أن مارس شعبنا استفتاء على أية قضايا شكلت انعطافا تاريخيا في نضاله،
فاتفاقيات اوسلو (مثلا) لم تخضع الى استفتاء! وتغيير بنود الميثاق
الوطني لم تخضع هي الأخرى الى استفتاء الاستفتاء لو جرى سيكون ناقصا
لأن ثلثي الشعب الفلسطيني في الشتات لا يستطيع قول رأيه!
من زاوية ثانية، يتوجب ان يستند الاستفتاء إلى أساس قانوني، مثل
ان يوافق عليه بعد مناقشته في المجلس التشريعي، اضافة الى اهمية
تحديد الموضوع الذي يجري عليه الاستفتاء فكلمتا (نعم أو (لا) لا
تعكسان بالضرورة المواءمة بين الحقوق وما جاءت به الوثيقة (فعلى
سبيل المثال من يقول لا للوثيقة سيبدو أنه ضد حقوق شعبه مع أنه يناضل
من أجل تحرير كامل أرضه، وقد يوافق من يقول نعم للوثيقة على 16 بنداً
من بنودها، مع أن له تحفظين على نقطتين)
كذلك، فإن الاستفتاء (في كثير من الحالات) تلجأ اليه أنظمة غير ديموقراطية
من أجل الهروب من دفع استحقاقات الديموقراطية، كوجود النظام البرلماني
والمؤسسات الديموقراطية الأخرى والفصل بين السلطات، وعلى الأرجح
فإن النتيجة معروفة ومقرّة سلفا وغالبا ما تكون في حدود (99ر 99%)
وقد قرأنا مثل هذه النتائج بعد استفتاءات كثيرة في الدول النامية.
أما الأنظمة الديموقراطية، فإنها تفرّق بين القضايا الوطنية الحقوقية
وهي قضايا استراتيجية بالنسبة لها، وبين السياسات التي قد تلجأ الى
استفتاءات حولها في بعض الأحيان لأنها ستمس حياة ومستوى معيشة مواطنيها
مباشرة، مع أن معها الحق في أن لا تلجأ الى الاستفتاء بسبب وجود
مؤسساتها الديموقراطية المنتخبة انتخابا حرا ومباشرا من شعبها.
في الحالة الفلسطينية وإضافة الى كل ما سبق .. فإن اسرائيل ترفض
وثيقة الأسرى، واعتبرها اولمرت شأنا فلسطينيا لا علاقة له بإسرائيل،
تماما مثلما اعتبر شارون (فترة التهدئة) شانا فلسطينيا لا يلزم اسرائيل
بشيء. الحكومة الاسرائيلية ماضية في تنفيذ خطتها الانطوائية رغم
كل الظروف والمعطيات .. الفلسطينيون يختلفون على (العنب) في ظل عدم
وجوده من الأساس.
في الحالة الفلسطينية كذلك، فإن الشعب الفلسطيني يتعرض الى حصار
بشع، والفلسطينيون يجرعون، وأطفالهم وشيوخهم يفتقدون حبة الدواء،
وقضيتنا الوطنية يجري محورتها وتصويرها حالياً بكيفية ايصال المواد
الغذائية والمساعدات الانسانية بعيدا عن الحقوق الوطنية .. مما يعني
أن مصلحة الشعب الفلسطيني تقتضي الوحدة، وبخاصة في المرحلة الحالية،
التي يمر بها وهي في غاية التعقيد والصعوبة، والوحدة لن تتأتي بالاستفتاء
وانما بالاتفاق، والأخير يستلزمه الحوار، وهذا بدوره يحتاج الى حسن
النوايا وعدم التمترس وراء آراء مسبقة لقد شكلت وثيقة 25 مارس بعد
حوار القاهرة 2005 اطارا جيدا لاستئناف الحوار انطلاقا من بنودها
.. نأمل أن يستأنف الحوار .. والحوار فقط بهدف الاتفاق، بعيدا عن
كل ما يثير الخلاف وتعميق الاستقطابات في الساحة الفلسطينية.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى