أعلى
صفقة مع الله ..!!
هزتني هذه العبارة التي قالها الملياردير
وارن بافيت حينما قرر التبرع بنسبة 85% من ثروته للجمعيات الخيرية
ومن بينها مؤسسة بيل غيتس.. أي ما يساوي 31 مليار دولار..!!
قال بافيت (اعتبرتها صفقة مع الله..!!).. تساءلت في نفسي: كيف
تمكن هذا الثري الفادح الثراء من الانتصار على نفسه؟! النفس
التي تتشبث بالمال (وتحبون المال حبا جما) سورة الفجر، هذا القرار
جاء إثر يقين لا غبار عليه بأن صفقة كهذه رابحة دون ريب.. وأن
المال لم يذهب هباءً، فهو لم ينظر للإنسان وحسب، بل نظر إلى
الله من خلال الإنسان..
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
ونحن هنا بإزاء الفكرة والباعث فحسب، ولسنا بإزاء أمور أخرى،
فليس من الهين على المرء أن يدفع بمعظم ثروته إزاء عمل خيري
ما إلا أن يكون له معتقد ما، يستطيع هذا المعتقد أن يحول مفهومه
نحو المال، كما فعل الإسلام في الصدر الأول، فحمل الصحابة على
التبرع بجل ما يملكون من مال..!
ولشدذَّ ما أحسست من غيرة بقدر الإعجاب لهذا الفعل، غيرة على
أن مسلماً ثرياً لم نسمع أنه قرر التبرع بمثل هذه النسب من الثروات
من ماله.. والإعلان عن التبرع له وجه حسن وإلا لم نكن لنسمع
عن مثل هذه الدروس العظيمة للإنسانية من الصحابة لو ظل أمر تبرعهم
مكتوماً، مخفيا..!
تذكرت الآية الكريمة (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه
له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط واليه ترجعون.) سورة الحديد،
وتأملت هذه اللفظة العظيمة (القرض الحسن المضاعف).. فسرى في
قلبي هذا الجمال الرباني المتمثل في الخطاب البديع! هل الله
الغني، الرازق بحاجة إلى قرض..؟! وممن؟! من عباد خلقهم!!
يا لهذا الرب العظيم الذي يخاطب عبده، بأعظم وأجل وأهذب العبارات!
ويالهذا الرب الكريم الذي يختار كل لفظ يجذب عبده إلى الخير..!!
لو وقفنا إزاء هذا المعتقد الإيماني الجليل، لانتصرنا على شهواتنا
نحو المال، ولفزنا بالسعادة الحقيقية، ونحن نلبي أمراً ربانيا
(وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)..
إن تجارة.. أو قرضاً.. أو صفقة في هذا الميدان الخيري، لهي مما
يحيي المجتمعات، ويرفع قيمة الإنسانية، ويمنح للتعاضد الاجتماعي
معنى في هذا العصر بالذات..
وحسب الإنسان أن ينتصر على ذاته، بالتبرع بمعظم ثروته، وهذه
مرتبة لن يصل إليها سوى أقوياء المعتقد.
صالح الفهدي
كاتب عماني
أعلى
يجمع في أعماله
بين الإمتاع و الإفادة
سمير العريمي : أنحاز للتراث و أبطال قصصي هم شخوصها البسطاء
الرواية تتطلب موهبة فائقة و عشقي للمسرح منذ الطفولة
حوار ـ حسن المطروشي: يعد القاص و المسرحي
سمير العريمي من الأصوات البارزة في موكب الجيل الحالي من المبدعين
العمانيين الذي يؤسسون حضورهم بعمق في تفاصيل المشهد الثقافي
في السلطنة . كتب القصة فأبدع و تألق , و كتب النص المسرحي فنجح
و لفت الأنظار بطرحه الجريء و موهبته الأصيلة . حاز على العديد
من الجوائز و تصدر المسابقات بأعماله المميزة سواء في القصة
القصيرة أو في مجال العمل المسرحي الذي عرضت ، له عدة مسرحيات
حظيت بنجاح لافت . سمير العريمي يستعد الآن لإصدار مجموعته القصصية
الأولى التي تحمل عنوان ( سفر هو حتى مطلع الشمس ) و ذلك ضمن
إصدارات وزارة التراث و الثقافة بمناسبة مسقط عاصمة للثقافة
العربية . ( أشرعة ) التقت العريمي عبر هذا الحوار الذي تحدث
فيه عن تفاصيل مشروعه الإبداعي , و عرض رؤاه في الحياة و الكتابة
و القصة و المسرح و جدلية العلاقة بين التراث و الحداثة , و
غيرها من القضايا التي ينبشها هذا الحوار ...
مرآة متعددة السطوح
* تحمل فنارك و تجوب الأصقاع بحثا عن شظية
تفرك بها قمقمك السحري الذي يضج بالأصوات و الوجوه .. كيف تختار
قصتك من بين كل ذلك الضجيج ؟
** الحياة مرآة متعددة السطوح ونحن نلقي بناظرينا على أسطح منها
تعكس صورتنا نغلفها بالخيال نطعّمها بالخرافة أو بالرمز أحيانا
وبواقعية سحرية في أحايين أخرى .. وقصصي تصور جانبا من الحياة
، وتستمد أساس مادتها من واقع محيطي النفسي والاجتماعي والإنساني
فالواقع كثيرا ما يكون أروع من الخيال.
* قصصك مزيج من الوجع و الهم الإنساني
و الإسقاط السياسي .. كيف توفق بين البعد الفني و الالتزام في
آن واحد ؟
** القصة غايتها الإمتاع والإفادة معا لذا لم تعد (البرجعاجيّة)
مقبولة في أوساط المبدعين ولم يعد الكاتب أو القاص متقوقعا على
نفسه منفصلا عن قضايا عصره وآلام إنسانه أو أمته لأن ذاته الأدبية
ـ كما أرى ـ تتشكل من تأثره وتأثيره فيمن وفيما حوله في نسيج
نفسي واجتماعي محكم ولا مانع ـ من ثم ـ في أن تتعرض القصة لقضايا
فلسفية أو سياسية أو إنسانية طالما عرف القاص كيف يسبكها وامتلك
مفاتيح أدواتها الفنية مازجا بين الإيحاء والتكثيف واللغة الحكائية
الغنية والأسلوب القصصي الشائق لإبداع نص يحترم ذائقة القارئ
ولا يتعالى عليه.
* أبطالك أحيانا يكونون في هيئة طائر أو
حيوان أو كائن آخر .. هل ترى أنه انتهى عصر البطولة البشرية
؟
** أبطال قصصي هم شخوصها البسطاء بآلامهم وأفراحهم بأمانيهم
الصغيرة وبلحظات قوتهم أو ضعفهم الإنساني والبطولة بهذا المعنى
باقية ما بقي الجنس البشري ولكن وفي المقابل أعتقد أنه من السفسطة
أن نرى العالم من منظور أحادي ووفق مستوى البطولة والمغامرة
والقوة المطلقة فقط كما هو شأن الميثولوجيات القديمة، نعم قد
تلجأ بعض القصص إلى تجسيد البطولة في كائنات غير آدمية لكن ذلك
يأتي في سياق الرمز والدلالة المقترنة بها في مستويات فهم النص
القصصي من القارئ الذي يعي ما تحمله الرموز من دلالات في السياق
الحكائي وهذا يتطلب من القاص توظيفا ذا دلالة حتى لا يبدو الرمز
مقحما وغير ذي قيمة فنية ، وبالتالي يصير عبئا على القصة بدل
أن يكون من عوامل نجاحها.
الشعر و جدلية الأجناس
* لغتك السردية تقترب من الشعرية إلى حد
كبير .. كيف تنظر للجدل حول استخدام اللغة الشعرية في القصة
؟ و هل يؤثر ذلك على القيمة الفنية فيها ؟
** لا أتعمد أن يأتي نصي القصصي شاعريا لكن عوامل معينة قد تصب
في هذا الاتجاه أحيانا ؛ منها أن يكون بطل القصة شاعرا مثلا
هنا لابد وأن يتجلى أفقه الشعري في حواراته ضمن ثنايا النص أو
من خلال الحكاية التي تصاغ حوله وقد تتناثر التعابير السردية
الموحية التي تقترب من اللغة الشعرية من حيث التكثيف في بعض
النصوص إلى هنا فالأمر مقبول أمّا أن تطغى الشاعرية على لغة
النص القصصي فإنها بهذا سوف تجنح به إلى مراسي بعيدة قد تكون
بديعة نعم ؛ ولكنها ومع احترامي ليست بمخلصة للقصة التي تعتمد
أساسا على السرد واللغة الحكائية في بنائها الفني.
* ما هو موقفك من فكرة تداخل الأجناس الأدبية
و هدم الأسوار بينها ؟
** تداخل الأجناس الأدبية فكرة حظيت بكثير من الاهتمام في الأوساط
الأدبية وظهر كثير من المنظرين لها باعتبار أن الأديب متسم بالأفكار
والأحاسيس والأخيلة ويمتلك موهبة التعبير في دقة وجمال عما يختلج
في مشاعره ممتطيا صهوة اللغة المعبرة وممسكا بناصية البلاغة
ومن ثم فإن باستطاعته ـ كما يقال ـ خلق نص أدبي جامع يهدم "الأسوار
الوهمية" بين الأجناس الأدبية كالشعر أو الرواية أو القصة
أو المسرحية بل ويبدع في ذلك النص المتفرد نفسه دون الالتفات
إلى الفروق الواضحة بينها ـ أي بين تلك الأجناس ـ وفي اعتقادي
الشخصي أن تلك الفروق التي يتحدثون عنها وينعتونها ب"الأسوار
الوهمية" ضرورية للتمييز بينها فبأضدادها تتضح الأشياء
وتتمايز ومن المهم جدا إذن أن تبقى القصيدة متوهجة بشاعريتها
وتتّقد عاطفة وصورة وإحساسا وأن تبقى القصة القصيرة متألقة بسرديتها
وتركيزها وإيحائها المكثف وأن يبقى النص المسرحي متجليا ونابضا
بحوارات أبطاله ومواقفهم ومنولوجهم النفسي وصراعاتهم التي تنعكس
أداء وحركة لأن شعورنا بذلك كله هو ما يميز المسرح عن غيره؛
فإن استطاع أديب موهوب بعد ذلك أن يبدع نصا خلاقا جامعا يفيض
بالحلاوة والروعة التي يمتاز بها كل جنس منها دون تأثير سلبي
على جوهر النص " المزيج " وأرضى به ذائقتنا الأدبية
فإن حقه علينا التصفيق بحرارة والوقوف احتراما.
* يرى الكثير من كتاب القصة أن القصة بداية
لمشاريع إبداعية أكثر تطورا كالرواية مثلا .. هل تتفق مع هذا
الرأي , أم ترى عكس ذلك ؟
** الرواية فن أدبي راق يتطلب موهبة فائقة والروائي لا بد وأن
يغوص في أعماق النفس الإنسانية وأن يوجد بخياله الخصب حياة كاملة
تتنفس على صفحات روايته وعليه التعاطي مع مفردات المجتمع بخلق
شخصيات حية مختلفة المشارب والانفعالات تتصارع فيما بينها لخلق
عالم روائي شائق وكثير من الروائيين العالميين بدأوا بكتابة
القصة القصيرة أو الأقصوصة ثم تطوروا إبداعيا لكتابة الرواية
واعتقد أن نجاح القاص في التحول إلى روائي يعود إلى امتلاكه
للأدوات الفنية الخاصة بكتابة الرواية والتي تساعده لبلوغ هذا
الهدف إضافة إلى اكتسابه لخبرات وتجارب واسعة في الحياة بالمعنى
الإنساني والفني معا ليستفيد منها عند صياغته للبناء الروائي
فليس غريبا إذن أن يبدأ بعض أدباء العالم كتابة رواياتهم الأولى
في العقد الرابع أو الخامس من حياتهم.
المسرح .. منذ الطفولة
* لديك تجارب مسرحية أيضا.. هل لك أن تحدثنا
عن هذا الجانب من اهتمامك ؟
** عشقت المسرح منذ نعومة أظفاري ومارسته تمثيلا في المدرسة
, لا بل وفي (الحارة) أيضا إذ كنت اجمع الأطفال من أترابي وأرتجل
المشاهد القصيرة وأتقمصها أمامهم أما (خشبتنا) فهي الحيز المسطح
الضيق بين انعطافات السلالم الأسمنتية للبيوت والعمارات والمؤدية
من دور لآخر وكان جمهوري البسيط يجلس في أسفل السلالم مشجعا
ومصفقا، وكم تكبدت عقوبات الكبار على الفوضى التي كنت أتسبب
بها من وراء حماس الجمهور الخارج عن السيطرة احيانا!!
وكتبت أولى محاولاتي المسرحية في كلية المعلمين بمسقط إبان فترة
الدراسة عام 93 م وعرض العمل على خشبتها وكان بعنوان (كنز سيف
بن ذي يزن) ثم مسرحية أطفال عرضت في الكلية الفنية الصناعية
سابقا ومعرض التمريض في مسقط وبعدها بدأت أشارك وأفوز في مسابقات
كتابة النص المسرحي المحلية عبر مديرية النشاط الثقافي التي
كانت تتبع الهيئة العامة لأنشطة الشباب سابقا محرزا المراكز
المتقدمة ومن مسرحياتي : التاجر والميراني , و(يدين) العفريت
, واكتشاف , وخاتم سليمان , وزهراء سقطرى وهذا النص الأخير كان
محظوظا ليتجسد على الخشبة في ديسمبر الماضي وضمن احتفالات البلاد
بالعيد الوطني الخامس والثلاثين المجيد بإشراف وزارة التراث
والثقافة وبتوقيع المبدع المسرحي الدكتورعبد الكريم جواد وأداء
نخبة من الممثلين الرائعين الذين أبدعوا في تقمصهم للأدوار وقد
لاقى العرض اهتماما نقديا لافتا حينها كما استقبل استقبالا طيبا
من الجمهور.
ولا يفوتني هنا بأن أسجل تجربة أخرى تتمثل في قيامي بتعمين نص
فرنسي معرّب بعنوان (مستر باتلان ) لمؤلف مجهول حيث اجتهدت في
نقله إلى البيئة العمانية لهجة ومكانا محافظا على روح النص الأصلية
المفعمة بالكوميديا مطلقا عليه اسم (الأستاذ نعمان) وقد أخرجه
الصديق الفنان شبير العجمي وأعده الإذاعي أحمد الأزكي ومثله
نجوم الشاشة العمانية صالح زعل وفخرية خميس وسعود الدرمكي وقد
اقتصر عرض العمل على خشبة مهرجان خريف صلالة منذ عدة أعوام.
أما حاليا فاهتمامي بالمسرح يكاد يقتصر على التثقيف الذاتي بقراءة
نصوص مسرحية كلما سنحت الفرصة أو الإطلاع على شذرات من النقد
المسرحي إضافة إلى حضور العروض التي تقدمها الفرق المسرحية الأهلية
ومسرح الشباب أو تلك التي تقدم أحيانا على مسرح الفليج.
* الكثير من المبدعين , سواء في الشعر
, أو الرواية , أو القصة , أو المسرح , يتجهون إلى توظيف التراث
.. ماهي الآلية الخاصة بك في تعاملك مع المنجز التراثي ؟
** نحن امة ذات تراث عظيم وحضارة خالدة والمنجز التراثي لأمتنا
غني جدا ولا يمكن حصره أو قصره على جانب دون آخر وتعلقي بمظاهر
هذا التراث أورثني حبا وولعا بمحاولة التوصل إلى الوعي الصحيح
لكيفية التفاعل السليم مع كنوزه وبالتوازي مع محاولاتي لإدراك
معاني الحداثة التي نعايشها في عصرنا الحالي واستيعاب لمعطياتها
دون انبهار بظواهرها الشكلية التي قد تسلخنا عن هويتنا الأصيلة
التي نعتز بها إذا لم نحسن التعامل معها.. وانحيازي للتراث واضح
وبيّن بدءا بتكوين شخصيتي أو لجهة تأسيسي الثقافي الذي ارتكز
على قراءة ما استطعت من كتب التراث العربي في مختلف مجالاته
أولا والانطلاق منها إلى الأدب العربي الحديث والمعاصر أو الأدب
العالمي المترجم. أما التراث العماني بحكاياته الشعبية ولهجاته
المتنوعة وأمثاله وبأدبه الشفاهي خاصة ،وأساطيره وخرافاته الغنية
التي تناقلتها الجدات من جيل إلى جيل فإنه معين لا ينضب لمن
أراد أن يوظف بعض هذه الموروثات في إبداعه الأدبي ففي ذلك كشف
لكنوز هذا المنجم من جهة وإعادة توظيف لتراثنا الشعبي من جهة
أخرى؛ كما أن الخصوصية المحلية في الأدب تكون منطلقا نحو العالمية
في كثير من الأحيان وتجربة نجيب محفوظ خير برهان ؛ لذا فإن معظم
تجاربي القصصية والمسرحية تنطلق من التراث العربي والعماني ومحاولة
توظيف هذا التراث وإعادة الاعتبار له أساسا للإبداع الأدبي والفني
مع الإسقاطات المعاصرة ضمن دلالات رمزية أحيانا ومباشرة أحيانا
أخرى.. والرهان هنا بالطبع على قارئ القصة الحصيف والجمهور المسرحي
الواعي لما بين السطور وما خلف النص الأدبي المكتوب من إشارات
ورؤى . ومن الصور الأخرى للتعامل مع التراث الذي نعتز به والتفاعل
مع أسس ثقافتنا الدينية تضمين بعض المصطلحات والتعابير القرآنية
الكريمة أو من جوامع الكلم والاقتباس منها وتوظيفها من جديد
في أسلوب يستفيد من جزالة اللفظ وروعة المعنى الذي تمتاز به
في إنتاج أدبي راق.
* كيف تنظر إلى المسرح التجريدي , و هل
ترى أن الوعي الجماهيري مهيأ في هذه المرحلة لتلقي الأعمال التجريدية
, لاسيما في المسرح الذي يعتمد على الكلمة المنطوقة ؟
** بطبيعتي أرفض مصادرة الفكر والحجر على صور الإبداع المختلفة
طالما احترم الإبداع ذائقة الجمهور وانطلق من أسس ثقافية لا
تتعالى على المجتمع وثوابته ولم يعمل على تهميش تلك الثوابت
بدعاوى حرية الإبداع وبعيدا عن التحذلق الذي لا أجيده فإن حرية
لا ضابط لها تعني الفوضى المطلقة وهذا ينسحب على كل شيء في الوجود
، من هنا فإن المسرح التجريدي ربيب فلسفات غربية ترمي إلى "صفاء
الصورة من عوالقها المادية والعودة بها إلى جوهرها المجرد وحقيقتها
الناصع ، مما يتطلب قدرا كبيرا من الغموض والرمزية المطلقة"
أحيانا وفي اعتقادي أن نجاح المسرح التجريدي في أي بلد يرتبط
بمدى الثقافة والوعي الذي وصل إليه جمهور المسرح فيه . وفي بلدنا
قدمت عدة عروض تنتمي للمسرح " التجريبي" الذي يتجاوز
الشكل التقليدي في مجال الإخراج أو النص الدرامي أو السينوغرافيا
ويميل إلى التجريد والرمزية الدالة على معارضة الواقع والتحليق
في منطقة الخيال أذكر من بينها مسرحية (البراقع) التي انتفى
فيها الحوار كلية ومع ذلك قالت المسرحية كل شيء وفي جرأة تحسب
لها. على أن لهذا النوع من المسرحيات جمهوره الخاص وإن كان محصورا
اليوم في النخبة المثقفة كما أن للمسرحيات الاجتماعية والواقعية
والهزلية جمهورها العريض الذي يتفاعل مع كوميديا الكلمة أو الموقف
ويكون الحوار المسرحي وسيلتها في الوصول إليهم دونما إغفال لقدرات
الممثلين وإجادتهم وكذلك لعوامل نجاح العرض المسرحي الأخرى كالإضاءة
والديكور والمؤثرات الصوتية والإخراج الفني الناجح.
سفر هو حتى مطلع الشمس
* تستعد لإصدارك القصصي الأول .. هل لك
أن تحدثنا عن هذا الإصدار ؟
** ستصدر المجموعة قريبا ـ بإذن الله ـ ضمن إصدارات أدبية لمبدعين
آخرين بمناسبة مسقط عاصمة للثقافة العربية وهي خطوة موفقة ومقدّرة
لوزارة التراث والثقافة التي أود أن أتقدم ـ من خلالكم ـ بوافر
الشكر والتقدير لمسئوليها وموظفيها الكرام المعنيين بالشأن الأدبي
وننتظر منهم المزيد لدفع عجلة الثقافة وتشجيع الإبداع في بلادنا
وبشكل يتجاوز احتفالية هذا العام الرائع ويؤسس لبناء صرح ثقافي
عميق الجذور تبقى آثاره لأجيال قادمة وفي ديمومة لا ترتبط بمدة
محددة أو احتفائية معينة. أما الإصدار الذي عنونته بـ(سفر هو
حتى مطلع الشمس) فيحوي معظم نصوصي التي كتبت على مدى عقد من
تجربتي القصصية سواء المنشورة في الصحف المحلية أو الفائزة في
المسابقات المختلفة أو المتواجدة على المواقع الإلكترونية الأدبية
كموقع القصة العربية . و" السفر" خلفية هذا العمل
الأدبي الأساسية : سفر الذات في عوالمها الداخلية مع النفس..أو
سفرها مع محيطها الفكري والاجتماعي والإنساني والعنوان لإحدى
القصص الواردة ضمن المجموعة. ولعلّي أضمّن بقية القصص التي لم
يحوها هذا الإصدار مع نصوصي الجديدة في إصدار آخر إن شاء الله
. كما يحدوني الأمل في طبع مقالاتي ونصوصي المسرحية أيضا يوما
ما .
* تكتب أيضا الشعر و المقالة .. ألا ترى
أن اشتغالك بأكثر من نسق إبداعي يشتت طاقتك و يؤثر على المستوى
الفني بشكل عام ؟
** لطالما نصحت من قبل بعض الأساتذة من جيل المبدعين السابق
لنا في بداية مشواري الأدبي بالتركيز على جنس أدبي واحد كي اخلص
له وحتى لا أتشتت بين نوع وآخر ..لكني لا أجد مناصا من الإبحار
نحو كل المراسي التي تحملني إليه الأشرعة الأدبية . على أنني
أوافقك في أن المستوى الفني قد يتأثر بلا شك بالاشتغال والانشغال
بأكثر من نسق إبداعي واحد ، وخصوصا عند محاولة الانتقال في الكتابة
من جنس لآخر في فترات متقاربة ودونما استراحة أو فصل ولكن يبقى
الفيصل في مدى الإجادة أو الإخفاق هنا مرهونا بوعي الكاتب لمتطلبات
وشروط ودوافع الكتابة من جهة وامتلاكه للأدوات الفنية الخاصة
لكل نوع أدبي واستحضاره لها لحظة الإبداع من جهة أخرى ، فقد
يعبر بالقصيدة في لحظة تدفق شعوري ملهم وقد يسرد بالقصة مالا
يستطيع قوله في القصيدة وقد تضيق حتى القصة عن البوح بمكنونات
نفسه أحيانا فيكسر الحدود ويفك القيود معبرا عمّا يريده بالحوار
والصراع الدرامي في المسرحية لإيصال صوته مجسدا مباشرة إلى المتلقي.
* بما أن مجموعتك القصصية الأولى على وشك
الصدور .. هل ثمة قلق تعيشه في انتظار هذه التجربة ؟
** لا تزال تجربتي تحبو في مهدها أو في
أحسن الأحوال تمشي خطواتها الأولى ..وهذه حقيقة ماثلة وليس تواضعا
مصطنعا..وكل الذين يعرفونني عن قرب يدركون أنها قناعتي الذاتية..
إذ لا تقاس التجارب الإبداعية في اعتقادي بالسنوات وإنما بجودة
الأثر الأدبي وقبوله من المتلقي ..وآمل بحق أن تحظى مجموعتي
القصصية بقراءات نقدية تضيء لي العتمات وتبين نقاط النور والظلمة.
فالنقد هو أكثر ما نحتاج إليه في عمان ورحم الله امرئ أهدى إلي
عيوبي..
* إلى أي مدى أسهمت مهنتك الوظيفية في
تجربتك الإبداعية ؟
** مهنتي الحالية كأخصائي اجتماعي وتشرفي بمزاولة مهنة التدريس
ردحا من حياتي العملية قبلها، أتاحا لي فرصة ذهبية للاقتراب
من هموم ومشاكل المجتمع فالمربي الفاضل الذي تفترضه مهنة التدريس
قالبا للمعلم الواعي بأخلاقيات مهنته ودوره الرائد في محيطه
الاجتماعي وبالمثل الخدمات الإنسانية التي يضطلع بها الأخصائي
الاجتماعي وقربه من الطالب وأسرته وسعيه لاقتراح ما يحل مشاكلهما
التي تنعكس على تحصيل الطالب وسلوكه في المدرسة في نطاق ما تسمح
له به الظروف والضوابط المحددة لعمله كل ذلك يتيح للكاتب في
شخصي فرصة التماس المباشر مع قضايا وحكايات وهموم الناس العادية
واليومية وهي مادة دسمة قد أستمد منها أفكاري وأضيف إليها الخيال
والقراءات المختلفة وذكريات الطفولة وتجاربي الشخصية لأكتب قصصا
تأخذ من الحياة واقعيتها ومن الخيال تحليقه اللا متناهي في تخوم
الفضاء الأدبي الواسع الجميل .
أعلى
صوت
اللص والامبراطور
يقال
إن الاسكندر الأكبر وجه السؤال التالي لأحد القراصنة :
كيف تجرؤ على اعتراض السفن وسلبها ونهبها في أعالي البحار ؟
فرد عليه القرصان قائلا : وكيف تجرؤ أنت على ممارسة السرقة واغتصاب
حقوق الغير في العالم بأسره .. هل لأنني أقوم بذلك بسفينة صغيرة
يسمونني لصا ، بينما تمارس أنت نفس الفعل بأسطول ضخم فيطلقون
عليك اسم الامبراطور ؟ لا تقدم لنا الحكاية رد فعل الامبراطور
على هذا القول شديد الجرأة ، لكنها تؤكد معنى محددا : أن القرصان
والامبراطور يمارسان نفس الأفعال الاجرامية ، لكن المعايير المزدوجة
جعلت من القرصان لصا ومن نابليون امبراطورا !
الآن يتكرر نفس المعنى في الارهاب الدموي الذي تمارسه اسرائيل
ضد المقاومة العربية في فلسطين ولبنان : فالفكر الصهيوني وتطبيقاته
العملية في اسرائيل يضع العنف والارهاب في مكانة عالية ، ويبدو
هذا بجلاء في عملية إعادة كتابة التاريخ اليهودي مع التركيز
على جوانب العنف فيه ، فيقول الحاخام إليعازر : إن السيف والقوس
هما زينة الانسان ، ويرى جابوتنسكي أن التوراة والسيف نزلا معا
إلى اليهود من السماء ، أما مناحم بيغن فيقول : إن التقدم في
تاريخ العالم لم يتحقق بالسلام بل بحد السيف .. والمذابح الاسرائيلية
المروعة للفلسطينيين واللبنانيين هي الترجمة السلوكية لهذا الفكر
الدموي ، رغم ذلك فإن امبراطور عالمنا المعاصر يعتبرها دفاعا
عن النفس وأعمالا وقائية مشروعة لتصفية المقاومة في فلسطين ولبنان
التي تصنف في دائرة الارهاب .
والذين تعرضوا - وما يزالون - لقذائف الموت الأميركية في أفغانستان
، هم أنفسهم الذين حظوا بكل أشكال الدعم والتأييد من الولايات
المتحدة ، عندما كانوا يحاربون الغزو السوفييتي لبلادهم لصالح
واشنطن . لقد انتقلوا - فجأة - من صف المجاهدين إلى فسطاط الارهابيين
لأن مصالح الامبراطور بالأمس ليست هي اليوم وربما تتغير غدا
، وتتبدل معها كل المعايير والموازين والمكاييل .. مثل حرباء
تغير لون جلدها لتتكيف مع كل بيئة جديدة تعيش فيها .
وليست المعايير المزدوجة فقط هي السبب الوحيد في الموجة الحالية
من الارهاب الصهيوني في فلسطين ولبنان ، إذ يتوازى ويتساوى معها
انفراط العقد العربي إلى قبائل وطوائف وممالك وامارات متناحرة
تعيد إلى الذاكرة مشهد انطفاء الحضارة العربية في الأندلس على
زمن ملوك الطوائف ، بما سهل مهمة فرديناند وإيزابيلا في قيادة
تحالف من القوط والصقالبة والبرابرة ، اكتسح المدائن العربية
الاندلسية وانطوت معه صفحة ابن رشد وابن زيدون وابن فرناس وابن
حيان وابن هانئ والزهراوي وزرياب وغيرهم من أبناء حضارة مزدهرة
هي التي أضاءت عقل أوروبا لاحقا .
وما زال القانون الذي يحكم الظاهرة فاعلا : القرصان والامبراطور
يمارسان نفس الأفعال الاجرامية والمعايير المزدوجة تجعل من القرصان
لصا ومن نابليون المعاصر إمبراطورا رغم أن كليهما مجرد حرامي
عريق الاجرام ، وما زال ملوك الطوائف يتناحرون ويتصارعون وبعضهم
يستعين بالعلوج لنصرته على أشقائه وأبناء عمومته ، وما زال فرديناند
وإيزابيلا يقودان تحالفا همجيا مدججا بالقنابل الفسفورية وقنابل
العناقيد وطرازات الإف والأباتشي .. تتخافت موسيقى زرياب وتعلو
ألحان الفلامنكو !
* من كتاب (الوطن)
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى