كلمة ونصف
السلامة في المنشآت العامة
تزداد اليوم أهمية المحافظة على سلامة المنشآت العامة والتي تعمل
بها أعداد كبيرة ويراجعها أيضا عدد كبير من الناس، ولابد من المعرفة
بكيفية التعاطي مع الحوادث الطارئة التي من الممكن أن تلم بها مع
الظروف الطارئة، وترسيخ الوعي بأهمية وسائل السلامة من الحرائق،
والأعطال الكهربائية، والعوامل الطبيعية وغيرها من الحوادث التي
قد ينتج عنها أخطار يذهب ضحيتها أبرياء وتخلف أضرارا كبيرة بالأرواح
وخسائر مادية بالغة.
ففي الوقت الذي تتوفر فيه مستلزمات السلامة في هذه المنشآت مثل أدوات
الإطفاء، وأجراس الإنذار إلى غير ذلك من تجهيزات للسلامة إلا أن
العاملين في هذه الجهات ليس لديهم أي دراية ووعي بكيفية استخدام
هذه الأدوات، للتقليل من الإصابات والمخاطر الناتجة عن مثل هذه الحوادث.
فعلى سبيل المثال، عندما يقع حريق في مستشفى أو مدرسة أو أي جهة
حكومية إلى ما شابه ذلك فالعاملون في هذه الجهات يفتقرون لأدنى مهارات
استخدام الأدوات لمكافحة الحرائق، وإخلاء المكان لتجنب الأخطار والخسائر
البشرية وذلك نتيجة لعدم تهيئة الموظفين لمثل هذه الأخطار الطارئة،
وإجراء تجارب عملية على كيفية التعاطي معها، رغم أهميتها واحتمالات
وقوعها المتكررة والمفاجئة.
وهناك بعض الجهات مثل شركات النفط وغيرها تولي اهتماما بالغا بهذه
الأمور إيمانا منها بدورها وأهميتها في الحفاظ على السلامة، وتتبع
إجراءات صارمة في تنفيذها، لإكساب العاملين لديها مهارات التصرف
في هذه المواقف الطارئة.
ومن الأهمية أن تولي كل الجهات العامة هذا الجانب التي يوجد وعيا
عاما بأهمية مثل هذه الأمور، وعلى الدفاع المدني بشرطة عمان السلطانية
القيام بدور هام في إلزام الجهات والمؤسسات لتهيئة موظفيها لكيفية
التعامل مع الحوادث والحالات الطارئة، وتدريبهم على مثل هذه الأمور،
والتوعية بمخاطر هذه الحوادث على المنشآت، حتى لو استلزم الأمر تحمل
نفقات التدريب والتأهيل للعاملين في كل الجهات، وذلك للحفاظ على
صروحنا ومنشآتنا.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

في الموضوع
منطق استعماري فاجر
نتيجة للتفوق الهائل لصالح إسرائيل بسبب
توازن القوى المختل تجاه العرب جميعا إضافة الى التأييد المطلق الذي
تحظى به من جانب الولايات المتحدة الأميركية فإن حكومة ايهود اولمرت
تستطيع ان تفعل ما تشاء على النحو الذي ترى انه يحقق أهدافها وليس
هناك من يستطيع ان يقف أمامها ويتضمن ذلك تجاهل كافة القوانين والأعراف
الدولية وكأن هناك قانونا ينظم العلاقات بين كافة دول العالم فيما
عدا إسرائيل وقانونا آخر يخص إسرائيل وحدها .
وعندما ترتفع أصوات تتحدث عن كارثة طبيعية او سياسية في اي مكان
من العالم تجد تلك الأصوات صدى وتجاوبا إنسانيا كبيرا ويتحرك كثيرون
للعمل على تهدئة الأوضاع وتخفيف المعاناة اللهم إلا في فلسطين المحتلة
فإن الأطراف الدولية تتلكأ في أي رد فعل يرى بعضها أنه ضروري لأن
إسرائيل احد عناصر المعادلة . ومن ثم تجري عمليات حسابية معقدة بشأن
ما إذا كان الدعم المقدم يمكن ان يحدث رد فعل سلبيا من جانب الصهاينة
واذا تمثل ذلك الدعم في تمويل إقامة مشروعات للخدمات تتسم بالديمومة
فإن القضية تصبح ما اذا كان ذلك الدعم سيذهب هباء لان إسرائيل تعمد
بين فترة واخرى الى تدمير مشروعات البنية الأساسية في فلسطين في
اطار تشديد الضغط على شعبها الصامد المتمسك بوطنه وحقوقه المشروعة
.
والقضية هنا تتعلق بعملية السلام التي ما تكاد تنطلق على أساس تصور
معين حتى تتوقف لان الصهاينة لا يريدون لها ان تصل الى غايتها وانما
تظل عملية جارية فقط الى الأبد وهنا تجدر الإشارة الى نقطتين أساسيتين
الأولى ان الصهاينة كانوا يرفضون التفاوض مع الرئيس الفلسطيني الذي
قالوا انه يمكن التعامل معه ومارسوا ضغوطا هائلة من اجل فوزه بمنصبه
لكنه عندما فاز لم يجد الترحيب الذي كان متوقعا وجاء الترحيب المحدود
مجرد حفظ لماء الوجه الإسرائيلي بسبب المواقف المؤيدة له قبل الانتخابات
وبدأت بعد ذلك عملية البحث عن عذر يبرر عدم التفاوض معه ابتداء من
الحديث عن الإصلاح السياسي ومكافحة الفساد الى مطالبته بمزيد من
التعاون في مكافحة الإرهاب والعمل لتمويل السلطة الوطنية الفلسطينية
الى حارس آمن في خدمة الاحتلال الصهيوني بدلا من دورها الحقيقي في
قيادة العملية السياسية لانهاء ذلك الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية
المستقلة .
ويتفرع عن هذه النقطة ايضا استغلال ظرف اختطاف العريف الإسرائيلي
جيلاد شاليت لشن عملية عسكرية متعددة الجوانب على قطاع غزة بغرض
استهداف الحكومة الفلسطينية في الأساس بحجة ان الحزب السياسي الذي
شكلا - وهو حركة حماس - يواجه اتهامات بالتورط في الإرهاب لكن تلك
الحملة الشديدة لم تستثن مقار لحركة فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني
وكذلك مواطنون عاديون أبرياء بينهم أطفال ونساء لا يشاركون في المقاومة
لكن وجودهم فقط على ارض وطنهم يمثل تحديا للاحتلال الاستيطاني الصهيوني
ومرة اخرى يلقي ذلك الضوء على حقيقة الأهداف الإسرائيلية والمخطط
الذي تعمل الحكومات المتعاقبة هناك على مواصلة تنفيذه .
أما النقطة الثانية فإنها تتعلق بحقيقة الموقف الإسرائيلي الرافض
لوجود الشعب الفلسطيني اصلا ومن ثم فإنه يتضمن استهداف مؤسسات البنية
الأساسية ابتداء من الجسور وانتهاء بمحطات توليد القوى الكهربائية
في إطار خطة واضحة لتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني لكن نقطة
مهمة تبرز في هذا السياق وهي تلك المتعلقة باستهداف محطة توليد القوى
الكهربية في قطاع غزة على وجه الخصوص وتكمن أهمية هذه النقطة في
ان شركة إسرائيلية للكهرباء تزود الأراضي الفلسطينية باحتياجاتها
من هذه الطاقة وما يريده الصهاينة هو الحفاظ على استمرار احتياج
الفلسطينيين لهم في مختلف المجالات وخاصة في مجال الطاقة حتى لا
تكون هناك فرصة لقيام دولة فلسطينية تتوفر لها مقومات الاستمرار
والبقاء وتظل طوال الوقت خاضعة لضغوط صهيونية تتضمن فرصة التدخل
في مختلف شؤونها الداخلية .
ويعمد الصهاينة الى مثل هذا الإجراء احترازا للاحتمالات المطروحة
بشأن حل الدولتين تخوفا من الأثر الذي يمكن ان ينجم عن ذلك على الهوية
اليهودية او الصهيونية لدولتهم بعد ان قضوا قرنا من الزمان في التآمر
والتخطيط والاتصالات الدولية لاقامتها ، ثم اكثر من نصف قرن في محاولة
فصم العلاقة بين الشعب الفلسطيني وارض وطنه وفشلوا في استبعاد ذلك
الشعب وإقصائه وان تمكنوا من احتلال كافة الأراضي الفلسطينية على
مرحلتين الأولى عام 1948 والثانية عام 1967 .
هنا تجدر العودة الى المحاولات الجارية لحل الأزمة الحالية والجهود
التي تبذل بوساطة مصرية لاطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف والمشكلة
هنا تتعلق بان المحاولات المصرية تأخذ صورة الضغط على الجانب الفلسطيني
لاطلاق سراح ذلك الجندي دون اي قدرة لممارسة ضغوط مماثلة على الجانب
الإسرائيلي لوقف حملته العسكرية التخريبية ضد المؤسسات الفلسطينية
أو توفير الحماية للمواطنين الأبرياء من الهجمة الموجهة اليهم .
والمشكلة هي ان تلك المحاولات تجري في غياب غطاء دولي يسهم في كبح
جماح العدوان الصهيوني مما يضعف اثر الجهود المصرية ويجعلها تبدو
في صورة من يعمل لمحاولة تحقيق التجاوب مع المطالب الإسرائيلية بدلا
من محاولة التوصل الى حل يضع حدا لتكرار مثل هذه المواجهات .
ولأن إسرائيل لا تعترف بأي قوانين او أعراف دولية ومن ثم فإنها لا
تلتزم بها ولا تواجه اي عقاب بسبب ذلك فإن أحدا لم يتحرك عندما اقتحمت
القوات الإسرائيلية سجن رام الله التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية
واختطفت منه عددا من قادة فصائل منظمة التحرير احتجزتهم السلطة للتحفظ
عليهم بسبب اتهام إسرائيل لهم بعمليات مقاومة من التي تصفها بالإرهاب
كانت هذه جريمة اعتداء على السلطة الوطنية تماما مثل جريمتي قصف
وزارة الداخلية ورئاسة الحكومة في قطاع غزة لكن أحدا لم يتحرك ووصفت
وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس حملة العدوان الإسرائيلي
الحالية بأنها دفاع عن النفس وهو توصيف يعبر عن منطق استعماري فاجر
.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى

كل يوم
دلالات الانتخابات الكويتية (2)
قلنا إن الانتخابات النيابية في الكويت
قد حملت عدة دلالات على المستوى المحلي يمكن لها أن تفسر نفسها عربيا
بشكل عام، وخليجيا بشكل خاص، أدراكاً منا للدافع الموضوعي المتشابه
في مختلف الاقطار العربية، على الرغم من عدم تجاهلنا لبعض الخصوصيات
الوطنية لكل قطر على حدة.
وقد كان اللافت الاهم في الانتخابات الكويتية هو ارتفاع عدد المقاعد
التي شغلتها المعارضة بمختلف أطيافها؛ الاسلامية والليبرالية والمنضوية
في تكتلات والمستقلة على حد سواء، في حين تراجع عدد المقاعد التي
شغلها نواب مقربون من الحكومة أو محسوبون على توجهاتها، مما يؤشر
على أن العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ستكون في المجلس
الجديد أكثر توترا من ذلك الوضع الذي شهدته في أواخر أيام المجلس
السابق الذي اضطر أمير الكويت إلى اتخاذ قرار بحله بعد أن اصطدم
مع رئيس الوزراء وتوجه إلى طلب استجوابه. وهناك مسألة ثانية لفتت
الانتباه هي أن المرأة خذلت المرأة تماما، كما أشارت الصحف الخليجية
والبحرينية بشكل خاص، في عناوينها العريضة.
وكان الامر مفاجئا للقليلين لأن الشائع هو أن المرأة لا تنتخب المرأة،
على الرغم من أن هذه ليست قاعدة بل أن لها خروقات واستثناءات كثيرة،
وأن كان الامر أقرب إلى التصديق في الوطن العربي.
ولا يقلل من هذا الملحظ أن بعض النساء النشطات بخصوص مطالبهن بحقوق
المرأة قد برّرن عدم انتخابهن بنات جنسهن بأنه تأكيد لموضوعية النساء
وعدم اخيازهن، إذ أنهن ذهبن إلى التصويت لمن هو أصلح، وبالمصادفة
كان الاصلح في معيارهن رجلا ! .
ولعلنا في حاجة إلى دراسات أو استطلاعات رأي واسعة لكي نصل إلى نتائج
دقيقة وأحكام موضوعية في هذا الخصوص، غير أن هذا المطلب لا يتجاهل
الواقع ويدعو إلى العمل على مغادرته. ذلك أن نقد هذا الواقع هو من
أجل تغييره، لا من أجل إدامته أو الاعتراف بأنه أمر أبدي لا مجال
لتغييره. وهنا يأتي دور المجتمع بجميع فئاته، و دور الرجال بشكل
خاص، للخروج من عنق الزجاجة، وتمكين المرأة فعلا من نيل حقوقها ليس
على الورق ومن خلال اقرار القوانين فحسب، بل بتفعيل القوانين، وايصال
المرأة التي هي نصف المجتمع الاجمل، في رأي الجمييع، إلى قبة البرلمان،
وبالطبع لا نؤيد الكوتا النسائية ولا نرى فيها حلا لهذه المسألة،
بل إن الامر يتطلب مزيدا من التوعية السياسية والاجتماعية، ولا نشك
أن للاقتصاد دورا مهما في هذا الصدد حيث أن استقلال المرأة اقتصاديا
يجعلها أكثر تحررا على المستوى الاجتماعي، وهذا الاخير يعكس وعيا
سياسيا، ويمكن في النهاية أن يؤدي إلى نتائج إيجابية مثمرة.
انتخابات الكويت منعطف تاريخي على مستوى الخليج والوطن العربي، وعلينا
أن ندرك أبعاد هذه المسألة المختلفة وأن نستفيد مما حصل، ونُحسن
توظيفه.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

اقول لكم
كارثة أم هاشم
في رواية الكاتب يحيى حقي الشهيرة (قنديل أم
هاشم) يواجه الطبيب المتخصص في امراض العيون بألمانيا عادة شعبية
مفادها ان زيت قنديل مسجد السيدة زينب ـ التي يسميها المصريون أم
هاشم ـ علاج شاف لجميع امراض العيون ، ويأتي هذا الاعتقاد من الحب
الذي يكنه المسلمون لصاحبة المسجد والمقام رضي الله عنها ، حتى ان
المصريين يسمونها ايضا (أم العواجز) اي نصيرة العجزة والمظلومين
ويعتقد كثير من عامة الناس ان كنس ارض المسجد بنية رفع الظلم يأتي
بكارثة محققة على رأس الظالم وفي وقت لا يطول!.
يفشل الطبيب الشاب في اقناع المرضى بان زيت القنديل ليس مناسبا لعلاج
امراض العيون ، بل قد يسبب لها امراضا اضافية ، لكنه يواجه بثورة
عارمة من العامة ، واتهمه البعض بالكفر والزندقة لموقفه العدائي
من زيت قنديل مسجد سليلة بيت النبوة ، ولا يجد الطبيب امامه سوى
التراجع ، والاعلان انه سوف يبدأ علاج مرضاه بالزيت ، الذي كان يستبدله
سرا بالمراهم وقطرات العيون الحديثة ، تلك التي نجحت في علاج عيون
كثير من المرضى فذاع صيته واصبح من اهل البركة!.
وتقول الانباء ان مسلمين من احدى الدول الاسلامية قرروا السفر الى
القاهرة لكنس ارض مسجد (أم هاشم) بنية رفع ظلم الاسرائيليين ومن
يؤيدونهم عن الفلسطينيين ، ويبدو انهم في حاجة الى (طبيب) يقنعهم
بضرورة اتخاذ اجراءات اخرى لوقف العدوان وارجاع الحقوق المغتصبة
الى اصحابها الأصليين مع كنس ارض المسجد انتظارا لحدوث كارثة أم
هاشم!.
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
لماذا يكرهوننا؟
كان هذا هو السؤال الذي سأله الرئيس بوش بعد
هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وتطوع البعض بالإجابة. إنهم يكرهوننا
لأننا ممتازون ولأننا اغنياء ومتسامحون ومنفتحون وأحرار.
لكن هذه الإجابة خطأ من وجهة نظر رجل واحد على الأقل هو جيمس اكينز
السفير الأميركي السابق في المملكة العربية السعودية. يعتقد السفير
اكينز ان الولايات المتحدة كانت تتمتع باحترام وتقدير في الشرق الأوسط
خلال القرن التاسع عشر وجزء كبير من النصف الأول من القرن العشرين.
كانت اميركا ينظر اليها على انها ارض جورج واشنطن وتوماس جيفرسون
وابراهام لينكولن وودرو ويلسون. وكانت الولايات المتحدة ينظر اليها
على انها دولة كبرى غير استعمارية. وخلال تلك الفترة كانت اميركا
لا تزال غنية وممتازة ومتسامحة ومفتوحة وحرة. لم يكن احد يكرهها
رغم ذلك. ويقول السفير اكينز إن سبب الكراهية الآن ليس مبادئ أميركا
بل لأنها خانت هذه الميادئ في الشرق الأوسط.
ويقول اكينز إن للعرب سجلا في التسامح الديني لا يعادله، بل لا يقترب
منه، سجل اية دولة اوروبية. ويضرب السفير المتقاعد مثلا على ذلك
ما فعله الروس والبولنديون باليهود ثم ما فعله الألمان بهم. ويقول
إنه في عام 1942 عندما طرد العرب واليهود من اسبانيا ذهب اليهود
الى بلاد عربية ولم يذهبوا الى اوروبا.
لكن صورة اميركا الطيبة بدأت تتبدل مع التأييد الأميركي لتقسيم فلسطين
ومع طرد الفلسطينيين من جزء كبير من اراضيهم التي اصبحت بعد ذلك
دولة اسرائيل.
ويقول السفير اكينز إن النزاع في الشرق الأوسط عمره حوالي خمسين
عاما ولكن معظم الرؤساء الأميركيين يصرون على انه من الصعب احلال
السلام في منطقة ظلت في نزاع لمئات بل لآلاف السنين.
ويقول السفير ان العرب فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة عندما اعتقدوا
انها خانت المبادئ التي قامت عليها اميركا. وكانت بداية هذه التحول
مع تقسيم فلسطين وتأسيس اسرائيل. ويتساءل العرب لماذا يدفعون هم
ثمن الجرائم التي اقترفها الروس والبولنديون والألمان ضد اليهود.
العرب لم يقترفوا جرائم ضد اليهود بل إن حقبة العرب في الأندلس كانت
اكبر دليل على تسامحهم مع الديانات الأخرى.
ويشير السفير المخضرم الى ان وزارة الخارجية الأميركية عارضت في
البداية انشاء اسرائيل ولكن القرار النهائي اتخذه الرئيس ترومان
في البيت الأبيض الذي اصر على انه اتخذ القرار لأنه لم ير العرب
يدقون على بابه احتجاجا.
عرض على الفلسطينيين حوالي 44 في المائة من ارض فلسطين ولكنهم حاربوا
المستوطنين اليهود وعندما انتهت الحرب كان لديهم 22 في المائة فقط
من هذه الأرض. وفر سبعمائة الف فلسطيني او ارغموا على مغادرة ديارهم
التي استولى عليها اليهود. ويفند السفير اكينز ما يسميه خرافة وهي
ان الزعماء العرب حثوا السكان الفلسطينيين على مغادرة فلسطين ووعدوهم
بالعودة مع الجيوش العربية المظفرة فيما بعد. هذا الكلام غير صحيح
وفنده مؤرخون من بينهم مؤرخون اسرائيليون. ورغم ذلك يقول السفير
اكينز إن هذا الإدعاء ما زال يصدقه كثيرون بصورة واسعة.
وللسفير اكينز ذكريات وملحوظات على التاريخ في الشرق الأوسط سنواصل
طرحها في المقال القادم.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى
العالم في مواجهة الإرهاب النووي
يشعر الجميع بالخوف مما يحيط بعالمنا من مخاطر
شديدة الفتك بالكائنات الحية, بداية من الإنسان الذي بات القتل والتدمير
والفوضى والإرهاب بمختلف أنواعه وأشكاله وألوانه يحيط به من كل جانب,
وكأنه وباء يلف الأرض والإنسان بخناق يعجز عن التحرر منه, مما أصابه
بشتى أنواع الأمراض النفسية والبدنية العضال والتي لم يستطع العلم
الحديث بكل قدراته عن علاجها, مرورا بالبيئة من نبات وحيوان وكائنات
دقيقة, وانتهاء بكل ما يمكن أن نطلق عليه حضارة بني البشر, كل ذلك
وأكثر صنعه الإنسان بيديه ولازال يسير بكل طاقته نحو مصير مجهول
لا يعلم منتهاه سوى الله عز وجل, ونحن من هنا لنؤكد خطورة الوضع
القائم حاليا بسبب ذلك الرعب المسمى بالإرهاب النووي أو رعب (الأسلحة
النووية) والبيولوجية والكيميائية, تلك الأسلحة المحرمة والتي صنعها
إنسان الحضارة والمدنية لتكون الأداة التي تقتله وتبيده من على وجه
الأرض.
وليس هذا الحديث من باب التهويل أو التحوير أو التخويف بل هو ناقوس
خطر لابد من أن ندقه ليعلم الجميع ما هم مقدمون عليه, وخصوصا الدول
النووية الكبرى التي ما فتئت تسير بهذا العالم نحو المجهول بتلك
الترسانة الهائلة من أسلحة الدمار الشامل, وخصوصا إذا ما علمنا بأنه
ومنذ اطلاق الولايات المتحدة الاميركية لأول قنابلها النووية على
المدن اليابانية في عام 1945 وحتى عامنا هذا تم تجربة واختبار ما
يقارب 2000 رأس نووي بشكل علني, أكان ذلك تحت الأرض أو في أعماق
البحار وهي فقط من قبيل الاختبار وللدول النووية الكبرى (أميركا
والاتحاد السوفيتي ـ روسيا حاليا ـ وفرنسا وبريطانيا والصين وباكستان
والهند واسرائيل), وهذا بخلاف التجارب النووية الأخرى والتي تقوم
بها العديد من الدول الساعية للحصول على هذا النوع من الأسلحة في
الخفاء, فكيف بالأعداد الهائلة من الأسلحة المماثلة والتي لا تقل
خطورة عن هذه الأسلحة وقد استخدمت في العديد من الحروب الحديثة كحرب
الخليج والحرب على أفغانستان وغيرها والتي تم استخدام فيها ما أطلق
عليه (بالقنابل الانشطارية المخففة أو الصغيرة) وتعتبر كرؤوس نووية
مصغرة الحجم.
ورغم انه قد بات من المؤكد بان جل الدول الكبرى وخصوصا النووية منها
على دراية بأخطار الترسانة النووية العالمية, وما يمكن أن تسببه
تلك الأسلحة من تهديد خطير ودمار مؤكد للجنس البشري والكائنات الحية
الأخرى, فانه من المستغرب في الأمر بان تلك الدول لم تبدأ الحديث
(الساخن) والجدي كما هي عليه هذه الأيام عن أخطار وعواقب تلك الترسانة
من الأسلحة المحرمة سوى بعد توجه وسعي بعض الدول (النامية) إلى امتلاك
تلك الأسلحة كباكستان والهند وكوريا الشمالية وإيران على سبيل المثال,
وخوفها من سعي بعض الدول الأخرى في مختلف أرجاء الأرض وخصوصا الدول
ذات التوجهات الإيديولوجية المناهضة للسياسات الاميركية في العالم
من أن تخطو خطوات الدول السابقة, وقد كان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر
من العام 2001 على وجه الخصوص الدور الأكبر في إثارة وتنبيه تلك
الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية إلى أخطارها, وما يمكن
أن تسببه للعالم بشكل عام ولها بشكل خاص في حال امتلكت تلك التقنية
بعض الجماعات الإرهابية الدولية.
فرغم أن الحديث عن هذه الأسلحة المحرمة وخصوصا النووية منها هو حديث
قديم متجدد بدأته الولايات المتحدة الاميركية في عام 1942 مع اطلاقها
لبرنامجها النووي العسكري (السري) وتلته بإسقاط القنبلة الذرية على
مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945 وقنبلة ذرية أخرى على مدينة ناغازاكي
بعد 3 أيام أي في 9 أغسطس 1945, ولكنها لم تستطع إنهاء ذلك الحديث
بعد ذلك التاريخ, وكانت في ذلك الوقت قد (حظرت نشر أي معلومات تتعلق
بالطاقة الذرية وذلك خوفاً من أن تكون ألمانيا النازية هي السباقة
إلى امتلاك القنبلة الذرية, وقد استمر فرض هذا القيد بعد عام 1945
من أجل تأخير أعمال السوفييت, وفي عام 1954 وبعد أن أجرى الاتحاد
السوفيتي أول تجربة له على سلاحه النووي تم التخلي عن هذا السر لصالح
السياسة المعروفة بسياسة (الذرة من أجل السلام)، فبات بإمكان الدول
الراغبة في تطوير أعمالها في مجال الذرة الحصول على مساعدة الولايات
المتحدة شرط أن تتعهد استخدامه لأهداف سلمية فقط مع ترك الحرية لها
في تطوير برنامجها العسكري إن استطاعت تحقيقه بنفسها.
ومنذ ذلك التاريخ والعالم بأسره يسير حثيثا وراء امتلاك هذه الأسلحة
الفتاكة, وها نحن اليوم نقبع على ترسانة من تلك الأسلحة كافية لتدمير
وتفتيت الأرض بأكملها إلى قطع صغيرة جدا ولعدة مرات, حيث بات من
المؤكد أن عدد الرؤوس النووية الصالحة للتفجير والتي اعترفت الدول
النووية الرسمية الكبرى (فقط) بامتلاكها حسب آخر إحصائيات متوفرة
من مراكز الدراسات المتخصصة في هذا الشأن ما يزيد على مائة ألف رأس
نووي, فكيف بعدد الرؤوس النووية (الخفية) والتي يمتلكها عدد من الدول
التي لا زالت إلى يومنا هذا لا تعترف بامتلاكها رغم يقين العالم
بذلك كإسرائيل على سبيل المثال والتي (تقدر الوكالات الحكومية الأميركية
ومصادر موثوقة أخرى أن إسرائيل تمتلك الآن ما بين 100 و200 قنبلة
نووية، كل منها أقوى أضعافاً من تلك التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي،
مما يجعل إسرائيل القوة النووية الخامسة في العالم, وتتضمن ترسانتها
النووية قنابل يمكن إلقاؤها من الجو، وألغاماً أرضية، ورؤوساً حربية
يمكن إيصالها إلى أهدافها باستخدام صواريخ بالستية مثل صواريخ أريحا
التي يعتقد أن مداها يصل إلى حوالي 1500 كيلومتر, وتشير بعض التقديرات
الغربية إلى أن إسرائيل تمتلك من البلوتونيوم ما يكفي لإنتاج 100
قنبلة نووية أخرى)؟!, وهذا الرقم ليدق ناقوس الخطر والرعب على البشرية
بأسرها حيث باتت هذه الأسلحة الخطر المحدق الذي يهدد بني الإنسان
والكائنات الحية الأخرى بالفناء والانقراض.
ولكن ورغم كل تلك المعرفة بأخطار هذه الأسلحة المحرمة من قبل المجتمع
الدولي والدول النووية الكبرى بشكل خاص, إلا أن الرقابة الدولية
الصارمة والقوانين المعمول بها في هذا الجانب (ضعيفة) جدا من الناحية
العملية رغم صرامتها (النظرية), بحيث يكمن ضعف تلك القوانين في ضعف
مشروعيتها القانونية, ومدى جدية تطبيقها على جميع الدول دون استثناء,
حيث ان ما حدث هو أن تلك القوانين قد باتت تطبق على البعض دون البعض
الآخر, كما شاهدنا ذلك سابقا مع الجمهورية العراقية التي اتهمتها
الولايات المتحدة الاميركية بامتلاك السلاح النووي وقامت بإسقاط
نظامها وحولتها إلى ساحة فوضى ودمار تحت هذه الذريعة, التي ثبت بعد
ذلك (عدم مصداقيتها) وكما نشاهدها من جديد هذه الأيام مع الجمهورية
الإيرانية دون إسرائيل التي (تمتلك) من الأسلحة ما قد بيناه سابقا.
كما انه وفي ظل هذه الظروف الحالية فقد (تضاءلت إلى حد كبير سياسة
حظر نشر الأسلحة النووية منذ مؤتمر البحث في المعاهدة في شهر يونيو
من العام 1995 في وقت بدا فيه أن الهدف المطلوب قد تحقق إلى حدٍ
ما, وقد كانت ضرورة وقف نشـر الأسلحة موضـع هجوم في الولايات المتحدة
من جانب المحافظين الجدد الذين رفضوا أن يخضع بلدهم لبعض الالتزامات
الدولية أياً كان نوعها، ثم من جانب آخرين رأوا أن حظر نشر الأسلحة
يعود إلى منطق الحرب الباردة ولم يعد هناك من داعٍ لوجوده بعد أن
انتهت تلك الحرب, ويرى هؤلاء أن الرد على مخاطر نشر الأسلحة النووية
يكمن في إنشاء أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ التي يفترض أنه على
جميع الدول أن تشتريها من الولايات المتحدة الاميركية, كما أن معاهدة
حظر نشر الأسلحة النووية كانت هي بدورها موضوع انتقادات أكثر حدة,
فمنذ زمن بعيد ارتفعت بعض الأصوات ضد نظام يسمح لخمس دول بامتلاك
الأسلحة الأكثر قوة ويحظر على الآخرين امتلاكها, وهذا الإجحاف في
التعامل وبعد أن اعتبر غالباً أمراً حتمياً خلال الحرب الباردة لم
يعد محتملاً كثيراً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
أما الأمر الآخر والأكثر رعب في هذا الشأن والذي ـ من وجهة نظري
الشخصية ـ أرى انه لابد أن يأخذ الحيز الأكبر من الاهتمام الدولي
وخصوصا بعد أن خرج أمر التبضع بتلك الأسلحة من نطاق القدرة الدولية
على السيطرة عليها بين الدول والحكومات, هو الخوف من أن تصبح تجارة
هذا النوع من الأسلحة أمرا عاديا بين العصابات الدولية والإرهابيين,
كما حدث يوم الثلاثاء 12 أغسطس 2003 حينما نشرت وسائل الإعلام الدولية
خبر (إلقاء القبض على تاجر سلاح بريطاني) وتبين بعد ذلك انه هندي
الأصل حيث نجح في شراء صاروخ (ايغلا) الروسي، وبيعه إلى عميل لجهاز
(أف. بي. آي)، ظناً منه أنه من الإسلاميين المتشددين، كما نجح في
شحنه إلى الولايات المتحدة, وقد وُعِد تاجر السلاح بـ55 صاروخا آخر،
كلفة الواحد 85 ألف دولار), وما خفي أعظم.
كما أن المخيف الآخر هو أن تتحول (التجارة النووية) إلى نوع من أنواع
التجارة العادية والتي تأخذ الطابع الرسمي والمعترف به بين الدول
(السوبر ماركت النووي العالمي), فنحن اليوم نسمع الكثير من الأحاديث
وجهرا نهارا حول رغبة العديد منها وهي تنادي برغبتها في بيع هذه
التكنولوجيا لمن (يدفع أكثر) لشرائها بغض النظر عن جنس المشتري أو
مدى قدرته على السيطرة والتحكم بتلك الأسلحة, أو حتى مشروعية وقانونية
تلك التجارة, وبمعنى آخر استعداد تلك الدول لبيع تلك التكنولوجيا
للإرهابيين والمجرمين والمنظمات المنشقة والمعارضة للحكومات, مما
يعطيها القدرة على التهديد والتدمير دون مراعاة أخلاقية ولا قانونية
أو إنسانية لذلك العمل الإجرامي ـ أي ـ أن العالم والبشرية قد يصبح
في يوم من الأيام تحت رحمة بعض العصابات الإرهابية القادرة على شراء
تلك الأسلحة المحرمة قانونيا وإنسانيا وأخلاقيا.
لقد بات العالم مطالبا بضرورة الإسراع لإيجاد حلول عملية وعادلة
تجاه هذه الكارثة الخطيرة المتمثلة في انتشار هذه الأسلحة الفتاكة
والمرعبة, مع ضرورة الإسراع في سن القوانين الصارمة تجاه المساعي
الرامية والمتزايدة لامتلاك هذه الأسلحة الفتاكة, والتي كما قلنا
سابقا قد تكون في يوم من الأيام سببا في القضاء وانقراض الجنس البشري
والكائنات الحية من على الأرض, ولن تكون تلك الحلول منطقية وقانونية
إلا من خلال المنظمات الرسمية والقانونية ذات الشأن كمنظمة الأمم
المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومنظمة الطاقة الذرية وذلك بالانصياع
لقراراتها وقوانينها وعلى الجميع دون استثناء, وانه قد أصبح لزاما
على الجميع التعاون من اجل القضاء على هذا الرعب النووي بداية من
الدول الكبرى والتي تمثل السبب الرئيسي والأول في هذه الكارثة ومن
ثم الدول الصغرى والساعية إلى امتلاك تلك الترسانة ومن خلال تلك
المنظمات سابقة الذكر, والتنبه إلى خطورة وظلامية الطريق الذي يسيرون
إليه قبل فوات الأوان.
محمد بن سعيد الفطيسي
كاتب وباحث عماني
azzammohd@hotmail.com
أعلى
الجمهوريون يجيدون اللعب بالألفاظ
فلنعترف بالحقيقة عندما لا يكون هناك بد من
الاعتراف بها : ليس هناك من يستطيع أن يحول مسؤوليته عن الإخفاق
والفشل في الحرب لكي تصب في مصلحته مثلما فعل الجمهوريون وكان هذا
بعينه هو الانجاز السياسي لريتشارد نيكسون في فيتنام وربما يكون
هو نفسه الانجاز السياسي الذي يحققه الرئيس بوش في العراق .
غير أن الحقبة التاريخية التي عاصرها نيكسون كانت مغايرة عن وقتنا
الحالي بالطبع وأقصد بذلك أن وقته كان أقل صعوبة فعندما تولى الرئاسة
عام 1969 ورث عن أسلافه الديموقراطيين تركة مثقلة بحرب ممتدة استحالت
الى وضع كارثي متأزم وكان بوسع نيكسون ان يعلن انتهاء الحرب في وقت
مبكر عقب توليه مهام منصبه خاصة انه لم يكن يعتقد - مثله مثل هنري
كيسنجر مستشاره الخاص بالأمن القومي آنذاك - بإمكانية إحراز النصر
في تلك الحرب بيد أنه اختار مواصلة الحرب بل وتوسيع نطاقها الى كمبوديا
وصب البنزين على نيران غضب 40% من الاميركيين كانوا يطالبون بالانسحاب
من فيتنام وخرج ملايين المتظاهرين الى الشوارع ومالت كفة الديمقراطيين
الى رفض الحرب .
ومع تغذيته روح الفرقة السياسية العميقة صنع نيكسون لنفسه أرضية
سياسية كان هو أفضل من يجيد المناورة عليها وبعد مرور عشرة أشهر
فقط من توليه منصبه أصبح نيكسون بطلا لمن أسماهم بـ " الأغلبية
الصامتة" من أبناء بلده وذلك في مقابل جموع المتظاهرين وراح
الديموقراطيون يرفعون اصواتهم بالمعارضة والشجب للحرب على فيتنام
فيما كان نيكسون يشجب ويستنكر أفعال المتظاهرين والديموقراطيين وكان
نتيجة هذا الصراع غير المتكافئ أن نيكسون استطاع أن يحقق الفوز على
جورج ماكغوفرن عام 1972 بفارق يربوعلى
20% .
واليوم نشاهد سيناريو خطة نيكسون يتكرر ربما بتفاصيله الدقيقة على
يد الجمهوريين وكارل روف على وجه الخصوص إلا أنهم لا يصعدون الأمور
الى مرتبة الدفاع عن خطة الادارة الاميركية للحرب في العراق نقطة
بنقطة ، وقد يرجع السبب الى أن الادارة ليس لها خطة حقيقية لهذه
الحرب .
وعندما طرح اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين مطالبهم وضمنوها
حلولا تدعو الى تغيير السياسة الاميركية استطاع الجمهوريون ان يلحقوا
بهما الهزيمة إلا أنهم فشلوا أن يأتوا بحلول من عندهم تبرر موقفهم
المؤيد بقوة للنهج الذي تسير عليه الادارة في الحرب وكان اعتقادهم
أن تقديم حلول من هذا النوع هو مرادف للهزيمة في محكمة الرأي العام
.
وبدلا من ذلك فقد سار الجمهوريون على حبل مشدود ، فهم لا يدافعون
عن الحرب على حالتها التي آلت إليها الآن ولكن يجتمعون على مهاجمة
الديموقراطيين في محاولاتهم إنهاء الحرب وتلك بعينها هي الطريقة
التي كان يسير عليها نيكسون .
والشئ المغاير أن المعارضة التي تجابه بوش حاليا أقوى من تلك التي
واجهت نيكسون من قبل وعلى الرغم من أنه لا توجد تظاهرات احتجاج حقيقية
تجوب الشوارع وليس هناك ذلك النفر الذين يرفعون أصواتهم بالكلام
والعبارات الخارجة ، كما أن معظم الديموقراطيين من أعضاء الكونغرس
لا يدافعون عن شئ أكثر من المطالبة بإعادة انتشار ممرحل لقواتنا
الموجودة في العراق ، على الرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر انقساما
حول الخيار الأكثر الحاحا وهو تحديد موعد لسحب القوات من العراق
.
وفي مواجهة الموقف شن الجمهوريون حربا كلامية ضد الديموقراطيين متمثلة
في تلك الأقاويل التي يرددونها بأن الديموقراطيين دعاة هزيمة يدعون
الى سحب قواتنا بطريقة مهينة للمجندين والمجندات الأميركيين الذي
قدموا حياتهم في الحرب بيد أن هذا القول مردود عليه والطريقة الانتقائية
التي وازن بها هؤلاء في طرحهم يجعل القياس فاسدا ، فمن منهم يستطيع
ان يقول: إن سحب رونالد ريغان قواتنا من لبنان أو سحب نيكسون القوات
من فيتنام كان عملا مهينا لقتلى الجنود الأميركيين .
وبشكل متكرر يتهم الجمهوريون الديموقراطيين أنهم - على حد وصف الرئيس
بوش - لديهم جدال داخلي مثير - حول الحرب ، والإيماءات التي تفهم
من هذا أن الديموقراطيين ليس لديهم ما يقدمونه سوى الكلام بدون الأفعال
، في حين أن الشئ الذي يهم في حقبة ما بعد 11 سبتمبر هو اتخاذ قرارات
أفعال قاطعة .
ولسان حال الجمهوريين يقول للناخبين: إن " الديموقراطيين يفكرون
أكثر مما ينبغي ولذا فهم مصدر للخطر ، فانتخبونا " .
وبالطبع فإن تلك ليست وصفة ناجعة للنجاح الانتخابي ولكن الجمهوريين
يحفرون لانفسهم حفرة عميقة.
هارولد ميرسون
محرر بمجلة أميركان بروسبكت ولوس انجلوس ويكلي
خدمة واشنطن بوست ولوس انجلوس تايمز خاص بالوطن
أعلى
مفتاح نجاح الحوار بين واشنطن وطهران .. مع من ؟
قد يكون أكثر ما أثار انتباهي خلال رحلتي الأخيرة
الى إيران هي تلك الرغبة التي عرفت بوجودها لدى المسؤولين الايرانيين
للدخول في حوار مع الولايات المتحدة وما إن تركت طهران حتى تفاجأت
بإعلان وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ، ذلك الاعلان الذي
غير سياسة امتدت حوالي ثلاثة عقود كانت تطبقها الولايات المتحدة
مع إيران ، حيث أشارت رايس الى أن الولايات المتحدة ترغب في إجراء
حوار مباشر مع الايرانيين .
وعلى ضوء الفجوة الممتدة بين الطرفين فإن مثل هذا الحوار الذي يجمع
بينهما وجها لوجه ربما لا يحدث على الاطلاق ، إلا أن حالة الغموض
التي تلف عباءتها حول طبيعة النظام السياسي الإيراني وكذا أسلوب
التفاوض يجب ألا تحجب الفوائد التي يمكن أن تعود على الجانبين من
وراء هذا الحوار فإذا كان النظام الإيراني جادا في سعيه لإجراء مثل
تلك المحادثات فإن ذلك قد يسهم بالفعل في تحقيق الاستقرار في منطقة
الشرق الاوسط وتظل أصابع التشكك تذكر أن الرئيس أحمدي نجاد قد دعا
الى إزالة اسرائيل من خريطة العالم ، كما ذكر بوضوح أنه يؤمن أن
المصالح الإيرانية مع روسيا والصين أكثر منها مع الغرب
إلا أننا يجب ألا نتجاهل أن نجاد ليس هو المسؤول الأول عن صنع القرار
السياسي في إيران وهذا ما أخبرني به مرارا مسؤولون ومحللون إيرانيون.
فالقادة الذين يجري انتخابهم هم تابعون للزعماء الدينيين ، كما أن
أمور السياسة الخارجية تقبع في يد قائد إيران الأعلى آية الله على
خامنئي الذي أعلن تأييده لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة .
وقد أخبرني رئيس أحد أشهر المواقع الايرانية على شبكة المعلومات
أن الاتفاق على التفاوض مع الولايات المتحدة يأتي من القيادة ، وإذا
كان الرؤساء الايرانيون يتمتعون بسلطة تخول لهم التفاوض مع الولايات
المتحدة لفعل ذلك من قبل هاشمي رافسنجاني ومحمد خاتمي بكل تأكيد
.
وهو في ذلك يشير الى عروض سابقة قدمها الرئيسان السابقان في إيران
، ويعزو ذلك الى حد كبير الى تشككاتهم حول عدم دعم خامنئي لموقفهم
.
ولكن حتى وان تبنى خامنئي مثل تلك الدعوات لإجراء الحوار فهل يمكن
أن تُمنح الثقة لهذا النظام ؟
المعروف أن إيران تقدم الدعم لحزب الله ولحماس وترفض الاعتراف بإسرائيل
وتسعى لاثارة الوضع في العراق أما الاوروبيون ومعهم روسيا والصين
فهم يريدون من إيران أن تطمئن المجتمع الدولي حول المخاوف من تحول
برنامجها النووي عن مساره السلمي الى انتاج اسلحة نووية .
وعلى الرغم من ذلك فقد اوضح مسؤولون يعملون تحت رئاسة خامنئي أن
مثل تلك القضايا يمكن طرحها على مائدة التفاوض إذا ما تم توسيع دائرة
المحادثات الخاصة بالقضايا النووية .
وقد أخبرني محمد جعفري نائب علي لارجاني كبير المفاوضين النوويين
في إيران أن الولايات المتحدة بحاجة الى مساعدة من ايران وليس مواجهة
معها ، فإيران هي الطرف الذي يمكن أن يقدم مساعدة في العراق وفي
أفغانستان وسوريا ولبنان واضاف أنه إذا لم تكن الادارة الحالية تدرك
ذلك فربما تدركه الادارة القادمة .
وهذه الثقة في حديث الجعفري تنبع من حقيقة أن حرب العراق قد أضفت
قوة على التواجد الإيراني في المنطقة ، فقد قامت أميركا بإقصاء أكبر
عدوين لإيران وهما طالبان وصدام حسين وأعقب سقوط نظام صدام قيام
حكومة تحت قيادة شيعية تربطها علاقة متينة مع النظام الديني الحاكم
في إيران .
وعلى أية حال فالولايات المتحدة وإيران لديهما مصالح مشتركة تدفع
باتجاه العمل على استقرار الاوضاع في العراق وأفغانستان ( على الرغم
من أن تدخل ايران في العراق كان يسعى الى إيجاد مشاكل للقوات الأميركية
هناك).
وفحوى رسالة الجعفري تشير الى أن الولايات المتحدة بحاجة الى مساعدة
إيرانية في سائر منطقة الشرق الاوسط وبعبارة أخرى فالولايات المتحدة
بحاجة الى الدخول في حوار استراتيجي واسع النطاق مع طهران لا يقتصر
فحسب على العراق أو الأسلحة النووية .
فهل تقبل إيران بالفعل مناقشة المساعدة التي تقدمها لمجموعات تعتبرها
أميركا إرهابية وأن تنهي سياستها المعادية لإسرائيل ؟ وهل تقبل أن
تضغط واشنطن على قضايا تتعلق بحقوق الانسان ؟ الأمر ليس واضحا.
وكذا هل يمكن أن تفكر إيران في تجميد برنامجها النووي ؟ الإجابة
الرسمية حتى الآن هي " لا ".
الشئ الواضح أن إيران تريد اعترافا أميركيا بدورها الجديد كقوة مؤثرة
في منظقة الشرق الاوسط وكما يقول البعض فلو أن خامنئي يشعر أن الولايات
المتحدة لن تقدم تنازلات لإيران فلن يكون لمثل تلك المفاوضات وجود
على أرض الواقع بيد أنه إذا كانت إيران تقبل بالفعل تقديم تنازلات
مشتركة ربما أمكن القبول بالعرض الذي تقدمه، وإلا فالفشل هو النهاية
المتوقعة لمثل هذا الحوار.
ترودي روبين
كاتبة عمود وعضو في اسرة تحرير فيلادلفيا انكوايرر
خدمة كيه ار تي خاص بالوطن
أعلى
الرافضون جحيم الحروب والإرهاب
من بين الذين لم تبتهج لهم وسائل إعلام البنتاغون
كثيرا هؤلاء الرافضون لجحيم الحروب وإرهاب الإدارة الأميركية وأجهزتها
الأمنية والعسكرية، التي شملت جرائمها وفضائحها أركان المعمورة،
والتي لم تتوقف، كديدنها، من إيجاد الذرائع لها. وهؤلاء تزداد أعدادهم
كل يوم، وتحاول الإدارة ليس إخفاء أرقامهم وأسمائهم وأسباب رفضهم
واحتجاجهم على ما وعدوا به من جنات النصر على الأعداء والإرهاب الذي
تمارسه إدارة بوش وحلفاؤها الراغبون معها في التشرف بهذا السجل الدموي،
وحسب، بل وحتى تمنع التوسع في نشر أخبارهم أو تصريحاتهم أو التضامن
معهم.
مثال ذلك ما حصل بخصوص الجنود الذين طلبوا اللجوء بكندا، هربا من
وعود جنة الولايات المتحدة، الذين لم تشر إحصائيات رسمية لهم، إلا
بعد أن أشارت وسائل إعلام إلى أن اكثر من خمسة آلاف عسكري طلب لجوء،
وتسربت أخبارهم عن طريق دوائر الهجرة الكندية. ومثلها لم تنشر أجهزة
البنتاغون المختصة بالتضليل الإعلامي وخداع الرأي العام أي شيء علنا
ويذكر رسميا عن أعداد الجنود الهاربين من الخدمة أو الرافضين الالتحاق
بها لأسباب إنسانية تناقلت أخبار متناثرة عنها، من مثل ما نقل عن
الملازم اهرين واتادا، البالغ من العمر 28 عاما، من وحدة سترايكر
القتالية في سلاح البر من قاعدة فورت لويس العسكرية (ولاية واشنطن،
شمال غرب) الذي رفض أوامر قيادته بالتوجه إلى العراق، إذ اعتبر أن
الحرب غير شرعية ولا يريد المشاركة فيها. وبسبب رفضه العلني وموقفه
وضع قيد الاعتقال في وحدته وحرم من الاتصال الخارجي إلا مع محاميه.
وقالت والدته لوسائل إعلام أميركية ونشر في الأخبار المحلية، انه
تطوع في الجيش لمدة ثلاث سنوات تنتهي في ديسمبر 2006، وانه قدم استقالته
في يناير الماضي، ولكن بيان لجنة الدعم التي نشأت بداية الشهر للدفاع
عن موقفه ذكر أن واتادا هو أول ضابط يرفض علنا أن يتوجه إلى العراق.
(أخبار 24/6/2006). وإذا كانت أسباب رفض هذا الجندي الشاب معبرة
عن موقف إنساني واع ضد احتلال وحروب غير شرعية وإرهاب صارخ بكل المعاني،
فثمة أسباب أخرى تدفع إلى الرفض والاحتجاج، وقد تكون مفارقة في طبيعة
العمل العدواني والتصور عما يقوم به الجنود خارج وحداتهم في ظروف
وشروط حياتية وحالات متناقضة مع كل ادعاءات قيادات البنتاغون والبيت
الأبيض. فقد رفضت جندية أميركية الخدمة بالعراق واتهمت بعض قادتها
باستخدام نطاق الحرب كذريعة لممارسة التحرش الجنسي، حسب صحيفة الغارديان
(21/6/2006). وأبلغت الجندية الأميركية سوزان سويفت البالغة من العمر
21 عاماً الصحيفة أنها تخلفت عن الالتحاق بوحدتها العسكرية حين أرسلت
إلى العراق في مهمة جديدة لأن ذلك يعني العودة إلى (الخدمة نفسها).
وذكرت أنها أبلغت الضابط المسؤول عن الفرص المتساوية في وحدتها بتعرضها
للتحرش غير أنه لم يتخذ أي إجراء، من ثم أجبرت على إقامة علاقة جنسية
مع أحد قادتها استمرت ثلاثة أشهر وجري تهديدها فيما بعد بإرسالها
في مهام خطيرة من قبل قادتها. وأضافت سوزان أن قادة القطعات العسكرية
الأميركية يملكون السلطة المطلقة لحياة أو موت الجنود، مشيرة إلى
أن الضابط أذلها أمام زملائها الجنود بعد أن أنهت علاقتها به وكلفها
بمهام خارج ساعات العمل من بينها تنظيف دورات المياه. فإذا كان هذا
مع جندية أميركية فماذا يفعل هذا الضابط مع الأسرى والمعتقلين وسكان
المناطق المحاصرة أو المتعرضة لهجوم وحدته العسكرية وأسلحتها الفتاكة
وسلوكه الوحشي؟.
هاتان الحالتان ليستا كل ما يعرف وينشر عن الجنود ورفض الحرب مع
اختلاف الأسباب والمبررات، وقد يكون لما تقوم به أمهات الجنود القتلى
من حملات وتظاهرات ضد الاستمرار بهذه الحرب المجنونة واحتلال بلد
آخر، اثر ما على وعي بعضهم أو انتباهات عوائلهم وضغوطها على انتساباتهم
وأعمالهم اللاحقة. وقد كشفت حصيلة دراسة ميدانية، نشرتها وسائل الاعلام
يوم 26/6/2006، أجراها (المركز الأميركي التقدمي) ومجلة السياسة
الخارجية، التي تصدرها مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، أن إدارة واشنطن
الحربية فشلت فيما تسميه مكافحة الإرهاب. واستطلعت الدراسة آراء
مائة شخص من صناع الرأي ومسئولي وخبراء السياسة الخارجية وأيضاً
قطاع من الرأي العام الأميركي، وذلك عبر معيار وضعته الدراسة لقياس
الإرهاب. وبينت أن الولايات المتحدة تخسر الحرب على الإرهاب برأي
84% من صناع القرار والمسئولين، و41% من الرأي العام. وحول ما إذا
كانت الحرب على العراق لها تأثير إيجابي أو سلبي في الحرب على الإرهاب
فإن 87 في المائة من صناع الرأي والقرار قالوا أن الحرب على العراق
لها تأثير سلبي، بينما أيد هذا الرأي 44% من الرأي العام. وشملت
الدراسة أسئلة تتعلق بموضوعات أخرى مثل هل ينبغي إغلاق معسكر غوانتانامو؟
حظي بموافقة 66% من صناع الرأي، و36% من الرأي العام.
لماذا يرفض جنود مهماتهم التي التحقوا لأدائها، ويهرب بعضهم أو يعاني
معاناة نفسية وأعراض أمراض خطيرة تسبب لهم سلوكيات غريبة حتى في
أوساطهم الاجتماعية التي تعرف مثل هذه الحالات أحيانا، وقد انتحر
بعضهم؟، هذه الأحوال مشتركة بين الجنود الأميركان وحلفائهم أيضا،
وقد نشرت وسائل إعلام بريطانية أخبارا عن نماذج أخرى، منها رفض الضابط
البريطاني مالكولم كندال سميث الخدمة العسكرية بالعراق وإعلانه بأنها
حرب غير قانونية وحكم بالحبس والغرامة المالية الكبيرة بالنسبة له،
التي دفعت النائب العمالي المخضرم توني بن للقيام بحملة إعلامية
لمساندته ونصرة قضيته ضد الصامتين والمتواطئين مع قوات الاحتلال
والحروب وإرهاب الدولة الذي تمارسه الإدارة الأميركية وحلفاؤها المعروفون
بامتياز. وسبقه عسكري آخر وأمثاله كثر. إذ أن تصاعد عمليات المقاومة
الوطنية النوعية ضد القواعد العسكرية والوحدات المتوحشة في تصرفاتها
ضد الأبرياء والمدنيين، كما حصل في اكثر من مدينة عراقية طيلة فترة
الاحتلال والإرهاب الأميركي للعراقيين، وشعورهم أو اعتبارهم من قبل
السكان قوات احتلال وغزو وما يقومون به حرب إبادة وجرائم حرب، تزيد
من حالات الإحباط والضغط النفسي وتدفع بأصحاب الضمائر منهم إلى مراجعتها
ورفض الحروب وإرهاب الحكومات الرسمي وإبادة الشعوب، لاسيما وهم يرون
بأم أعينهم خطل حجج قياداتهم وكذب بيناتهم وخداعهم المكشوف، وبراءة
الضحايا.
إن اهرين واتادا ومالكولم كندال سميث وغيرهم يعبرون عن ضمير إنساني
يتزايد باستمرار ضد الحروب والإرهاب ويرفضون أن تسجل أسماؤهم في
قوائم مجرمي الاحتلال والإبادة البشرية، التي لابد أن يأتي يوم محاكمتها
ولات ساعة ندم.
كاظم الموسوي
كاتب وصحفي عربي ـ لندن
k_almousawi@hotmail.com
أعلى

لماذا لا نحترم حياة الإنسان..؟
لابد للعقل الفطن أن يتساءل: لماذا لا نحاول
أن نغير من زوايا منظوراتنا لقراءة نصوص الأحداث، كي نتمكن من الإحاطة
بالمعاني والدلالات الأوسع لكل حدث: فلماذا نبقي منظوراتنا متحجرة،
حبيسة التقليدية المحلية البالية، دون محاولة مواكبة العصر وتقدمه
بما يحمله إلينا من قيم جديدة ـ قديمة كانت حضارتنا الأصل هي منبعها.
للمرء أن يقول هذا وهو يقرأ نصاً ماثلاً للعيان، حيث العدوان الإسرائيلي
على قطاع غزة الذي، بغض النظر عما يؤول إليه كمحصلة نهائية، يقدم
لنا رسالة لابد من أن نقرأها بشيء من بعد النظر المتأني والمتبصر
كي ندرك (وهناك فرق كبير بين أن يعرف المرء شيئاً أو أن يدركه) سياق
نص الحدث الذي يصب في التمييز بين حضارتين، الأولى تمسكت بتحجر المنظور
وبالصيغ المفرغة من معانيها الأصلية بلا قدرة على فحص الحدث من زوايا
مختلفة؛ والثانية تحاول أن تختبرنا من أجل أن نفشل في الاختبار كي
تمرر الرسالة التي مفادها: انظر إلى هؤلاء الذين لا يحترمون حتى
دماء أبنائهم، ناهيك عن قيامهم بالاستهانة بكرامتهم وبحرياتهم وبحقهم
بحياة عزيزة تتناسب وسمو قدر الإنسان.
منظورنا الوحيد الجانب، للأسف، يصب في فكرة مستهلكة، لم تعد مقبولة
عالمياً، تفيد أن الإسرائيليين الذين يغتصبون الأرض الفلسطينية ويوقعون
بأهلنا، العرب المسلمين، هناك أشد أنواع الإضطهاد والحرمان: هؤلاء
الظالمون يهدون الجسور ويهدمون الأبنية ويفجرون المنشآت الكهربائية
ويعتدون بدخول القطاع من أجل جندي إسرائيلي مجرد، كي يحرروه ويستعيدوه.
لذا يخلص خطابنا الوحيد الجانب إلى بلورة إزدواج المعايير وسيادة
الظلم على الحق والحقيقة.
ولكننا إذا ما باشرنا نص العدوان الإسرائيلي على غزة من منظور ثان،
يمكن لنا أن نتشبث بمعان ودلالات جديدة يمكن أن تتركنا (سكارى) الواقع
المرير الذي هوت إليه (أوضاعنا) التي لا تحترم حياة الإنسان ولا
تقدس دمه ولا كرامته. لنلاحظ أن الحكومة الإسرائيلية، بهذا العدوان،
إنما تقدم نصاً ضمنياً يميز بين حضارتين، إذ يقول لسان حالهم: انظر
كم هي ثمينة حياة جندي إسرائيلي واحد، وكم نحن مستعدون لبذل كل شيء
من أجل وجوده وإنقاذه. لنلاحظ أن الإسرائيليين يحملون نصاً حضارياً
غربياً متطوراً، بالرغم من أنهم ليسوا غربيين (جغرافياً) ولا آريين
(عنصرياً)، بل أنهم، كساميين، أقرب إلى شجرتنا العربية من ناحية
الأصول الإثنية. ولكنهم رغم هذا يريدون أن يبينوا للعالم أنهم متمسكون
بقيم حضارة رفيعة مستعدة لفعل كل شيء من أجل إنقاذ إنسان واحد ينتمي
إليها! والفرق في نهاية المطاف يتلخص في: أنتم لا تحترمون الحياة،
ونحن نحترم الحياة، حتى وإن كان رقماً صغيراً في ماكنة عسكرية حرفتها
الحرب التي تؤدي إلى الموت أحياناً. هذا هو المعنى النهائي للإجتياح
الإسرائيلي لقطاع غزة. وللمرء أن يتساءل ببساطة: ما الفرق بين حروب
إسرائيل وحروبنا؟ في حرب الخليج الأولى قُضي على مليون إنسان مسلم
بين العراق وإيران.
إذا ما تناولنا هذا النص من منظور ثان، منظور يأخذ بنظر الإعتبار
صورة دموية (حافلة) في العراق، تكون المحصلة أشد إدانة لما ندّعي
تمثيله من حضارة. لقد أعلن مدير الطب العدلي ببغداد أن (الثلاجات)
المخصصة لحفظ جثث الموتى (وهي 150) لم تعد تكفي لإيواء الجثث التي
تتقاطر على المركز، الأمر الذي اضطر المسؤولين في دائرة الطب العدلي
إلى رمي الجثث المتآكلة والمجهولة الهويات في حديقة وساحة الدائرة،
مما أدى إلى تعفنها، خاصة وإن عددها يقدر بالمئات تحت شمس يوليو
العراقية اللاهبة! هذا هو بيت القصيد الإسرائيلي، إذا ما شئنا توظيف
تعبير عربي أصيل لتحديده: ففي الوقت الذي نرسل فيه شبابنا وبناتنا
للموت بالعشرات، دون أن يحرك ذلك شيئاً من ضمير، هم مستعدون لفعل
اي شيء من أجل روح إنسان واحدة. نحن نفسر السلوك الإسرائيلي بـ(الكيل
بمكيالين)، وهم يحاولون إدانة ذهنية لا تقدر الحياة الإنسانية، بل
هي ذهنية تحتفي بالقتلة وبالذين ينحرون الإنسان على شاشات الفضائيات
كما تنحر الخراف! بل ويذهبون للتعزية بهلاك مثل هؤلاء القتلة رافعين
شعارات لم تعد مقبولة في هذا العصر، درجة أن التعزية بموت (ذباح)
من هذا النوع لم تشمل الجهلة من سواد الناس فقط، لإنها شملت كذلك
أدعياء الثقافة وأدعياء التمثيلية الديمقراطية.
لنلاحظ، من منظور ثالث، قراراً كان قد أصدره الرئيس الروسي بوتن
قبل بضعة ايام على خلفية تعاملنا مع أربعة من دبلوماسيي موسكو بذات
الطريقة التي نتعامل بها مع أبناء جلدتنا، وهي طريقة احتقار الإنسان
وتدمير الحياة. قرار بوتن يمكن أن يكون من أخطر القرارات في تاريخ
رئاسته بولايتيها، ذلك أنه أمر رئيس المخابرات الروسية بالقصاص من
قتلة الدبلوماسيين الروس والقضاء عليهم. ربما لا يقدر البعض خطورة
هذا الأمر، خاصة إذا ما تعاموا عن انه يعني إرسال قوات كوماندوز
مدنية إلى (مجاهل) العراق لاصطياد وقنص الفاعلين واحداً تلو الآخر.
وهذا يعني أن الروس إنما يغامرون بالإحتكاك بالقوات الأميركية التي
تعد هذه المجاهل جزءاً من دائرة سيطرتها الخاصة. ولكن رغم إحتمالات
الإحتكاك بالأميركان لا يمكن للرئيس الروسي أن يترك أرواح أربعة
روس تزهق دون أن يفعل شيئاً، ذلك أنه لو بقي لازماً للصمت لكان الشعب
الروسي له بالمرصاد، ولكان هذا الشعب، الذي يحترم حياة مواطنيه،
سيطرده من الكرملين شر طردة. هذا هو نموذج آخر يجسد الهوة السحيقة
بين طريقة تعاملنا مع أرواح أبناء جلدتنا، وبين طريقة تعامل الحضارة
الغربية (التي نفتخر باحتقارها!) مع أرواح أبنائها.
يتباهى الإعلام الغربي بأنه يحترم كل أنماط الحياة: فهو يحترم حياة
الكلاب والقطط والثعابين، وهو ينشيء الجمعيات والمنظمات، بملايين
الدولارات، لإقامة محميات لأنواع الحيوانات المهددة بالإنقراض. أما
هنا، فنحن ندعي التمسك بالحضارة العربية الإسلامية الجذر، ولكننا
نتصرف مع الحياة بطريقة هي أبعد ما تكون عن قيم حضارتنا الجذر كما
صوّرها صدر الإسلام. إنها واحدة من القصص التي أخبرنا بها معلم التربية
الدينية عندما كنا صغاراً في المدرسة الإبتدائية، وهي قصة الرسول
الكريم (صلى الله عليه وسلم) وهو يقدم بايديه الكريمة شيئاً من الغذاء
لقطة جائعة. لاحظ: أعظم رجل في تاريخ البشرية، ذلك الرجل الذي غيّر
العالم ولوى القبائل التي لا تلتوي، يقدم الغذاء لقطة! فأين نحن
من هذا الأنموذج المحمدي العبقري الفريد.
إن الذي يحدث في عالمنا الذي يتمسح بأذيال الحضارة العربية الإسلامية
الجذر هو أن الإنسان يموت كما تموت الحيوانات في بعض الأماكن، إذ
يلقى بجثته (بعد تعذيبه) على قارعة الطريق؛ وفي حالات أقسى، ترمى
في مياه النهر كي لا يبقى منها شيء يدل على هوية الضحية. ربما تكون
طرائق تعامل الحضارات الراقية مع الحيوانات أفضل بكثير مما نقدمه
لهذه الحضارات من أدوات لإدانة حضارتنا الجذر. فكم هو عدد الأفلام
والقصص التي تتناقلها وسائل الإعلام حول عمليات إنقاذ كبرى من أجل
تخليص قطة انقطعت بها طرق النزول من شجرة عالية، أو لتحرير كلب من
خانق كان قد علق به؟ لنلاحظ أن مثل هذه الحالة، وبمجرد اتصال صاحب
الحيوان المقصود بالشرطة، كافية لأن تتم عملية تعبئة قوات الشرطة
والدفاع المدني وسيارات الحريق من أجل إنقاذ روح الحيوان لتقديمه
إلى صاحبه مع مصافحات ساخنة وقبلة لأنه لم يترك الحيوان يهلك! الصورة
المقابلة تشكل معاكساً جارحاً، إذ تجلس النساء والعوائل لأيام، ليلاً
نهاراً، على شاطيء دجلة وهي تترقب طفو جثمان الابن أو الأخ من المائة
الذين اختطفوا بعد أدائهم واجبهم كموظفين في منشأة نصر الصناعية.
وعودة إلى نص العدوان الإسرائيلي: ماهي الرسالة التي يحاول الإسرائيليون
أن يوصلوها إلينا وإلى العالم؟ وبكلمات أخرى، من الذي يستحق الحياة
والبقاء: نحن أم هم؟ ويبقى للعقول المتيقظة في أمتنا أن تفهم الدرس
وتفقه معانيه.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى