أعلى
ردهات
سُفـَرَاءُ مَعَ مَرْتَبَةِ الشَّرَفِ
أُصِبْتُ بِصَدْمَةٍ وَأنَا أقْرَأ خَبَرَاً
عَلَى إحْدَى الصّحُفِ يَتَحَدَّثُ عَنِ اختِيَارِ رَّاقِصَةِ
سَفِيرَة ً للنَّوَايَا الحَسَنَةِ مِنْ قِبَلِ اليُونِسِيفِ
..
وَجَّهْتُ سُؤَالا ً لِنَفْسِيْ .. ( لِمَاذَا ؟! ) وَوَجَدْتُنِيْ
بَعْدَ أنْ "حَزَّرْتُ وَفَزَّرْتُ" أقُولُ ..
( لِمَا قَدَّمَتْهُ مِنْ خَدَمَاتٍ نَبِيلَة ٍ فِيْ فَنّ هَزّ
الخَصْرِ وَالأرْدَافِ !! خَاصَّة ً فِيْ فَوَازِيرِ شَهْرِ
رَمَضَانَ التِيْ تَنْقُضُ صَوْمَنَا !)وَهُنَا قُلْتُ مَا هِيَ
المَعَايِيْرُ التِيْ تَضَعُهَا اليُونِسِيفُ لاخْتِيَارِ سُفَرَائِهَا؟!
وَأيّ مُسْتَوَى ثَقَافِيّ يُمْكِنُ لِهَذِهِ الرَّاقِصَةِ أنْ
تُقَدِّمَهُ.. وَأنْ تَحْمِلَهُ كَسَفِيرَةٍ تُمَثِّلُ مُجْتَمَعَهَا
.. ؟! كَانَ عَلَيَّ أنْ أتَفَهَّمَ تَنَوُّعَ الخَلْفِيَّاتِ
الثَّقَافِيَّةِ التِيْ تَعُودُ إلَيْهَا اليُونِسِيفُ فِيْ
اختِيَارِ مُمَثِّلِيهَـا ، كَالفَنَّانِينَ وَالرِّيَاضِيّينَ
وَالإعْلامِيينَ مِنْ أمْثَالِ عَادِلْ إمَام، جَاكِي شَان ،
بِيلِيه ، زَين الدّين زِيدَان ، وَبَطَلِ الرَّالِيَّاتِ العُمَانِيّ
حَمَد الوهِيبيّ
لَكِنْ.. رَاقِصَـة !! لَمْ يَكُنِ الأمْرُ يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ
إطْلاقَا ً ..وَعَبْرَ الضَّجَةِ التِيْ أثِيرَتْ حَوْلَ اختِيَارِهَا
فِيْ الصُّحُفِ العَرَبِيَّةِ وَوَسَائِلِ الإعْلامِ وَجَدْتُ
أنَّ الأمْرَ فِعْلاً لا يُبَرَّرُ ..
وَكَانَ أنْ تَزَامَنَ اخْتِيَارُهَا مَعَ اخْتِيَارِ مُنَى
أبُو سُلَيْمَان سَفِيرَة ً للنَّوَايَا الحَسَنَةِ وَالتِيْ
رَكَّزَتْ فِيْ مَعْرِضِ حَدِيْثٍ لَهَا إلَى الرِّسَالَةِ التِيْ
سَتَحْمِلُهَا للعَالَمِ لِتَحْسِينِ الصُّوْرَةِ المُشَوَّهَةِ
للمَرْأَةِ فِيْ بِلادِهَا السَّعُودِيَّة .. فَوَجَدْتُ الفَرْقَ
بَيْنَ مُسْتَوَى الرِّسَالَةِ الثَّقَافِيَّةِ و كِلَتَا المَرَأتَيْنِ
..وَفِيْ ذَاتِ الوَقْتِ .. تَذّكَرْتُ لِقَاءَ المُذِيعَةِ
بَرْوِين حَبِيب مَعَ الفنَّانِ دُرَيد لحَّام .. الذِيْ سَحَبَتْ
مِنهُ اليُونِسِيف مُؤَخَّرَا ً لَقَبَ سَفِيرٍ للنَّوَايَا
الحَسَنَةِ بِسَبَبِ تَصْرِيحٍ لَهُ أبْدَى مُسَانَدَتَهُ للقَضِيَّةِ
الفِلَسْطِينِيَّةِ وَقَالَ: إنَّ نَشَاطَاتِ حِزْبِ اللهِ لا
تُعَدّ إرْهَابَا ً ..
وَهُنَالِكَ سَارَعَتِ اليُونِسِيفُ لِسَحْبِ لَقَبِهَـا عَنْهُ
لِعَيْنَيْ العَزِيزَةِ "اسْرَائِيلَ"
وَأكْبَرْتُ لِدُرِيدَ قَولَه ُ ( يُرِيدُونَنَا - بِلَقَبِهِمْ
ذَاكَ- أنْ نُصْبِحَ جُمَادَاتٍ بِلا قَوْمِيَّةٍ)
ثُمَّ أْكَمَلَ .. ( لا تُهِمّنِيْ ألْقَابُهُمْ ، وَلَنْ تُنْقِصَ
أوْ تَزِيدَ مِنْ قَدْرِيَ شَيْئَا ً .. أنَا دُرَيْدُ قَبْلَ
اللّقَبِ ، وَدُرَيْدُ بَعْدَهُ ) يَبْدُو أنَّ اليُونِسِيفَ
عَدِمَتْ نُخْبَة ً مُجْتَمَعَاتِنَا العَرَبِيَّةِ وَمُثَقّفِيهَ
(بِمَا فِيهِمْ المُمَثِّلُونَ العَرَب ) حَتَّى تُعَوِّضَ دُرَيد
لَحَّام بِرَاقِصَةِ لَيْل ٍ !!
لَنْ أسْتَطِيعَ التِمَاسَ العُذْرِ لَهُمْ وَنَحْنُ نُعَانِيْ
مِنْ ثَقَافَةٍ عَرَبِيَّةٍ مَمْسُوخَةٍ "حَوْلَ المَرْأَةِ
العَرَبِيَّةِ" لَدَيْهِمْ يَزْدَادُ تَشَوّهُهَا بِرَاقِصَاتٍ
سَفِيرَاتٍ يُرَدِّدْنَ بالفَمِ المَلْيَانِ "نَحْنُ عَرَبِيَّاتٌ"
أصْبَحَ عَادِيَّا ً أنْ أرَى عَارِضَة َ مَلابِسَ دَاخِلِيَّةٍ
أوْ مُمَثِّلَة َ إغْرَاءٍ تَحْمِلُ لَقَبَ سِفِيرَةِ النَّوَايَا
الحَسَنَةِ ، فَالفَيْصَلُ هُنَا الشّهْرَةُ لا صُورَة المُمَثِّلَةِ
وَهِيَ مُتَعَرِيَّة ٌ بِالكَامِلِ فِيْ مَشْهَدِ فِيْلْمٍ تُؤدِّيهِ
أوِ العَارِضَةِ وَهِيَ تَظْهَرُ فِيْ غُلافِ مَجَلَّةِ OK بِألْبِسَةٍ
دَاخِلِيَّةٍ فَاضِحَةٍ
وَفِيْ النِّهَايَةِ تَظْهَرُ تَذْرِفُ الدّمُوعَ أمَامَ أطْفَالِ
المَجَاعَاتِ وَهُمْ يَحْتَضِرُونَ جُوْعَا ً ..
أيّ إحْسَاسٍ بِمُعَانَاةِ هُؤُلاءِ يُمْكِنُ أنْ تُظْهِرَهُ
هَذِهِ الأصْنَافُ مِنْ ( سَفِيرَاتِ اليونسيف)
وَأيّ ثَقَافَةٍ يُمْكِنُ أنْ تُقَدِّمَهَا نِسَاءٌ يَتَرَزَّقْنَ
بِأجْسَادِهِنَّ ثَمَنَ المَلايِينِ .. !!هُنَا لَنْ أجِدَ مَا
أقُولُ بَلْ سَأصْمُتُ ..عَلِّيْ حِينَهَـا أسْتَوْعِبُ ثَقَافَة
َ هَزِّ الخَصْرِ وَالأرْدَافِ التِيْ تَسْتَحِقّ سفَارَةَ النَّوَايَا
الحَسَنَةِ مَعَ مَرْتَبَة َ الشَّرَفِ .. !!
عَائِشَـة السَّيْفـِيّ
ufuq4ever@yahoo.com
أعلى
شاطئ آخر
قبل أن تنتهي أمطارالصيف
ها أنت ياصغيري جالس بقربي تشاهد كيف تسقط
أمطار الصيف الغاضبة بغزارة ، ولكن وقبل أن ينتهي سقوطها ...
سأروي لك حكايات سمعتها ، فلعلها تعجبك ... فبعض الكبار يتفرجون
عليها قبل النوم وتعجبهم . ثم أذهب أذا أردت إلى فراشك وداعب
الأحلام بزهرها الذي تجيد غرسه أنامل الأطفال .. بلا أمطار وبلا
صيف .
* * * *
يحكى ياصغيري أن هناك مخلوقا اسمه " شرشبيل " ، وهو
يكره الأطفال ، وكان يكره أيضاً " وردة " وأهلها ،
فوضع الجميع في سجن صغير ، وفي يوم من الأيام ... جاء إلى السجن
وأخذ جرة الماء وشمعة القنديل ، وقال: إن ستة من الشهور لن تضير
... فقد صبرتم من العمر على القليل ، فأصبحت " وردة "
وأهلها تعيش في الظلام ، ولا تعرف حتى قطراتٍ من المياه ...
فصارت " وردة " تذبل .. وتذبل .. وما زالت حتى الآن
تقاسي الذبول .
* * * *
وفي يوم من الأيام .. كانت هناك طفلة اسمها " هدى "
.. وهي مثلك ياصغيري ، تعشق الألعاب ، وتلون الأشياء ببهجة الأفراح
، وتبادل الصغار الضحك والسرور ، وكانت لا تعرف السواد .. في
قلبها الصغير . لكنه جاءها الأعداء .. وقصفت جيوشهم منزل عائلتها
الصغير ، ومات أهلها السبعة ، ... كل ذلك أمام أعينها التي لم
تعرف غير البكاء بأدمع الصغار ، وخرجت " هدى " تبكي
.. وتبكي .. من هول ما رأت ، وكان العالم كله يراها ويسمعها
، وهي تقول :
- " سامحني يابويه .. سامحني يابويه " .
هذه الجملة الأخيرة .. شغلت الجميع ، ومازالوا يبحثون عن سبب
قولها للعبارة .
* * * *
ويحكى ياصغيري أنه كانت هناك أرض ، وقد جائها بعد فترة من الزمن
محتل تسمَّى بما أراد ، وكان يرفع لافتات صفراء يكتب فيها ما
يحلو له من العبارات ، حتى لقبوه بـ " الصفراوي "
. وفي يوم من الأيام سمع رجل من بلاد قريبة عن هذا المحتل ،
فتسمى بـ " الزرقاوي " وجاء ليحاربه .
لم تخبرني ياحبيبي .. ماذا تتمنى أن يكون لونك في الحياة ؟
- أريد أن أكون " البيضاوي " ..
ههههه ... كقلبك الجميل ياعزيزي .
على كل حال .. سأكمل لك القصة ... فاستعاض " الزرقاوي "
من ما كان يفعله المحتل كثيراً .. ودافع بالطرق التي يعرفها
حتى وإن كانت لا تروق لأهل الأرض أحياناً ، وفي المقابل غضب
" الصفراوي " أكثر وراح يفعل ما يريد ، وكأن لسان
حاله يقول " أما أنا أو أنت يازرقاوي " .
وبالصدفة ... عندما كان " الصفراوي " ذات مرة في أشد
غضبه ، وقعت عيناه على منزل صغير ، فأمر بتدميره
ومات " الزرقاوي " .... وظل " الصفراوي "
حياً .
* * * *
وقيل أن حكايات متشابهة تسربت إحداها إلى مكان بعيد ، لكن أحدهم
ذهب إلى هناك وطمئن أهل المكان ، وأخبرهم أن الأرض تعـــيش في
أمن وسلام ... ، فتنفس الأهالي هناك الصعداء وقالوا :
- الحمد لله .
يوسف البادي
كاتب وفنان تشكيلي
alsafnat@hotmail.com
أعلى
عطبة
شب حريق هائل في بقالة الحارة التي يديرها
با خميس كنا خمسة أطفال نتصارع لافتراش (توشق) واحد في ليلة
حارة من ليالي الصيف المطرحية أفقنا على صرخات أمي المذعورة
تأمرنا بالاستيقاظ والوثوب وسرعة المغادرة فدكان باخميس الذي
لا تفصله عن بيتنا سوى شجرة نبق عملاقة يحترق!!
(اخرجوا وانتظروني أمام بيت (ولد تشوك) إياكم أن تتجهوا صوب
الدكان أنا قادمة.. اخرجوا يا كلاب.. اخرجوا فورا.. ماذا تنتظرون)
ركضنا فزعين والبعض منا لا يزال (دهمان) في عز أحلامه والبعض
الآخر مبلل الثياب كانت المرة الأولى والأخيرة التي تطردنا فيها
من البيت.
(العطبة) الرائحة المميزة لاحتراق الخشب والورق والمعادن أزكمت
أنوفنا ونحن نركض كالمجانين لا نلوي على شيء.. تعجبت من إصرارها
على البقاء وسط دائرة الخطر.. لقد بقيت لتستنقذ (كما أخبرتنا
بعد ذلك) جوازات السفر وشهاداتنا المدرسية وبعض الصور العائلية
العزيزة والقليل من البيسات التي كانت بحوزتها ولاشيء غير ذلك.
كنا محصورين بين حارتين مطرحيتين مكتظتين بالبيوت والسكيك والأزقة
الملتوية (اللولوّة) (وكهبون) وكان منظر اللهب المتطاير من الدكان
وجموع الناس تعدو في كل اتجاه وصرخات النساء والأطفال كفيل بإثارة
الفزع في نفوسنا.
تسمّرنا وجلين حيث أمرتنا أن ننتظر.. نعاين لأول مرة في حياتنا
مثل هذا الدخان الكثيف والوهج الأحمر يلتف حول الحارة.. ازداد
قلقنا على أمنا وخوفنا من أن تمتد ألسنة اللهب إلى منزلنا فتحاصر
فيه ولا تقوى على النجاة.. الرجال كانوا يركضون صارخين (بالفنايل
والوزران) وأحيانا بصدور عارية نحو النار يحاولون إخمادها مضت
دقائق من الرعب بدت من قسوتها ساعات عندما دوى صوت انفجار هائل..
وتطاير شرر عظيم إلى ارتفاع خيالي.. لقد كانت أولى اسطوانات
الغاز المنفجرة فالشايب خميس ـ سامحه الله ـ يحتفظ بعدد منها
في دكانه.. ما خفف هول الانفجار علينا ظهور شبح أمي من بعيد
بعباءتها وبصرة قماش صغيرة تعدو بها إلينا وهي تشق الجموع..
وقفت لاهثة على رؤوسنا والدموع تنهمر من عينيها أجهشت بالبكاء
عندما حضنها الصغار صائحين قبّلتنا جميعا شمّتنا واحدا واحدا
وهي تسأل عن كل منا باسمه (هين محمود وهين بدران وحسون وشيخة
وزمزم) ثم رجعت تعدنا من جديد وعندما تأكدت انطلقت بنا هاربة
صوب مخرج الحارة الجنوبي المجاور لمنزل (ولد تشوك) و(كاكاه)
والمقابل (لعريش) (بكوه وأمه روزوك) لقد كانت أمي متأكدة أن
ما يجري مشهد من مشاهد القيامة.. عذاب يصيب الخلق على ذنوبهم.
(قليل إلي يصلي في الحارة الشيوبة وكمين واحد من الشباب بس ..الباقي
بو يسكر وبو يحشش وب يدور يغازل وبو يلعب بالتوفة نهارية وبو
يعذب الهنود ويلت السنانير بحصاة) النار ستشوي كل من في الحارة
شيا إذن وانفجار اسطوانات الغاز هو البداية فقط إيذانا باختناق
الجميع وحدوث سلسلة انفجارات متتالية (فكل بيت يحوي من واحدة
إلى اثنتين من هذه (القنابل) ـ على حد تعبيرها ـ لعن الله من
اخترعها ماذا في خشب الموقد أو (الحل تراب) ألم يكن صالحا للطبخ
لكنهم (العنجريز) لا يريدون خيرا للمسلمين) كنا الأسرة الوحيدة
تقريبا التي تهرب جنوبا في الوقت الذي كان معظمهم ينطلق شمالا
نحو الدكان أو مخرج الحارة الآخر المؤدي إلى طويان اللولوّة
ومدخل حارة الزبادية وعبثا حاولت أمي نصح النساء:
( لا تروحن هناااااك.. الله يصرفكن.. النار بتاكلكن... سمعن
كلامي.. يالعورة شردي مع أولادش.. هين سايرة وسطيت الحريق..
علوهي.. حد يتصل بالمطافي) ولكن لا حياة لمن تنادي امتلأت الأسطح
بالنساء والأطفال يحاولون تبين مشهد جهنم.. بعض الصغار كان يصرخ
ويصفق في فرح معتقدا الشرار الأحمر المتطاير في السماء ألعابا
نارية كتلك التي (تلبق) عادة كل نوفمبر في سماء (الكورنيش) فوق
قلعة مطرح.. انقطعت الكهرباء فجأة.. فغرقت الحارة في ظلام دامس..
عدا التماعات الوهج الأحمر بين فينة وأخرى تشق عنان السماء.
ارتفع لغط الناس وهمهمات الهنود الذين أفاقوا من رقادهم فوق
السطوح المتربة شعثا غبرا وسرى ممتزجا مع نباح جبل كهبون ومواء
سكيك وأزقة الحارات المظلمة وثغاء الأغنام القلقة وسط (زرايب)
مصنوعة من (التشينكو والخشب) نقله هواء مشبع بروائح العطبة وقشعريرة
الخوف أشرفنا على (الباغ) مبتعدين عن دائرة الخطر بعد أن هبطنا
مسرعين من السكة المجاورة لبيت (ولد تشوك) من الجهة الشرقية
وتهادى لنا بين الحقيقة والوهم صوت بعيد من الطرف الآخر من الحارة
كنفير عربة إطفاء. زعقت أمي منتشية: (أووس.. أووس.. سوّو سكوت..
سوّو سكوت.. المطافي لا.. ما كداك؟) هززنا رؤوسنا فحمدت الله
لكن رعبها من اسطوانات الغاز لم يخف.. فواصلت بنا الركض وإن
بوتيرة أبطأ.. إلى أن أصبحنا على مشارف حارة (العريانة) قرب
(الباغ) في منطقة السور المحيط بمزرعة (العمبيري) وبالمرافق
العتيقة التي تضم وسط أشجار النخيل والنبق المعمرة كنيسة ومساكن
وأحواض ماء وملاعب تنس وطواحين هواء تابعة لمستشفى الرحمة الذي
كان ينسب لـ(طوماس) ذات يوم.
مضينا نتقدم حثيثا وأحيانا كانت تتوقف فجأة ثم تصيخ السمع ثم
تتراجع قليلا لتحدق في السماء.. كأنها تنظر في صفحتها عن ظهر
غيب.. ثم تركز في الهواء بأذنيها.. خشية أن تلتقط صوت الموت
يلتهم الجيران الأحباء.. تشجعت فجأة وعادت أدراجها عشرات الأمتار
ونحن نتبعها كالظل وقد أمسك كل منا بطرف من عباءاتها الواسعة
حتى إذا ما انفجر (سلندر غاز) جديد وأحدث دويا هائلا شق الأسماع
ـ أو ما كنا نحسبه كذلك ـ وأعقبه ارتفاع اللهب كثيفا وصرخات
الخلق الغامضة غلبها الخوف على نفسها وعلى (صغيرينها الصغار)
فعادت بنا راكضة في الاتجاه المعاكس مستغيثة بلطف الله القدير
في رجاء باك مؤلم حاضنة أصغرنا بذراعها جارة أخته بيدها الطليقة
وبقيتنا حفاة خلفها نجري كالكتاكيت.
سمير العريمي
قاص عماني
اللوحة للفنان طاهر الحراصي
أعلى
صوت
يا صيف ضيعت اللبن
عزيزي القارئ عندما تقرأ هذه المقالة تكون
آلاف الأميال تفصل بيني وبينك لقضاء اجازتي الصيفية, فهذه المقالة
هي آخر المقالات قبل الاجازة.. وأرجو أن تسامحوني على فترة الانقطاع
القادمة عن الكتابة حتى العودة في بداية الخريف, أعتقد أنكم
في أمس الحاجة إلى اجازة مني, فالرحمة مطلوبة.. ويكفيكم حر الصيف.
(صنصور لا حلـِّك الله / تاكل زرع اليتام / قال الصنصور مب مني
/ هذا يور الحمام).
هذه أغنية شعبية مشهورة من التراث الصوري, والصنصور هو العصفور
الصغير, ومب مني تعني ما مني, ويور تعني جور وظلم.
ويقول المثل العربي القديم: (يا صيف ضيعتَ اللبن) وهو مثل قديم
مفاده أن الصيف أفسد بحرارته الشيء.. والحقيقة أن الأغنية والمثل
يعبران عن التنصل من فعل الشيء الخطأ وإلقاء اللوم على الآخر
الذي هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن السبب، والصيف يبدو لي عنصرا
جيدا لتحميله ما يسوء ويثقل النفس خاصة وأنه سرعان ما يبخر تلك
الاتهامات ويحلق بها للبعيد, ولهذا فهو يبتسم لأنه يعرف بأننا
(نتمحك) به على رأي أهل مصر. ففي الصيف ترتفع الحرارة في كافة
أشكالها: حرارة الجو, حرارة التليفونات وشبكة الانترنت فتتضاعف
الفاتورة وتقفز الأرقام بجنون تصاعدي تسابقي.. فهل اتهم (عمانتل)
بما ليس فيها!!؟ كلا.. لا أظن أنها المسئولة, أعتقد أنه الصيف.
وفي الصيف ترتفع حرارة تذاكر الطيران إلى الضعف وتجس جيبك فتجد
أن حرارته المئوية ملتهبة وتستدعي الطبيب فيكتب لك أن الأمن
مستتب, وأن مسافات الشتاء هي نفسها مسافات الصيف, يعطيك فاتورة
تُذوب استغلال شركات الطيران للموسم, لكنني أشك في كلام الطبيب
وأرفع الشكوى إلى المتهم الأساسي, إنه الصيف.
وفي الصيف تتضاعف أربع مرات أو أكثر فواتير الكهرباء والماء,
حتى لو شغل البيت كله مكيفا واحدا أو حتى لو استبدلوا بماء الحكومة
مضخة البئر, ولا مجال للتساؤل عن السبب والمسبب فهل يعود العجب
العجاب لوزارة الكهرباء والماء؟!! لا أظن.. أعتقد أنه الصيف.
وفي الصيف تجد الصغار في الحواري وقد انقلب لون شعرهم الأسود
إلى أشقر ورمادي ووجوههم البيضاء إلى (بنفسجي) من اللعب في الطرقات
والشوارع في حمأة الشمس, فهل السبب إهمال الأمهات.. أنا شخصيا
لا أعتقد.. إنه الصيف.
وفي الصيف ترتفع حرارة مقالات الكتاب وبالمقابل ترتفع حرارة
المسئولين عن النشر ويسألني القراء ماذا جرى؟ أين المقالات لماذا
لا تحترمين متابعة القارئ, فأرد مدافعة عن نفسي (والله العظيم
أعرف أن بين الكاتب وقرائه حبلا سريا يزداد توثقا مع الأيام
أو ينبت وينفصم تفسخا, لكن أنا لم أقصر في واجبي كتبت بانتظام
وأرسلت مقالاتي حتى وأنا مسافرة.. هل ألقي باللوم على الجريدة؟
أنا شخصيا لا أعتقد بصحة هذا الرأي, ولا أشك في أنه الصيف.
وفي الصيف أقام النادي الثقافي تكريما لكل من شارك في حلقة العمل
الإبداعية التي أقامتها أسرة الكاتبات من ثلاثة شهور تقريبا,
ويحضر رئيس النادي الفخري معالي وزير التربية والتعليم لتكريم
أبنائه الذين وسعهم حلمه ووجهه السمح قبل ابتسامته, لكن كثيرا
من هؤلاء المكرمين لم يحضر وأعضاء مجلس الإدارة جملة ـ الذين
اعتدنا واعتاد النادي غيابهم وبياتهم الصيفي والشتوي والخريفي
والربيعي ـ لم يحضروا كالعادة, الوحيد المضطر للحضور الإجباري
هو رئيس النادي التنفيذي د.الرمضاني ليكون في استقبال ضيوفه
رفعا للعتب, وحتى فريق السنوكر الذي لا يغيب إزعاجه عن النادي
أبدا مع أنه لا ناقة له ولا جمل في ناد اسمه محدد للثقافة فقط
لا للسنوكريين, أقول حتى فريق السنوكر ـ لا حرمنا الله من إزعاجه
الدائم ـ غاب أفراده في ذلك اليوم. فهل نلقي باللوم على مباراة
كأس العالم وانقلاب مفاهيم الأهمية من الرؤوس إلى الأقدام, أعتقد
حرام هذه الاتهامات.. إنه الصيف, إنه الصيف.
أوه.. صدقوني تعبت.. سامحك الله يا صيف..
حقا.. أنتَ وحدك ـ لا أحد غيرك ـ ضيعتَ اللبن.
د.سعيدة بنت خاطر الفارسي
أديبة عمانية
أعلى