الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام



* إذا اشترك جماعة في القتل كيف تجب عليهم الكفارة ؟
** اختلف العلماء في جماعة تشترك في قتل معصوم الدم خطأ أوعمدا ـ على القول بوجوب الكفارة في قتل العمد ـ فقيل: على كل واحد منهم كفارة وهو قول الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعليه أكثر أصحابنا، فقد جاء في الأثر عنهم: أن المرأة إذا أمرت رجلا أن يضرب لها خادمتها فضربها فماتت فعليهما الكفارة جميعا يعتق كل واحد رقبة، فإن لم يقدرا على العتق صام كل واحد شهرين متتابعين .. إلخ، وجاء في بعض آثارهم أيضا: أن السيد إذا أمر بضرب عبده فمات من ذلك فعلى السيد كفارة، وعلى كل واحد ممن قتله كفارة، وكذلك من أمر به، وقيل: بل عليهم جميعا كفارة واحدة، وهو محكي عن الأوزاعي ونسب إلى أبي ثور، وقيل: بالتفريق بين العتق والصيام فإن وجدوا ما يعتقون اشتركوا جميعا في تحرير رقبة، وإلا فعلى كل واحد منهم أن يصوم شهرين متتابعين، وهو المحكي عن الزهري حيث قال في جماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا: عليهم كلهم عتق رقبة، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين، وهذا التفصيل محكي عن أبي المؤثر ـ رحمه الله تعالى ـ من أصحابنا، وأرى أن هذا الاختلاف مبني على اختلافهم في أصل وجوب هذه الكفارة، فقيل: وجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم، وقيل: وجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء، وكان لله سبحانه فيه حق، هو أنه كان عبدا من عباده، يجب له من اسم العبودية ـ صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا ـ ما يتميز به عن البهائم والدواب، يرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت الاسم الذي ذكر، والمعنى الذي وصف.
فبناء على مراعاة أصل وجوبها في القول الأول يترجح القول بوجوب كفارة مستقلة على كل مشارك في القتل، لأن كلا منهم كان منه التفريط في الاحتياط والتحفظ الذي وجبت بسببه الكفارة، وبناء على مراعاة أصل الوجوب في القول الثاني يترجح عدم وجوب غير كفارة واحدة على الجميع، لأن ما ذكر إنما هو في نفس واحدة، فلا أثر لتعدد الذين كانوا سببا لزهوقها ـ بما كان من إهمالهم وعدم احتياطهم من أجل سلامتها ـ في فوات المنافع المشار إليها منها حتى يتوجب على كل منهم الاستقلال بتبعة ذلك.
أما الذين فرقوا بين العتق والصيام فلعلهم بنوا هذه التفرقة على مراعاة ان العتق عبادة مالية، تحيا بها نفس إحياء معنويا بدلا من النفس الفائتة بقتل الخطأ، وذلك بتحريرها من ربقة العبودية، فكان الأنسب أن تجزي فيها رقبة واحدة لحصول الغرض بها، أما الصيام فهو بخلاف ذلك، لأن أثره إنما هو على الصائم بنفسه وكان كل من وقع في هذا الخطأ حقيقا بأن يحرص على هذا الأثر لمحو أثر هذا الخطأ الذي ارتكبه في نفسه، فلذلك قالوا بوجوب استقلال كل واحد منهم بصوم شهرين متتابعين.
هذا ولا ريب أن رأي الجمهور أحوط وأسلم وأورع، ولكن الفتيا إنما تبنى على الدليل الأرجح، والذي يرجح عندي في هذا بالدليل هو قول من أوجب على الجميع كفارة واحدة سواء كانت عتقا أو صياما ودليله أمران:
أولهما: النص وهو قوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) حيث أوجب الله في قتل المؤمن خطأ تحرير رقبة مؤمنة لا أكثر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القتل صادرا من واحد أو من جماعة، فان (من) تصدق على الجماعة كما تصدق على الواحد ـ كما هو معلوم ـ فان قيل: بأن معنى الآية أن هذا الحكم ينطبق على كل من صدق عليه أنه قاتل خطأ ولو باشتراك مع غيره فيجب على كل واحد من الجماعة أن يعتق بنفسه رقبة استقلالا، وكذلك في الصيام، قلت: هذا منقوض بالدية فإنها لا تجب عليهم إلا دية نفس كيفما كان عددهم ، واللفظ الذي أفاد وجوب الدية هو الذي أفاد وجوب الكفارة فكيف يفرق بين حكميهما ؟ مع أنها عطفت على الكفارة وللمعطوف والمعطوف عليه حكم واحد فيما سيق من أجله إلا إن خص الدليل أحدهما بحكم .
ثانيهما: القياس على وجوب الدية، ووجه القياس أن كلا منهما إنما واجب من أجل تلك النفس المقتولة، وقد أجمع الكل على أنه لا تجب في النفس الواحدة إلا دية واحدة، ولو تعدد الذين كانوا السبب في زهوقها، وأن الدية حق المخلوق والكفارة حق الله ولو كان فيها نفع للعباد إن كانت عتقا، والله أولى بأن يعفو فلا يكون ما له مبنيا على التشديد وما لعباده مبنيا على التيسير .
فان قيل: يفرق بين الكفارة والدية، من حيث إن الكفارة إنما تجب على نفس القاتل ودية الخطأ تجب على العاقلة، لذلك تباين حكمهما فلا تقاس إحداهما على الأخرى .
قلت: لا يسوغ هذا تباينا في حكمهما، من حيث إيجاب التعدد في أحدهما دون الآخر، لأن أصل وجوبهما واحد بنص واحد، ولو كان وجود الكفارة على نفس القاتل، ووجوب الدية على عاقلته، على أن ذمة القاتل لا تبرأ من دية القتل الخطأ حتى تسلمها العاقلة، فهب أن أحدا ممن كان منه قتل الخطأ لا عاقلة له، أو له عاقلة لا تملك ما تدي به قتيله ألا يجب عليه أن يديه ؟ ثم إن ما على الافراد أولى بالتخفيف مما على الجماعة .
وإذا تبين هذا فاعلم أن الواجب على الجماعة إن اشتركوا في قتل معصوم الدم خطأ أن يعتقوا رقبة واحدة يشتركون في ثمنها بقدر منابهم في الدية، وإن لم يجدوها فعليهم صيام شهرين متتابعين، يتقاسمون أيامهما بعددهم، فيفطر هذا مع صيام هذا، بحيث لا يكون بين صيامهم فصل كما هو الشأن في صيام الفرد، فإن اختلفوا فليقترعوا، هذا ما تبين لي بعد استفراغي الوسع في هذه المسألة فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله من كل ما خالفت فيه الحق جملة وتفصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


يجيب عن أسئلتكم

سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى




تحويل القبلة
بين الدلالات القرآنية والأبعاد الإيمانية

يضم شهر شعبان حدثا ضخما في تاريخ الاسلام حيث توجهت أنظار وقلوب المسلمين من بيت المقدس الى بيت الله الحرام بمكة المكرمة، وأصبحت الكعبة المشرفة هي قبلتهم التي اليها يتجهون، وفي كل عباداتهم يتوجهون،وعندما ينتصف شعبان يتذكر المسلمون في مشارق الارض ومغاربها أمنية رسولهم الكريم في تحويل القبلة وإذن الله ـ جل جلاله ـ له بالتوجه شطر المسجد الحرام، حيث يروي الهيثمي في مجمع الزوائد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: وددت لو حوّلني ربي الى الكعبة: فإنها قبلة أبي ابراهيم عليه السلام، كان رجاء صادقا، ودعاء خاشعا قابل في الوقت نفسه جوابا حانيا وقبولا عاجل، وسجل القرآن الكريم هذا الإلحاح وذلك التقلب وهاتيك الدموع الغوالي التي انصبت من عيني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى:(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)، فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعاود النظر ويطرق الباب، ويرفع أكف الضراعة، ويلحف في السؤال، ويلح في الدعاء، ويستمطر رحمة الله في أن يحقق دعاءه، ويقبل رجاءه ويعيده إلى قبلة أبيه ابراهيم رمز التوحيد وعنوان الصفاء وينبوع الصدق، يريد أن يستن بفعاله، ويقتدي بأقواله وأعماله وقد اتخذه الله خليلا، وأثنى عليه بأنه كان أمة لله حنيفا، وبأنه الأواه الحليم، ولذلك يروي البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ كما في الصحيحين قال: (كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله ـ عز وجل ـ :(قد نرى تقلب وجهك في السماء ...) الآية، فتوجه نحو الكعبة، فقال السفهاء من الناس ـ وهم اليهود:(ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها)؟ فقال الله عز وجل:(قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم)، فصلى مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، وانه توجه نحو الكعبة، فتوجه القوم نحو الكعبة)، واذا تأملنا هذه الرواية نجد لها عدة دلالات اولها كمال الإذعان وتمام الطاعة من رسول الله لربه ـ جل في علاه ـ فحيثما وجهه توجّه، وحيثما أمره أطاع، وثانيهما انطواء القلب على محبة الكعبة وتمنى التوجه اليها، وثالثهما كثرة القيل والقال وإشعال اوار الفتنة والإخلاء الى حياة الدسيسة وإضاعة الوقت في الكلام، وهذا دأب السفهاء من الناس مؤمنهم وكافرهم، فإن العبادات ليست محلا لقول سفيه او تعقيب جاهل، وانما هي اتباع واقتداء، ومن ثم فقد نعت القرآن الكريم كل من يحاول تشتيت الناس، وتفتيت وحدتهم وشعائر عباداتهم ـ بأنه سفيه، والسفيه هو خفيف العقل مهترئ الفكر خاوي الوفاض فارغ القلب ضعيف الايمان سواء كان من مشركي العرب أم من أحبار اليهود ام من المنافقين، لكن الآية عامة في هؤلاء جميعا فإن (ال) في قوله: السفهاء تحتمل أن تكون عهدية، اي الذين تحدثوا في هذا، وعرفهم الناس، ونزل القرآن ناعتا إياهم، واما أن تكون جنسية تحتمل هؤلاء وغيرهم ومن على شاكلتهم ممن يخوضون في تشريعات الله انتقادا او ردا او تعقييا او تنقيصا او محاولة لاظهار ضعف فيها او التفاف عليها، فهؤلاء سفهاء لأنهم يحاولون الاستدراك على الله، وهم بعض خلقه، ولا يرقى المخلوق إلى معرفة جوهر حكمة الخالق، وقد اختار الامام السدي ـ كما هو في تفسير القرطبي ـ ان الآية عامة في هؤلاء جميعا، ومن ثم اقتضى الامر بيانا شافيا كافيا حتى لا يجترئ أحد في التدخل والتشكيك في بديع تشريع الله، وكان الأولى من هؤلاء ان يتبصروا الحكمة من هذا التحويل،ويعايشوا الأبعاد الايمانية التي تكمن وراءه بدل ان تنطلق السنتهم في إشاعة الفتنة والتشكيك في هذا الامر الإلهي، واستمرأ هؤلاء هذا الجدل وراحوا يملؤون مجتمع المسلمين جدلا، قالوا: وما حكم من مات على القبلة الاولى(بيت المقدس) قبل ان تحول قبل البيت الحرام؟ فنزل القرآن الكريم دامغا رؤوسهم، ومرسيا مكانة هؤلاء وحسن عبادتهم،وأنه ـ جل في علاه ـ لا يضيع صلاتهم ولا يحرمهم اجرها (وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) وسمى الصلاة ايمانا لأنها تؤسس الايمان في القلوب وتحيي قضية التوحيد وجلال الصلة وصفاء الاتصال، وهي سبب قبول سائر الأعمال، فإذا صلحت صلح سائر العمل، واذا فسدت فسد سائر العمل، وهي معراج المؤمن الى مولاه.
والمتأمل في دلالة قوله تعالى :(قد نرى تقلب وجهك في السماء) تتمثل له رقة قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ وسمو الأدب، فهو يكثر النظر الى السماء، وقلبه يكثر الدمع الى رب السماء منتظرا امره بانتقال أمة الاسلام إلى البيت الحرام، كما ان من دلالات الالفاظ في الآية كثرة العبادة واستمرار الدعاء وقيومية الله ـ سبحانه ـ وعلمه مجال عباده لحظة بلحظة، ومن ثم تاتي الفاء الفصيحة او الرابطة التي تبين سرعة استجابة الله لحبيبه:(فلنولينك قبلة ترضاها) بما تحمله من توكيدات كثيرة، ثم عقبت الآية بالأمر الصريح والقول المريح:(فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)، ثم إن هؤلاء السفهاء تدخلوا فيما ليس لهم لأن لله ـ تعالى ـ ان يفعل في كونه ما يشاء، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فهو ـ سبحانه ـ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فكيف يتجرؤون ويهرفون بما لا يعرفون؟! قال تعالى:(قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم) فهو ـ سبحانه ـ يملك المشارق والمغارب، ويوجّه الناس الى ما يصلحهم ويهديهم الى الطريق القويم، ومن هنا فإن الدرس الذي يجب أن نخرج به هنا هو أن الله وحده ـ جل جلاله ـ هو الذي له حق التشريع والتغيير والتبديل، وليس ذلك لأي أحد مهما علا كعبه في الفكر والنظر، كما انه لا يجوز لأي انسان مهما أوتي من قوة البصر وشفافية البصيرة ان يستدرك على الله، او يعقب على حكمه او يتأبى على تشريعه كما ان على المسلمين أن يحذروا من المضللّين والمشككين وأرباب الفتن وأساطين الجدل وإلا يلتفوا إلى أي نعرة تصدر من هنا او تسمع من هناك فإن المخذلين كثر وأن الاصغاء اليهم ضعف في الدين واهتزاز في العقيدة وخدش في الرجولة الايمانية، وان مجرد الشك في كلام الله أو تشريعه هو محض سفه وعلامة جهل وشارة فجور لابد ان يتنزه المسلم عنه، وأن ينفض يده منه، وأن يرى ربه أنه وقاّف عند حدوده، متّبع رسوله، مخبت أواه.
لكنّ المتتبع لبعض روايات الآية وأسباب نزولها تتضح له دلالات أخرى وأبعاد ايمانية كثيرة، ففي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب قبلة ابراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل الله ـ عز وجل:( فولوا وجوهكم شطره) أي نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل:(قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم) على ان الامام القرطبي يحكي في تفسيره عن عكرمة وابي العالية والحسن البصري ان التوجه الى بيت المقدس كان باجتهاده ـ صلى الله عليه وسلم، ولكنه لما كان يكثر الدعاء والابتهال ان يوجه الى الكعبة ـ اجيب إلى ذلك.
فالرسول يحب أن يوحد الأمة في توجهها فاجتهد وتوجه الى بيت المقدس غير أنه اراد للأمة اختصاصا وتفردا فراح يقلب وجهه في سماء الله حتى يمُنّ عليه بأن يكون له بيت يتوجه إليه ولا يكون فيه تابعا لأحد من الناس فحقق الله أمنيته، وأوصله إلى غايته وطلبته.
والعجيب الذي يعطينا صورة من صور صفاء الإذعان ونقاء الايمان ان المسلمين كانوا قد صلّوا من الظهر ركعتين متوجهين إلى بيت المقدس فلما نزلت الآية تحولوا في الركعتين الآخريين ـ وهم راكعون ـ الى البيت الحرام وكان ذلك في مسجد بني سلمة فسمّي لذلك بمسجد القبلتين قالت نويلة بنت مسلم: إنهم قد جاءهم الخبر وهم في صلاة الظهر قالت: فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، اترى أسمى من ذلك علاقة وكمال اخبات، ثم إن أهل قباء لم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم التالي ـ كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر ان يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا، إلى الكعبة، وفيه دليل على ان الناسخ لا يلزم حكمه الا بعد العلم به وان تقدم نزوله وإبلاغه، كما أن فيه دليلا على قبول خبر الواحد، وفيه كذلك تكريم للمسلم حيث أنزله الاسلام منزلة سامية ومكانة عالية في توقير خبره واحترام قوله، وفي ذلك تقوية لقيمة الضمير، واستنهاض للنفس المؤمنة وإيقاظ لمشاعر الإيمان والاعتلاء بقضية الرقابة الذاتية وطهارة الباطن.
*إن تحويل القبلة من القدس الى مكة المكرمة فيه تعرية للأساليب الماكرة وفضح للفئة الباغية التي فطرت على الدسائس وطبعت على المكر والخديعة وجبلت على الدس والوقيعة ، رغم انها ترصد الجهود الجهيدة والاموال العديدة لكن الله يخيب لها الآمال ولا يريح لها البال فهم يبغونها عوجا وينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله،( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون).
*كما ان هذا التحول ليس تحولا في المكان فحسب ، وانما هو انتقال كلي واختصاص تام لهذه الامة المسلمة التي سيؤول اليها امر التوجيه والارشاد لهذه البشرية التعيسة ، استقلال بشخصيتها واستقلال بقبلتها ، استقلال بشريعتها المصدقة لشرائع ماسبقها من ديانات والهيمنة على كل ما بين يديها من رسالات السماء ، انها مستقلة بمنهجها الجامع المانع ، وبتصورها الخاص بالوجود وبرب الوجود وبالحياة وحقيقتها، انه تميز واختصاص لأمة قدر لها ان تكون خير الأمم التي اخرجت للناس ، الأمة التي حملت على اكتافها هداية البشر وارشاد الخلق الى طريق الحق ، فلا تكون تابعة في توجهها لاحد ولا سائرة خلف غيرها من بني البشر انما لها شخصيتها في مطعمها ومشربها وملبسها وعبادتها تقود ولاتقاد ، وتتبع ولا تتبع وتسود ولا تساء ، لانها احسنت فهم رسالتها وقدرت معنى وجودها ، فهي اولى ان تكون متبوعة لاتابعة سائقة لا مسوقة ، وفي توحد قبلتها ما يثني بذلك ولذلك فهي مرشحة لقيادة الناس مع ما في ذلك من تكاليف باهضة في النفس والمال والشعور والسلوك ، فحياتها حياة جهاد ، وطريقها طريق تضحية واستشهاد.
*إن تحويل القبلة يضع دلالة قرآنية وبعدا ايمانيا يتضح من خلاله طبيعة المعركة التي كان يخوضها القرآن الكريم ، ومن ورائه الجماعة المسلمة ، كما انه يبرز كذلك طبيعة الغاية التي كان يستهدفها في بناء الامة المسلمة ، فهي معركة ضخمة وحرب شرسة تجاه تلك الدسائس وهاتيك الألاعيب والفتن ، وهذا التلبيس وذاك الكذب كما انه يبين من جانب آخر هذا الضعف البشري الذي قد تدخل عليه مسارب الفتنة ومداخل الغواية لكن القرآن الكريم وسط هذا كله يقرر معركة البناء والتوجيه لما ينبغي ان تكون عليه الأمة المستخلفة في الارض ، وما يتطلبه ذلك من صبر وعناء وجهاد وتحمل وشقاء في سبيل الوصول الى تربية النفوس تربية قادرة على قيادة الارض والأخذ بزمام التوجيه حتى يظل القرآن الكريم هو القائد الحقيقي لهذا الكون ، والدستور الشامل الكامل الذي تتخذه الأمة المسلمة منهج حياة ونظام مجتمع وقواعد تعامل دولي ، ومنهاج سلوك أخلاقي وعملي وهو عين المقاصد وجوهر المطالب الإيمانية كما انه قلب هذا الدين وفؤاد قيمه وتعاليمه.
*إن من دلالات القرآن في هذا الحدث الكبير ـ تحويل القبلة ليلة النصف من شعبان ـ ان يتميز صادقوا الايمان من مدعيه ، انه فصل وتمييز لمن تغلغل الايمان في فؤاده ممن اضطربت عقيدته وفسدت فطرته ، وارتكست طبيعته ان ضعاف الايمان يقعون عند اول ابتلاء واهون امتحان ، فتراهم يتفلتون من دينهم ، ويتنكرون لشرعة ربهم ولذلك قال تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله) فالأصل في هذا الدين الاتباع ، وجمال الدين الاتباع كما ان جمال الدنيا في الابتداع فالذي شرع التوجه هناك هو الذي سن الانتقال الى هنا ، والرسول لا ينطق عن الهوى ، ولا يتأخر لحظة عن اتباع أوامر الله ، ومقتضى ذلك ان يصغي لله على فعله ويسارع الى قوله ، غير ان اناسا لا يعرفون معنى الاقتداء ولا يحسنون فهم قضية الاتساء ، فيأتي هذا التحول ليضع الناس امام محك الايمان وجلال التقوى ويظهر النفوس العلية ويميزها عن اهل النفاق والشقاق والفسوق والعناد هؤلاء الذين خلت حياتهم الا من الثرثرة والكلام والجدال والخصام ، لا يثبتون وعند اول امتحان يتزعزعون وعند ابتداء المحنة يتراجعون ولدينهم وربهم ورسولهم يتنكرون وبشرعه لا يعملون.
*ومن دلالات هذا التحويل للقبلة هو قضية التيسير على المسلمين من العرب وتوجيههم الى القبلة التي كانوا يعظمونها وألفوا تقديسها في ايامهم الاولى حيث نقل عنهم انهم درجوا على تعظيم البيت الحرام ، وكانوا يدورون حوله ويخشون بأسه ، ويضربون القداح عنده ، فنزل القرآن ملبيا رغبتهم محققا رجاءهم وشوقهم ولهفتهم الذائبة وحنينهم الدفاق في التوجه لهذا البيت العتيق ، فطابت النفوس واستقرت القلوب واستقلت الشخصية.
*ولعل من دلالات الحدث الايمانية ان هذا التحول انما هو تحول الى الملة السمحاء والشرعة الغراء ملة ابراهيم حنيفا ، فهذا البيت الكريم الذي بناه ابراهيم وابنه اسماعيل بأمر من ربه ليكون خالصا لله ورمزا لتوحيد الوجوه والقلوب والمشاعر والتوجهات وليكون كذلك تراثا لهذه الامة المسلمة التي نشأت عليه تلبية لدعوة ابراهيم الخليل ربه ان يبعث فيهم رسولا منهم (بالاسلام الذي كان عليه هو وبنوه وحفدته) فالعودة الى المسجد الحرام ليست عودة شكلية للدوران حول احجار انما هي عودة للأساس الذي انشئ البيت من اجله وهو التوحيد الخالص والتزكية الصحيحة والتوجه الرشيد والحياة الراقية الطاهرة ، وحسن الامتثال وجميل الأسوة وكمال الاقتداء ومن ثم كثر تقلب الوجه في السماء ، وانصبت المآتي بالبكاء واظهر القلب النقاء والصفاء .
*وربما كان من كبريات الدلالات القرآنية والايمانية لهذا التحول ان العرب كانوا يعتبرون المسجد الحرام عنوان مجدهم القومي ، ورمز عروبتهم العاربة فهم ارباب البيت وموضع نظر الناس ، وذوو المكانة التي بها يتفاخرون ، لكن الله تعالى يريد تربيتهم واستخلاص قلوبهم وتجريدها من التعلق الا به ، وتخليصها من كل نعرة قبلية وعصبية جاهلية لغير المنهج الاسلامي المرتبط بالله ـ عز وجل ـ لابد من التخلي عن كل ملابسة عنصرية او تاريخية او ارضية والتحلي بكل الروابط السماوية والإلهية ، ومن هنا نزعهم القرآن نزعا من الاتجاه الى البيت الحرام اولا الى بيت المقدس فخلصت نفوسهم من رواسب الجاهلية وطنطنة القومية العربية والاعتزاز بالاقليمية ، ليظهر من يتبع الرسول اتباعا مجردا واقتداء خالصا من كل ايحاء او انتماء مهين الى الالتجاء ـ الى القوي المتين ، والاعتزاز بهذا الدين ، فيكون اتباعا واثقا ، واقتداء خالصا ، لنفس مطمئنة بما تؤمن به وتعمل له وتتوجه اليه ، وتطرح دبر اذنها الاعتزاز بغير الله ، والولاء لسواه لا تتشبث بجنسية او تاريخ او عرق او دم بقدر ما تتوحد حول الدين ، وتلتف حول رسول رب العالمين ، وبعد ان اذعن المسلمون وتعلموا ان الانتماء الحقيقي لا يكون الا لله ، وان الأوطان هي مساجد لله ، فحيثما كان ديني كان وطني ، فوطني هو الكون كله لانه مسجد لله ومتعبد لجلاله وكبريائه ، ومتنزل هداه ـ حين تخلصوا من هذه النعرات الارضية كلها وشفت نفوسهم وصفت قلوبهم حولهم الى ما كانوا يرنون اليه وتحن حبات افئدتهم له وهو المسجد الحرام ، اول بيت وضع للناس ، وهو محل هدى للعالمين (ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين..) فلا عجب ان يحتفل المسلمون اذا انتصف شعبان بهذا الحدث الجلل الذي عرفنا شيئا من دلالاته القرآنية ، وبعضا من ابعاده الايمانية وتكررت الأوامر بالتولي شطر المسجد الحرام ، اما للتأكيد لانه اول ناسخ وقع في الاسلام على ما نص عليه ابن عباس وغيره ، او لعل التكرار منزل على احوال الاول لمن هو مشاهد للكعبة ، والثاني لمن هو في مكة غائبا عنها ، والثالث لمن هو في بقية البلدان والأصقاع والبقاع ، ويمكن الرجوع في حكمة هذا التكرار الى تفسير الفخر الرازي ـ رحمه الله ـ نسأل الله ان يبصرنا بحكم دينه ودلالات شرعه ، وان يكتبنا في عداد من ادرك رجب وعاش في شعبان وبلغه الله رمضان ، وتقبل منه الصيام والقيام وتلاوة القرآن وسائر الاعمال وان يجعلنا أهلا لدخول الجنان ورضا الرحمن ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
د. جمال عبدالعزيز احمد
كلية دار العلوم جامعة القاهرة ومعهد العلوم الشرعية ـ مسقط


 

أعلى



إنما الأعمال بالخواتيم

غاية كل مؤمن في هذه الحياة الدنيا:أن يُحسن الله له خاتمته, فيموت على التوحيد وهذا الأمر يحتاج إلى طول مثابرة , ومداومة على عمل الصالحات , مع الدعاء باستمرار والطلب من الله تعالى : أن يتقبل منه هذا العمل , وأن يُحسن له الخاتمة يقول الله تعالى مبيناً لنا صورة العبد عند احتضاره ومفارقته لهذه الحياة الدنيا ( كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق , وظن أنه الفراق , والتفت الساق بالساق , إلى ربك يومئذ المساق ) تعالوا لنتصور حالة العبد عند هذه اللحظة وقد اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, من الذي يصعد بروحه , وهل كان هو صالحاً أم فاجراً ؟هل كان مؤمناً أم كافراً ؟ والله تعالى وحده هو الذي يعلم بحال عباده في هذه اللحظات العصيبة,ثم تعالوا نتفكر في أهل هذا العبد وكأنهم يتنادون فيما بينهم : هل من يرقيه لحظاته هذه ؟ هل من يُسعفه ؟ والغرغرة قد وصلت إلى الحلقوم,( والتفت الساق بالساق), تعالوا لنتفكر في حال هذا الإنسان الذي كان يتباهى يوماً بقوته وصحته يملأ الأرض حركة وحيوية سرعان ما يصير طريح الفراش,غريب وسط الأحياء,هذا هو شأنه لا يستطيع حراكاً وفي هذه اللحظات قد اجتمع أهله حوله وكلهم يبكون , لكن بكاءً أشبه بالبكاء على النفس , قبل أن يكون بكاءً على الراحل كما قال أحد الصالحين عند وفاته وقد أفاق من غيبوبته قال لأهله ( كلكم يبكيني لنفسه , فمن الذي يبكيني لنفسي ؟ من الذي يبكيني لما أنا مُقبل عليه) والإنسان وهو يودًع هذه الدنيا نجده ينتقل من شدة إلى شدة,من حياة إلى موت,من حياة لها أحكامها إلى موت له أحكامه هل يا ترى سينشغل في لحظاته هذه بأموال أم بأولاد ؟ أو بجاه أو بقصور أو بمنصب قد حازه , كل هذا إن لم يكن في طاعة الله يكون وبالاً على صاحبه , ويكون مبعث ندم وحزن لأنه عاين الأمور على حقيقتها وأتته الملائكة لقبض روحه.وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عن هذه الحالة التي يكون عليها العبد ( فإذا كان العبد مؤمناً أتته ملائكة بيض الوجوه,كأن وجوههم شمس,يجلسون منه مدً البصر,ويحييه ملك الموت فيقول:يا أيتها الروح الطيبة,أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان . فتخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من فيً السقاء , يأخذها ملك الموت ولا تدعها الملائكة بيده طرفة عين , يضعونها في ذلك الكفن الذي هو من أكفان الجنة , وفي ذلك الحنوط الذي هو من حنوطها,ويخرج منها ريح طيبة كأطيب ما وجد على ظهر الأرض ويستفتحون له ويصعدون بها في السماء الدنيا , حتى يصعدون بها إلى السماء السابعة , فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين , ثم أعيدوه إلى الأرض , فمنها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أُخرجهم تارة أخرى , فتعاد الروح إلى الجسد ويأتيه ملكان فيُجلسانه , ويسألانه : من ربك ؟ وما دينك ؟ ماذا تقول في الرجل الذي بُعث فيكم ؟ فيقول : ربي هو الله , وديني الإسلام , والرجل الذي بُعث فيً هو محمد صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدقت.فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة , وافتحوا له باباً إلى الجنة , يأتيه من ريحها وطيبها , ويأتيه رجل طيب الوجه طيب الريح , طيب الثياب فيقول له : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير. فيقول له : أنا عملك الصالح فيقول رب:أقم الساعة , حتى أرجع إلى أهلي ومالي , أما حال الكافر فهو بخلاف ذلك . رواه الإمام أحمد , وأبو داود . على كل مسلم ومسلمة أن ينظر لنفسه , وينظر إلى هذه اللحظات العصيبة ويعمل من أجل أن يُنجيه الله تعالى , ويسأل الله دائماً حُسن الختام , وهذا يتأتى بالبعد عن اللعب واللهو والانشغال بما هو زائل , وهناك حقائق يجب على كل عاقل أن ينتبه لها فلم يبقى من عمرك أيها الإنسان إلا اليسير , وأنت بين أجلين . بين أجل قد مضى لا تدري ما الله فاعل فيه , وبين أجل قد بقي لا تدري ما الله حاكم فيه فهذا في علم الغيب , وكلنا سيواجه مصيره لا محالة , هذا يتناول كتابه بيمينه , وهذا يتناول كتابه بشماله , وستعرض صحائف الأعمال على البشر وفيها كل ما حدث من البشر , وعندها يقول المجرمون ( ما لهذا الكتاب لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً ) الكهف 49 ثم إننا لا ندري : هل سنأخذ كتابنا باليمين أم بالشمال ؟ فواجب علينا أن نسأل الله تعالى كثيراً أن يعطينا كتابنا باليمن وأن يُحسن لنا الخواتيم .أخي المسلم الكريم : إننا ينتظرنا موقف رهيب , وحقائق لابد من وقوعها , فهناك موت , وقبور , وآخرة وصراط وميزان , وغدا سينكشف الغطاء , وكل إنسان على قدر عمله سيأخذ من الله تعالى الجزاء فنسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ممن أحسن الله خاتمتهم . واجب على كل مسلم أن يُحسن في عمله والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا فهو القادر على كل شيء وهو بكل شيء عليم , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
إبراهيم السيد العربي .

أعلى




الأطفال والكذب

يولد الأطفال على الفطرة النقية ويتعلمون الصدق والأمانة شيئا فشيئا من البيئة إذا كان المحيطون بهم يراعون الصدق فى أقوالهم ووعودهم ... و لكن إذا نشأ الطفل فى بيئة تتصف بالخداع وعدم المصارحة والتشكك فى صدق الآخرين فاغلب الظن أنه سيتعلم نفس الاتجاهات السلوكية فى مواجهة الحياة وتحقيق أهدافه ، والطفل الذى يعيش فى وسط لا يساعد فى توجيه اتجاهات الصدق والتدرب عليه ، فإنه يسهل عليه الكذب خصوصا إذا كان يتمتع بالقدرة الكلامية ولباقة اللسان وإذا كان أيضا خصب الخيال... فكلا الاستعدادين مع تقليده لمن حوله ممن لا يقولون الصدق ويلجئون إلى الكذب وانتحال المعاذير الواهية ويدربانه على الكذب من طفولته فإن الكذب يصبح مألوفا عنده .
وعلى هذا الأساس فان الكذب صفة أو سلوك مكتسب نتعلمه وليس صفة فطرية أو سلوك موروث و الكذب عادة عرض ظاهرى لدوافع وقوى نفسية تحدث للفرد سواء أكان طفلا أو بالغا. وقد يظهر الكذب بجانب الأعراض الأخرى كالسرقة أو الحساسية والعصبية أو الخوف . وقد يلجأ بعض الآباء إلى وضع أبنائهم فى مواقف يضطرون فيها إلى الكذب وهذا أمر لا يتفق مع التربية السليمة كأن يطلب الأب من الابن أن يجيب السائل عن أبيه كذبا بأنه غير موجود... فان الطفل فى هذه المواقف يشعر بأنه أرغم فعلا على الكذب ودرب على أن الكذب أمر مقبول كما يشعر بالظلم على عقابه عندما يكذب هو فى أمر من أموره كما يشعر بقسوة الأهل الذين يسمحون لأنفسهم بسلوك لا يسمحون له به .
ولكى نعالج كذب الطفل يجب دراسة كل حالة على حدة وبحث الباعث الحقيقى إلى الكذب وهل هو كذب بقصد الظهور بمظهر لائق وتغطية الشعور بالنقص أو أن الكذب بسبب خيال الطفل أو عدم قدرته على تذكر الأحداث .والبيت مسئول عن تعليم أولادهم الأمانة أو الخيانة. وغالبا ما يقلق الوالدين عندما يكذب طفلهم أو ابنهم المراهق .
وهناك أنواع من الكذب منها:
1- الكذب الخيالي
حيث يلجأ الأطفال الصغار (من سن 4 إلى 5 سنين) إلى اختلاق القصص وسرد حكايات كاذبة. وهذا سلوك طبيعي لأنهم يستمتعون بالحكايات واختلاق القصص من أجل المتعة لان هؤلاء الأطفال يجهلون الفرق بين الحقيقة والخيال.

2- كذب الدفاع عن النفس
وقد يلجأ الطفل الكبير أو المراهق إلى اختلاق بعض الأكاذيب لحماية نفسه من أجل تجنب فعل شيء معين أو إنكار مسئوليته عن حدوث أمر ما. وهنا ينبغي أن يرد الآباء على هذه الحالات الفردية للكذب بالتحدث مع صغارهم حول أهمية الصدق والأمانة والثقة.
3-الكذب الاجتماعي
وقد يكتشف بعض المراهقين أن الكذب من الممكن أن يكون مقبولا في بعض المواقف مثل عدم الإفصاح للزملاء عن الأسباب الحقيقية لقطع العلاقة بينهم لأنهم لا يريدون أن يجرحوا شعورهم. وقد يلجأ بعض المراهقين إلى الكذب لحماية أمورهم الخاصة أو لإشعار أنفسهم بأنهم مستقلون عن والديهم (مثل كتمان أمر هروبهم من المدرسة مع أصدقائهم في أوقات الدراسة).
4-كذب المبالغة
وقد يلجأ بعض الأطفال ممن يدركون الفرق بين الصراحة والكذب إلى سرد قصص طويلة قد تبدو صادقة. وعادة ما يقول الأطفال أو المراهقون هذه القصص بحماس لأنهم يتلقون قدرا كبيرا من الانتباه أثناء سردهم تلك الحكايات.
وهناك البعض الآخر من الأطفال أو المراهقين ممن يكونون على قدر من المسئولية والفهم وبالرغم من ذلك يكونون عرضة للكذب المستمر... فهم يشعرون أن الكذب هو أسهل الطرق للتعامل مع مطالب الآباء والمدرسين والأصدقاء. وهؤلاء عادة لا يحاولون أن يكونوا سيئين أو مؤذين، لكن النمط المتكرر للكذب يصبح عادة سيئة لديهم.
5-الكذب المرضي
كما أن هناك أيضا بعض الأطفال والمراهقين الذين لا يكترثون بالكذب أو استغلال الآخرين. وقد يلجأ البعض منهم إلى الكذب للتعتيم على مشكلة أخرى أكثر خطورة... على سبيل المثال يحاول المراهق الذي يتعاطى المخدرات والكحوليات إلى إخفاء الأماكن التي ذهب إليها، والأشخاص الذين كان معهم، والمخدرات التي تعاطاها، والوجه الذي أنفق فيه نقوده.
6-الكذب الانتقامي
فقد يكذب الطفل لإسقاط اللوم على شخص ما يكرهه أو يغار منه وهو من أكثر أنواع الكذب خطرا على الصحة النفسية وعلى كيان المجتمع ومثله وقيمه ومبادئه، ذلك لان الكذب الناتج عن الكراهية والحقد هو كذب مع سبق الإصرار، ويحتاج من الطفل إلى تفكير وتدبير مسبق بقصد إلحاق الضرر والأذى بمن يكرهه ويكون هذا السلوك عادة مصحوبا بالتوتر النفسى والألم . وقد يحدث هذا النوع من الكذب بين الاخوة فى الأسرة بسبب التفرقة فى المعاملة بين الاخوة ، فالطفل الذى يشعر بان له أخا مفضلا عند والديه ، وانه هو منبوذ أو اقل منه ، قد يلجا فيتهمه باتهامات يترتب عليها عقابه أو سوء معاملته ...كما يحدث هذا بين التلاميذ فى المدارس نتيجة الغيرة لأسباب مختلفة .
ماذا تفعل عندما يكذب الطفل أو المراهق؟
يجب على الآباء أن يقوموا بالدور الأكبر في معالجة أطفالهم. فعندما يكذب الطفل أو المراهق، ينبغي على والديه أن يكون لديهم الوقت الكافى لمناقشة هذا الموضوع مع أبنائهم وأجراء حديث صريح معهم لمناقشة:
- الفرق بين الكذب وقول الصدق.
- أهمية الأمانة فى المعاملات فى البيت والمجتمع .
- بدائل الكذب
كذلك من المهم أن نتعرف عما إذا كان الكذب عارضا أم عادة عند الطفل وهل هو بسبب الانتقام من الغير أو أنه دافع لاشعورى مرضى عند الطفل وكذلك فان عمر الطفل مهم فى بحث الحالة حيث أن الكذب قبل سن الرابعة لا يعتبر مرضا ولكن علينا توجيهه حتى يفرق بين الواقع والخيال، أما إذا كان عمر الطفل بعد الرابعة فيجب أن تحدثه عن أهمية الصدق ولكن بروح من المحبة والعطف دون تأنيب أو قسوة كما يجب أن تكون على درجة من التسامح والمرونة ويجب أن تذكر الطفل دائما بأنه قد أصبح كبيرا ويستطيع التمييز بين الواقع والخيال .
كما يجب أن يكون الآباء خير مثل يحتذى به الطفل فيقولون الصدق ويعملون معه بمقتضاه حتى يصبحوا قدوة صالحة للأبناء .وجدير بنا ألا نكذب على أطفالنا بحجة إسكاتهم من بكاء أو ترغيبهم فى أمر من الأمور فإننا بذلك نعودهم على الكذب ...وعن النبى (ص) انه قال " من قال لصبى هاك (أى اقبل وخذ شيئا ) ثم لم يعطه فهى كذبة "
كذلك يجب عدم عقاب الطفل على كل خطأ يرتكبه مثل تأخر عودته من المدرسة أو زيارة لصديق بدون إذن أو القيام بعمل بدون علم والديه فانه سيضطر للكذب هروبا من العقاب، وليكن فى كلامنا لأطفالنا التوجيه والنصيحة ،ولكن قد نلجأ إلى العقاب أحيانا .
إثابة الطفل على صدقه فى بعض المواقف فذلك سيعطيه دافعا إلى أن يكون صادقا دائما ، وإشعاره بثقتنا فى كلامه ، واحترامنا وتقديرنا له .
أن نقص لأطفالنا قصصا تعطى القدوة ، وهناك قصصا عن صحابة رسول الله (ص) كثيرة ، وأدبنا العربى غنى بمثل هذه القصص .
أن يكون لنا دور فى اختيار أصدقاء أطفالنا من خلال معرفتنا بأهلهم ومعرفة انهم على خلق كريم ، فصديق السوء قد يدفع بصاحبه ليس إلى الكذب فقط إنما إلى تصرفات كثيرة مرفوضة .
وأخيرا إذا اعتاد الطفل على الكذب كنمط مستمر فى سلوكه وأقواله فيجب حينئذ طلب الحصول على مساعدة متخصصة من طبيب نفسى . إن استشارة الطبيب النفسى المتخصص سوف يساعد الأبناء على فهم أسباب هذا السلوك المرضى وعلى وضع التوصيات المناسبة للتعامل مع هذه المشكلة فى المستقبل.

 


أعلى




كيف تكتسب الثقة في نفسك ؟

إن الثقة بالنفس هي طريق النجاح في الحياة، وإن الوقوع تحت وطأة الشعور بالسلبية والتردد وعدم الاطمئنان للإمكانات هو بداية الفضل وكثير من الطاقات أهدرت وضاعت بسبب عدم إدراك أصحابها لما يتمتعون به من إمكانات أنعم الله بها عليهم لو استغلوها لاستطاعوا بها أن يفعلوا الكثير.
وإليك بعض الخطوات التي يُمكن بها التخلص من كثير من الأفكار والمشاعر السلبية في حياتك، سواء كانت في الفكر أو السلوك أو الأخلاق أو العادات أو الكلمات أو غيرها ؛ لترفعها من على كاهلك وتحرر نفسك من وطأتها وتنطلق بالنفس نحو الحياة بثقة أكبر وآمال مشرقة أوسع.
1- حدد - بتجرد وبلا مبالغة - أهم الأفكار والصفات السلبية في حياتك.
2- أفراد كل فكرة أو صفة على حدة.
3- فكّر فيها تفكيراً منطقياً تحليلياً يؤدي إلى معرفتها وذلك بمعرفة أسبابها وحقيقتها وهل هي واقع حقيقي فعلاً أو وهم وخيال.
4- إن كانت من الأوهام فحرر نفسك منها وإن كانت واقعاً حقيقياً فتخلص من أسبابها وقلصها إلى أدنى قدر ممكن، وأعلم أن الصفة كلما كانت أكثر رسوخاً في حياتك كلما كانت استبعادها يحتاج لجهد أكبر وزمن أطول.
5- اربط ذهنك وفكرك بشكل مركز - وليكن في لحظات صفاء وبعد عن الشواغل والقلق - بموقف إيجابي مهمّ في حياتك مستعيداً كل تفاصيله من صوت وصورة ومشاعر وأجواء محيطة، فإذا بلغت الذورة من النشاط الذهني والارتياح النفسي والانشراح القلبي وغبت عن واقعك أو كدت فحرك شيئاً من جوارحك حركة معينة متميزة تماماً كأن تكبر أو تسبح أو تهلل مشيراً مع ذلك بأصبعك إشارة خاصة، وليكن هذا الموقف مثلاً خبر نجاحك أو يوم زواجك أو ليلة قمتها لله أو سماعك خبراً ساراً للمسلمين أو أول يوم رأيت فيه أحد الحرمين أو نحو ذلك.
6- كرر ذلك مرات ومرات حتى يرتبط هذا الموقف الإيجابي بكل مشاعره وتداعياته النفسية والشعورية بهذه الحركة آلياً فبمجرد صدور هذه الحركة منك تنتقل آلياً إلى تلك الحالة النفسية الإيجابية العالية، وإن لم تتذكر الموقف المادي الذي كان سبباً لها.
7- إذا وردت عليك أي من تلك المشاعر أو الأفكار السلبية في أي موقف فما عليك إلاّ أن تغمض عينيك قليلاً وتخرج من تلك الأفكار ثم تتخيل أمامك لوحة كتب عليها بخط بارز ولون صارخ كلمة (قف)!.تأمل هذه الكلمة بعض الوقت وكرر النظر فيها مرة بعد أخرى حتى كأنك لم تعد ترى غيرها.
8- تجاوزها بنظرك متخيلاً وراءها حدائق غناء وأنهاراً جارية وطيوراً مغردة ونسيماً من الهواء عليلاً وتمتع به قليلاً كل ذلك وأنت مغمض لعينيك.
9- انتقل إلى المثير الإيجابي وحرك الجارحة التي أصبحت مفتاحاً له كما في الفقرة رقم (5) واستغرق فيه قليلاً حتى تتبدل حالتك النفسية وتختفي مشاعرك السلبية تماماً.
10- عد للتفكير فيما كنت فيه من شأن ومن عمل.
11- إذا عادت الأفكار السلبية للإلحاح مرة أخرى فتوقف عن العمل تماماً في هذه اللحظات، وعش فقط في ذكريات الحالة الإيجابية.
12- لا تنس اللجوء إلى الله ابتداءاً ونهاية ؛ لأنه هو الذي أضحك وأبكى، فبالتوبة والاستغفار ودوام ذكر الله تحيا القلوب.

المصدرـ حتى لا تكون كلاً - عوض القرني



أعلى




النصيحة وليست الفضيحة

( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) هكذا قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذا فكل إنسان معرض للخطأ ومعرض للمعصية ولكن لابد من التوبة التى تمحو هذه المعصية والذى تلبس بالمعصية فإنه يحتاج إلى من يستره وينصحه ولا يسبه ويفضحه فمن تكلم مع أخيه سرا فقد نصحه ومن كشف ستره علانية فقد فضخه ، وإذا كانت مصائب الدين أعظم من مصائب الدنيا فالعاصى أشد احتياجا إلى النصيحة ممن نزلت به مصيبة فى دنياه ، ومن ستر مسلما ستره الله تعالى فى الدنيا والآخرة .
حدَّث يزيد بن الأصم : أن رجلا كان ذا بأس وكان يأتى الوفد إلى عمر أمير المؤمنين لبأسه وكان هذا الرجل من أهل الشام وأن عمر سأل عنه فقيل له تتابع فى هذا الشراب فدعا عمر كاتبه فقال اكتب : من عمر بن الخطاب إلى فلان سلام عليك فإنى أحمد الله الذى لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم دعا وأمن من عنده ودعوا له أن يُقبل على الله بقلبه وأن يقبل الله توبته فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول : غافر الذنب ، قد وعدنى ربى أن يغفر لى ذنبى ، وقابل التوب ، ووعدنى ربى بقول توبتى ، شديد العقاب ، وقد حذرنى ربى من عقابه ، ذى الطول ، والطول هو الخير الكثير ، لا إله إلا هو إليه المصير . فلم يزل ي" فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووفقوه وأعينوه وادعوا الله أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوان للشيطان عليه إن الذى فعله أمير المؤمنين عمر رضى الله تعالى عنه هو الدعوة والدعاء فقد دعاه إلى الله تعالى بالحكمة ثم دعا الله له هو ومن معه فلم يفضحه ويشهر به ويشوه سمعته على الملأ بل أعانه بالرفق واللين حتى يخرج مما هو فيه ويتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا
وهذا ما يؤكده أبو عبيدة بن الجراح عن أبيه حيث قال إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبا فلا تكونوا أعوانا للشيطان عليه وتقولوا اللهم اخزه اللهم العنه ولكن سلوا الله له العافية فإنا أصحاب النبى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كنا لا نقول فى أحد شيئا حتى نعلم على ما يموت ، فإن ختم له بخير علمنا أنه قد أصاب خيرا ، وإن ختم له بشر خفنا عليه وقال رباح بن عبيدة كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز فذُكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه فقال عمرا مهلا يا رباح إنه بلغنى أن الرجل ليظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفى حقه فيكون للظالم عليه الفضل وهذا من عمق فقه عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه حيث أن القاعدة التى يتربى عليها المؤمن هى حفظ اللسان وطهارته من السباب والبذاءة والفحش فهذا لا يليق بالمؤمن حتى ولو كان هذا لمثل الحجاج فالبذاءة والفحش لا ترفع الظلم ولا تصلح الظالم إنما يصلحه مثل ما حدث من عمر بن الخطاب وما أكده أبو عبيدة بن الجراح وما وضحه عمر بن عبد العزيز ومما رواه الإمام البخارى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : أُتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم برجل قد شرب خمرا قال ( اضربوه ) قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم : ( لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان ) فهنا لم يغضب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من ضرب الرجل بالنعل وإنما غضب حينما سبوه وذاك إن السب باللسان ربما يكون أشد على النفس من الضرب بالنعال ويكون ذلك عونا للشيطان على العبد فيكره الحق وينفر من أهل الطاعة ويستوحش من بيئة الإيمان ثم يكون مدعاة لشياطين الأنس التى تتلقفه فى أحضانها وتهوى به فى أوحالها وتأخذه معها إلى قاع المعصية والغفلة . وتأمل معى ما حدث فى عهد عمر رضى الله تعالى عنه روى الشعبى أن رجلا أتى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين فقال إن لى ابنة كنت وأدتها فى الجاهلية فاستخرجناها قبل أن تموت فأدركت معنا الإسلام فأسلمت فلما أسلمت أصابها حد من حدود الله تعالى فأخذت الشفرة لتذبح نفسها فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها فداويناها حتى برئت ثم أقبلت بعد بتوبة حسنة وهى الآن تُخطب إلى قوم فأخبرتهم من شأنها بالذى كان ، فقال عمر أتعمد إلى ما ستر الله فتبديه والله لئن أخبرت بشأنها أحد من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار بل زوجها زواج العفيفة المسلمة .فهذا هو فقه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعا هذا هو الفقه الصحيح الدقيق لحقيقة النصح لكل مسلم وستر العورات وعدم اتخاذ معاصى العباد ذريعة لفضيحتهم وكشف ستر الله عليهم وهم بذلك يعطونهم الفرصة للتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى وفى هذا أكبر صلاح لحالهم وشأنهم. كما كان بغضهم للذنب لا للمذنب فهم يكرهون المعاصى بجميع ألوانها وصورها ولا يكرهون العاصى لشخصه ولا لذاته بل يكرهونه فقط لتلبسه بالمعصية فإذا تركها عادت أخوة الإيمان ومحبته لسيرتها الأولى.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم
أنس فرج محمد فرج


 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept