الشاعر والناقد المغربي محمد
بودويك لـ(أشرعة) :
أؤمن بجمالية التجاور الشعري البلاغة بمفهومها
القديم لم تعد شرفة على عالم جديد ننشده
الشعر المتميز يتكئ على تجربة الشاعر الحياتية والروحية
واللغوية
حاوره ـ إيهاب مباشر :محمد بودويك
.. شاعر وناقد مغربي .. جمع بين الفعلية الشعرية والنقدية
.. أستاذ وباحث حاصل على شهادة الدكتوراة في الأدب العربي
الحديث والوحدات النقدية في الشعر .. يؤطر للكتابة والشعر
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بفاس فضلا عن أنه عضو
ببيت الشعر في المغرب وعضو اتحاد كتاب المغرب وعضو في جمعيات
ونواد أخرى .. نشر في جميع المنابر العربية والمغربية والملاحق
الثقافية كالعلم والاتحاد الاشتراكي وملحق البيان وغيرها
من الملاحق ونشر في مجلات عربية كمجلة نزوى ومجلة عمّان
بالأردن .. أصدر إلى الآن مجموعتين شعريتين .. الأولى (جراح
دالمون) والثانية (يتبعني صفير القصب) وفي غضون هذه الأيام
سيصدر عن اتحاد كتاب المغرب ديوان بعنوان ( قرابين ) وقد
نشر كتابا نقديا للشاعر الفلسطيني المناصرة وهي أطروحة جامعية
نشرت العام الماضي بالأردن عن دار مجدلاوي .. شارك في العديد
من الأمسيات ومنها كتابته الأخيرة ( إشكاليات قصيدة النثر
) إلى جانب ثلة من الشعراء والنقاد العرب .. التقته ( أشرعة
) وكان الحوار التالي ..
* كيف لك أن تشتغل على مجالي النقد والإبداع الشعري في آن
واحد ؟
** في الحقيقة هو مجال يفضي إلى آخر وفي رأيي الخاص أنه
لا يمكن للآخر أن يحتاز أدوات الكتابة الشعرية دون القراءة
في كتب التراث الشعري العربي والعالمي وهذا يعني أن دخولي
مجال النقد الأدبي وبالخصوص الشعري وتناولي مجموعة من التجارب
الشعرية العربية والمغربية لأنني لا أقرأ فقط الشعر العربي
مع أن الشعر العربي مجال فسيح وبالتالي فإن قراءتي في التجارب
العربية تعطيني فكرة أولية ولا أقول شاملة بل إنها فكرة
، أكاد اقول إنني مطلع على التجربة الشعرية الراهنة ، فأنا
لا أرى تناقضا بين الفاعلية والممارسة النقدية وبين الممارسة
النصية كشاعر ففي أحيان كثيرة أزاوج بينهما ، فإنني أكتب
الشعر وتجدني أنتقل إلى كتاباتي النقدية ومن النقد إلى الشعر
، وأذكر أن ما أثرى تجربتي الشعرية هو متابعتي الحثيثة لما
ينشر هنا وهناك ، ومن خلال قراءاتي السابقة لتجارب الشعراء
الكونيين بلغتهم الأصلية وأحيانا باللغة الانكليزية وإن
كنت أتقن اللغة الانكليزية إتقانا كاملا ، وأستطيع أن أقرأ
بها كبريات القصائد الشعرية العالمية بالإضافة إلى قراءة
تراث الشعر العربي الحديث في شكله التفعيلي أو شكل قصيدة
النثر ، لأنني لست من الذين يقطعون بين هذين الشكلين لأنني
أؤمن بجمالية التجاور الشعري .
* هل تجيء قصيدة النثر بديلا عن قصيدة التفعيلة ؟
** جاءت قصيدة النثر لا كإبدال كما يزعم البعض لقصيدة التفعيلة
بقدر ما هو مقترح جمالي آخر يسير جنبا إلى جنب مع قصيدة
التفعيلة .
* هل الوزن الشعري أو الإيقاع بشكل عام قيد على قصيدة التفعيلة
وهل للشعراء التفعيليين حضور في الساحة الشعرية ؟
** الشعراء التفعيليون لهم صولتهم في الساحة الشعرية العربية
، عندنا الشاعر الكبير محمود درويش والشاعر الكبير سعدي
يوسف والشاعر الكبير عفيفي مطر ، وهو من جيل الستينيات وهو
يمارس قصيدة جديدة تستشرف الآفاق المستقبلية وهو يستند على
تراث شعري كبير ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقفز على
هذه التجارب الشعرية الرائدة ، فهؤلاء يكتبون بالشعر التفعيلي
الخالص وهم لا يفكرون أن يكتبوا قصيدة النثر نظرا لأنهم
يقترحون كتابة جديدة رغم أن أغلبهم ستيني وقد جاءوا بعد
تجربة المؤسسين الرواد لكنهم استطاعوا داخل شعر التفعيلة
أن يحققوا فتوحات عظيمة وهذا دليل على أن الوزن الشعري أو
الإيقاع بشكل عام ليس قيدا كما يدعي الكثيرون ، بل إذا كان
الشعر يمتلك ناصية اللغة وكانت له موهبة حقيقية وكانت تجربة
عميقة في الحياة فإنه يستطيع أن يأتي بالجميل والمدهش داخل
ما يسمى بهذا القيد الذهبي ، وطبعا هناك قصيدة النثر التي
لا تخلو من الإدهاش .
* تسود الآن في الأوساط الثقافية موجة عارمة يدعي فيها البعض
أنه يكتب شعر النثر .. هل هذا يعد استسهالا لهذا الشكل من
قبل البعض ؟
** ليس كل من يكتب قصيدة النثر شاعرا ، فهناك الكتبة وقد
عبرت عن ذلك في كثير من المحافل الأدبية وإنني أقول عن هؤلاء
المدعين بأنهم ( كتبة ) الذين يأتون إلى الشعر وكأنهم يلعبون
باللغة ، لكن ليس بالمعنى الإيجابي ، فإنهم يلعبون ويخطئون
ويكتبون شذرات سريعة وبعد ذلك يقولون إنهم يكتبون قصيدة
النثر ، نعم هناك شعراء حققوا الإبهار في هذا الشكل الجمالي
ولا يتسع المجال هنا لذكرهم جميعا ، ولكن نذكر منهم على
سبيل المثال أنسي الحاج ، الماغوط ، عباس بيضون والآن في
المغرب جيل من الشباب الذين يكتبون قصيدة النثر .
* .. وبأي شكل يكتب بودويك قصائده ؟
** بجميع هذه الأشكال وخصوصا هذين الشكلين الشعريين الإيقاعي
التفعيلي والنثري ، لماذا أقول بأن هناك الكثير من المدعين
يكتبون القصيدة دون أن يكونوا شعراء ؟ والإجابة ببساطة لأن
هذه التجربة تقتضي أدوات خاصة وإلماما عميقا باللغة والبلاغة
بمفهومها الجديد ، وليس بمفهومها التقليدي القديم وبالانفتاح
على تجارب الشعراء الكبار واختراق هذه التجارب والإتيان
بما نراه في حياتنا اليومية وحتى الالتقاط اليومي العابر
، وبأن ننظر إلى الأشياء في حيادية ، دعني أقول من يدرك
بعد قصيدة النثر العميق وأهميتها كمكون تشكيلي في قصيدة
النثر الآن ، قصيدة النثر تتطلب من صاحبها أن يضاعف من وعيه
ومن يقظته مرتين ، الأولى يجب أن يكون على وعي تام بأنه
يكتب شعرا جديدا وهذا يترتب عليه التفكير الجدي فيما يقدم
عليه ، ثم كيف يستجلب لهذه القصيدة الجديدة ذلك الإيقاع
الجديد الذي لابد لكل شعر منه ، فلا يمكن أن نتحدث عن شعر
دون إيقاع متعارف عليه عند العرب ، وفي الغرب أيضا هو موجود
في الوزن والبحور الشعرية ، وقصيدة النثر تحاول أن تبقي
على البحور الصافية وهذا أمر محتوم .
* ولكن كيف يمكن لقصيدة النثر أن توفر إيقاعا لهذا النص
الجديد ؟
** يقتضي البحث عن جماليات اللغة وجماليات اللفظ ، عن جنس
الكلمات ، عن معرفة بالتوازي في اللغة ، والبحث عن إيقاع
المعنى داخل النص وكيف يتحرك هذا الإيقاع داخل النص ، وكيف
يوحي للقارئ بأن نصه موزون وهذا رهان لا يستطيعه الشعراء
الذين يكتبون ويعون أنهم يقدمون على فتح آخر جديد ، يقترحون
كتابة أخرى ، يقترحون أفقا آخر للكتابة ، يقترحون جماليات
أخرى ، وتوصيفا آخر للشعر وللعلاقات والعالم.
* تطرقت في حديثك عن البلاغة إلى تعريف مستحدث لها .. هل
لنا أن نتعرف عليه ؟
** البلاغة بالمفهوم القديم واضحة ، فهناك البديع الذي يتمثل
في المحسنات اللفظية والمعنوية وهناك علم البيان الذي نختزله
في الصور والمجاز والاستعارة والتشبيهات والبلاغة بهذا المفهوم
القديم معروفة ، ولنا الآن أن نتجاوز البلاغة بهذا المفهوم
القديم وهي البلاغة المصمتة أو الإسمنتية ، إن جاز لنا أن
نطلق عليها ذلك ، وهي لم تعد شرفة على عالم جديد ننشده وإن
كانت مناهج التربية والتعليم في معظم بلادنا ما زالت تبقي
على البلاغة بهذا المفهوم وما زالت مقررة على طلبة العلم
وهذه مفارقة أخرى ، فكيف نتحدث عن قصيدة النثر وبلاغات جديدة
في حين أن البلاغة القديمة ما زالت تبسط ظلالها على كل الأنظمة
التعليمية في العالم العربي ، وهذه دعوة للقائمين على الأنظمة
التعليمية في وطننا العربي لإدخال قصيدة النثر الجديدة وهو
ما كتبه المؤسسون لقصيدة النثر وبالتالي تقريب الناشئة من
هذا اللون من الشعر بما يحويه من بلاغة جديدة . والمفهوم
الجديد للبلاغة هو أن تجعل للقصيدة غموضا ماسيا يجعل القارئ
في شغف لمعرفة ما بين السطور بعيدا عن اللغة الساذجة وهو
أن يدرك ذلك المعنى البعيد الذي لا يدرك إلا بالفطنة وأن
يدرك طالب العلم أن هناك نهجا جديدا في الكتابة وأن هناك
لعبا شعريا على مستوى الإيقاع ، كما يؤدي المعنى بالصورة
الشعرية وهذا يقتضي التفكير بما سبق وأن نبني عليه والتوازي
بين السطور الشعرية كما أن استعمال علامات الترقيم استعمال
حازق يدخل في مفهوم البلاغة الجديدة ، وقد تنبه النقاد الجدد
إلى علامات الترقيم وكيف أنها تلعب دورا رئيسيا في بناء
الإيقاع الذي يدخل ضمن قصيدة النثر وليس الإيقاع الذي يرتبط
بالبلاغة القديمة ، فهناك إيقاع جديد يكمن في هذه العلاقات
، يكمن في التوازي ، يكمن في تشغيل اللغة داخل النص من خلال
التجانس اللفظي .
وهناك حيل أخرى في الكتابة منها الاشتغال على فضاء الورقة
وهذه بلاغة جديدة أيضا ، لا أراهن على الاشتغال المجاني
على الفراغ وهو أن يكتب الشاعر سطرا واحدا في فضاء أبيض
ويقول إن هذا شعر ، والإيقاع الباقي يخلقه البياض الدائر
بالسطر ، عندما نضع سطورا معينة ونقسمها على شاكلة معينة
داخل فضاء ورقي معين بشكل أفقي أو عمودي أو مقطع تقطيعا
معينا ، ينبغي أن يكون وراءه مجهود جمالي وهناك أيضا تشغيل
العين وهو أيضا اشتغال على بلاغة جديدة في الكتابة الشعرية
وهي استدراج القارئ إلى التعامل مع الورقة ومع بياضها الفادح
، أو بياضها الموحي ، لأن سطرا واحدا داخل الورقة البيضاء
يطرح أكثر من سؤال على قارئ معين ـ هذا إن كان الشاعر يدرك
لعبته تماما ـ دائما ما أعود إلى إدراك الشاعر لوعيه الجمالي
بهذه العملية ، وربما نترك الصفحة بالبياض مع السواد وعلامات
الترقيم ، وهناك الصورة الصادقة في الشعرية الحديثة المعاصرة
، وهي صورة فيها مقالب لغوية وفيها ما لا يتصوره القارئ
، ففيها ما يخلق لدى القارئ الإدهاش والإبهار ، وقد جرت
العادة بأن تقول ( لسان أبكم ) لكن أن تقول ( لسان أعمى
) فهو العمل على إيجاد صور مغايرة تماما ، ومن ضمن بلاغة
قصيدة النثر الجديدة أنها تطرح أسئلة على القارئ ، إذا لم
تطرح ولم تدفع القارئ إلى طرح أسئلة حائرة على ما يقرأ فلا
أعتقد أن قصيدة النثر حققت مطلبها ، من مطالب قصيدة النثر
المعاصرة طرح السؤال ، قديما كان القارئ يتمم ما يقرأ قبل
نهاية القصيدة ، وكان الشاعر ينشد قصيدته وأنت تتصور ما
سيقوله بعد قليل ، لأنه كانت هناك قواف تستدرجك وتكون هناك
تداعيات معينة ، أما الآن فلا ، هناك نص معين يخيب توقعاتك
وانتظارك ويتحداك ، وهذا التحدي هو الرهان الجديد للقصيدة
.
* عندما تناولت الشكل الجديد للقصيدة بمكوناتها البسيطة
هل قصدت أن تكون على شاكلة قصيدة الهايكو اليابانية ؟
** عندما تحدثت عن شكل جديد للقصيدة بمكوناتها البسيطة فهذا
لا يؤكد أنني أقول إنها تكون على شاكلة قصيدة الهايكو اليابانية
، قصيدة الهايكو لها فلسفتها الجمالية الخاصة بالشعب الياباني
العريق ، نظرا لأن الهايكو تطرح صورا غريبة وهي ممتدة ولها
جذورها في التراث الشعري الياباني ولكنها تدهشك بعصريتها
وحداثتها ومعاصرتها . ترجم قصيدة الهايكو شعراء من العراق
وسوريا ، فقصيدة الهايكو فيها إدهاش وجمال وروعة ، تكاد
تقول إن هذه القصيدة هي ما يتعاقب عليه الكتاب العرب الآن
، إنهم يكتبونها كل بطريقته ، وإذا أمعنا النظر نجد أن هؤلاء
الكتاب كتبوا الهايكو من زمن وهي كأنها تطرح علينا بلاغة
جديدة ، وهي تجربة يابانية معينة مع الكون ، مع الحياة ،
وقصيدة الهايكو مكونة غالبا من ثلاثة أبيات وهي قصيدة (
ومضة ) حاول بعض الشعراء العرب كتابتها وقد اقتربوا من مناخها
، وهي تجربة جديدة ومتفردة يمكن أن نستفيد منها ، وقد حاول
بعض الشعراء خوض هذه التجربة والسير على منوالها ولكنني
أقول دائما إنها متفردة وإذا قارنا ما يكتبه الشعراء العرب
على شاكلة هذه القصيدة على مستوى القاعدة وعلى مستوى الشكل
، فقصيدة الهايكو مترجم للطبيعة والحياة والنبات والثلج
والنبع وأشياء جميلة ، يمر عليها الإنسان العادي مرور الكرام
ولكن هؤلاء الشعراء بتجربتهم الروحية الشعرية العميقة استطاعوا
أن ينقلوا تلك المشاعر الدقيقة الرقيقة وأن يلتقطوا ما يمر
عليه العابر ويجعلون من الشيء البسيط شيئا مركبا بشكل بديع
وهو شعر رائع ومتفرد ولا يمكن الاقتراب منه ، فهو إعجاز
شعري والشعراء مدعوون إلى قراءة هذه التجربة بعمق ، ليس
في محاولة لتقليدها ، بل محاولة النسج على هديها ، وما أحوج
الشعر العربي إلى محاورة الشعرية العالمية لأن الانغلاق
يجعلنا خارج التاريخ وخارج المسار الشعري.
* وماذا عن إصداراتك الشعرية ؟
** في الحقيقة أصدرت كثيرا من المجموعات الشعرية وستصدر
لي قريبا مجموعة من المقاربات النقدية التي قرأت فيها تجربة
سعدي يوسف وهي منشورة في مجلة عمّان الأردنية ، كما قرأت
تجربة مجموعة من الشعراء المغاربة والعديد من تجارب الشعراء
بمصر والعراق والأردن ومصر وأيضا قرأت قصائد النثر لتجارب
الشباب ، من يكتب قصيدة النثر هم من الشعراء الشباب وأقرأ
تجارب مغايرة كثيرة ، فأنا أعتبر من المحسوبين على الشعراء
السبعينيين والبعض من الشعراء يحسبني على الشعراء الثمانيين
مثل نجيب العوفي وهو ناقد مغربي وهناك الشاعر صلاح أبو سريف
الشاعر المغربي المتميز وهو شاعر ثمانيني ويعتبرني أيضا
من شعراء الثمانينيات ، ويدخلني في زمرة هؤلاء وإن كنت أنا
شخصيا لا أرى نفسي لا هنا ولا هناك ، فأنا أكتب الشعر فقط
ولا أجد ضرورة لإدخالي في نفق زمني معين لأن الشعر يتجاوز
الزمان والمكان ، إذا كان الشعر حقيقيا ، فالمتنبي ينتمي
إلى زمان غير الزمان ومكان غير المكان ، ولكن شعره باق إلى
الأبد .
* وماذا عن منهجك النقدي ؟
** لم تتعرض كتاباتي إلى الآن إلى نقد النقد ، فالذي يؤخذ
على النقد أنه ربما يكون متسرعا أو أنه يجانب الحقيقة ويترك
النص ، فأنا دائما ما أؤمن في كتاباتي النقدية أن الكلمة
الأولى والأخيرة للنص لا للمنهج ، على العكس من البعض الذين
يستعملون المناهج ، فمنهم من يستعمل المنهج التشكيلي في
قراءة النصوص الشعرية ، ومنهم من يستمد إلى البنيوية أو
الشكلانية أو اللسانيات بتفرعاتها الجديدة الآن ، فيكتبون
في المناهج ويتركون النص ، أنا أحاول ـ في تقديري وربما
الاخوان من الشعراء يدركون هذا ـ ألا أكتب عن الشاعر ولو
كان صديقي إلا من خلال النص لأنه هو الذي يتحكم في كتاباتي
وهو الذي يسيرني ويوجهني ، وكما تعاملت مع المناصرة في أطروحة
جامعية من خلال نقدي له ، وعندما قرأ المناصرة الكتاب أعجب
به واعتبره من الكتابات الأساسية التي عرفت بتجربته ، وقد
زيل ناصر الدين الأسد وهو من كبار علماء الأردن ورئيس مجمع
اللغة العربية وهذا يعد بمثابة الاعتزاز لي بأن يزيل الكتاب
عالم كبير من علماء العربية ، فناصر الدين الأسد عندما قرأ
الكتاب قال إن بودويك وفق في أن يستطيع أن يرحل عبر هذه
النصوص الشعرية واستطاع أيضا أن يفتح أبوابا أمام القارئ
ليدخل هذه التجربة الثرية لعز الدين المناصرة وهذه شهادة
في حق كتاباتي وأعتبرها قلادة لأن عز الدين المناصرة يعرف
ما يقول وهذا يعيدني إلى التذكير بأن النص هو الأول والأخير
في الحكم على الشاعر ، فإذا كان النص مائعا ، رجراجا وغير
متين وغير قوي شعريا ، فأنا لا أخاف لومة لائم في أن أقول
ذلك ، وأذهب مباشرة إلى الجوانب التي فيها نقص لغوي أو شعري
أو فكري وأقول إن هذا النص عند قراءته لم يعط شيئا ، ولكن
إذا كان النص قويا فأنا أشيد به .
* (الشاعر هو الناقد الأول لتجربته) .. إلى أي مدى تؤمن
بهذه المقولة ؟
** أنا مع من يقول بأن الشاعر هو الناقد الأول لما يكتب
، لأنه لابد وأن يفطن لكتاباته بعينه الناقدة ، فهو أول
من يضع إصبعه على ضعف تجربته أو على دورانها ومراوحتها في
المكان أو على إضافتها النوعية ، إذ يجب أن ينتبه الشاعر
إلى نصوصه بالتشذيب والتنقيح ، وهي تجربة أساسية لا مندوحة
عنها ولا مناص منها ، لأن الشاعر إذا لم يلتفت إلى ما يكتب
، فهذا يسيئ إلى تجربته الشعرية ويسيئ إلى المتن الشعري
في الوطن كله ، لأن هذا الذي يجعل الرداءة تنتشر بشكل كبير
في هذه الأيام ، لدرجة أن محمود درويش قال (ارحمونا من الحب
القاسي) بمعنى (جنبونا الحداثة البغيضة) لأن تحت مظلة الحرية
في الكتابة بدأ الكل يكتب وبدأ الكل يقول إنه شاعر ، وأن
ما يكتبه هو جميل ومتميز ونوعي متجاوزا صديقه أو مجايله
، فأصبحنا نعيش فوضى في الكتابة الشعرية ، فوضى كتابة معينة
يعيشها أصحابها ويصفونها بأنها شعر ، في الوقت الذي ليس
بما يكتب علاقة بالشعر لا من قريب أو بعيد ، لهذا نعود مرة
أخرى ونقرر أن الشاعر ناقد نفسه وأنا مع من يقولون هذا .
* ولماذا هذه الموجة من فوضى الكتابة الشعرية ؟
** ربما يكون هذا ناتجا من الفهم الخاطئ الذي يتولد لدى
البعض عن مفهوم الحداثة ، وأن الحداثة تعني الحرية ولكن
ليست الحرية المطلقة ، فالحرية مسئولية ، لا أن أكتب ما
أريد ، وليس معنى الحداثة أن أخوض في الكتابة عن الجنس والعري
وأعتبر نفسي معاصرا وحداثيا أو أنني أقوم بانتقاد المؤسسات
وأقول إنني عصري وحداثي وأنادي باستبدال القيم الأخلاقية
وأن أتهم هذه القيم بأنها لا قيمة لها ، هذه كلها داخلة
في الحداثة المعطوبة ، فشاعرنا محمد بنيس الشاعر المغربي
المعروف يتحدث عنها في كتابه الخاص الذي أصدره مؤخرا عنها
ويعرفها بأنها حداثة معطوبة وهذا يتضح من عنوان الكتاب ،
وهو لم يتحدث عن الشعر فقط ولكنه تناول الحداثة من جميع
القضايا الاجتماعية والسياسية والعلاقات بين الناس والشعراء
والكتاب ، واعتبرها حداثة معطوبة ، وأن من ضمن ما يعتبره
البعض أن الحداثة تعطيه الحق في أن يقول ما يريد وأن يكتب
ما يريد ، في حين أنه آن الأوان أن نستصفي ما يكتب ونتابعه
، لا أن نخفق في وضع النقاط على الحروف بأن نقول إن هذا
شعر وهذا ليس بشعر ، ولا مجال هنا للحديث عن الأشكال لأننا
نريد شعرا رائعا خاصة في تجربة قصيدة النثر ، كما نجده في
قصيدة التفعيلة ، ولا أميز هنا بين هذا الشعر لأن الشعر
شاهد كما يقول ريتشارد الناقد الانكليزي الذي يقول هناك
الشعر واللا شعر ، وهو في ذلك لم يقل الشعر الموزون الذي
يخضع لكذا أو قصيدة النثر ، أنت تقرأ نصا فتجد فيه ـ كما
يقول العرب ـ ماء وطلاوة وحلاوة ، ويمكن أن تقرأ شعرا لا
علاقة له من قريب أو بعيد باللغة ، فالشعر لا ينجح إلا إذا
اتكأ على تجربة الشاعر الحياتية والروحية واللغوية ، ولا
شعر بدون تجربة .
أعلى
اليوم .. بدء فعاليات الأسبوع الثقافي النسائي باليمن
صنعاء ـ من جمال نعمان :تبدأ
اليوم بجامعة صنعاء فعاليات الأسبوع الثقافي النسوي الذي
ينظمه مركز دراسات المرأة والنوع الاجتماعي بالجامعة وأوضحت
الدكتورة حسنية القادري رئيسة المركز في تصريحات صحافية
أن فعاليات الأسبوع الثقافي تشمل إقامة العديد من الفعاليات
الثقافية والفنية بين الندوات الاقتصادية والاجتماعية والمحاضرات
العلمية التي ستسلط الضوء على جملة من التطورات التي طرأت
على الساحة اليمنية وخاصة في أعقاب الانتخابات الرئاسية
والمحلية التي شهدتها اليمن في سبتمبر الماضي كما سيبحث
نخبة من الأكاديميين والمختصين سبل الارتقاء بالمرأة اليمنية
وأنشطتها والآفاق المستقبلية لتنميتها على ضوء تلك النجاحات
.
وأشارت حسنية القادري إلى أنه سيتم توزيع فعاليات الأسبوع
الثقافي بحيث يخصص يوم للأكاديميات العاملات بجامعة صنعاء
لطرح مشاكلهن والصعوبات التي تواجههن ، وبالذات فيما يتعلق
بالسلم الوظيفي والترقيات التي يحصلن عليها مقارنةً بزملائهن
أعضاء هيئة التدريس في الجامعة من الرجال .
أعلى
كل سبت ..
تناقضات ساحة 2006 م
الشعر النبطي والساحة النبطية
تحديدا تعيش الكثير من حالات التناقض ليس على مستوى النص
هذه المرة ولكن على مستوى الحالة الشخصية للشاعر وعلاقته
بالآخر كفرد او كجماعة، وفي عامنا الجديد ما زالت العديد
من الترسبات السابقة تؤكد رسوخها في عقول الكثير من الشعراء
كبيرهم وصغيرهم فالحالات التي مرّت عليها الساحة الشعرية
الشعبية خلال العام الماضي لم تخدم الساحة بتاتا وللأسف
برغم تفعيل الحراك بشكل اكبر خلال العام الماضي فان ذاك
الحراك لم يقدم لنا الحل الأمثل في تصفية النفوس الجميلة
في شعورها الأحادي حتى نكون جماعة او ثنائية على اقل تقدير
نستطيع بها لّم الشمل للكثير من الشعراء الذين ابعدتهم التجارب
المختلفة عن الاحتكاك والاقتران بالتجارب الأخرى للساحة
حتى تكون الفائدة اشمل واوسع.
اكثر الحالات سيادة في العام الماضي لدى الشاعر هو محاولته
تعميم الفائدة لنفسه فقط والسعي حتى على حساب المبادئ نحو
الوصول لأعلى مراتب الشهرة من خلال اللجوء لإثارة البلبلة
ومن ثم الشهرة والدخول في عوالم القنوات الفضائية الربحية
من أجل ذات الهدف بدون النظر إلى سلبيات تلك الحالات او
الإنفاق من (الجيب) لهدف المفترض ان يأتي من خلال التجربة
الإبداعية للشاعر وليس السعي خلفه عبثا.
حالات البحث تلك كادت ان تهوي بالساحة الشعرية الشعبية إلى
القاع بل انها هوت في العديد من الأوقات وابرزها ربما معلوم
للجميع ولا نود تكراره لأننا ناقشناه في هذه الزاوية في
حينه، ولكن ما خفي في الأمر ان البعض حاول لم الشمل من أجل
المواقف واندفع الكثيرون إلى تلك اللمة ليس لأجل صالح فرد
إنما لأجل الساحة لأجل الوطن لأجل إبراز سيادة الشعر النبطي
في السلطنة امام الكثير من المنعرجات التي تتخبط بها الساحات
الأخرى، ولكن ان تستغل هذه اللمة من أجل المصلحة الخاصة
للفرد الواحد هو ما يثير الحفيظة وهو يجعلنا ننعى انفسنا
مرارا وتكرارا.. والأدهى والامر ان الكثير من الذين يطالبون
بهذه المبادئ ولم الشمل وتوحيد القرار هم انفسهم من يكسرون
كل تلك القواعد ليس بالسير عكس التيار إنما السير في عمق
المشكلة مما يثير استغراب الكثير من الشعراء في ما يحدث،
ولا غرابة في الأمر فالمقالات السابقة التي طرحناها في هذه
الزاوية أشارت لتلك الحالات ولسلبيات الساحة وإيجابياتها
وأهم التوقعات التي ستحصل، وكانت هذه المقالات لا ترضي الكثير
من الأطراف! وبعد ان ودعنا العام 2006م نتمنى ان نقف قليلا
على ما تم طرحه وما حدث على أرض الواقع وأن نحكّم عقولنا
قليلا في الشخوص والأماكن وكل ما هو حولهم ومعرفة.. أين
وصلت ساحتنا الشعرية الشعبية؟؟ للأسف !! وأقولها بغصة للأسف!
آخر الأحداث التي ما زالت مستمرة حتى هذه الأيام مسابقة
شعرية شعبية طرحت للمشاركة وهب الكثير من الشعراء بلا عقل
للمشاركة لأن الرصيد المالي (الجائزة) تخبّل العقل ! وبعض
الشعراء تقدم بنصه وحينما عرف اساسيات وتبعات هذه المسابقة
انسحب قبل الدخول لها وبعض الشعراء وجد نفسه في موقف محرج
امام لجنة التحكيم في المرحلة التمهيدية فانسحب في المرحلة
التالية ، الا ان المرارة للشعراء الذين وجدوا انفسهم أمام
خيارات بسيطة لا تمنع تواصلهم وهذا ما يحز في النفس أن بعض
شعراء ساحتنا الفاضلة رموا بأنفسهم في هذه المغامرة التي
لم يجن منهم سوى البهدلة حتى خرجوا امام شعراء لا اسم لهم
اساسا ووقعوا في موقف محرج لا يحسدون عليه ولم يكن امامنا
لحظتها سوى المجاملة بأن المشاركة بحد ذاتها هي الفوز وهذا
الشعار اصبح شماعة نعلقها حيث الفشل ! وكان من كائن فاز
بهذه المسابقة يجب ان يكون الشاعر واعيا بالآليات والأسس
التي فاز على اساسها.. فليس من النجاح ان يحرز الشاعر لقب
ما على حساب (تصويت) أو اختيار لجنة بسبب نص او انفعال او
حالة تأثيرية تعمد الشاعر تقديمها في القائه للنص.. فالفوز
الحقيقي هو ان يثبت الشاعر نفسه في قصيدته في إبداعه حتى
يرسخها امام عين القارئ والمستمع ويشار له في كل مكان ويكفي
في وطنه بأن (هذا هو الشاعر الفلاني) وكم هم شعراؤنا المبدعون
الذين مشوا على هذا النهج وها هم يكرمون في المحافل ولم
نسمع في فتراتهم بأنهم خاضوا في مثل هذه المسابقات الربحية
ضعيفة المستوى وعديمة الهدف !
في الختام نتمنى ان تُسد كافة الثغرات التي سقطت فيها الساحة
الشعرية الشعبية خلال العام الماضي وان تتصافى القلوب من
أجل الهدف الأسمى لنا وهو الوطن حتى نرفع من ثقافة الإبداع
في النص الشعري والبحث عن اسس النجاح بعيدا عن التبعيات
الهزيلة التي توصلنا لذلك كما ذكرت سابقا ، مما تقدمنا كثيرا
للقمة وان نؤسس لساحة فاضلة ان لم تنعدم بها الثغرات والسقطات
تكون الأقل من مثيلاتها في الساحات الشعرية الأخرى ، ونحن
قادرون بإذن الله تعالى ،، وفقنا الله وإياكم .
ومضة ..
تعبت ادور في عيـنٍ عنـك تشغلنـي
لا انته لفاني ولا طيفك احـد جابـه
شفت الحزن والظما من يوم تاركنـي
مات بغيابك حنين القلـب وأعشابـه
مريت اعوام.. عطرك موت واحشنـي
ما انته بأول حبيـب يطـوّل غيابـه
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
صوت
ضيافة أبعد من اليوم الثالث
كل سنة جديدة هي في عمر الإنسان
مشروع جديد، وطموح جديد، أو أنها تشكل لديه متابعة حثيثة
لمشروع وطموح بدأهما ومازال يغذ السير ويتابع الخطى بكل
اجتهاد ونشاط نحو استيفاء كافة الأسباب لتحقيقهما ، وترجمتهما
على أرض الواقع، فالسنة الجديدة استعداد وتحمس للإضافة على
ما تم ، مراكمته في السنوات الماضية من إنجاز وتجربة وخبرة
تصب كلها في مسار الهدف المنشود، حيث عمر الإنسان لا يعني
شيئاً ولا قيمة له بالمرة ، إذا لم يرتبط بهدف محدد يسعى
لتحقيقه السنة تلو الأخرى .
والجدة (من الجديد) في السنة تعتبر الوقود المحرك والدافع
للعربة للاستمرار في انطلاقتها على نفس الوتيرة والمحافظة
على قوة سرعة الانطلاق التي بدأتها في خط البداية في السير
إلى الهدف ومواصلة الطريق إليه بكل إصرار وتصميم ، فإذا
كان من اختلاف بين سنة جديدة وسابقتها فإنه يكمن في نظري
أن الأخيرة عملياً قد استنفدت وقودها ، ومهما نحمل من مشاعر
ود ناحيتها فهي باتت في ذمة التاريخ ، محفوظة هناك في أضابيره
بكل ما تحمل لنا من ذكريات بينما مع سنة جديدة، نحن إزاء
فرصة سانحة لتجديد الطموح ومبايعة العهد معه للمضي في تحقيقه
ومشارفته في النهاية.
والاحتفاء العالمي وما يرافقه من هوس على مستوى العالم أجمع
، في التعبير عن الفرحة في استقبال عام جديد ، والمظاهر
الصاخبة التي يعيش بها سكان العالم في كافة مدنه ، لحظات
دخول السنة ، يعتبر لغة عالمية (طالما أننا نعيش زمن العولمة)
في التعبير عن الأمل وتجدد الطموح وتواصل التصميم والإرادة
والشغف بالحلم، كل ذلك من أجل حياة ملؤها السلام والمحبة
والسعادة والخير للجميع، وهي معان وأمنيات جميلة وصادقة
، قلما تتاح لها فرصة كهذه في التعبير عنها وتجديد الإيمان
بها، في عالم بات يعيش في أتون مشتعل من مشاعر الكره ، والبغض
الديني ، والمذهبي ، والطائفي والتوجس الأمني على مستوى
قاراته وأقطاره وأممه وشعوبه، ومظاهر الاحتراب ، والاقتتال
التي باتت تحكم العلاقة بين بعضه بعضاً.
في مقتبل هذه السنة الجديدة التي استنفدت مدة التمتع بحق
الضيافة بعد اليوم الثالث من دخولها، على عادة العرب في
طقوسهم المتوارثة مع الضيف، لنقلب صيغة السؤال المعتاد في
كل سنة : ما الذي تخبئه وتحمله لنا في جرابها السنة الجديدة
؟! بسؤال أنفسنا ما الذي نرصده من أهداف وطموحات في هذه
السنة وما الذي أعددناه من برامج وخطط عمل لاستثمارها في
السنة الجديدة ؟ هكذا ، لكي لا نفقد الثراء بالجديد والمغاير
والمختلف، الذي يروي غليلنا في الإنجاز وتحقيق الطموح الذي
ننشده في أيامنا القادمة دعك من أيامنا القادمة ، الذي نرصد
له العمر بكامله.
أحمد الرحبي
كاتب عماني
أعلى