|
فتاوى وأحكام
*ما قول سماحتكم في رجل عقد قرانه على امرأة ولم يدخل بها بعد ، وأراد
الذهاب إلى العمرة ، فهل يجوز له أن يأخذها معه ، لأنه سمع من بعض
الأشخاص أنه ليس محرماً لها لكونه لم يدخل عليها بعد ؟
** بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلّم
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فهو ليس بمحرم لها ، لأنها لو كانت محرماً له لما جاز له أن يتزوج
منها ، ولما جاز له أن يستمتع بها ، وإنما هي حليلته وهو أقرب الناس
إليها وهي أقرب الناس إليه ، فلذلك كانا زوجين ، ومعنى كونهما زوجين
أنهما حقيقة واحدة كل واحد منهما يمثل شطراً من هذه الحقيقة ، فهو
زوج لها وهي زوج له ، والذي أحلها له هو العقد الشرعي ، فبما أنه عقد
زواجه بها فهي حليلته ولذلك أبيح له الاستمتاع بها ، وما دام مباحاً
له الاستمتاع بها فكيف لا يباح له أن يأخذها عنده ويباح لها أن تسافر
عنده ، إن ذلك مباح ولا يمنع من ذلك مانع فإن الذي يحللها له هو العقد
الشرعي بعد استيفائه جميع شروطه ، والله تعالى أعلم .
* متى يبدأ وقت صلاة قيام الليل ، ومتى يبدأ الثلث الأخير من الليل
بالنسبة للصيف وللشتاء ؟
** قبل كل شيء صلاة الليل ليست مرهونة بوقت معين من الليل ، فإن الله
تبارك وتعالى يقول ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً
لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ( الاسراء:79
) ، فمتى قام الإنسان في أي وقت من الليل كان له فضل عظيم في ذلك ،
وإنما يتفاوت الفضل بتفاوت الوقت فكلما كان أقرب إلى السحر كان ذلك
أبلغ في الفضل ، فعندما يقوم الإنسان في الثلث الأخير من الليل يكون
قد قام في أفضل جزء من الليل يقام فيه ، والثلث الأخير من الليل يقاس
بتقسيم الليل إلى ثلاثة أثلاث بحيث تكون هذه الأثلاث متساوية الثلث
الأول منذ غروب الشمس إلى انقضاء الجزء الأول من الثلاثة اجزاء ، ثم
الثلث الوسط الذي هو بذلك المقدار ، ثم الثلث الأخير الذي هو إلى مطلع
الفجر ، والله تعالى أعلم .
* ما حكم من حلف بالله عدة مرات وهو كاذب ؟
** عليه أن يتقي الله ، وأن يتوب إليه توبة نصوحا ، وأن يرجع إليه
سبحانه فإن اليمين الكاذبة هي اليمين الغموس ، ومعنى كونها غموساً
أنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها ، وبجانب
هذه التوبة فإن عليه عندنا أن يكفّر كفارة يمين ، وكفارة اليمن هي
ما نص عليه القرآن الكريم حيث قال عز من قائل (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ
عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ )( المائدة: من الآية89 ) ، ومعنى ذلك أنه مخير
بين ثلاثة أشياء بين أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم به أهله
، أو أن يكسوهم كسوة متوسطة ، أو أن يعتق رقبة ، فإن عجز عن ذلك كله
فهنالك ينتقل إلى الصيام بحيث يصوم ثلاثة أيام ، هذه الكفارة المنصوص
عليها في كتاب الله والمنصوص عليها في سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلّم عندما يقع الإنسان في يمين يحنث فيها ، هذه كفارة الحنث ، وإنما
شدّد بعض العلماء عندما رأوا التشديدات من قبل الناس في الأيمان فجعلوا
اليمين عندما يشدّد الإنسان على نفسه فيها حكمها كحكم كفارة الظهار
من حيث نوع التكفير بحيث يكون التكفير إما عتقاً للرقبة وإما صياماً
لشهرين متتابعين وإما إطعاماً لستين مسكينا وذلك مما لم يقم عليه دليل
، ولذلك جنح كثير من علمائنا إلى أن كفارة اليمين لا تختلف ولا تتنوع
بين مغلظة ومرسلة كما ينوعها بعض أهل العلم ، وإنما هي كفارات مرسلة
بحسب ما نُص عليه في القرآن ، والله تعالى أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالات تربوية في نماذج قرآنية حذرة ( 2 )
حوار صاحب صاحب الجنتين لصاحبه
ـ صاحب صاحب الجنتين يذكره بشكر النعم التي أُنعم
بها
ـ الالتزام بتعاليم الله في الحياة ، على نعم الله تعالى ، هو الأسلوب
الوحيد للوقاية من الضرر .
ـ الانتقام الإلهي المحتوم لمن يخالفه ، ويجحد فضله واقع لا محالة.
الشيخ الدكتور : مبارك بن مسلم بن مسعود الشعبني
قال الله سبحانه في محكم التنزيل: ? وَاضْرِبْ
لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ
أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً
(32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ
شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً ( 33 ) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ
فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً
وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَمَا أَظُنُّ
السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً
مِنْهَا مُنقَلَباً ( 36 ) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ
أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ
سَوَّاكَ رَجُلاً ( 37 ) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ
بِرَبِّي أَحَداً ( 38 ) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ
مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا
أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً ( 39 ) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ
خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ
فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ
يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
( 42 ) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَمَا كَانَ مُنتَصِراً ( 43 ) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً (44)?1.
هذا الحوار القرآني يحكي قصة رجلين؛ أحدهما قد
فتح الله عليه من الرزق، أن ملك بستانين، فيهما من الخير ما فيهما،
عدا أنه جحد أنه من الله الرازق، بل وتوهم أن هذا دليل رضا من الله
عليه، وأن لو وجدت هناك دار آخرة - كما يقول متشككا - لأكرمه الله
كما هو عليه الآن من إكرام في الدنيا. أما الآخر فقد قدر الله عليه
رزقه في الحياة، ولكنه ظل شاكرا حامدا غير قنوط ولا يائس. بل كان مذكرا
لصاحبه، من أن ما معه من خير ينبغي شكر المنعم عليه . فلما لم يجد
الأذن الصاغية الواعية من صاحبه، حذره من الانتقام الإلهي ، وأن الله
لا يعجزه شيء ، وسنته تقتضي ذهاب النعمة التي لا يشكر الله عليها ،
وأن الله قادر فوق هذا أن يكرمه هو ويحرمه. وفي يوم، وبعد تعنت من
صاحب الجنتين تحقق المحظور الذي حذر الناصح منه ؛ فقد غدت الجنتان
في لمحة عين لا نبات فيهما، ومياههما غارت في قاع الأرض. فلما رأى
ذلك الأمر لم يكن منه إلا الندم والحسرة على ما أضاع فيهما من جهد
ومال، وأدرك أن لا نافع له في الحياة إلا الله، وأيقن أن صاحبه كان
محقا في نصائحه2.
- دواعي الحذر في هذا الحوار (الضرر المتوقع)
إن الضرر المحتم وقوعه في هذا الحوار حسب سنة الله الماضية في عباده،
هو إتلاف وضياع مال الجاحد لنعمة الله ، والمتمثلة في البستانين اللذيْن
أكرم الله بهما الجاحد. فقد كان الرجل الصالح يذكر صاحبه حذرا من أن
يصيب صاحبه مصيبة ضياع المال ، من حرق أو غور للمياه ، وما شابهه مما
يذهب الزرع ، ويجعل الأرض جرداء لا نبت فيها ، وكأن لم تنبت قط من
قبل . وقد أدرك الناصح أن الجحود يزيل النعم، ومن حبه لصاحبه نبهه
قبل الوقوع في المحظور وقوعه.
- أسلوب توقي الضرر في الحوار ( الحذر )
لقد كان الأسلوب الناجع لتفادي حصول المصيبة في المال ، هو ما حث عليه
الرجل الصالح من نصح ، وما دعا إليه من سلوك وعمل ؛ والمتمثل في طاعة
الله وشكره. فالالتزام بتعاليم الله في الحياة ، في كيفية التعامل
مع ما أنعم الله من نعم ، هو الأسلوب الوحيد للوقاية من الضرر، والمتمثل
في الانتقام الإلهي المحتوم لمن يخالفه، ويجحد فضله. خاصة وأن دعوة
الحق قد وصلته ، عدا أنه أصم أذنيه عن الإذعان لها. وقد استخدم الرجل
الناصح أسلوب تذكير المرء بأصله ، وإتيانه إلى الدنيا ضعيفا فقيرا؛
وهو أسلوب يرجع بذاكرة المرء إلى أصله الذي كان عليه، وكيف تميز خلال
فترة وجيزة -مهما بلغت مدتها- عن غيره.
- دلالات تربوية في هذا الحوار
إن من الدلالات التي يمكن استخلاصها من هذا الحوار، الآتي:
1- قيام المرء بحق الله في النعم التي ينعم الله بها عليه من شكر وغيره
يجنب ضياع تلك النعم عنه، فهي وإن كان في ظاهرها الإكرام والامتنان
ولكنها أيضا ابتلاء وامتحان، وظن المرء مطلقا أن انفتاح النعم عليه
إكرام له يؤدي به إلى الغرور والزهو؛ وقد أكد الله سبحانه هذه الحقيقة
لعباده في عديد من الآيات ، منها قوله سبحانه:? كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ
الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ (35)?3، يقول السيوطي في تفسيره للآية:" أي نبتليكم
بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة
والمعصية، والهدى والضلالة"4. فالنعم من رخاء وصحة وغنى وهداية،
كلها نعم من الله سبحانه تستوجب الشكر، وهي في الوقت نفسه بلاء من
الله سبحانه؛ يقول القرطبي في تفسيره:" البلاء يكون حسنا، ويكون
سيئا؛ وأصله المحنة، والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ،
ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره ، فقيل للحسن بلاء وللسيئ
بلاء"5. وقال جل شأنه على لسان سليمان: ? قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ
رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم40)?6،
جاعلا الفضل الذي امتن الله به عليه ابتلاء منه سبحانه واختبارا. وفي
هذا النموذج من الحوار يلاحظ أن صاحب الجنتين ظن أن ما هو فيه من نعمة،
إنما هو فضل سوف يجد ما هو أفضل منه في الآخرة، وهذا القول هو مثل
قول من نعى الله قولهم في كتابه، يقول سبحانه: ? وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ
رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا
لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)?7. يقول
الشرقاوي:"هذا الاعتراض من خصائص النفس الكذوب، بأن تظن نفسها
سفها وظلما أن بمقدورها التعرف على خفايا الأمور، بما أودع فيها من
عقول. وهي مرحلة تعد النفس فيها مظلمة، والقلب أظلم، ويصل التحدي للخالق
فيها ذروته بطلب العذاب، أو القول أن النعيم الذي هم فيه لا ينقطع،
بل سيستمر وسيلقونه في الدار الآخرة"8.
2- على المرء أن يجنب نفسه طابع الانهزامية والضعف أمام ما يلفت نظره
من الرغبات والشهوات. إذ الناس تتفاوت في تعاملها مع ما يملكون من
متع هذه الحياة كل حسب قوة إرادته؛ فصنف ينبهر بها ويغتر، وينسى المعطي
الحقيقي لها، وذلك كأن يملك المال أو يحظى بالجاه أو السلطة أو المؤهل
العلمي وغيره مما يمكن اكتسابه في هذه الحياة، فيظن أنه لم ينله إلا
بقوة منه وفطنة،كما قال قارون حين ادعى مزهوا بما يملك، وقال:? إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ
?9. وصنف آخر معترف بقصوره، يعزو كل ما لديه إلى فضل الله، وليس له
فيه إلا السعي الذي هداه الله إليه، وأمده بعون منه وتوفيق. وفي هذا
النموذج من الحوار نجد أن صاحب الجنتين قد اغتر بما أوتي من فضل، لدرجة
أنه شكك في الآخرة، وأنه لو كانت هناك آخرة لكان له خير من ذلك. فصاحب
الجنتين جعل مقياس الرقي والتقدم، والمعيار الذي تقاس به النفس ومدى
قربها من الله هو كثرة المال والثراء المادي، فقد قال معتقدا أنه سينال
خيرا منها يوم الجزاء. يقول النحلاوي-متهكما على ما يعتقده صاحب الجنتين
في هذا الحوار-: إن الحوار "يصور صنفا من الناس بلغ بهم الغرور
مبلغا يعتقدون معه أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا تظل محفوظة
لهم حتى يوم القيامة، فما داموا مستطيلين على أهل هذه الأرض، فلا بد
أن يكون لهم عند ربهم مكان ملحوظ ، فيتوفر لهم من الثروة خير مما توفر
لهم في الدنيا . أليسوا من أصحاب الجنان في الدنيا ؟ فلا بد أن يكون
جنابهم ملحوظا في الآخرة"10. من هنا يلفت القرآن الكريم نظر المتأمل
وهو يعرف حقيقة المال من أنه مال الله ، والإنسان مستخلف فيه، ليرى
كيف يعمل فيه، فكما أعطي إياه قادر سبحانه أن يحرمه منه ويعطيه آخر
وهكذا. يقول سبحانه مؤكدا نظرة الإسلام إلى المال: ? وآتوهم من مال
الله الذي آتاكم ?، وقوله: ? آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا
مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)?11. وقال مؤكدا مكانته في
الحياة: ?مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ
الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(96)?12. وعندما يدعو الله تعالى الناس إلى السعي وكسب الرزق يدعوهم
بلفظ المشي في الأرض في إشارة إلى عدم التكالب ، والتحري عن حقيقته،
أحلال هو أم حرام: ? هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً
فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
(15)?13، في حين يدعو سبحانه العباد إلى ما يخص الآخرة من عمل يدعوهم
بلفظة المسارعة والمسابقة، في لفت لهم إلى ما هو أبقى وأدوم: ? وَسَارِعُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)?14 ، ? سَابِقُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
(21)?15.
3- المؤمن إذا لم ينكر على صاحب المنكر، ولم يقم بتوجيهه إنما يعد
مقرا لمنكره ذلك، خاصة إذالم يوجد عائق يحول دون الإنكار، وإقرار المنكر
خطير نتاجه على المؤمن نفسه. إذ كل مؤمن صاحب رسالة دعوية16 يحتم عليه
الأمر تأديتها، فعليه أن لا يتحرج من أدائها، ولا يجامل أحدا في القيام
بها، خاصة إذا ما توافرت الظروف لتأديتها. وفي هذا الحوار يلحظ عدم
تواني الرجل الناصح من نصح صاحب الجنتين، فبمجرد أن سمع منه ما يشير
إلى علوه وزهوه بماله، خاطبه ناصحا له بمختلف الوسائل أن يقي نفسه
ضياع ماله ودماره ، فقد أتاه من مكمن ما يحبه ويعزه وهو ماله . فهو
لم يتحرج من قول الحق في وجه من يراه محتاجا له، ولم يجامل صاحبه على
حساب المبادئ والقيم التي ينبغي أن تسود، من شكر وتواضع وغيره مما
يفتقر إليه صاحبه.
4- معارضة الداعية وعدم الاتعاظ بوعظه نتيجته خطيرة على الفرد والمجتمع
عاجلا أم آجلا. فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى الله
والمذكر في الله يعدون بمثابة صمام حماية وأمان للفرد والمجتمع، فهم
يقومون بما لا تستطيع فعله كل القوى والمؤسسات الهادفة إلى حفظ الأمن
والاستقرار ؛ وهذا الحوار- مع العديد من الحوارات والقصص - يبين فعالية
ودور هذا العمل الهام الواقي من الأضرار والمخاطر الدنيوية ، وصاحبه
لم يعرف قيمة نصحه إلا من بعد أن فقد ما يملك . وهكذا يقاس عليها حال
المجتمعات التي تنشد الأمن والازدهار ، فإنه مهما تملك من استخبارات
وقوى وتحالفات مع الغير لا تستطيع مقاومة غضب الله تعالى الذي قرره
على من يخالفه في منهجه ؛ في حين أن المذكر في الله لو استجيب له واحترم
قوله وتقبل لرفع المقت والسخط ؛ من قحط وجدب ونقص في الموارد وغيرها
من أصناف البلاء الذي يرسله الله على عباده ابتلاء منه، أو انتقاما-
والعياذ بالله -.
5- خاطئ من ينأى بنفسه عن حمل دعوة الله إلى الناس، محتجا بسوء حاله
المادي أو المعنوي، ولهذه النظرة عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع على
حد سواء. فالدعوة إلى الله جهد اصطفى الله له أشرف الخلق ، الأنبياء
والمرسلين عليهم السلام ، والقائم به سيحظى بما حظي به المرسلون من
نصر وتوفيق ، فهم خلفاء لهم في ذلك ؛ وهو عمل لا يشترط أن يكون القائمون
به ذوي مكانة دنيوية أو مال. وهذا ما يستشف من هذا الحوار ، إذ الناصح
لصاحبه كان رجلا فقيرا في المال، ولكنه غني بالإيمان وعزة النفس ،"
فلم يمنعه احتياجه وفقره وضعفه ووضعه من الدعوة والتذكير ، فهو يمثل
صورة المؤمن الذي يستشعر أنه عزيز بإيمانه أمام الجاه والمال ، وأن
ما عند الله خير له من أعراض الدنيا الزائلة "17.
6- المال يشكل خطرا على النفس البشرية الضعيفة ، يؤدي بها إلى الاستعلاء
على الآخرين، واحتقارهم، بل ومحاولة استعبادهم به وإذلالهم إذا لم
يحسن التعامل معه؛ فبسببه تقطعت علاقات ، بدأ بها صاحب المال عندما
رأى أنه مستغن عن من سواه ، يقول سبحانه واصفا ما يؤول إليه صاحب المال
عادة من حال - إلا من رحم الله -:?كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى
(6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)?18؛ والرسول حذر من مغبة انفتاح الدنيا
على نفس المرء، في إشارة إلى ضرورة التزام المنهج القويم في التعامل
معه. وفي هذا النموذج من الحوار نجد غرور صاحب الجنتين ، فهو لم تتحمل
نفسه الضعيفة ما آتاها الله من خير.
7- نأي المرء بنفسه عن كسب الحلال والتخطيط لكسبه وتمنيه ضار به، فالمؤمن
الصادق يتمنى الحصول على المال الحلال ويجد في كسبه ، بوصف المال من
مقومات الحياة ، فضلا عن أن من خلاله يتمكن من الدخول في أبواب عديدة
من أبواب البر والخير. وعلى المرء أن يسعى في سبيل ذلك ، سائلا الله
توفيقه على ذلك وتسديده ؛ وفي هذا النموذج نجد الناصح يتمنى ذلك ،
مسندا أمر تحقق ذلك إلى الله سبحانه وحده:? فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ
خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ?، يقول أبو السعود في تفسيره، بأن الناصح يقول:"
إني أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى،
فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك، ويسلبك لكفرك نعمته، ويخرب جنتك،
ويرسل عليها حسبانا، أي صاعقة، فتكون كأن لم تكن"19.
8- عدم شكر الله على نعمائه كفران بها، ينزع الله بركتها ويذهبها،
وخير سبيل لتأمين دوام وجودها شكر الله عليها قولا وعملا. وقد وعد
الله سبحانه بذلك حين قال: ?وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ
لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ?20،
أورد السيوطي الدر المنثور الآية:"إن موسى قال لقومه:(إنهم إن
شكروا النعمة زادهم من فضله، وأوسع لهم في الرزق، وأظهرهم على العالمين).
وروى عن عبد الله بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله
وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، قال:(حق على الله أن يعطي من سأله،
ويزيد من شكره، والله منعم يحب الشاكرين، فاشكروا لله نعمه)"21.
وشكر المرء نعمة ربه إنما هو في الحقيقة بمثابة حفاظ على النعمة من
الضياع، كما ضاعت النعمة التي أعطاها الله صاحب الجنتين فأصبحت نقمة
عليه بأن أطغته، فالشكر مآل نتاجه للمرء نفسه يقول سبحانه:?وَمَنْ
شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي
غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)?22.
9- محاسبة المرء نفسه بتذكيرها بما كانت عليه من قبل، وما آلت إليه
من وضع، أمر هام لتهذيبها، ويجنبه الكثير من المخاطر والأضرار؛ فالتذكير
بأصل النشأة والتدرج في الحياة، يعد أسلوبا فعالا في كبح النفس عن
كل ما ينتابها من زهو. وأقوى أسلوب في ذلك هو ما يذكرها بأصل الخلقة
، وتدرجه من ضعف إلى قوة، وما فتحه الله عليه من خير دون سواه. وفي
هذا النموذج نجد الرجل الناصح يذكر صاحبه بذلك، وخلد لنا سبحانه تذكيره
ذلك لما له من أثر إذا ذكرنا به أنفسنا. وهذا الأسلوب ذاته نجده في
خطاب الله لموسى عندما ذكره -ممتنا- بما فعله معه وهو صغير، دافعا
إياه أن يُقْدم على ما يأمره به من حمل للرسالة دون خوف ولا وجل من
مخلوق فقال سبحانه: ?وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)
إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنْ اقْذِفِيهِ فِي
التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً
مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ
مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ
مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)?23. وهو أسلوب
استخدمه جل شأنه مع النبي محمد ليخفف عنه ما أهمه، وليندفع قدما فيما
أوكل إليه من مهمة: ?أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ
ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)?24. وهو نفسه
أسلوب يخاطبنا الله سبحانه به، لكي نتعامل به مع أنفسنا في تذكيرها،
عندما قال مخاطبا الناس:? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي
رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ
مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ
مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ
يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ
شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا
الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
(5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى
وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ
لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)?25.
فتذكير النفس كفيل عادة لئن يرجعها عن غيها وانحرافها ، خاصة عندما
يصور لها ضعفها وحقارتها، خاصة وأن النفس قل ما ترجع بالذاكرة إلى
الوراء ، فهي- غالبا - ناظرة ومتطلعة إلى ما سيأتي.
10- هذا الحوار فيه إشارة إلى أهمية انتقاء الصالحين من الأصدقاء ،
الذين يأخذون بأيدي أصدقائهم إلى ما فيه صلاحهم وسلامتهم في دنياهم
وآخرتهم . فالحوار يظهر قيمة الصديق الصالح، والزميل المخلص في النصح
الراجي الخير لصاحبه . كما يبين حسن نية الصالحين عادة والمخلصين لأصحابهم
، فهو قد حاول جاهدا تجنيب صاحبه الدمار ، من خلال نصحه ، ولكن صاحب
الجنتين اختار بنفسه الطريق التي ارتآها لنفسه ، والتي أوصلته إلى
ما أخبرنا القرآن الكريم عنه.
11- الحوار فيه إِشارة إلى جواز مصاحبة أهل السوء، بشرط أن يرى في
نفسه القدرة على مقاومة ما يقولونه من فكر غير سليم . وأن يرى في نفسه
القدرة على التأثير لا التأثر . يلحظ ذلك من تسمية القرآن العلاقة
بينهما بلفظ ?صَاحِبُهُ?. وهي لفظة استخدمها القرآن الكريم في تبيين
العلاقة بين النبي - -وصاحبه أبي بكر الصديق حال هجرتهما من مكة إلى
المدينة:? إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ
اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ
هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)?26. ومنها تسمية أتباع
النبي ممن
12- عاصروه بالصحابة- رضوان الله عليهم- فهي
لفظة لها معناها من حيث اللحمة والتواصل بين أطرافها، ولذلك أطلقت
على الزوجة لاقترانها بزوجها، في قوله: ?وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)?27.
وقد أمر الله سبحانه العباد على لسان لقمان بحسن صحبتهم لوالديهم وإن
كانا كافرين:? وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)?28،
يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة:" والآية دليل على
صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول
والدعاء إلى الإسلام برفق"29.
13- الحوار فيه إشارة إلى مبادرة أهل الشر في إعلان معتقداتهم وتصوراتهم
للآخرين، مما يعني ضرورة غرس العقيدة الصحيحة والفكر السليم في نفوس
الناشئة حتى يتمكنوا من المواجهة؛ فآيات الحوار بدأت بذكر ما قاله
صاحب الجنتين لصاحبه الناصح، وما قاله من معتقد فاسد يتمثل في ظنه
أن من أوتي خيرا في الدنيا سوف يؤتاه في الآخرة، هذا إن كان هناك آخرة-
كما يقول-؛ كما أعلن عن قدرته على ما آتاه الله من فضل، بأن قال ما
أظن أن الجنتين سيهلكان ويندثران في إشارة إلى قدرته عليها.
14- الاستهانة بقدرة الله وإعلاء شأن الأسباب عليها تنتج انحرافا في
الفكر، ينتج عنه انحراف في السلوك، مما ينتج عنه ضرر في النتاج، فقدرة
الله لا يحدها حد ولا يردها راد، فهو سبحانه فعال لما يريد. والأسباب
الدنيوية في الوقاية والحفاظ على الزرع مثلا ينبغي أن لا يركن إليها،
بحيث يقول المرء إنه مسيطر ومتحكم في إدارة ماله. فمثلا ليس عليه الركون
إلى المبيدات الحشرية معتقدا بقدرتها على المقاومة؛ وليس أدل في ذلك
من إعلان العلم الحديث من اكتساب الحشرات الضارة مناعة مما يعتقد أنه
القاتل لها. وكذلك عليه أن لا يركن على توفر نعمة المياه، فقد تغور
هذه المياه بما لا يستطيع إخراجه ، بل وإن تمكن منه سوف يخرج مالحا
، وهكذا؛ وفي هذا الحوار يلحظ أن صاحب الجنتين ظن أنه قادر على بستانيه
أيما اقتدار، عندما قال: ? مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً
(35) ?. وهو ظن خاطئ أعابه عليه صاحبه، وذكره الله في كتابه للحذر
والاتعاظ.
أعلى
العدل في الإسلام
يقول الله تعالى في سورة النساء 58 ( إن الله
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا
بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) من الحقوق
الأساسية فى الإسلام للجماعة البشرية العدل .
والعدل بكل جوانبه أساسى فى الإسلام فهو واجب بالنسبة للفرد مع نفسه
قال تعالى ( وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا
وأحسن كما أحسن الله إليك ) القصص 77 ويقول صلى الله تعالى عليه وسلم
لأصحابه ( إن لبدنك عليك حق ) ثم العدل بعد ذلك واجب على كل فرد نحو
الجماعة وعن الجماعة نحو الفرد فهو واجب على كل مسؤول عن جماعته وواجب
على الرجل والمرأة كل تجاه الآخر وواجب على الأب والأم تجاه أبنائهما
لأن العدل لله ومن الله والله هو الحق والقرآن حق ( وبالحق أنزلناه
وبالحق نزل ) سورة الإسراء 105 والحق أحق أن يتبع والعدل للجميع ولو
كان لمن نكره قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء
بالقسط ولا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى
) المائدة 8 والعدل فى الإسلام لا يخضع للعواطف فالعدل ولو كان الخصم
قريبا أو صاحبا أو والدا أو غنيا أو فقيرا فالله أولى بالجميع قال
تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على
أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما
فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما
تعملون خبيرا ) النساء 135
إن كل الناس فى العدل سواء ليعش الجميع فى أمن واطمئنان فيحب المسلم
لأخيه ما يحبه لنفسه ويعرف كل فرد فى المجتمع حقوقه وواجباته فيعيش
الجميع فى تكافل كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا
وإليك أخى القارئ الكريم التطبيق العملى للعدل فى مجتمع النبى صلى
الله تعالى عليه وسلم وقعت حادثة سرقة من امرأة قرشية ذات حسب ونسب
واسمها فاطمة المخزومية فأتى أهلها أسامة بن زيد حِب رسول الله وابن
حِبه فكلموه ليكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى أمرها ولا
يقيم عليها الحد فكلم أسامةُ النبى صلى الله عليه وسلم فقال النبى
( أتشفع فى حد من حدود الله يا أسامة ) ثم قام يخطب الناس فقال ( إنما
هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف
قطعوه والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها
) وإليكم هذا الموقف الرائع من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل
انتقاله إلى الرفيق الأعلى يقول ( ألا من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى
فليقتد منه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليقتد منه ) ومعنى يقتد
أى يقتص .
واستمع إلى شكوى الرجل القبطى عندما قدم شكواه إلى أمير المؤمنين عمر
بن الخطاب من والى مصر عمرو بن العاص وابنه وماذا فعل أمير المؤمنين
قال الرجل القبطى { أجرى عمر بن العاص بمصر الخيل فى سباق فأقبلت فرسى
فلما رآها محمد بن عمرو بن العاص قام وقال فرسى ورب الكعبة فلما دنى
منى عرفته فقلت فرسى ورب الكعبة فقام إلى يضربنى بالسوط ويقول خذها
وأنا ابن الأكرمين وبلغ ذلك عمرا أباه فخشى أن آتيك فحبسنى فى السجن
فانفلت منه وها قد آتيتك } فلم يزد عمر الخليفة على أن قال أجلس ثم
كتب إلى عمرو بن العاص ( إذا جاءك كتابى هذا فأقبل وابنك محمد معك
} فقال للمصرى أقم حتى يأتيك . وفى وسط جمع كبير من الناس بعد أن قدم
عمر وابنه قال ابن الخطاب للرجل القبطى ( دونك الدرة فاضرب بها ابن
الأكرمين ) ففعل ثم قال ( أجلها على صلعة أبيه عمرو فوالله ما ضربك
إلا بفضل سلطانه ) قال يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربنى ثم قال الخليفة
عمر : ( أيا عمرو ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا )
وهذا يهودى شكا علي بن أبى طالب فى خصومة فأحضرهما عمر بن الخطاب وقال
عمر لعلى قف يا أبا الحسن بجانب خصمك فتأثر على فقال له عمر أكرهت
يا على أن تقف إلى جانب خصمك ؟ قال لا يا أمير المؤمنين ولكنى رأيتك
لم تسوى بينى وبينه إذ عظمتنى بالتكنية ولم تكنه والأعظم من ذلك أن
أمير المؤمنين على بن أبى طالب جاء مع يهودى إلى شريح القاضى لماذا
وهو أمير المؤمنين لو أمر القاضى لجاءه على الفور تعظيما لأمر أمير
المؤمنين ولكن هلى تدرى أخى القارئ لماذا جاء واليهودى إلى القاضى
؟ ليختصمان فى درع ولم يكن عند أمير المؤمنين بينة ولا شهود فحكم القاضى
لليهودى فقال اليهودى هذه أحكام الأنبياء ثم اعترف بأن هذه الدرع لأمير
المؤمنين سقطت منه فأخذها وأسلم اليهودى فى نفس الوقت فوهبها له على
بن أبى طالب . وهنا يتبادر سؤال لماذا نجح الإسلام فى إعطاء كل فرد
حقوقه الإنسانية كاملة بين مسلم وغيره فى وقت لم يعرف العالم شيئا
عن حقوق الإنسان ؟ والإجابة
إن هذه أوامر صادرة من الله تعالى أوامر تشريعية مقررة بنصوص تشريعية
والمسلم القائم على هذه الأوامر يعلم أن له رسالة فى الحياة وأن فى
هذه الدعوة حياته قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول
إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال 24 ويقول صلى الله تعالى عليه وسلم
( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلل منه اليوم قبل
أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته
وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ).
أخى القارئ الكريم لن يعط الإنسان حقوقه فى هذا العالم الممزق إلا
إذا اتبع شريعة الإسلام وطبق تعاليمها حينئذ يتغير وجه المجتمع البشرى
ويحس كل فرد من أفراد الإنسانية أنه قد ولد من جديد ويعيش حياة ملؤها
السعادة والاطمئنان
والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله أعلم.
أنس فرج محمد فرج
أعلى
(النيرات المنيرات )
*حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما*
*زواج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة تكريما لعمر بن الخطاب رضي الله
عنهما*
كان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفصة تكريما لعمر بن الخطاب
حتى أن عمر قال لابنته يوما : ( والله قد علمت أن رسول الله لا يحبك
ولولا أنا لطلقك). فقد أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجعل ابنته
إحدى أمهات المؤمنين وقد اختلفت الروايات في حفصة على وجه الخصوص فقيل
أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها طلقة واحدة ثم ارتجعها وهذا الارتجاع
تختلف فيه الروايات فتذهب رواية إلى أن ذلك كان رحمة بعمر الذي حثا
التراب على رأسه وقال : ما يعبأ الله تعالى بعمر وابنته بعدها, فنزل
جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر من الله
تعالى وفي رواية أخرى أن جبريل -عليه السلام قال لرسول الله ( أرجع
حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة ) وفي رواية : إنها صؤوم
قؤوم وإنها من نسائك في الجنة.
ذكاء حفصة وتعليمها الكتابة
كانت حفصة ذكية لبيبة تعلمت الكتابة من امرأة من بنى عدي من قريش تسمى
الشفاء بنت عبدالله بن عبد شمس ، كما علمتها أيضا رقية النملة وكان
ذلك بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يحرص دائما على
توقير العلم والعلماء وكان يشجع أزواجه على ذلك ويشجع المرأة بصفة
عامة أن تخوض الميادين المختلفة بما فيها ميدان العلم والمعرفة رغم
أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب.
حفظها النسخة الخطية للقرآن الكريم
ظلت حفصة رضي الله عنها في بيت رسول الله لا تسبب له ما يكرهه حتى
لحق رسول الله بالرفيق الأعلى 0 فكانت حفصة هي التي وقع الاختيار عليها
من بين أمهات المؤمنين جميعا بما فيهن عائشة أم المؤمنين لتحفظ النسخة
الخطية للقرآن الكريم وظلت في مأمن حتى أخذها عثمان بن عفان في خلافته
لينسخ منها الأربع نسخ التي وزعت على الأمصار .
تفرغ حفصة رضي الله عنها للعبادة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم
تفرغت حفصة رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعبادة
حتى أنها امتنعت عن الخروج مع عائشة رضي الله عنها في الجيش المطالب
بدم عثمان . وكانت عائشة قد طلبت منها ذلك وعاشت صوامة قوامة حتى نهاية
حياتها وقد وصفها أبو نعيم في حلية الأولياء حينما بدأ ترجمتها بقوله
: ( الصوامة, القوامة ,المزرية بنفسها اللوامة, وراثة الصحيفة, الجامعة
للكتاب) 0
روايتها الحديث وجلوسها للفتيا
روت حفصة رضي الله عنها الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنها
أخوها عبد الله بن عمر وابنه حمزة وزوجته صفية وغيرهم, وذكر عنها أنها
روت ستين حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما كانت حفصة ضمن
أمهات المؤمنين اللاتى جلسن للفتيا رضي الله عنهن جميعا. كما ذكر أن
حفصة كانت كاتبة ذات فصاحة وبلاغة لها مقالة في مرض أبيها عمر بن الخطاب
وفي بعض الروايات أنها خطبت بعد مقتل أبيها على مستوى من البلاغة والحكمة
وقد اتفق الإمامان البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث وقيل أربعة أحاديث
وروى مسلم عنها ستة أحاديث متفردا ,وروى عن حفصة عدد من الرجال منهم
أخوها عبدالله بن عمر وطائفة من كبار علماء الصحابة والتابعين منهم
عدد من نساء الصحابة 0
*وفاتها - رضي الله عنها- *
ما لبثت حفصة رضي الله عنها أن توفيت سنة خمس وأربعين وقيل سنة إحدى
وأربعين وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أوصى إليها بعد موته وصية,
أوصتها بدورها إلى عبدالله بن عمر وبصدقة تصدقت بها وبمال وقفته بالغابة.
وكان لها من العمر ستون عاما وذلك في خلافة معاوية بن أبى سفيان ودفنت
رضي الله عنها بالمدينة وصلى عليها مروان بن الحكم وقيل أنه صنع لها
نعش وقد شهد شاهد من أهلها بحسن صلتها بالله - عز وجل - بكثرة الصيام
حتى قيل : إنها ماتت حتى ما تفطر 0 اللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أزواجه وأولاده وذريته وأصحابه
وسلم تسليما كثيرا .
إعداد / أم الزبرجد الشيبانية .
أعلى
التفسير النحوي للقرآن الكريم
كفر بني إسرائيل بنعم الله تعالى
أ.د /محمد كاظم البكّاء
أستاذ النحو والصرف - جامعة صحار
malbakka@maktoob.com
سورة البقرة 61- 79
قال تعالى : " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى
طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ
الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا
قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ
الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ
بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
... فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا
يَكْسِبُونَ (79)"
تابعنا النصوص القرآنية التي تكلمت على الإيمان وأحوال الناس من متقين
وكافرين ، ومنافقين ، ووقفنا على التعقيب في مسائل العقيدة وغيرها
، ثم تابعنا الكلام على بني إسرائيل وتذكيرهم بنعمه وآياته نعمة نعمة
، وفي هذا المبحث نتابع النصوص القرآنية التي تتناول كفر بني إسرائيل
بتلك النعم ؛ ويدل على ذلك إنكاره عليهم طلب استبدال طعامهم بالذي
هو خير ، وعقابهم بالذل والمسكنة ووصفهم بالقتلة والكافرين .
وتلك المخالفات كثيرة أولها عدم قناعتهم بما هو خير لهم من طعام المن
والسلوى وطلب استبداله ، وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم النبيين ، وتوليهم
عن الوفاء بالميثاق والعهد على العمل بما فيه التوراة ، واعتداؤهم
يوم السبت ، وجريمة القتل التي كتموها لغرض تكذيب موسى (ع) ، وآخر
هذه المخالفات النكراء سبّهم النبى محمدا (ص) بقولهم (راعنا) ومعناه
: اسمع لا سمعت .
وسنتابع هذه المخالفات في نصوصها المتتالية وجملها الرئيسة مقتصرين
ههنا على ما جاء في( سورة البقرة 61- 79 ).
أولا - مخالفة عدم القناعة وطلب استبدال الطعام :
تضمنت الجمل الآتية مخالفة عدم قناعتهم بالمن والسلوى وطلب استبدال
طعامهم بالذي هو خير،وهي :
- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ
.
والمعنى : عدم قناعتهم بالمن والسلوى.
- فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ
بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا
وَبَصَلِهَا .
والمعنى : طالبوا النبي موسى (ع) بأن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض
ما يؤكل من البقول وغيره .
- قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
.
والمعنى : استفهم مستنكرا طلب الأدون.
- اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .
والمعنى : إن تهبطوا مصر فإنكم ستجدون ما سألتم .
ثانيا - مخالفة كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين :
تضمنت الجمل الآتية مخالفتهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين ، وهي
:
- وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ.
والمعنى : جعلوا أذلاء مساكين،وقيل : فرضت عليهم الجزية وخافوا من
مضاعفتها عليهم .
- وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ .
والمعنى : رجعوا وعليهم الغضب .
- ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
والمعنى : ذلك الغضب بسبب كونهم يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين
. اراد بآيات الله النعم التي أنعم بها عليهم .
وقوله تعالى ( ويقتلون النبيين بغير الحق ) أراد أن قتلهم مطلقا كفر
، أي :أن قتلهم يوجب الغضب واللعنة ، وأن قتلهم بغير الحق أشد وأكثر
كفرا . وهذه الآية تجري مجرى قوله تعالى (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي
ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ، سورة البقرة 41)التي أشرنا
إليها .
- ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (البقرة:61)
المعنى : ذلك الغضب بسبب كونهم كافرين بآيات الله التي تضمنت نعم الله
تعالى عليهم ، وقتلهم الأنبياء،وقد عدّ كفرهم بآيات الله عصيانا،وقتلهم
الأنبياء اعتداء .
- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 62) .
تعقيب :
هذه الجملة تعقيب لبيان أن المعول عليه هو اقتران العمل بالأيمان ،
فليس بنافع بنو إسرائيل ولا غيرهم ادعاءهم الإيمان وهم يرتكبون المعاصي
ويعتدون .
أراد بالذين أمنو المسلمين وقيل المنافقين منهم خاصة ، وأراد بالذين
هادوا بني إسرائيل ، وتهود : دخل في اليهودية ، والنصارى : جمع نصران
( فعلان) والياء للنسب ( نصرانيّ) ؛ وذلك لنصرهم المسيح أو لكونهم
معه في قرية تسمى (ناصرة) وأراد بالصابئين : الذين زعموا أنهم صبوا
إلى دين الله وهم كاذبون ، وقيل : هم عبدة النجوم أو الملائكة .
ثالثا : مخالفة تركهم الأخذ بالتوراة :
تضمنت هذه الجمل إلزامهم بالقوة للأخذ بالتوراة ،ولكنهم تولوا عن القيام
بذلك ، وهذه الجمل هي:
- وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ
والمعنى : أخذ الله تعالى على بني إسرائيل ميثاقا للعمل بالتوراة وأنه
قد هددهم برفع قطنه من الجبل بقدر معسكر أسلافهم فوق رؤوسهم حتى قبلوا
.
- خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ.
والمعنى : هددهم بالأخذ بالتوراة بجد وحزم .
- وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ.
والمعنى : اذكروا ما في التوراة من الأحكام واعملوا بها .
- لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
والمعنى : لعل عملكم بما في التوراة يهديكم إلى التقوى .
- ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
والمعنى : ثم تركتم العمل بالتوراة بعد تعهدكم بالأخذ بالميثاق .
- فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ
الْخَاسِرِينَ.
والمعنى : لولا فضل الله عليكم بإمهالكم للتوبة وإرسال محمد (ص) لهداية
الناس كافة وهدايتكم خاصة ، لكنتم من الخاسرين .
رابعا - مخالفتهم بالقضاء على الحوت :
تضمنت هذه الجمل نهيهم عن صيد الحوت والقضاء عليه ، وفيها تـنبيه على
وجوب المحافظة على البيئة ، وهذه الجمل هي :
- وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ.
والمعنى : نهى الله تعالى أصحاب القرية من بني إسرائيل عن صيد الحوت
، فقد كانوا يحفرون الحياض ويشرعون إليها الجداول ، وكانت الحيتان
تدخلها يوم السبت ليصيدوها يوم الأحد .
- فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ.
والمعنى : عاقبهم الله بمسخهم قردة لا خير فيهم .
- فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
المعنى : أي فجعلنا مصيرهم قردة عقوبة لما قبلهم وما بعدهم من الأمم
أو لمعاصريهم بسبب ذنوبهم ، وجعلنا هم موعظة لمن اتقى .
خامسا - مخالفة قتل النفس وكتمان خبر القاتل لتكذيب موسى (ع) :
تضمنت هذه الجمل حكاية قتل بني إسرائيل نفسا وكتمان خبر القاتل عن
النبي موسى(ع) الذي أوحي إليه بذبح بقرة وضرب المقتول بذنبها ليحيى
ويخبرعن قاتله .
- وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تَذْبَحُوا بَقَرَةً.
المعنى : واذكروا يا بني إسرائيل حين أمر موسى قومه بذبح بقرة ليضربوا
القتيل بها فيحيا ويخبرهم بقاتله ، والحكاية أن جماعة قتلوا ابن شيخ
موسى ليرثوه ، وقيل : قتله ابن عمه ليتزوج ابنته .
- قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً.
المعنى : أتجعلنا سخرية ، وهو استفهام إنكاري .
- قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ.
المعنى : طلبوا من موسى (ع) بيان صفتها .
- قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ
عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ.
المعنى : إنّها لا صغيرة لا كبيرة ، وهي وسط بين الفارض والبكر .
- فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ.
المعنى : أمرهم بذبح البقرة وقد حدّد أوصافها .
- قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا.
المعنى : طالبوا موسى (ع) بالمزيد من الأوصاف وهو بيان لونها .
- قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا
تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.
والمعنى : إنها بقرة صفراء حسنة اللون تسرّ الناظرين.
- قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ
المعنى : طالبوا موسى(ع) بالمزيد من الأوصاف ، وهو بيان حقيقتها .
جملة ( ما هي) في محل نصب مفعول به .
- إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا.
المعنى : إن جنس البقرة يتسع لأنواع مختلفة تورث اللبس والتشابه .
والبقر اسم جنس جمعي وليس جمعا ، أراد أنّ التشابه يقع في جنس البقر
وليس في عدد منه ، وهو غاية التعسف في الطلب .
- وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ.
المعنى: إذا ما تم بيان وصفها فإنا لمهتدون إلى تعيينها وذبحها .
- قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ
وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا.
المعنى : إن البقرة لم تذلل وتدرب لإثارة الأرض وحرثها ، ولا هي مما
تجرّ الدلاء للسقي ، وإنها سالمة من العيوب ، ولا شئ فيها يعيبها .
- قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ.
والمعنى : أي استطعت تحديد أوصافها .
- فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.
اشتروها وذبحوها وما كادوا يدفعون ثمنها ؛ لأنّهم اشتروها بملء جلدها
ذهبا ، وقد كانت ليتيم فأغناه الله تعالى بها .
- وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ
مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
اذكروا حين قتلتم نفسا وأخفيتم خبر القاتل والله مخرج سرّ ما كتمتم
من جريمة.
نوّن اسم الفاعل ( مخرجٌ) للدلالة على وقوع فعل الإخراج في المستقبل
، وفيه ( ما ) اسم موصول في محل نصب مفعول به لاسم الفاعل .
- فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا.
اضربوا القتيل ببعض جسد البقرة ليحيى ويخبر عن قاتله ، وقيل : ضربوه
بذنب البقرة .
- كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ.
والمعنى: يحيي الله الموتى ويريكم آياتة الدالة على قدرته كما أحيي
الميت بملاقاة ميت آخر .
- لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
والمعنى : أي أنّ القادر على إحياء نفس هو قادر على إحياء الناس جميعا
، وفيها تنبيه على بعثهم لحساب يوم القيامة ، أو أراد التنبيه على
قدرته في معجزاته ودعوتهم إلى التفكير ومحاسبة أنفسهم .
* تعقيب:
تضمنت الجمل الآتية تعقيبا على الآيات العظيمة ومنها كيفية الكشف عن
القاتل بلسان القتيل الذي رزق الحياة بملاقاة جسد البقرة المذبوحة
، وأن ذلك لم يؤثر إلا قليلا في قلوب إسرائيل ، وهذه الجمل هي :
- ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ .
والمعنى : أصبحت قلوبكم غليظة وعواطفكم جافة من بعد تأثركم بواقعة
القتل ووقوفكم على آيات الله المعجزة بالكشف عن القاتل التي ينبغي
ان تجعلكم ذوي خير ورحمة .
- وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ.
والمعنى : إن شدة قسوة بني إسرائيل أكثر من الحجارة ، لأنّ من الحجر
ما يسيل منه الماء ،وتجري الأنهار، ويتدفق الخير .
- وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ .
والمعنى : وإن شدة قسوة بني إسرائيل أكثر من الحجارة أيضا ، لأنّ منها
ما ينشق عن ينابيع وعيون وآبار .
- وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
والمعنى : يريد أنّ من الحجر ما يخشى الله فيهبط بإذنه ، ولكن بني
إسرائيل لم يخشوا الله ، فهم أشد قسوة .
- وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
والمعنى: إن الله تعالى يعلم جميع ما يعملون .
سادسا - مخالفة تحريف كتاب التوراة :
تضمنت هذه الجمل مخالفة سماعهم كلام الله أو تلاوته في التوراة وتحريفه
عند الإبلاغ به ، وهذه الجمل هي :
- أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا
عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة:75)
والمعنى : قصد فريقا من بني إسرائيل يسمعون كلام الله يتلى عليهم في
أصل جبل طور سينا ، فإذا بلّغوا به تعمدوا تحريفه ، وهذا ينبغي ألا
يطمع النبي محمدا (ص) والمؤمنين بكسب اليهود وحملهم على الإيمان .
- وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا.
إنّهم يدعون الإيمان بنبوة محمد (ص) عند لقاء المسلمين .
- وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ
بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ
.
إنّهم في خلوتهم مع أصحابهم يلومونهم على حديثهم عن دلائل نبوة محمد(
ص) في كتاب التوراة .
- أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ (البقرة:77)
والمعنى: ينكر الله تعالى عليهم جهلهم بأن الله يعلم الذي يعلنونه
من النفاق والذي يسرونه من الخلوة بأصحابهم ونهيهم عن التحدث بدلائل
نبوة محمد (ص) التي وجدوها في التوراة .
- وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (البقرة:78)
والمعنى : ومن بني إسرائيل أميون لا يعرفون القراءة ؛ ولذلك من اليسير
تضليلهم ، ولذلك يعمد إلى ما يستجيب لأماني الأميين وظنونهم ، ولا
يكلمونهم بحقائق دلائل نبوة محمد (ص).
- فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
والمعنى : هلاك وعذاب - وقيل : الويل من أسماء جهنم - للذين يكتبون
الكتاب بأيديهم ، أي : يعرفونه معرفة كاملة ، ولكنّهم يحرفون الكلم
عن مواضعه عن قصد ؛ليضلوا به الأميين خاصة ، أو أنهم ينالون به عرضا
من متاع الدنيا وهو محرم وإن قلّ ، فكثيره أكثر حرمة .
- وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (البقرة:79)
أعلى
من المكتبة العربية
لا تحزن
عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري
المؤمن شعاره ( لا تحزن ) هذا الشعار يتمثل في جلب السعادة الحقيقة
والهدوء والسكينة التي يعيشها الإنسان المؤمن بالله بوعي وتدبر ، وفتح
أبواب البشر والأمل والفرج والمستقبل الذي دائما يكون متفائلا به لأن
حياة المؤمن حياة تذكير برحمة الله وغفرانه وتوكله على الله طريقه
الذي يسلكه ليصل به عبر الأمان الصحيح ليعيش في حدود اليوم ، تركاً
الحزن والقلق على المستقبل ، لأن الفرج وإزالة الحزن والغم والهم كلها
بيد رب السماوات والأرض فما على المؤمن إلا أن يعيش حياة هانئة متفائلا
دائما وكتاب لا تحزن يحمل بين أوراقه 508 صفحات عالج مؤلف هذا الكتاب
العديد من القضايا والأمور التي تهم كل مسلم بأسلوب دقيق يتناسب مع
ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الكتاب للمؤلف عائض بن عبدالله
القرني .
الابتسامة هي مفتاح وسر القلوب التي تنبعث منها الابتسامة الصادقة
وقال مؤلف هذا الكتاب عن الابتسامة :الضحك المعتدل بلسم للهموم ومرهم
للأحزان ، وله قوة عجيبة في فرح الروح ، وجذل القلب ، حتى قال أبو
الدرداء : إني لأضحك حتى يكون اجماما لقلبي ، وكان أكرم الناس صلى
الله عليه وسلم يضحك أحيانا حتى تبدو نواجذه ، وهو ضحك العقلاء البصراء
بداء النفس ودوائها .
والضحك ذروة الانشراح وقمة الراحة ونهاية الانبساط ولكنه ضحك بلا إسراف
( لا تكثر الضحك فان كثرة الضحك تميت القلب ) ولكنه التوسط ( وتبسمك
في وجه أخيك صدقة ) ، قال تعالى ( فتبسم ضاحكا من قولها ) وليس ضحك
الاستهزاء والسخرية وقال تعالى ( فلما جاءهم بأياتنا إذا هم يضحكون
) ومن نعيم أهل الجنة الضحك ويقول سبحانه وتعالى ( فاليوم الذين ءامنوا
من الكفار يضحكون ).
وكانت العرب تمدح ضحوك السن ، وتجعله دليلا على سعة النفس وجودة الكف
، وسخاوة الطبع ، وكرم السجايا ، ونداوة الخاطر :
ضحوك السن يطرب للعطايا ويفرح إن تعرض بالسؤال
وقال زهير في ( هرم ) :
تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
إن انقباض الوجه والعبوس علامة على تذمر النفس ، وغليان الخاطر ، وتعكر
المزاج وقال تعالى :( ثم عبس وبسر )
ولا قيمة للبسمة الظاهرة إلا إذا كانت منبعثة مما يعتري طبيعة الإنسان
من شذوذ ، فالزهر باسم والغابات باسمة ، والبحار والأنهار والسماء
والنجوم والطيور كلها باسمة ، وكان الإنسان بطبعه باسما لولا ما يعرض
له من طمع وشر وأنانية تجعله عابسا ، فكان بذلك نشازا في نغمات الطبيعة
المنسجمة ، ومن أجل هذا لا يرى الجمال من عبست نفسه ، ولا يرى الحقيقة
من تدنس قلبه ، فكل إنسان يرى الدنيا من خلال عمله وفكره وبواعثه فإذا
كان طيبا والفكر نظيفا والبواعث طاهرة ، كان منظاره الذي يرى به الدنيا
نقيا ، فرأى الدنيا جميلة كما خلقت ، وإلا تغبش منظاره ، وأسود زجاجه
، فرأى كل شيء أسود مغبشا .
فإذا أردت الابتسام فحارب اليأس ، أن الفرصة سانحة لك وللناس ، والنجاح
مفتوح بابه لك وللناس ، فعود عقلك تفتح الأمل وتوقع الخير في المستقبل
، وليس يوفق الإنسان في شيء كما يوفق إلى، مرب ينمي ملكاته الطبيعية
، ويعادل بينها ويوسع أفقه ويعوده السماحة وسعة الصدر، ويعلمه أن خير
غرض يسعى إليه أن يكون مصدر خير للناس بقدر ما يستطيع ، وأن تكون نفسه
شمسا مشعة للضوء والحب والخير ، وأن يكون قلبه مملوءا عطفا وبرا وإنسانية
، وحبا لإيصال الخير لكل من أتصل به.
النفس الباسمة ترى الصعاب فيلذها التغلب عليها ، تنظرها فتبسم ، وتعالجها
فتبسم ، وتتغلب عليها فتبسم ، والنفس العابسة لا ترى صعابا فتخلفها
، وإذا رأتها أكبرتها واستصغرت همتها وتعللت بلوى .
ثم لاشيء أقتل للنفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها ، وإنها
لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم ، ولا ينتظر منها خير كبير ، هذا الشعور
بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها ، فإذا أقدم على
عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه ، وعالجه بفتور ففشل به ، الثقة
بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة ، وشتان بينهما وبين
الغرور الذي يعد رذيلة ، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على
الخيال وعلى الكبر الزائف ، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها على
تحمل المسؤولية وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعدادها .
ما أحوجنا إلى البسمة وطلاقة الوجه ، وانشراح الصدر وأريحية الخلق
، ولطف الروح ولين الجانب.
الصدقة باب من أبواب الخير والصدقة تطفيء غضب الرب وللصدقة فضائل عديدة
عند الله وقد أشار المؤلف عن الصدقة قائلا : الصدقة سعة في الصدر وتدخل
في عموم ما يجلب السعادة ويزيل الهم والكدر فعل الإحسان من الصدقة
والبر وإسداء الخير للناس ، فإن هذا من أحسن ما يوسع به الصدر قال
تعالى ( أنفقوا مما رزقناكم ) وقال تعالى ( والمتصدقين والمتصدقات
) وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم البخيل والكريم برجلين عليهما
جبتان ، فلا يزال الكريم يعطي ويبذل ، فتتوسع عليه الجبة والدرع من
الحديد حتى يعفو أثره ، ولا يزال البخيل يمسك ويمنع ، فتتقلص عليه
، فتخنقه حتى تضيق عليه روحه قال تعالى ( ومثل الذين ينفقون أموالهم
ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فاتت
أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل ) وقال سبحانه ( ولا تجعل يدك مغلولة
إلى عنقك ) إن غل الروح جزء من غل اليد ، وإن البخلاء أضيق الناس صدوراً
وأخلاقاً ، لأنهم بخلوا بفضل الله عزوجل ، ولو علموا أن ما يعطونه
الناس إنما هو جلب للسعادة ، لسارعوا إلى هذا الفعل الخير قال تعالى
( إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم ) وقال سبحانه (
ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وقال تعالى ( ومما رزقنهم ينفقون
) .
الله أعطاك فأبذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال
المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال
ويقول حاتم :
أما والذي لا يعلم الغيب غيره ويحيي العظام البيض وهي رميـــم
لقد كنت أطوي البطن والزاد يشتهي مخافة اليوم أن يقال لئيـــم
وقد تطرق مؤلف هذا الكتاب إذا أصاب الإنسان الحزن عليه أن لا يقنط
من رحمة الله بل يكون هدفه أن الله غفور رحيم وقد تطرق مؤلف هذا الكتاب
قائلاً :
ألا يشرح صدرك ، ويزيل همك وغمك ، ويجلب سعادتك قول ربك جل في علاه
قال تعالى ( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) فخاطبهم يا
عبادي تأليفا لقلوبهم ، وتأنيساً لأرواحهم ، وخص الذين أسرفوا ، لأنهم
المكثرون من الذنوب والخطايا فكيف بغيرهم ؟! ونهاهم عن القنوط واليأس
من المغفرة ، وأخبر أنه يغفر الذنوب كلها لمن تاب ، كبيرها وصغيرها
، دقيقها وجليها .
الا تسعد وتفرح بقوله تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم
ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا
على ما فعلوا وهم يعلمون)
وقوله جل في علاه ( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد
الله غفوراً رحيما ) .
وقوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم
مدخلا كريما )
وقوله عزمن قائل ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله
واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) .
ولما قتل موسى عليه السلام نفساً قال : رب اغفر لي ، فغفرله .
وقال عن داود بعدما تاب وأناب ( فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى
وحسن ماب )
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : فيما صح عنه : يقول الله تبارك
وتعالى : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان
منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم أستغفرتني
غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم
لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة
وفي الصحيح : عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : إن الله يبسط
يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل
، حتى تطلع الشمس من مغربها .
وفي الحديث القدسي : يا عبادي ، أنكم تذنبون بالليل والنهار ، وأنا
أغفر الذنوب جميعاً ، فاستغفروني أغفر لكم .
وفي حديث صحيح : والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد
من الذنب ، وهو العجب.
وعبر هذا الكتاب العديد من المواضيع التي يستفيد منها المسلم في حياته
.
أعلى
(وقل اعملوا)
أسباب الاختلاف في تحديد عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي
أيها القراء الأعزاء:
إن أسباب الاختلاف في تحديد عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي تكمن
في إحدى القضيتين التاليتين:
الأولى: قضية عدم وضوح الفوارق بين العناصر المشتركة مباشرة في الانتاج
والعناصر النهائية الأساسية التي تشترك بشكل غير مباشر بعد إجراء تحويلات
عليها وما يتفرع عن هذه القضية من إمكانية تعريف رأس المال أهو مجموعة
عمل متراكم أم لا؟
الثانية: قضية التوفيق بين تحريم الربا المنصوص عليه في الإسلام وبين
الدور الواضح الذي يؤديه رأس المال في عملية الإنتاج وهو ما فشل في
تحقيقه معظم الكتاب المسلمين بسب وجود عوالق من النظام الرأسمالي في
أذهان كثير منهم وبخاصة فيما يتعلق بتعريف رأس المال واعتبار سعر الفائدة
تعويضا له. فالقضية الأولى تجرنا إلى الحديث عن نظرية القيمة وعن رأس
المال باعتباره مخزونا متضمنا في سلعة تستخدم في إنتاج سلع أخرى وسنتناول
بعضا من ذلك في أثناء الكلام عن عنصر (رأس المال).
والقضية الثانية تدخل ضمن نظرية التوزيع ولن نتحدث عنها لأن ذلك يخرجنا
على الموضوع الذي نريد توضيحه. وبعد أن عرفنا تحديد عناصر الإنتاج
في الاقتصاد الإسلامي وأسبابه لابد من اتخاذ أسلوب أو أساس معين يمكن
الاستناد إليه في تحديد عناصر الإنتاج ومنهجنا في هذا الموضوع يرتكز
على عدة مرتكزات منها: الفصل الكامل بين عناصر الإنتاج وعوائدها فلا
ندع أحدهما يؤثر في تحديد الآخر إلا أنه يمكن الاستئناس بقدرة العنصر
على توليد الدخل (العائد) على أهمية ذلك العنصر ولابد أيضا من تحديد
المعيار الذي نحتكم إليه في معرفة كون الشيء عنصر إنتاج أو لا.. ولابد
من بحث الموضوع بغير موقف فكري مسبق ناتج عن الدراسة الاقتصادية الغربية..
في ضوء تلك المرتكزات يمكننا مناقشة هذا الموضوع في الفقرات التالية.
ثالثا: معيار تحديد عناصر الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي:
لمعرفة المقصود بكون الشيء عنصرا إنتاحيا لابد من بيان المقياس أو
المعيار الذي يمكننا في ضوئه تحديد عناصر الإنتاج. فهل المعيار هو
الإسهام في إنتاج الثروة؟ ومن ثم فإن كل ما يسهم في إنتاج السلعة أو
الخدمة يعد عنصر إنتاج أو إن المعيار في ذلك هو ملكية الشيء المنتج
وبالتالي فإن من يملك الثروة المنتجة يكون هو الذي أنتجها أي يكون
هو عنصر إنتاج أو إن المعيار في ذلك هو مدى قدرة العنصر على توليد
الدخل أي حصوله على العائد. هذا وأننا نخالف معظم الاقتصاديين الذين
يرون أن المؤشر الأساسي والهام في تحديد شيء ما هل هو عنصر إنتاج أو
لا! هو قدرة هذا العنصر على توليد الدخل أو حصوله على العائد. وإننا
نتساءل من أين جاء هذا الدخل أو العائد؟ أليس من إسهام العنصر في الإنتاج؟.
إذا إسهام العنصر في الإنتاج ومشاركته هي الأساس في تحديد العائد والعائد
هو التابع للعنصر والعنصر متبوع فكيف نجعل التابع أساسا في تحديد المتبوع؟
وسيتبين لنا بوضوح ـ من خلال النصوص الفقهية التي سنستعرضها ـ أن كون
الشيء عنصر إنتاج لا يتوقف على ملكية الثروة المنتجة بل يتوقف على
مدي إسهام العنصر في إنتاج المنتج. إن المعيار المعول عليه في اعتبار
الشيء عنصر إنتاج هو توقف الإنتاج على هذا الشيء وعدم إمكانية قيامه
دون إسهامه ومن خلال استعراض النصوص الفقهية سنحدد طبيعة إسهام العنصر
في العملية الإنتاجية هل هو إسهام مباشر فقط؟ أو يشمل الإسهام المباشر
وغير المباشر سنناقش ما ذكرناه من خلال عقدي المضاربة والمزارعة في
الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى.
إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أعلى
|