كلمة ونصف
برج الصحوة يستغيث
برج الصحوة أكبر من كونه دوارا لتنظيم الحركة
لمختلف الاتجاهات ، كغيره من المحاور أو الدوارات في محافظة مسقط
، وغيرها من المحافظات والمناطق وهو ما يجب أن نعيه جيدا وأن نهيئه
بما يتناسب أهميته وليكون محطة رئيسية متكاملة.
فبرج الصحوة يعد معلما حضاريا بارزا ، يجسد النهضة التي شهدتها البلاد
طوال السنوات الماضية ، ويبرز ملحمة العمل الوطني التي تجسدت على
هذه الأرض الطيبة ، تحت قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن
سعيد المعظم
ـ حفظه الله ورعاه ـ فهذا المعلم يعد مرتكزا محوريا يربط كل محافظات
ومناطق السلطنة ، وهو بمثابة مركز رئيسي تشد إليه الرحال من كل حدب
وصوب وتلتقي فيه كل المناطق.
وهذا المعلم يعاني من عدم توافر الخدمات الرئيسية ، التي يتطلب أن
تكون في هذا الموقع الهام والرئيسي ، مثل محطات متكاملة ومظلات للركاب
والسيارات وأماكن استراحة للركاب والعابرين وسائقي سيارات الأجرة
والحافلات الذين يستظلون بالأشجار من حرارة الشمس اللافحة في فصل
الصيف في مظاهر غير حضارية في مسقط العامرة.
ويهرول المسافرون إلى سياراتهم في أوقات الأمطار ، بعد أن تغسل الأمطار
ملابسهم وتتبلل أمتعتهم في مشاهد مؤلمة ومؤلم أن ترى الفرد بهذه
الحالة المزرية في حين أن الزينات على اختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها
تتوزع على جوانب هذا المعلم في مظاهر شكلية وديكورات وقتية ، لبضعة
شهور هنا وهناك مضاعفة بذلك التكاليف وهي تواري خلفها عشرات المشاكل
، التي يتطلب من الجهات المختصة أن توليها اهتماما يتواكب مع أهميتها
وعدم الإفراط في الأمور الشكلية.
إن العمل البلدي يجب أن يمضي في مثل هذه المشاريع الرئيسية والهامة
كهذه المحطات التي من شأنها أن تخدم شرائح واسعة من المستفيدين والمستخدمين
لدوار برج الصحوة وبين الأمور الأخرى التي ليست بتلك الضرورة القصوى
أو كليهما معا بدون إفراط أو تفريط.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

باختصار
اردوغان: حذار من الفتنة
أدرك رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان أن
ماسيتحدث به في بيروت سيكون في محله ، اذ ان العاصمة اللبنانية مشدودة
في هذه الايام الى عصبيات قاتلة لايسمع فيها صوت العقل ولا المنطق
، كما لايمكن الاصغاء الى اي تنبيه ، ومع ذلك قال كلاما في منتهى
الدقة والمسؤولية حين حذر من المذهبية ومن الفتن ، لكنه أعقب كلامه
بتنبيه فيه الكثير من الاستغراب هو الخوف من تلك الفتنة التي قد
تعم المنطقة اذا مابوشرت من لبنان ، وعندما يؤكد كلمة المنطقة فإنه
يذهب بعيدا في التاريخ قبل ان ينضج الواقع السياسي الحالي لكل الاطراف
في منطقتنا التي تسعى للعيش بسلام الحاضر والمستقبل وحتى في ماهو
إيجابي في الماضي من تراث حي.
يخاف اردوغان من كلمة شر فتنوية تتطاير في أرجاء لبنان حيث الاحتقان
المذهبي والطائفي على أشده . ان الشر عادة يبدأ بكلمة لكنه يتطور
ليصبح ميدانا وقد تتداخل فيه عناصر خارجية ليصبح شمولياً حيث لايمكن
عندها وضع حد لنزيفه.
لاشك أن اردوغان السياسي التركي على وعيه بحاضر دول المنطقة ومنها
تركيا يعرف بالأرقام شكل الطوائف والمذاهب القائمة ، وإذا كانت الفتنة
نائمة فهذا لايعني عدم صحوتها اذا ماسارع آخرون لايقاظها ضمن مناخ
ملائم لها . ويعرف اردوغان ان الخطة الاميركية الجديدة هو اللعب
على هذا الوتر الحساس لانه يعيد تهديد دول المنطقة ويجعلها اكثر
التصاقا بما يبغيه الاميركي وما يطلبه من بلدان تلك المنطقة ، لابل
تشظي المنطقة على ايقاع طائفي مذهبي من اجل ان تكون إسرائيل هي الطائفة
الاكبر التي يمكنها ان تحكم البقية وان تسوسها ضمن اهدافها ومصالحها
القائمة .
كما لاشك ان اردوغان مثل غيره من أهل الرأي السديد يسألون الآن :
هل تكتشف المنطقة طوائفها ومذاهبها بالصدفة اليوم وهل وعت فجأة على
وجود هذا التبعثر المذهبي ، ثم كيف يعاد الاحتدام المذهبي وكأننا
خارجون للتو من معركة صفين التاريخية التي انقسم فيها المسلمون على
انقسام كان قائما وعلى فتنة أدت الى تعكير الحياة الاسلامية والى
تبعثر قواها الحية لعشرات بل لمئات السنين .
لم يأت اردوغان الى لبنان في هذه الظروف إلا لأنه قرأ من بعيد ماتجمعت
لديه من معلومات تفيد بوجود من يريد اطلاق الفتنة المذهبية من نومها
، وهو العليم بأن تركيا وإيران قد تجاوزت ذلك الخصام في التاريخ
الذي سمي صفويا وعثمانيا لكنه كان في بعده الأساسي سياسيا بالدرجة
الاولى . إلا أن وصول اردوغان الى بيروت واطلاقه صيحة الخوف من الفتنة
هو موقف تحريضي على الفتنة وعلى المفتنين وعلى المخططين ، لكنه قبلا
خوف من ان تكبر رفعة الزيت لتشمل تركيا التي هي بتركيبتها الفسيفسائية
اقرب الى العالم العربي لا بل قد تتجاوزه في بعض التفاصيل .
يعرف اردوغان ان تجارب تصدير الفتنة من العراق الى خارجه قد لا تنجح
لان العراق واقع تحت احتلال جل ماهو امام شعبه هو المقاومة لاخراجه
وانه مهما حصل من تجاوزات داخلية فإن الامر لن يتعدى فوضى في التنظيم
ليس إلا ، اما لبنان فهو يملك إعلاما فضائيا وصحافيا له كل التأثير
في تفتيح العيون ، كما انه محط أنظار العالم العربي والاسلامي والدولي
بالنظر الى موقعه واهميته ، وهو ايضا نقطة التقاء بين الطوائف والمذاهب
التي سعت دائما لايجاد خيوط من المودة فيما بينها الا انها تفلت
هذه المرة من بين ايديها ويلعب بذلك قوى خارجية وداخلية لتهديد لبنان
اولا ولتهديد محيطه بالنار ذاتها وبما هو ابعد من هذا المحيط .
لم يقل اردوغان تحذيره ومشى بل وضع نفسه ليكون وسيطا من اجل ان لاتكون
هنالك نار لن تحرق لبنان واللبنانيين بل الكل على مايبدو لهذا السياسي
التركي الطيب.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

اقول لكم
عندما سكتت شهرزاد
بعد ان سكتت شهرزاد عن الكلام المباح وغير
المباح في ليلتها الثانية بعد الألف، كانت قد سكنت داخل قلب شهريار
وعقله وضميره فاتخذها زوجة خليلة صديقة، وكف عن عادته الدموية في
فض الأبكار لليلة واحدة ثم الاطاحة برؤوسهن في الصباح التالي..هذا
التحول الاساسي في موقف شهريار، هل يعني ان الرجل يحتاج دائما الى
من يقابل غلظته بالنعومة ودمويته بالدهاء والتحايل ونفاد صبره بالتصبر؟
ربما ، لكن مؤلفين معنيين بما حدث في الليلة الثانية بعد الألف،
يرون ان ما حدث مجرد استبدال لدكتاتورية الرجل بأخرى انثوية لا ترتضي
بغير الرضوخ الكامل بديلا!.
ولو خرجنا من هذا الاطار الحكاياتي الضيق وعممنا الظاهرة على واقع
عالمنا الراهن، سنكتشف ان شهريار المعاصر يحكم قرية كونية كبيرة
بكل سطوته وجبروته: يستنزف ارزاق اهلها ويجعل أعزتهم أذلة ويستبيح
اعراض نسائهم ويهين معتقداتهم ويفتض أبكارهم بالجملة، لكن موقفه
غير قابل للتبديل والتغيير بشهرزاد معاصرة تأخذه على كفوف الراحة
وتبث احاديث الهوى وغرائب الحكايات في اذني الملك السعيد ذي الرأى
الرشيد، واغلب الظن ان شهريار المعاصر لن تحول مواقفه وتطوعها الا
شهرزاد أمازونية شرسة، تسعى للتغيير بيدها او بسيف مسرور!.
سكوت شهرزاد ـ فيما يرى البعض ـ ليس انتصارا للرقة والنعومة والدهاء
على الغلظة والفجاجة والحسية، اذ يرونه مجرد هدنة مؤقتة ـ سرعان
ما تنتهك ـ بين غرائز الجانب المظلم من النفس البشرية وقيمها واهدافها
النبيلة، وربما لهذا يظنون ان الصراع سوف يتواصل بين كل شهريار وكل
شهرزاد الى ان تشرق النفوس بنور بارئها وتحسم المعركة لصالح الفضائل
والشهرزادات المقهورات، رغم أنف شهريار وصواريخه وطائراته الخفية
التي لا يرصدها الرادار!.
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

اصداف
بيانات الموتى في العراق
ثمة ثلاثة أدلة تدحض البيان الصادر عن الحكومة
العراقية، الذي قالت فيه: إن عدد القتلى العراقيين خلال العام المنصرم
2006 بلغ ثلاثة عشر ألف عراقي، ورغم ان غالبية وسائل الاعلام العراقية
والعربية والعالمية، اهتمت بهذا البيان، وعلق على محتواه الكثير
من المحللين والسياسيين، وشكل هذا الرقم صدمة للرأي العام، الا ان
حقيقة الامر غير الذي وجدناه في هذا البيان الذي صدر عن حكومة بغداد،
ويهدف الى قلب الحقائق، وتقليل حجم الصورة المأساوية المرعبة في
العراق، من خلال اختصار كل ذلك بأعداد ضئيلة جدا من القتلى، الذين
سقطوا خلال العام الماضي، وتحديدا بعد اجراء الانتخابات (15/12/2005)،
التي تحدث عنها الاميركيون والسياسيون العراقيون بكل فخر، وقالوا
انها البوابة الاهم نحو الاستقرار والسلم والرخاء في العراق.
لكن يكتشفه الجميع، ان بوابة الانتخابات قد انفتحت على مختلف انواع
الشر والقتل والاختطاف والتعذيب والخراب، أما الأدلة التي تدحض هذا
البيان وماوردت فيه من أرقام غير صحيحة على الاطلاق، فيمكن إجمالها
بالآتي:
الاول: إن اهم الاحصائيات الموثوقة، التي صدرت عن مسألة القتلى المدنيين
العراقيين، جاءت من الغرب وتحديدا من مجلة (لانسيت) العلمية الشهيرة،
وقالت في دراستها الميدانية، التي صدرت قبل ثلاثة اشهر ان عدد القتلى
المدنيين العراقيين منذ بداية احتلال العراق قد بلغ 665 الف قتيل،
واذا راجعنا تفاصيل المشهد العراقي، نكتشف بكل بساطة، ان العنف قد
ازداد في العراق خلال العام الحالي، وتحديدا بعد المخطط الاميركي-
الحكومي، الذي تم فيه تفجير قبة سامراء، اندفعت بعدها مباشرة عصابات
الإجرام لتمارس القتل وحرق بيوت الله والاختطاف والتعذيب، وتواصلت
تلك الافعال الاجرامية، ويعلم الجميع، ان النسبة الاعلى بين القتلى
في العراق، قد حصلت خلال عام
(2006)، ولا أدري كيف توصلت الحكومة الى الرقم الذي اعلنته عبر بيانها
موضوع نقاشنا.
الثاني: لقد حاولت الحكومة اخفاء المعلومات الحقيقية عن المنظمات
الدولية وعن وسائل الاعلام، اذ اعلن اشرف قاضي ممثل الامين العام
للامم المتحدة في بغداد، ان حكومة المالكي تحجب وتمنع المعلومات
الخاصة بعدد القتلى من المدنيين، كما ان وزير الصحة في حكومة المالكي
هاجم تقرير المجلة البريطانية، وعبر المسؤولون عن انزعاجهم من هذه
المعلومات، وهذا يؤكد حقيقة اعداد القتلى المدنيين في العراق.
الثالث: هناك هيئات ومنظمات عراقية ودولية، تؤكد ان عدد القتلى تجاوز
المليون وهذا يخالف ايضا ماجاء في البيان الذي اصدرته حكومة المالكي.
اما المهم في كل ذلك، فان احدا لايتحدث عن المعاقين وعن المشردين،
ولم تتمكن الحكومة المنتخبة من تحقيق انجاز واحد للعراقيين، ماعدا
التلاعب باعداد القتلى منهم.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب ـ جدار بغداد
wzbidy@yahoo.com
أعلى

أيها المتقاتلون في غزة هاشم
في يوم واحد، دم فلسطيني يراق في غزة ودم فلسطيني
يراق في رام الله، في غزة يد فلسطينية تقتل أخرى وفي رام الله يد
المحتل الصهيوني تقتل الفلسطينيين، وفي الحالين دم فلسطيني يراق
وجراح فلسطينية تنزف.
منذ سنوات وسنوات والدم الفلسطيني يهدر، والكرامة الفلسطينية تنتهك،
والحق الفلسطيني يداس بالأقدام، والمشروع الصهيوني يستمر وينمو،
والعرب يتفرجون، وتبقى " في الأعالي" رئاسات وزعامات وقيادات،
وترتفع أسهم شخصيات هنا وهناك، أسهم بالمعنى المادي المالي والسياسي
والإعلامي التجاري.
فهل كتب على الشعب الفلسطيني من بين شعوب الأرض أن تستمر مأساته
مئة سنة من المحنة، منها ستون عجاف داميات مرهقات، يعيش فيها أبناؤه
في بحران من الدم والقتل والحصار والسجون والمعتقلات، تنهب أراضيهم
وتستمر المشاحنات الكريهة فيما بينهم، والمواجهات الدامية من آن
لآخر.؟ بأي عقل أو قانون أو ضمير يستمر هذا الوضع المأساوي، وتبقى
قضية أجيال وحياتها ومستقبلها مرتهنة تنتظر المجهول والبائس من الحلول؟
ولماذا يدفع الشعب الفلسطيني المنكوب بالاحتلال وببعض أبنائه، لماذا
يدفع اليوم فاتورة الصراعات السياسية والفساد المالي والسياسي من
دم أبنائه، في ظل استمرار المعاناة والإذلال، وترهل قضيته ومن يدعي
أنه يرفع رايتها بمسؤولية أكثر من سواه أو بوعي وواقعية سياسة أفضل
وأنفع مما بفعله سواه؟
إذا ألقينا السؤال على الأمة العربية أجابنا البؤس الرسمي ببيانات
وتصريحات وإدانات وألوان شجب لا نهاية لها، وكلها تؤول إلى تراجعات
وتنازلات عن الحق والأرض والشعب المقهور، وتجسّد إدارة الظهر له
ولقضيته العادلة، ونوعاً من الاستسلام باسم سلام لا يأتي، وإن أتى
لا يعدل.
وإذا وجهنا السؤال للمجتمع الدولي أجابنا التواطؤ الأميركي بالشر
والقتل والنار، وبتأييد إرهاب الدولة الصهيوني مهما صنعت، ناطقاً
باسم "مجتمع دولي" يعطيه صورة المنافق، مجتمع لا يرعى
حرمة قرارات مؤسساته، ويكيل بأكثر من مكيال للفعل والتصرف الواحد،
ويسكت عن الانحياز الأعمى إلى العدوان والاحتلال والعنصرية وإرهاب
الدولة ووحشية القمع والقتل وإشعال الفتن، وإبادة منظمة لشعب ذي
تاريخ وحضارة ونضال طويل، هو الشعب الفلسطيني.
وإذا توجهنا إلى الفلسطيني نسأل غص فريق بالدمع، وتلعثم لسان بالإثم،
وانتفضت فئة بالبندقية.
أجابنا لسان بوش وأولمرت وأشباههم من قبل، الذي يعلو على الأصوات
كلها، ويبغي القضاء على المقاومة والمبدئية والتطلعات والآمال الفلسطينية
وعلى الشهامة التي ترفض الذل والعار، وتقدم دمها مهراً للحرية وتنيره
شمعة على طريق التحرير، ولكي يفك الحصار ذو الوجوه الظالمة القاسية
البائسة، ومن وجوهه وجه فلسطيني وآخر عربي للأسف الشديد ، الحصار
الذي يرمي إلى تركيع شعب ومقاومة ، وإلا فإشعال نار الفتنة بين الأخوة.
وقد بدأت الإرهاصات المرة لذلك تظهر وثماره تنضج، والنتيجة دم فلسطيني
يراق، وشعب فلسطيني يذبح، وقضية عادلة تنتهك تحت سمع العرب والعالم
وبصرهما.
لم نعد نقبل هذا المنطق ولم نعد نطيقه، ولم نعد نتحمل إراقة المزيد
من الدم العربي بهذه الصورة العبثية شبه المجانية، ولم نعد نصبر
على هذا الانتهاك لإرادتنا ومشاعرنا وانتمائنا وكرامتنا، ولقضية
شعب وأبسط حقوقه في الحياة.
فإلى من نتوجه وإلى من نوجه أسئلتنا التي نريد لها أجوبة مسؤولة
ذات مفعول ومعنى ودلالة وتأثير إيجابي، يوقف المأساة أو المهزلة،
إذ كثيراً ما تتحول صور المأساة الكارثية إلى مهازل بشرية.
كل الفلسطينيين يقولون الدم الفلسطيني خط أحمر، ولكن الدم الفلسطيني
يراق وينتشر خطوطاً حمراء على محزّ الرقاب وفي الشوارع والساحات
والطرقات، والبندقية الفلسطينية تنحرف عن صدر العدو المحتل لتضع
الشعب الفلسطيني أو بعضه هدفاً، وتؤجج صراعاً مرفوضاً بكل المقاييس
في مواجهات كريهة ومرفوضة بكل المقاييس أيضاً، ومكلفة في نهاية المطاف
بما لا يطاق، أياً كانت أسبابها.
حماس بمواجهة فتح!؟ ولماذا بالله يكون على حماس أن تواجه فتح أو
على فتنح أن تواجه حماس، بينما العدو الصهيوني يفتك بالطرفين؟ ولمصلحة
من يتم ذلك؟ وبأية وسائل وذرائع وأدوات وأثمان؟ ومن الذي يأمر بهذا
ويرتضيه ويحث عليه ويشترطه ليفك الحصار الظالم عن شعب بأكمله يعاني
الأمرين؟ أليس العدو وحليفه الأميركي الشرير الطخة أيدي رئيسه بدماء
العرب والمسلمين، وأصحاب المشروع الذي يستهدف الفلسطينيين كلهم؟
ولماذا يشتعل الصراع ويتجدد من آن لآخر، دامياً ومنذراً بالمخاطر
الكبار وداهمات الخطوب فوق أرض فلسطين ، لا سيما في السنة الأخيرة،
ولمصلحة من يا ترى؟ هل هو لمصلحة فتح أم لمصلحة حماس أم لمصلحة عدوهما
بالدرجة الأولى؟ وأي فتح هي صاحبة المصلحة في نزع بندقية المقاومة
التي أسست لها هي منذ عقود من الزمن، وروتها دماً، ورأتها المدخل
الوحيد المشروع والمجدي للدفاع عن الوجود والحقوق، ولإبقاء قضية
الشعب الفلسطيني حية؟ ومن الذي يقر أن المقاومة الفلسطينية، سواء
أأطلق رصاصتها مقاتل من فتح أو من حماس أو من الجهاد أو من الشعبية
أو من.. أو من.. هي إرهاب، وينبغي أن تلاحَق وتُجتثَّ بكل الوسائل
والأدوات والأساليب، بينما يترك الحبل على الغارب لإرهاب الدولة
الصهيوني وإرهاب قطعان المحتلين الصهاينة المتوحشين، ليفعلوا ما
يشاؤون في فلسطين؟
وإذا كان الاقتتال لإزالة المقاومة التي يسميها بوش وأولمرت ومن
يسير في ركابهما ويأتمر بأوامرهما، إرهاباً، فإنها مقاومة حماس و
فتح والجهاد والشعبية و.. و.. و.. إلى آخر طفل فلسطيني يواجه دبابة
الاحتلال بحجر. وكل أولئك، بعرف المحتل وحماته وعملائه وأزلامه،
إرهابيون ومطلوبون وينبغي العمل على إبادتهم روحياً وعقائدياً وجسدياً،
وهو لا يوفرهم لا في غزة ولا في رام الله ولا في الضفة الغربية..
فلم يقتتل إذن مقاتلون من حماس وفتح على الخصوص وهم المستهدفون من
العدو والفاسدين والمفسدين والمفرطين بالقضية والدم والشعب؟ أليس
الأجدر بهم أن يكونوا صفاً واحداً، ووعياً ناضجاً، وألا يقتتلوا
فيما بينهم.. وهذا وحده كفيل بإطفاء الفتنة وإسقاط مدبريها أياً
كانوا، وتوجيه السلاح الفلسطيني إلى الاحتلال.
لسنا بحاجة إلى إراقة المزيد من دمائنا بأيدينا، يكفي ما يُلحقه
العدو العنصري بنا من خسائر بشرية، تكفينا المآسي التي خلقها الصهاينة
والأميركيون والمفتونون بالمذهبيات الدامية والصراعات الضالة المضللة
في العراق، تلك التي يرفضها الإسلام والرسول وآل بيته والخلفاء الراشدون
والصحابة والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين. يكفينا ما نسمعه من
منطق الفتنة المتنامية في أرض العراق، وهي تدمي القلب، وتهدد بإحراق
الأخضر واليابس في أرض العرب والمسلمين، إذا ما استعرت نارها وتوسعت
لا سمح الله. وهي فتنة لا تريح سوى الصهاينة والأميركيين وأعداء
العروبة والإسلام، ولا منتصر فيها سواهم.
إن الفلسطينيين أصحاب تاريخ من النضال والوعي والتجربة، وقد فوتت
السلطة الفلسطينية والمقاومة والفصائل كلها في الماضي القريب، فرصاً
كثيرة كان ينتظرها العدو، وأحبطت مؤامرات وخططاً وضعها مع الأميركيين،
لجعل الشعب الفلسطيني يأكل بعضه بعضاً ويتآكل وتتآكل حقوقه بتآكل
قواه وقدراته ووعيه وحكمته.
لقد فوت المرحوم عرفات شيئاً من ذلك بشاركه قادة حماس والجهاد والفصائل
الأخرى، التي ساهمت في نزع فتيل الفتنة في مناسبات كثيرة، لا سيما
بعد ولادة مشروع أوسلو وما نتج عنه وفرّخ في عشه. وكلنا نذكر التسعينات
من القرن الماضي وعام 1996 منها على الخصوص.
اليوم يقتتل أصحاب الحق والقضية العادلة وهم في خضم المحنة والامتحان،
يقفون على عتبة أبواب بؤس أشد تمثله خريطة الطريق ووثيقة جنيف، وهما
الدرك الأسفل والأشد بؤساً في مسلسل التنازل حتى الآن، فهل هناك
ما هو أدعى من ذلك لرص الصف والتفاهم والتعاون والمواجهة على قلب
رجل واحد، بصدق وإخلاص للشعب والقضية، والوفاء لدماء شهداء شعب فلسطين
والأمة العربية على طريق قضية العرب المركزية؟
أي بؤس أشد من بؤس الاقتتال الداخلي ، وأية رؤية أكثر قصوراًً من
ورؤية من يحول بندقية مقاومة الاحتلال إلى صدر المقاومة ذاتها والشعب
الضحية، ويعفي الجلاد من المواجهة؟
نحن نعرف أن طريق الدم يبدأ برصاصة قاتلة ، وقد انطلقت أكثر من رصاصة
قاتلة في غزة حتى الآن ، وهناك أمراء حرب أو أمراء فتنة يقفون على
مفارق طرق ومفاصل أحداث يقومون بدور يباركه العدو ويدفعه إلى منتهاه
ويمنحهم ثمنه فتات موائده، ونعرف أن هناك من يريد بالفصائل والسلطة
ومنظمة التحرير شراً ما بعده شر، ونعرف أن التحريض والوعيد مستمران،
وأن من يدفع الشعب الفلسطيني وقواه الحية إلى الاقتتال الداخلي ينفذ
مخططات الأعداء شاء ذلك أم أبى، ويفضي به إلى الهاوية. ونعلم بالمقابل
أن هناك من يعرف نتائج ذلك وتبعاته، ويملك من الوعي والتجربة والمقدرة
والحكمة ما يمكنه من لجم الفتنة ووضع حد للمتهورين والمتاجرين بالدم
الفلسطيني وقضية الشعب العادلة. فهل نخطئ إذا تطلعنا إلى هؤلاء بكل
الأمل والثقة والرجاء، لكي يكون لتحركهم السريع دور وفاعلية وتأثير،
ولكي يوضع حد للانهيار وإراقة الدم وتدوير الفتنة وتربيعها، في أرض
ضاق أهلها بأنواع المعاناة والقسوة وبإراقة الدم، حيث المحتل الصهيوني
المتوحش لا يكف عن ذلك لحظة واحدة.؟
إن هذا الوضع يثقل ضمائرنا، ويفتك بقدراتنا وقوانا، ويضعنا أمام
كوارث أشد، ويكفينا ما نحن فيه. فارحموا الناس، وتداركوا الأمر بالحكمة،
واتقوا الله في الأمة وفي أنفسكم، أيها.. أيها .. أيها المناضلون
المتقاتلون في غزة هاشم، إنكم أنتم النار وحطبها وموقدوها والمكتوون
بها، وأنتم من يلقي بجمرها وشررها على أهله فيشعلهم بها حرائق لا
يعلم إلا الله سبحانه مدى أذاها ونتائجها المدمرة. فاتقوا الله في
أنفسكم وقضيتكم والناس من حولكم.
علي عقلة عرسان
كاتب وأديب عربي سوري
أعلى

إيـران وخيار الدولة "المارقـة"
إذا كان قرار مجلس الأمن الأخير (بالإجماع)
بفرض عقوبات (أولية) على الجمهورية الإسلامية الإيرانية يذكرنا بما
حدث للعراق وبالكيفية التي إستُدرج من خلالها النظام السابق إلى
مواجهة شاملة مع الغرب ، فإن للمرء الاستدراك قليلاً لتأشير البون
الكبير بين النظامين الإيراني القائم والعراقي الزائل. ربما كان
هذا هو جوهر خطاب ممثل الجمهورية الإسلامية في الأمم المتحدة، إستجابة
لقرار مجلس الأمن ، ذلك أنه حاول تجسيم الفرق بين الحالتين ، ليس
فقط من خلال إدعائه بالتعاون الغربي مع نظام بغداد في الثمانينات
، بل كذلك من خلال التركيز على إزدواجية المعايير الغربية ، والأميركية
خاصة ، عندما صمت الغرب ، طوال ثماني سنوات حرب بين العراق وإيران،
حيال إستخدام العراق للأسلحة الكيمياوية، الكتلوية التدمير، لإيقاف
الهجمات الإيرانية التي حاولت اجتياح العراق آنذاك.
هذا منطق مقبول بطبيعة الحال ، لأنه مبتنى على حقائق فعلية ، ولكنه
منطق يتجاوز مخاوف الغرب آنذاك من إتساع وتوسع الثورة الإيرانية
عبر لغة "تصدير الثورة". لذا كان النظام العراقي آنذاك
لا يمثل نفسه في حقيقة الحال لأنه كان يمثل الأداة الأمثل لسياسة
الإحتواء Containment التي إنتهجتها واشنطن، بمساعدة قوى إقليمية،
بكل حيلة وفطنة لإضعاف الدولتين ولوضع حدود لإحلام نظاميهما في التوسع.
وقد نجحت الخطة الغربية بدماء العراقيين والإيرانيين التي ذهبت سدى،
وبأموال غزيرة ، زيادة على الخبرات العلمية والتقنية التي سخرتها
الإدارة الأميركية لتقزيم حلم تصدير الثورة الإيرانية ولتشجيع حلم
"الوحدة العربية" الذي كان يداعب مخيلة النظام في بغداد.
كان ينبغي للقيادات الإيرانية أن تفهم الرسالة الغربية من اللحظة
التي تم فيها القبول بوقف إطلاق النار مع العراق، على بقايا رماد
ثماني سنوات موت وهدم وقتل. بيد أن المؤرخين الأكثر تعمقاً في الذهنية
الإيرانية/الفارسية عامة غالباً ما يؤكدون أن التورط في حرب مع إيران
معضلة تاريخية عصية على الحل بسبب عدم إمكانية هذه الذهنية تناسي
الماضي ونظراً لتواصل العصبية القومية/الدينية عبر عواطف الإنتقام
والثأر بعد إنتهاء المعارك لسنوات طوال. ربما عبّر الخميني عن هذا
الراسب الذي تصعب إزالته عندما وصف موافقته على وقف إطلاق النار
مع العراق بأنها أشبه بتجرع كأساً من السم، الأمر الذي ينطوي على
إذكاء العواطف الثأرية التي تتوعد بيوم الرد. وفعلاً، ذهب النظام
الذي كان قائماً ببغداد أدراج الرياح ، وتم استثمار العواطف القومية
والدينية الإيرانية المتأججة تحت الرماد بهدف الإنتقام والثأر داخل
العراق، الأمر الذي يؤشر عدم إمكانية حذف هذا النوع من العواطف العدائية
حتى بعد مرور السنوات والعقود.
المهم في هذا الإرتجاع المقتضب إلى الماضي القريب يستمد معناه من
اللغة الرسمية الإيرانية حيال الموافقة "بالإجماع" على
قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات، وإن كانت مخففة وبعيدة عن الخيار العسكري
، ضد البرنامج النووي الإيراني. لقد أعلن مسؤول إيراني رفيع المستوى
أن الدول التي وافقت على القرار تحت سقف مجلس الأمن "ستندم"
على ما اقدمت عليه. وإذا كان من الطبيعي أن يشير القرار إلى واشنطن
"العدو التقليدي" لإيران ، فإنه من غير الطبيعي أن تناصب
طهران العداء الثأري لدول كبرى وصديقة لها ، كالصين وروسيا ، علماً
أن الأخيرة تعد المسؤولة رقم واحد في تكوين وتطوير البرنامج النووي
الإيراني. ناهيك عن الدول الأخرى التي ربما تزعجها مثل هذه اللهجة
الإيرانية التي تتوعدها بـ"الندم".
بيد أن العاطفية العصبية والثأرية تأخذ ابعادها كاملة على لسان مسؤول
إيراني آخر حينما يقول بأن على العالم أن يقبل بإيران "قوة
نووية". وبكلمات أخرى، تعد هذه هي المرة الأولى في صراع التجاذبات
الإيرانية/الغربية التي يعلن فيها مسؤول إيراني أن إيران تطمح لإمتلاك
مفاتيح نادي الدول النووية، سوية مع الدول الغربية ودول الجوار الشرقية،
زيادة على إسرائيل.
إن السؤال الأهم في هذا السياق، هو: لماذا هذه الحملة الغربية/الأميركية
الأوربية، لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي؟ مقارنة بعدم
الإكتراث والصمت الذي شاب حصول كل من الهند وباكستان على ذات السلاح؟
وللإجابة على مثل هذا السؤال يتوجب الإطلاع على ضغوطات دول الجوار
الإيراني الموجهة ضد إيران عبر العواصم الغربية. ربما لم تكن واشنطن
لتضغط على الجمهورية الإسلامية بهذه القوة والإصرار لولا الأثر الإسرائيلي
الفاعل الذي يخشى ظهور قوة نووية إقليمية بالقرب منها، ناهيك عن
مطالبة الدول الصديقة للغرب في الإقليم بالحفاظ على منطقة الشرق
الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية. كان من الممكن أن تتعامل
واشنطن والعواصم الأوروبية مع البرنامج الإيراني، بغض النظر عن أهدافه
النهائية، بنفس الطريقة التي تم التعامل من خلالها مع البرنامجين
النويين الباكستاني والهندي. بيد أن التموقع الإيراني جغرافياً يمنع
هذا النوع من "التغاضي" والتجاهل، ذلك أن إيران يمكن أن
توصل صواريخها وحتى قواتها البرية، في حالات معينة،إلى إسرائيل ،
الحليف الأول للغرب في الإقليم. كما أن إيران تشاطيء أغنى فضاء نفطي
في العالم، حيث تمتد حدودها عبر الشواطيء الشرقية للخليج العربي
الذي يمثل أهم مصادر الطاقة في العالم على الإطلاق. لذا يجد الغرب
نفسه في وضع محرج مع هذه المشكلة التي لا توجد آمال سريعة وممكنة
لحلها.
وإذا كانت إيران ماضية قدماً في برنامجها النووي، فإن الغرب يجد
نفسه في حرج أكبر لأنه في سباق مع الزمن: كيف يمكن لجم أو بتر المشروع
النووي الإيراني بسرعة قبل أن تتمكن إيران من الإعلان عن إمتلاكها
للسلاح النووي ؟ إن توجيه ضربة عسكرية أميركية مباشرة لا يبدو إجراءً
معقولاً في خضم إضطرابات المنطقة، خاصة مع وجود قوات أميركية كبيرة
في العراق. إن واشنطن، وهي تنوء تحت أعباء العمليات العسكرية داخل
العراق، ليست على إستعداد لفتح جبهة بينها وبين إيران عبر الحدود
العراقية الإيرانية، خاصة وأن "المدرسة الإيرانية" في
الهجوم العسكري ستزج بمئات الآلاف من المشاة وحتى غير المسلحين الذين
ستعجز الماكنة العسكرية الأميركية في مهمة إيقافهم ومنع كارثة عسكرية
للقوات الأميركية من النوع الذي يفوق ما حدث في "بيرل هاربر"
أو في فييتنام.
وإذا كان البيت الأبيض يفكر ملياً اليوم بأية قوة إقليمية يمكن زجها
في حرب مع إيران على سبيل إعادة إحياء نظرية الاحتواء المزدوج، كما
فعل في الحرب العراقية الإيرانية ، فإنه من غرائب الصدف أن يظهر
صوت لأحد قادة الحركات الإرهابية في العراق ليقدم لواشنطن "الحل"
على طبق من ذهب، خاصة عندما تحدث هذا الصوت على نحو يذكر المرء بخطاب
النظام السابق عن "تسهيل" إنسحاب القوات الأميركية من
العراق خلال شهر واحد ، مقابل أن تترك هذه القوات أسلحتها الثقيلة
(غير الأسلحة الشخصية) في العراق ، بمعنى إهداءها للإمارة الإسلامية
المضادة لإيران كي تشن حرباً جديدة ضد الجمهورية الإسلامية بأسلحة
أميركية متطورة تضمن للولايات المتحدة إحتواءً مزدوجاً من نوع جديد
، شريطة أن يقوم الأغنياء بتمويل النظام "الإسلامي " الجديد
في العراق بطريقة تضمن توريط البلدين بحرب لا تبقي ولا تذر على طريق
إحتواء النظامين "الراديكاليين".
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى
بوش وتسويق "بضاعته" القديمة في العراق
من المتوقع أن يعلن الرئيس الأميركي جورج بوش
خلال أيام قليلة استراتيجيته الجديدة في العراق، وأن يعرضها على
الكونغرس الأميركي كي يأخذ الموافقة عليها تمهيداً للبدء في تنفيذها.
وكما هي العادة يحاول بوش أن يضفي قدراً من التشويق والإثارة على
استراتيجيته الجديدة، لذا يفرض عليها سياجاً من السرية والتكتم حتى
لا يتم تسريبها للإعلام قبل الإعلان الرسمي عنها.
لا جديد يمكن أن يتوقعه المرء من استراتيجية بوش الجديدة "القديمة"،
وهي لن تزيد على مجرد كونها حملة علاقات عامة لتسويق الأفكار التقليدية
من أجل حفظ ماء الوجه في العراق من جهة، والقفز فوق استحقاقات تقرير
بيكر - هامليتون من جهة أخرى.
لذا فمن المتوقع أن ترتكز هذه الاستراتيجية حول نقاط ثلاث رئيسية
أولها يتعلق بضرورة زيادة القوات الأميركية في العراق، من أجل تدريب
المزيد من قوات الأمن والشرطة العراقية ، وهو الذي استبق من خلال
مقال نشره في صحيفة "وول ستريت جورنال" قبل يومين، أي
معارضة من الكونغرس تجاه إرسال مزيد من القوات إلى العراق. وذلك
على الرغم من رفض العديد من القادة العسكريين في العراق لزيادة عدد
القوات الأميركية هناك مثل الجنرال جورج كاسي الذي حذر من البقاء
مطولا, وكذلك بعض الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ مثل السيناتور
تشاك هاغل الذي وصف إرسال مزيد من القوات برحلة "أليس في بلاد
العجائب" علي حد قوله.
ثانيها، يدور حول توجيه مزيد من النقد واللوم لحكومة نوري المالكي
علي فشلها في تحقيق أي تقدم علي صعيد حفظ الأمن والاستقرار في العراق،
وعدم قدرتها علي حل الميليشيات العسكرية، والتساهل مع بعض التيارات
الشيعية المتشددة.
وثالثها: التأكيد علي ضرورة بقاء القوات الأميركية في العراق، وعدم
التعجيل بالانسحاب من هناك، حتي لا يصبح العراق وكراً "للإرهابيين"
علي حد زعمه. وهي الحجة التي طالما اتكأ عليها الرئيس بوش لبث الرعب
في قلوب الرافضين لمنهجه في إدارة شئون العراق.
واقع الأمر فإن استراتيجية بوش المتوقعة لا تهدف لحل المأزق الأميركي
في العراق بقدر ما تهدف إلي تليين العلاقة بين إدارة بوش من جهة
والأغلبية الديمقراطية في الكونغرس الأميركي من جهة أخرى وذلك خلال
العامين المتبقيين من عمر هذه الإدارة.
بكلمات أخرى سيحاول الرئيس بوش من خلال وضع هذه الاستراتيجية أن
تصبح أداة لإدارة صراعه مع الكونغرس الأميركي خلال العامين المقبلين،
وليس بهدف توفير حل ناجع للمأزق الأميركي في العراق. وفي هذا الإطار
وجه بوش في مقاله المذكور تهديدات وتحذيرات للأغلبية الديمقراطية
إذا لم تتعاون معه في العامين المتبقيين من فترته الرئاسية الثانية،
حيث أشار إلي أنه مستعد للعمل مع الديمقراطيين، لكنه حذرهم من أن
تصرفهم على أساس حزبي قد يؤدي إلى "طريق مسدود"، مضيفاً
انه "في حال اعتمد الكونغرس مقاربة مختلفة ستكون السنتان المقبلتان
مثمرتين لأمتنا" علي حد قوله. وذلك في محاولة لقطع الطريق على
الأغلبية الديمقراطية، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس
الذي يعتزم عقد جلسات استماع حول العراق لمدة ثلاثة أسابيع متتالية
للكشف عن المزيد من الوضع الكارثي في العراق.
أفهم أن أي استراتيجية جديدة يمكن للرئيس بوش التقدم بها لمعالجة
وضعه المتدهور في العراق أن تشتمل علي ثلاث خطوات رئيسية، أولها
وضع جدول زمني فعلي للانسحاب من العراق، يراعي فيه الوضع الأمني
المتدهور من جهة، ووطأة الوجود الأميركي المكثف من جهة أخرى. الخطوة
الثانية أن تنخرط الإدارة الأميركية في حوار سياسي ودبلوماسي مباشر
مع كلاً من إيران وسوريا ودول الجوار من أجل الاتفاق على صيغة واقعية
لعلاج الوضع المستعصي في العراق. والخطوة الثالثة أن يعيد الرئيس
بوش التفكير في استراتيجيته العامة في الشرق الأوسط، وما إذا كانت
ثمة نية جادة لإعادة الروح لعملية السلام "المتجمدة" منذ
أكثر من نصف عقد.
وبدون هذه الخطوات الثلاث ستظل أي استراتيجية يتقدم بها الرئيس بوش
مجرد كلمات لا تتعدى حاجز الاستهلاك الإعلامي، وسيكون مصيرها على
غرار المصير الذي حصدته "استراتيجية النصر في العراق"
التي أعلنها الرئيس بوش قبل عام من الآن، ألا وهو الفشل الذريع في
الخروج من الورطة العراقية.
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany@yahoo.com
أعلى
حول ما يسمى بالحرب على الإرهاب
وجهة النظر الرسمية هي أننا نقاتل في العراق
لأنه " الجبهة المركزية في الحرب على الإرهاب " . ولكن
العكس تماما هو الحال .
نحن محاصرون في قتال وخوض " حرب على الإرهاب " غير قابلة
للفوز بها - بل حتى لا معنى لها - لأن اختراعها كان مطلوبا بالأساس
لكي نحارب في العراق . وبعد سنوات من المذابح في العراق , مات خيال
المحافظين الجدد في تحقق سلسلة من الانتصارات الإمبريالية الجديدة
الرخيصة السريعة . ولكن الحرب على الإرهاب تعيش وتستمر , أقوى عن
أي وقت مضى .
فكيف بقيت الحرب على الإرهاب قائمة بذاتها وحصرت الطبقة السياسية
بكاملها , ومعظم الأميركيين , في اعتقادات عامة بشأن الحاجة إلى
خوض حرب عالمية على الإرهاب كأولويتنا الأولى , حتى عندما لا يكون
هناك دليل على وجود عدو حاضر في الولايات المتحدة ؟ وما الذي يعلل
صرف ما قيمته 650 مليار دولار من نفقات , فضلا عن هستيريا الإجراءات
المبالغ فيها التي لم تر في هذا البلد منذ أوائل الخمسينيات ؟
تأملوا كيف استجاب الكونغرس لما يسمى بالحرب على الإرهاب . ففي صيف
عام 2003 , تم رسم قائمة بـ 160 هدفا محتملا للإرهابيين , مما شحذ
جهودا مكثفة من قبل أعضاء الكونغرس والمقيمين في دوائرهم الانتخابية
لإيجاد أهداف مستحدثة للتمويل في أحيائهم . والنتيجة ؟ توسيع التعريفات
لما هو أهداف محتملة وتضخيم الزيادات في عدد الأصول والموجودات المقدر
أنها تستحق الحماية .
وعبر أميركا , أعادت كل جماعة ضغط وجماعة مصالح طرح أهدافها التقليدية
وتمويل المقترحات بوصفها الأكثر أهمية عن حتى ما أعطي على الإطلاق
من ضروريات ومحتمات الحرب على الإرهاب .
إن البيروقراطيين غير القادرين على وصف أنشطتهم بلغة الحرب على الإرهاب
كان يتم فعليا إبعادهم عن الزيادات في الموازنة المالية وربما يقدر
لهم أن تجرى عليهم تخفيضات . ومع وجود مليارات الدولارات سنويا من
تمويل المحليات والولايات , صممت وزارة الأمن الداخلي الأميركية
واستنبطت قائمة قوامها 15 سيناريو للتخطيط الوطني للمساعدة في توجيه
مخصصاتها . وللتأهل إلى تمويل وزارة الأمن الداخلي الأميركية , كان
على حكومات المحليات والولايات أن تصف كيف ستستخدم التمويلات المخصصة
لمجابهة واحد من تلك السيناريوهات .
فما هي العميلة التي أنتجت هذه القائمة ؟ كانت سياسية بعمق تدفعها
المنافسة بين الوكالات والأجهزة والولايات والمحليات الأميركية التي
كانت تعرف أن فرص التمويل ستعتمد بالضبط على ما هي السيناريوهات
المضمنة أو المستبعدة ( كانت الجمرة الخبيثة وهجوم كيماوي على ملعب
رياضي و مرض الحمى القلاعية من السيناريوهات المضمنة , بينما كانت
الهجمات على خزانات الغاز الطبيعي السائل وفيروس حمى غرب النيل مستبعدة
) .
والأكثر لفتا للنظر على الإطلاق هو عدم استعداد وعدم رغبة الحكومة
الأميركية لتحديد العدو الذي يشكل التهديد الإرهابي .
إن " القاعدة " تهديد صغير إذا ما قورنت بحجم العدو المطلوب
من آلاف من جماعات المصالح المحتشدة نحو طريق محاربة ومناهضة الإرهاب
. ولهذا السبب , فإن العدو في هذه السيناريوهات يشار إليه من قبل
وزارة الأمن الداخلي الأميركية على أنه " عدو عالمي "
, موجود في كل مكان وقادر على التشكل في أي شكل . وبدلا من الاستجابة
للتهديدات والأخطار الحقيقية التي يشكلها أعداء حقيقيون , نجد أنفسنا
نستعد لقائمة لا نهاية لها من الأشياء السيئة المحتملة التي يمكن
أن تحدث .
إن أبعاد ما يسمى بالحرب على الإرهاب تتسع سريعا في وجه تهديد إرهابي
محلي صغير - إن لم يكن لا وجود له تماما . ولكن الساسة , المجبرين
على لعب دور تمثيلي لتجنب أن يبدوا أنهم يعانون من " عقلية
ما قبل 11/9 " يمكن ألا يقدموا وقفا أو قطعا في الإنفاق أو
في خطابية الحرب على الإرهاب الطنانة .
لقد تعلم الأميركيون أن حرب العراق كانت خطأ كارثيا . ولكنهم يتعين
عليهم أن يكونوا حتى قادرين على تخيل الحقيقة بشأن ما يسمى بالحرب
على الإرهاب عموما . ومادام الساسة والعالمون ببواطن الأمور يبررون
البدائل للسياق الجاري في العراق بإثارة الحاجة لخوض الحرب على ما
يسمى بالإرهاب بشكل أكثر كفاءة وفعالية , فإن الولايات المتحدة ستظل
- كما لاحظ أسامة بن لادن في شريطه المصور في نوفمبر عام 2004 -
محصورة في عاصفة من القلق والضياع ومطاردة المجهول " تدميها
وتستنزفها إلى حد الإفلاس " .
إيان لوستيك
أستاذ بجامعة بنسيلفانيا الأميركية ومؤلف كتاب " الوقوع في
فخ الحرب على الإرهاب "
خدمة " لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست " - خاص ب "
الوطن "
أعلى
حان الوقت لأن تتخذ
أميركا موقفاً ضد الألغام الأرضية
هل تتذكر الحملة الدولية لحظر الأ لغام الأ
رضية؟ (لقد فازت بجائزة نوبل للسلام في 1997.) هل تتذكر زيارات الأميرة
الراحلة ديانا لحقول الألغام في البوسنة وانغولا؟ نحن نتذكر. فبصفتنا
مسئولين في وزارة الخارجية الأميركية ابان اوج الأزمة العالمية للألغام
الأرضية في التسعينيات رأينا حصيلة ضحايا ذلك من البشر في هوندوراس
والسلفادور والصومال وموزمبيق وافغانستان وكمبوديا. كما أننا شاركنا
أيضا في الجدل المحموم داخل الحكومة الأميركية بشأن الانضمام للحظر
العالمي على هؤلاء القتلة الخفيين.
لقد مضى عشر سنوات على معاهدة اوتاوا وهي المعاهدة التي تحظر الألغام
الأرضية المضادة للقوات. وكان هناك تقدم كبير في العقد الأخير وأن
كان يتعين على الولايات المتحدة أن تقدم دفعة جديدة بغية نقل العالم
إلى مستقبل ما بعد الأ لغام الأرضية.
لقد أوقفت 38 دولة على الأقل انتاج الأ لغام الأرضية. ولاتزال حفنة
ضئيلة من البلدان منتجة نشطة. ويسري الحظر الفعلي على تجارة الأ
لغام الأرضية. وقد انخفض استخدام الألغام. وتم تدمير نحو 40 مليون
من الأ لغام المخزنة. وتم تطهير مساحات قياسية من الأراضي العام
الماضي وأعلن عدد قليل من الدول أنها خالية من الألغام.
وهذه أخبار طيبة. لكن لسوء الحظ فإن هناك عشرات الملايين من الألغام
الأرضية التي تستمر كتهديد يومي وتعصف بأرواح البشر في أكثر من 80
دولة. فما يقدر بنحو 15 إلى 20 ألف شخص تقتلهم أو تشلهم هذه الأسلحة
غير الإنسانية التي لاتفرق في كل سنة. ومن بين هؤلاء الضحايا يكون
طفل لكل 5 ضحايا. ويواجه عدد متزايد من الناجيين من الألغام الأرضية-نصف
مليون حسب أخر حصيلة- الحاجة إلى تركيب أطراف جديدة ثم يسيرون في
حياتهم التي تم تحطيمها.
اليوم فإن أكثر من 150 دولة قد انضمت إلى معاهدة اوتاوا. ليست الولايات
المتحدة واحدة من هذه الدول. وفي 1997 قبل الرئيس كلينتون بحجة الجيش
بأنه يحتاج إلى ألغام مضادة للقوات لحماية الجنود الأميركيين.
بيد أن كلينتون لم يصدر تعليمات لوزارة الدفاع للبدء في البحث وتطوير
أسلحة بديلة لتحل محل الألغام الأرضية ووضع هدف انصياع الولايات
المتحدة لمعاهدة اوتاوا بحلول 2006 إذا تم التوصل إلى بدائل.
وتخلى الرئيس بوش عن هدف كلينتون بتمكين الولايات المتحدة من التوقيع
على معاهدة اوتاوا وإن كان برنامج البحث لتطوير بدائل فعالة للألغام
الأرضية قد استمر بنتائج واعدة. وأنفقت وزارة الدفاع أكثر من 320
مليون دولارعلى البرنامج وقد تم تحقيق تقدم كبير.
اليوم هناك سلاح جديد يعرف باسم العنكبوت يستعد لدخول الانتاج. وهو
يؤدي مهمة حماية لقوات الجيش بشكل أفضل من الألغام الأرضية القديمة
ويمكن أن يتم استخدامه بطريقة تتوافق مع معاهدة اوتاوا.
ويسمح العنكبوت بالتحكم من بعد بكل ذخيرة من خلال مشغل بشري أو ما
يطلق عليه الرجل في الدائرة المغلقة. ولأنه يمكن لشخص أن يفرغ شحنة
هذا السلاح فإن ذلك يزيل تماما الخطر على المدنيين الأبرياء من التفجيرات
غير المقصودة للألغام الأرضية. ومن ثم فإن الولايات المتحدة تجد
نفسها في وضع يسمح لها بالإنضمام إلى معاهدة اوتاوا لحظر الألغام
الأرضية دون أن تعرض الجنود الأميركيين لأي خطر.
لكن هنا ثمة صعوبة مخبوءة. حيث قررت وزارة الدفاع الأميركية مؤخراً
تزويد هذا السلاح الجديد بالقدرة على تجاهل المشغل البشري. واحتجاجا
بأنه قد تحدث ظروف منذرة بكارثة يريد الجيش أن يسمح بانفجار السلاح
بشكل تلقائي من خلال مجرد وجود شيء ما أو شخص ما ثقيل بشكل يكفي
لانفجاره. وهذا التجاهل يحول العنكبوت إلى ما يوازي من الناحية العملية
الوظيفية الألغام الأرضية القديمة المحظورة.
وقد عرض عضوا مجلس الشيوخ الأميركي باتريك ليهي وارلين سبيكتر المدافعين
منذ زمن عن ازالة الالغام الارضية من الترسانة الأميركية مشروع قانون
لحظر انتاج العنكبوت مع خاصية تنشيط القيادة. وعلى الرغم من أنه
يمكن أن تحظى مقاربة ليهي- سبيتكر بتأييد قوي إلا أن المواجهة بين
الكونغرس والرئيس يمكن أن تنتهي بتأييد ضعيف لهذا النظام المبتكر.
ويجب أن تعمل إدارة بوش مع الكونغرس على الاستفادة من هذا التقدم
في تقنية الألغام الأرضية وتعيد الولايات المتحدة إلى المسار من
أجل التوقيع على معاهدة اوتاوا.
لايزال هناك سنتان باقيتان في فترة حكم بوش. وبفضل المتابعة المستمرة
لوزارة الدفاع لبرنامج البديل للألغام الأرضية فإن لدى بوش فرصة
لتلبية متطلبات حماية قوة الجيش والاستجابة للمأساة البشرية المستمرة
التي تسببها الألغام الأرضية.
إن التوقيع على معاهدة اوتاوا يمكن أن ترسل بإشارة إلى حلفاء وأصدقاء
الولايات المتحدة الذين وقع كلهم تقريبا على المعاهدة بأن الولايات
المتحدة ملتزمة بالعمل مع البلدان الأخرى من أجل حل المشاكل العالمية
وهي الأطروحة التي يؤكد عليها الرئيس ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس
خلال فترة حكم بوش الثانية.
إن قراراً أميركيا في العام الجديد بالانضمام الرسمي للحظر العالمي
على الألغام الأرضية يمكن أن يوفر دفعة ثانية مطلوبة للمجهود الدولي
من أجل جعل هذه المعاهدة عالمية بشكل حقيقي.
كارل اندرفورث واريك نيوسوم
اندرفورث عمل ممثلاً خاصاً للرئيس ووزيرة الخارجية الأميركية لنزع
الألغام في عامي 97-1998 وكان نيوسوم مساعداً لوزيرة الخارجية للشئون
السياسية والعسكرية في الفترة من 1998 إلى 2000 وكان المفاوض الأميركي
في معاهدة اوتاوا ويعملان حالياً في كلية اليوت للشئون الدولية في
جامعة جورج واشنطن.خدمة لوس انجلوس تايمز-واشنطن بوست خاص ب(الوطن).
أعلى