كلمة ونصف
نقد النقد !
عندما نمارس النقد على من يقوم بالنقد ، فتلك
هي الحرية التي يتطلع إليها الجميع ونتطلع أن تكون سائدة،وعندما
ننتقد أنفسنا فذاك نقد للذات ينبغي أن نرحب به ، ونفتح له الأبواب
على مصراعيها ، لتطلع على وجهات النظر الأخرى،ومرئياتها حول ما نقوم
به،لا أن نضيق ذرعا بالنقد الذي يوجه إلينا،في حين نلسع الآخرين
بالنقد الجارح والحاد ، وعندما ننتقد هذه الممارسات الخاطئة تثير
ثأرة لا حدود لها وتعكس محدودية التفكير،وضيق الأفق.
إن ممارسة النقد فن،لا يجيده إلا المتمرس به، والعارف بمجالاته،وحدوده،والذي
يرتضي النقد لنفسه كما يرتضيه لغيره وكأن هؤلاء ملائكة معصومون من
الخطأ وهكذا هي سنة الحياة،كما تدين تدان،أو كما يقال ( يوم لك ويوم
عليك) ولكن أن نغلق مجالات النقد على أنفسنا ونغمض أعيننا عن كل
ما يفضح عيوبنا ، ونتيح لأنفسنا ، ما نحرمه على غيرنا فتلك مصيبة.
إن هذه الممارسات التي تكون من جانب واحد أو أحادية الفكر لدى البعض
والتي يحاول أن يبسطها على الواقع ويفرضها فرضا، ويعتمد منهجا مرفوضا
في التعاطي مع آراء الآخرين ، والتحامل عليهم،والتحريض بطرق شتى
، والبعض لا يقر بالأخطاء والإخفاقات وكأنه منزه عن هذه الأمور،والإخفاقات
وكأنها منزهة.
إن هذا المنهج السائد لدى بعض الجماعات التي تعمل على دغدغة المشاعر
، وشحن الأنفس، تتخذ طرقا وأساليب لم تعد مستورة ، وباتجاهاتها اللامنطقية
في التعاطي مع هذا الجانب، وتؤمن بأفكار ترفض الآخرين مهما كانت
منطقية الحوار ، وقوة الأدلة.
ونحن يجب ألا نسلم أنفسنا وأبناءنا لمثل هذه الأفكار والآراء البالية
إذا أردنا أن نتحاور بكل شفافية ووضوح مع الآخرين ، وأن تكون لدينا
مصداقية مع أنفسنا في المقام الأول ، وأن نرتضي النقد مهما كان ،
في ذات الوقت الذي ننقد فيه الآخرين ، أو نتيح لهم ممارسته.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

أطياف
هل الفوضويون مبدعون ؟
أحسب أن أكثركم لاحظ من خلال الصور والأفلام
، كيف أن كثيراً من العلماء والمفكرين والأدباء البارزين والنابغين،كيف
أن أشكالهم وهيئاتهم غير مرتبة أو أنيقة إلا ما ندر! بل ترى صوراً
لهم في المكاتب الخاصة بهم أو المختبرات العلمية للنابغين العلميين
منهم،وقد سادتها الفوضى بشكل غير طبيعي. مجموعة كتب هنا ، وأخرى
على الطاولة ومجموعات ثالثة فوق خزانة الكتب التي لسان حالها يشتكي
من الزحمة والضيق وأثقال الكتب ..إضافة إلى الأقلام المبعثرة هنا
وهناك. وتنظر إلى طاولة المكتب لتجد أن الشخص وقد اختفى وراء كومة
من الكتب والأوراق والملفات على مكتبه ..
لعل هذا هو الحاصل الآن عند كثيرين ، والصحفيون من أبرز هؤلاء ،
بل لا تجد صحفياً صاحب مكتب أنيق مرتب ، أو بلا أوراق ولا ملفات
وكتب على طاولته ، فإنك إن وجدت ذلك النموذج المرتب من الصحفيين
، فاعلم أن ذلك يرجع لأمرين لا ثالث لهما. فإما أن أحداً قد تم تكليفه
ليقوم بترتيب أموره أو أنه لا يعيش عالم الصحافة بكلّه وكلكله ..
ولكن مع كل ذلك ، هل يعني هذا أن من يعيش في تلك الفوضى مبدع بالضرورة
؟
حقيقة الأمر أن المسألة الإبداعية لا تقاس بمظهريات ولكن من الصعب
أيضاً تجاهل تلك المظهريات مع بعض التصرفات والأفعال التي يقوم بها
الفوضويون ، ولكن ليس معنى هذا أيضاً أن كل إنسان مرتب ومنظم في
حياته ليس مبدعاً ، لا فالأمر ليس كذلك أيضاً . الباحثون يذهبون
إلى تفسير الفوضى التي يعيشها البعض إلى أنها مظهر من مظاهر الإبداع
. أي إبداع ؟ لا أدري .
ولكن إن جئنا إلى الواقع العملي والحياتي ، لوجدنا أن كثيراً من
المبدعين في أغلب المجالات ، يعيشون بالفعل في فوضى عجيبة .
أعرف أساتذة يتحدثون عن طلبة لهم قمة في الفوضى والمشاغبة ، ولكن
تصدر عنهم أفعالاً أقل ما يمكن أن يُقال عنها ، أنها ابداع وليس
غيره . ما علاقة الفوضى والمشاغبة بالابداع ؟ هذا سؤال جدير بالبحث
والدراسة والمتابعة الميدانية في كافة المجالات.
نعود إلى تفسير الباحثين للإبداع وربط الفوضى كمظهر من مظاهره ،
فنقول : كيف يمكننا قبول هذا التفسير أو كيف يمكن أن نعتبر الفوضوي
مبدعاً والمنظم غير مبدع ؟ لا أدري حقيقة ، وإن كنت لا أرفض هذا
التفسير مثلما أنني غير مقتنع أيضاً بأن المنظم ليس مبدعاً.
ولكن ليس كل هذا هو المهم ، بل المهم هو كم عدد المبدعين عندنا في
عالمنا العربي ، وكيف يظهرون ومن يقدر على اكتشافهم،وإن تم اكتشافهم
،كيف يمكن استثمارهم قبل أن يقطف الغرب ثمرة إبداعهم وتفتق أذهانهم
عن كل ما هو جديد ومبدع ؟هذا هو السؤال الكبير والأهم في ظني . فما
رأيكم أدام الله فضلكم؟
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

ما بال الجميع لا يتعلم من التاريخ ومن الحاضر
علّق الكاتب الأميركي بوب هربرت على وفاة الرئيس
الأميركي جيرالد فورد والمغني الأميركي الأسود جيمس براون الذي حثّ
أبناء جلدته أن يرددوا بصوت عال "أنا أسود، وأنا فخور بذلك"
بالقول "إننا لم نتعلم من التاريخ أبداً... فقد كان بوسعنا
أن نتراجع عن الحرب في العراق.. وأن نتعلّم شيئاً عندما كان جيمس
براون في قائمة أفضل المبيعات الموسيقية، وكان جيرالد فورد في البيت
الأبيض، ولكن ربما نفعل ذلك في المرة المقبلة" والسبب الأساسي
لعدم التعلم من التاريخ كما يجب، وعدم الاستفادة من دروس التاريخ
لتجنّب تكرار الكوارث، هو ضعف الجرأة لدى البعض وتكاد تكون معدومة
أحياناً عندما يكونون في موقع اتخاذ القرار. فقد هالني أن ينتظر
رئيس أميركي إلى ما بعد وفاته للسماح بنشر مقابلة معه يعبّر فيها
عن رأيه الحقيقي بأنّ "حرب العراق غير مبرّرة، وأنّ تشيني ورامسفيلد
ارتكبا خطأً فادحاً"، وعن ندمه على إقصاء نائب الرئيس نيلسون
روكفلر وشطب اسمه من البطاقة الانتخابية التي تضمّ اسمي الرئيس ونائبه،
حيث قال إنه ندم على موقفه، "وكان موقفاً جباناً من جانبي".
وبعد تحرير سايغون عام 1975، واندحار الجيش الأميركي مهزوماً من
فييتنام، ظلّ الرئيس فورد يُنعت بأنّه "الرئيس الأميركي الوحيد
الذي خسر حرباً". ومعايير الربح والخسارة ومعايير القيادة تختلف
من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن منظور إلى آخر، ولكنّ حقيقة
الأمر هي أنّ عوامل تبدو بسيطة وغير ذات قيمة قد تلعب أحياناً دوراً
هاماً في التحرّك مع أو ضدّ أخطر الخيارات وأصعب القرارات. ولذلك
ينتظر قادة ومؤرّخون ومفكرون الزمن كي يُفصحوا عمّا اعترضوا عليه
وعمّا كان يجب أن يفعلوه؟ وتبدو أزمة القيادة بصفتيها الأساسيتين:
الشجاعة والصدق، هي الأزمة الأساس التي تدخل العالم، وخاصّة منطقة
الشرق الأوسع الممتد من أفغانستان إلى المغرب والصومال، في دوّامة
قد تتجلّى أبعادها الخطيرة في الأعوام أو حتى الحقب القادمة. ويبدو
أن الجميع في الغرب، وفي كلّ ما يكتب من أبحاث ودراسات ومقالات اليوم،
يحاول معالجة الخطأ الذي ارتكبته إدارة بوش في شنّ الحرب على العراق
وكيفية الخروج من هذا المأزق بهدف ضمان المصالح القومية الأميركية،
وضمان عدم وصول آثار الهجرة والحروب والدمار إلى أوروبا والولايات
المتحدة كي لا تنغّص أحداث هذا الشرق الأوسع عليهم جميعاً حياتهم
المنتعشة بمظاهر الازدهار واحتفالات البحبوحة. وحتى مع أحسن النوايا
وأنبل الأهداف، فإنّ الاعتبارات الأساسية للجميع طبعاً هي حياة الأميركيين
ومصالحهم وازدهار اقتصادهم. وآخر من كتب عن دور الولايات المتحدة
في هذا الشرق الأوسع هو مايك تيريز، الذي عُرف بكتاباته التي تعتبر
حرب الولايات المتحدة على العراق كارثة، حيث نشر في مجلة النيوزويك
بأنّ "الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تجنب لعب دور عسكري
في صراع أوسع في منطقة الشرق الأوسط"، والكلمة الجوهرية هي
"أوسع"، وكم واسعاً وعميقاً ومتشعباً سيكون هذا الصراع.
لقد كشف الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية أنّ الولايات المتحدة
"تعلن عن أهدافها وتكلّف المفكرين والباحثين بوضع السيناريوهات،
ولا تنكر تبنّيها للبعض الذين تستخدمهم لتنفيذ مخططاتها". وإلى
حدّ الآن فالأمر مفهوم، قوّة عسكرية أميركية تبحث عن موارد نفطية
وأسواق ضرورية لاقتصادها وازدهار شعبها، وسياسة أميركية مُعلنة لدعم
إسرائيل الطامحة أن تكون قوة عظمى، وخارطة هذا الطريق هي تفتيت البلدان
العربية والسيطرة على ثرواتهم المادية والفكرية والروحية، وإحاطتها
ببلدان كبيرة وقوية قادرة على التدخّل وقمع طموح العرب بالنهوض والوحدة.
وبذلك فإنّ التكامل العربي في أيّ مجال يصبح خطراً استراتيجياً على
طموح إسرائيل بالتوسع، وعلى الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة،
وبذلك فإنّ المستهدفين هم العرب جميعاً، القوميون وجلادو الذات المتبرّئون
من قوميتهم على حدّ سواء، وأنّ هذا العقد قد يوجّه تاريخهم إلى نهاية
مأساوية لا تُحمد عقباها إذا ما استمرّوا على هذا النهج في التفكك
السياسي والمناحرة القطرية واللامبالاة تجاه ما يجري للأشقاء.
لكم حزّ في نفسي أن ينتهي عام 2006 في وقت تعاني فيه مئات الآلاف
من أمهات وأطفال العرب أسوأ أيام في حياتهنّ، وليصبح عدد اللاجئين
العرب على أرضهم وفي ديارهم وخارجها رقماً قياسياً لم يصل إليه في
تاريخهم الحديث، وليستحكم الاحتلال الأجنبي بعدّة بلدان منهم، آخرها
الصومال، مع وضوح الخطط المُعدّة للآخرين. وبينما نرى كيف يتضامن
الغربيون مع بلغاريا، فتصدر النداءات من كلّ حدب وصوب لحماية الممرضات
البلغاريات المتّهمات بقتل مئات الأطفال الليبيين بالإيدز، نرى الصمت
الرسمي الذي يلفّ نكبة الطفولة العربية في فلسطين والعراق وغيرهما،
ونرى اللامبالاة المذلّة تجاه حالة أحد عشر ألف أسير فلسطيني في
سجون الاحتلال الإسرائيلي، وحالة عشرات الآلاف غيرهم في سجون الاحتلال
الأميركي، بينما اكتفى الجيش الأثيوبي بقتل الآلاف وهو في طريقه
لاحتلال عاصمة دولة عضو في جامعة الدول العربية. وفي الوقت الذي
تتمّ فيه لقاءات هنا وأخرى هناك ، مع حرارة مصطنعة ومتكلفة، تصدر
في اليوم التالي قرارات بناء وحدات استيطانية جديدة ومشاريع لنقل
فلسطينيي غزّة إلى غور الأردن. ولن أقول المزيد عن انهزام الشهامة
العربية أمام تدمير القرى، وتهديم المنازل، وقصف المدن، وإحراق المكتبات،
وتدمير الكنائس، وتدنيس المساجد، ونهب الأماكن الأثرية والمتاحف،
وتزوير حتى أسماء الخضرة والمأكولات وسحبها من القاموس العربي لتوضع
في قاموس من يحتلّ الأرض ويعمل على احتلال الأوطان والضمائر والذاكرة
الواحد بعد الآخر. وكما قال الشاعر الأردني جريس سماوي ، فإنّ تراث
هذه المنطقة القديم والحديث قد شكّل "أرواحنا وعقولنا وقلوبنا
نحن أبناء الحضارة العربية". بهذا المفهوم تحاول الموجة الاستعمارية
الجديدة إلغاء هذا الانتماء وإدخال الاستعمار من جديد بديلاً عن
هذا الإرث الحضاري، وأداة لتمزيق الممزق وفرض الهيمنة الأجنبية على
العرب. ويتناغم مع هذا الجهد من يعتقد بالحلول الدولية بعد أن شهدنا
أنّ الدولي مصمّم ضدّ حقوق العرب في أيّ بلد من بلدانهم ولم تعد
هناك قوى لمجلس الأمن إلا حين يتعلّق الأمر بإخضاع العرب بحيث يستخدم
بعضهم أدوات ضدّ البعض الآخر.
يكاد المسرح العربي يقارب مسرح اللامعقول، إذ يُظهر كيف يقود المرء
نفسه وأهله إلى حتفه وحتفهم جميعاً، ويُظهر كيف أنّ العرب لم يتحرروا
فعلاً من الاستعمار القديم، ولم يُؤسسوا لاستقلال حقيقي يجمع كلمتهم
ويحقّق التكامل بينهم والذي هو السبيل الوحيد لعزّتهم ومنعتهم ومكانتهم،
الإقليمية والدولية. لا شكّ أن العروبة حضارة وثقافة وانتماء، والصراع
اليوم، حتّى وإن كانت قوى عظمى تقوده، فهو في حقيقته بين المؤمنين
بعروبتهم وهويتهم ودينهم، وبين الذين تخلّوا عن إيمانهم خوفاً من
الشّبهة وتكسّباً على أبواب اللئام. وقد يطول أمد هذا الصراع، ولكنّ
حسم هذا الأمر لصالح العرب يعتمد عليهم وحدهم. فمراكز الأبحاث والسياسات
الغربية تعمل على كيفية تمزيقهم، واحتلال أرضهم، ونهب ثرواتهم، فمن
يعمل بالمقابل من العرب لإحباط هذه السياسات؟ لم يشعر أطفال فلسطين
والعراق ولبنان والصومال والسودان هذا العام ولا أمهاتهم، ولم يشعر
سجناء الرأي العرب بقوّة الشكيمة العربية، بل وصلت إليهم جميعاً
رياح الفرقة والتشرذم والاستسلام للآخر. فهل الأزمة أزمة قيادات؟
أم أزمة رُؤى؟ أم أزمة انتماء؟ وما بال الجميع لا يتعلم من تاريخنا
العربي حين وحّدتنا الرسالة المحمّدية، وحين فرقتنا دول الطوائف،
وما بال الجميع لا يتعلم من الغير أن الاختلاف يكون فقط على مدى
خدمة المصالح القومية، وليس على الوقوف مع الأعداء ضدّ الشقيق! متى
نتعلم من تاريخنا كي نحقّق حريتنا، ونحافظ على الاستقلال الحقيقي
لبلداننا، ونبني أوطاننا كما يليق بها أن تُبنى؟ لقد برهنت قوى الاستعمار
مرةً تلوَ الأخرى أنها تستخدم من تستطيع لخدمة أهدافها ومصالحها،
ولا تأبه بمصير من يتعاون معها بعد ذلك، فهل حان الوقت أن يتعلم
البعض وضع المصير العام قبل الخاص لأن التاريخ أثبت أن مصير العرب
واحد، فهم البعض ذلك أم أساؤوا فهمه.
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى
من يبكي على دماء العرب؟
نقلت وسائل الاعلام خبر بكاء الرئيس الاميركي
بوش الثاني على مقتل جنوده بالعراق، وقد زاد عددهم على عدد ضحايا
سبتمبر 2001، التي جعلها الرئيس نفسه ذرائع لشن حروبه الاستباقية
واحتلال افغانستان والعراق، وتهديد ستين دولة اخرى بمثل هذا المصير
، تحت شعارات اخرى، ابرزها ما سماه كتبته بالحرب على الارهاب، ورددها
وزيره المقال رامسفيلد في كل خطبه الاعلامية، كما هو حال المقربة
منه كوندوليزا رايس، ومن ينطق باسمهم بمختلف اللغات وفي اماكن اخرى
على المعمورة. الامر الذي فضح استمرار الخداع والتضليل الاميركي
وتوابعه، سواء في النتائج التي حصدتها هذه السياسات العدوانية او
في الكوارث الانسانية التي لم تحص بعد اعدادها كما هو الحال في مقتل
الاميركيين.
تجري في اكثر من بلد عربي واسلامي شلالات دم يوميا ولم يعترف الرئيس
الاميركي او من يتحالف معه باعدادها وبحجمها ويمضي مع اتباعه بالغش
وحتى في حجبها والتمويه عليها، وكأنها دماء اصناف اخرى من الخليقة
تختلف عن صنف الاميركيين. حيث تتوسع الالة الدموية في وحشية قتلها
وتدميرها اليومي، ولم تكتف بما تقوم به آلتها الحربية فقط، وانما
تنشّط آلاتها الاخرى في تفكيك وتفتيت الشعوب والبلدان العربية وما
سمته آلتها الاعلامية بالشرق الاوسط الجديد، الذي وضعت علامات مخاضه
كوندوليزا رايس بدءا بلبنان، بعد اجهاض سابقاته بافغانستان والعراق،
والعودة من جديد اليها بهذه الخطط المستبدلة او المطورة عن سابقاتها،
وهي تركز على الخطط الاستعمارية القديمة المعروفة، بشعار "فرق
تسد"، وبث هذه السياسات من جديد داخل كل الساحات المبتلية بالعدوان
والغزو والاحتلال الصهيو اميركي. وعواقب هذه السياسات تنشرها وسائل
الاعلام في نشراتها آلافا أخرى من الضحايا، باسماء مختلفة، او بعناوين
متغايرة حسب توفرها في المكان المناسب، فمن فتن طائفية مذهبية، الى
اثنية، الى صراعات سياسية حزبية، الى اصطفافات تحالفية مع مشروعها
العدواني او ضده، وتفرّغ لها وسائلها كلها وبكامل طواقمها المحلية
والدولية، وحتى منظمات دولية واقليمية، مثل الامم المتحدة ومجلس
امنها وغيرها. وملاحظة قرارات مجلس الامن الاخيرة، تكفي كابرز شاهد
عليها.
ماذا يجري على الارض الآن؟ بأفغانستان قصف وقتل يومي وعدد الضحايا
تجاوز عدد قوات الاحتلال الاطلسية، وبالعراق لم تعد المشرحة البغدادية
قادرة على اعطاء احصاءات لما يعرض عليها من اجساد بشرية من كل الاعمار
والاجناس يوميا،والجديد فيها مَن اصبح يسمى ببلده مجهول الهوية،
اما خارجها فحدث او عد ولا حرج، فالارقام كلها صارخة ومؤلمة. ولم
تعد محصورة بمحافظة او بمنطقة، بل حتى ما تسميه ادواتها الدعائية
بالهادئة وغيرها، وعادت قوات الاحتلال الى ممارساتها المعلومة في
تقسيم السكان والمناطق وتهجير الاهالي وبناء مخيمات لجوء وصناعة
فرق موت واغتيالات ومفخخات في كل زاوية من ارض العراق. وبفلسطين
اصبحت الاخبار المبثوثة عنها ما يتعلق بالاشتباكات وضحاياها بين
فصائل حركة التحرير الوطني فيها، من فتح وحماس، حسب المراحل السياسية
وظروف الحصارات المتعددة. وعدم الاكتفاء بذلك، بل بزيادة المصاعب
والاختناقات بما يزيدها اشتعالا وتعقيدا كل يوم، مبعدة او متعمدة
التستر على الجرائم اليومية التي تقترفها قوات الاحتلال الاستيطاني
والعقاب الجماعي الذي تمارسه بقوة الطائرات والدبابات وغلق المعابر
والجدار. اما بلبنان لم تكتف سياسات العدوان باكثر من الف شهيد من
العدوان المباشر الصهيو امريكي عليه، فتزيده بالقنابل العنقودية
وغيرها التي رميت او سربت او انزلت بطرقها المعروفة الى داخل الوسط
اللبناني، والمعروفة تلويناته ورهاناتها تاريخيا وعمليا. ولم تتوقف
آلات التدمير والنهب والقتل الصهيو اميركية عند هذه الشعوب والبلدان
وحسب، بل امتدت أذرعها العدوانية خارجها، الى السودان وخطط تجزيئه
واحتلاله عسكريا ومباشرة بقوات اطلسية، وتحت مسميات لا تختلف عن
التي اطلقت على القوات التي ارسلت الى جنوب لبنان، وبقرارات دولية
تدعمها ما تسميه بيانات مجلس التعاون الخليجي بالشرعية الدولية التي
تحترمها بحذافيرها وتسعى بكل ارصدتها تنفيذها، دون حساب مستقبلي
او انتباهات لما تعلنه اشارات البيت الابيض او البنتاغون عن نظرية
دومينو عربية قادمة لا محالة في كل تلك المنطقة من العالم. وتنزل
من السودان الى الصومال، وترسل جيوش اثيوبيا لاحتلاله. (من هو الشعب
او البلد العربي؟ الصومال ام اثيوبيا؟ ولماذا التفرج على الدماء
العربية المهدورة؟). ويتفاخر رئيس وزراء اثيوبيا، المدعوم من الاطلسي
والبنتاغون وحلفائهما، بقتل الاف الصوماليين والسيطرة على أراضيه
تحت مسميات واسماء جاهزة ولا تحتاج الى طلاء اعلامي لمخططات "القرن
الافريقي الجديد"!. في المحصلة، دم عربي يستباح في اكثر من
مكان ويستتبعه ما يعلن عنه من الماسي التي لم تسجل في قرارات الشرعية
الدولية او العربية الرسمية، ولم يعط موقعه السليم في مساحة العمل
السياسي والعسكري، وكانه ضريبة دموية اجبارية لخدمة المشاريع الامبراطورية
الصهيو اميركية، دون سؤال عن شرعية وحقوق هذه الشعوب والاوطان في
امتلاك خياراتها وخيراتها وضمان حياتها ومستقبلها مثل بقية البشر
على الكرة الارضية.الاوضاع تسير من سيء الى اسوأ، فلا الشعارات المخادعة
التي جاءت بها الدولة العظمى قد حققتها، ولا النماذج التي ادعتها
توصلت اليها، ولا الحجج والذرائع التي وظفت لها ما استطاعت قد برهنت
عليها، بل ثبت بطلانها، وصارت ضدها، وزادت في الخراب اكثر مما كان
عليه، او افظع منه، واضحى السؤال الان ليس عن تلك الشعارات الكاذبة
بل عن حماية تلك القوات الغازية واعادة توزيعها وترك الصراعات الدموية
بديلا عنها، او تبرر لها بقاءها او تنجز لها ما ارادته فعلا وغلفت
به كل حروبها العدوانية، وهو الهيمنة المباشرة والسيطرة بالقوة على
احتياطيات النفط والتوكيل عليها لخدمة مشروعها الذي حارت بتسميته
وخاب املها بكل ما مهدت له. او بكلمات اخرى اعادة الاستعمار القديم
بمسميات اخرى، ومن يعيد صفحات التاريخ يرى انها اعادة انتاج بصور
ابشع واكثر اجراما وانتهاكا لما حققته البشرية من تقدم ومدافعة عن
حقوق الانسان والحريات العامة، ولا يغرنك اختلاف الصفات وتغير موازين
القوى، ومحاولات مزينة باسماء مزيفة.
من يبكي على الدم العربي، من يحميه، من يوقف هدره؟ هذه اسئلة قد
لا تحتاج الى أجوبة متعددة، فالذي ابكى بوش الابن ومن تعاون معه،
ومن قهر الجيش الذي لا يقهر، وحوّل قوته الى مهزلة بين افراده، ومن
قرأ تاريخ اجداده بروح شعبه وارادته هو الذي يرد على الاسئلة ويزيد
من دموع بوش واتباعه، رغم فداحة الخسائر وجسامة التضحيات.
كاظم الموسوي
كاتب وصحفي عربي ـ لندن
k_almousawi@hotmail.com
أعلى

محمد يونس .. ذاكرة 2006 للسلام الاقتصادي
في الوقت الذي تتزاحم فيه العديد من الأسماء
ضمن قائمة نجوم عام 2006، يظل هامش الفرصة الموضوعية باختيار الشخصية
التي تستحق هذا اللقب محفوفةً بمخاطر الضياع والإخفاق نظراً لتباين
الشروط والمواصفات ، لأن وسائل الإعلام تلعب في الكثير من الأحيان
دور المرشد المضلل في هذا التوجه مع وجود تباين آخر بشأن القيمة
الاعتبارية والحياتية العامة لتلك الشخصية ذات الاستقطاب المؤثر
عالمياً.
وأذكر أنني رشحت فقراء العالم نجوماً يستحقون الإشادة بهم ونشرت
رأيي بشأن ذلك في مقال احتضنته صحيفة (الوطن) الغراء قبل عدة أعوام
، وها أني أعود إلى الفقراء مجدداً لاختار من أجوائهم شخصية تستحق
أن تكون نجماً متألقاً من نجوم عام 2006، أقصد هنا المصرفي البنغلاديشي
محمد يونس الذي حاز على جائزة نوبل للسلام في هذا العام لا لأنه
نال هذه الجائزة الثمينة في معانيها الأخلاقية فحسب، بل لأنه أيضاً
وضع أمام الرأي العام العالمي صورةً فريدةً عن الكيفية التي يمكن
بها دعم المعوزين من دون أن يكلفهم صعوبة التسول وقسوته.
وإذا كان هذا التقييم يثير حنق العديد من الأثرياء الذين برعوا في
إيصال حسناتهم المالية إلى الفقراء، فأن الطريق الذي سلكه محمد يونس
من خلال (بنك الفقراء) قد أنعم على العالم صيغةً للمعاونة المريحة
مادياً وأضاء مجالاً رحباً من العمل التكاتفي بوشائج روحية ومادية
في ذات الوقت على الرغم من ندرة الالتقاء بين هذين التوجهين.
إن محمد يونس يستحق النجومية لأنه ظل يعمل بهذا الاتجاه من المساعدة
لفقراء من دون أن يعرف الكثيرون به، وحسبي أيضاً أن (بنك الفقراء)
الذي تربع يونس على إدارته لم يعتمد الإثارة الإعلامية لاصطياد عملائه،
بل كانوا يعرفون الطريق أليه بصمت وهدوء وأمل ومعايشة لهموم مشتركة،
وتلك خصلة لا تتوفر في المصارف التقليدية أصلاً.
إن المعادل الموضوعي الاقتصادي الذي رسخه محمد يونس قد حرر (العملاء)
والمصرف على حد سواء من مغبة (الخصومة المالية) التي كثيراً ما تحصل
نتيجة الشروط المجحفة التي تفرضها بعض المصارف أو نتيجة تلكؤ العملاء
في دفع مستحقات المصارف، فالدين الذي يمنحه هذا المصرف مشفوع بموازنة
مادية وأخلاقية لسداده أصلاً نظراً للتسهيلات المرافقة له.
والنقطة الأخرى التي تصب لصالح النجومية التي يستحقها محمد يونس
أنها المرة الأولى التي يتم فيها الربط بين الدعوة إلى السلام والقيم
الاقتصادية، فقد درج القائمون على (نوبل) أن يمنحوا الجائزة لدعاة
سلام لهم مواقفهم المشهودة ضد نزعة الحرب والتدمير، بينما حالة محمد
يونس قامت على الدمج بين السلام والدعوة إلى (محاربة) الفقر بأسلحة
مأمونة أخلاقياً خلافاً للأسلحة المستخدمة في الحروب التقليدية،
وهذا بحد ذاته يمثل انقلاباً واضحاً في الرؤية التي تتعامل مع مفهوم
السلام في العالم.
لقد حرر محمد يونس بجهده المصرفي لجنة نوبل للسلام من سطوة (الأصابع
السياسية)، ويمكن الإضافة هنا بأنه ماكان في خلد هذه اللجنة أن تخرج
على تقاليدها المعروفة في اختيار الشخصية المطلوبة كعنوان للسلام
إلا لقوة صورة محمد يونس بوصفه داعية سلام وأمن ووئام من نوع خاص
جديد ينبغي الانتباه له بالمزيد من الاهتمام كأحد الشروط الأساسية
لضمان السلام في العالم، وهو شرط دأبت الأمم المتحدة على تأكيد أهميته
لكنه أُهمل عن قصد وبغير قصد نتيجة سيطرة أخلاق السوق والمساعي المفتوحة
في عالم يعرف الكثير من معادلات المنافسة لكنه لا يعرف إلا القليل
من الرحمة، وعلى حد تعبير مدير مفوض لشركة من الشركات متعددة الجنسية
(نحن في سباق أحصنة ليس ألا).
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى
لا يمكن أن يكون هناك سلام مع حكومة فلسطينية تستبعد حماس
يبدو ان احدث محاولة أميركية وأوروبية لاحياء
عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية المحتضرة منذ وقت طويل تسير
على مثل هذا النحو:إحكام تطويق حكومة حماس لتقليص حصولها على الاموال
والاسلحة.وقلب التوازن العسكري من خلال سكب ملايين الدولارات من
اجل تدريب وتزويد قوات الامن الموالية لفتح بالسلاح.وتقوية الرئيس
الفلسطيني محمود عباس سياسيا بانواع من التنازلات العاجلة والملموسة
مثل تحويل اموال والافراج عن الاسرى ورفع الحواجز على الطرق التي
اشار اليها رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت خلال عشائه مع
عباس مؤخرا.وبعد ذلك يكون التفكير في الضغط على الطرفين من اجل الموافقة
على خطة تتضمن انسحاب إسرائيلي من مناطق من الضفة الغربية وخلق دولة
فلسطينية في الوقت الذي يفرض فيه على الحكومة الفلسطينية ان يكون
مقابل ذلك الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف.
ويتم الاعلان رسميا عن الاتفاق في مراسم يحضرها مسئولون كبار اميركيين
واوروبيين وعرب يمكن ان يتعهدوا بتمويل كبير للدولة المقامة حديثا.وعند
ذلك سيكون الاختيار من قبل الشعب الفلسطيني واضحا وهو الحياة في
عزلة ومعاناة تحت حكم حماس او سلام ورخاء محتمل تحت حكومة جديدة
مدعومة دوليا. وسوف يقرر عباس انتخابات مبكرة او استفتاء.وسوف ترفض
حماس.وفي مواجهة العنف المترتب على ذلك سوف ينتصر عباس الذي تم تعزيزه
عسكريا والمتمتع بدعم محلي واسع.وتبدو النظرية جميلة ومغرية.كما
انها لايمكن ان تعمل في نفس الوقت.فمن حيث البداية هناك اعتقاد كبير
انه في السنتين المقبلتين فان ادارة بوش يمكن ان تحقق ما لم تحققه
في السنوات الست الماضية فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني
وان تنخرط في دبلوماسية ماهرة وتحصل على تنازلات إسرائيلية.وانه
يمكن لإسرائيل ان تتخذ خطوات ملموسة في ظل اوضاع امنية غير مستقرة
ومن اجل نتيجة غير مؤكدة.وبما انه من غير المحتمل ان يحدث اي من
ذلك فانه حتى لو حلت حركة فتح التي يتزعمها عباس باي شكل من الاشكال
محل حماس في هذا الخيال الغربي الجامح فان عباس يمكن ان يحصل على
الخيانة الثالثة له من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.حيث جاءت الخيانة
الاولى عندما عينه ياسر عرفات وتحت ضغط اميركي رئيسا للوزراء في
2004وجاءت الثانية عندما تم انتخابه ليحل محل عرفات.حيث في كلتا
المرتين تم قطع العهود التي لايزال الفلسطينيون حتى كتابة هذه السطور
ينتظرونها.غير ان الفرضيات الاكثر خطورة المرتبطة بالواقع السياسي
الفلسطيني هي الحرب الاهلية.والتي يمكن ان تحل لتكون كارثة على الشعب
الفلسطيني.حيث يمكن ان يصبح الحرس الرئاسي قوة مقاتلة بشكل اكبر
من حماس لكن مع استمرار النظر اليه من قبل الكثيرين على انه يعمل
بشكل كبير لصالح اميركا وإسرائيل.وفي مثل هذا السياق فان النجاح
يكون ابعد ما يكون عن التأكيد كما يمكننا ان ندرك ذلك من العراق
ولبنان بل ومن فلسطين نفسها في الواقع.فحتى مع فرضية سيطرة فتح فان
ذلك سيدفع حماس بشكل كبير الى العمل السري ويدفعها ذلك الى استئناف
عملياتها الاستشهادية وتزيد من هجماتها الصاروخية في الوقت الذي
تحتفظ فيه بولاء القاعدة الجماهيرية لها.هل يعتقد اي فرد بشكل جدي
ان عملية مفاوضات جدية يمكن ان تبزغ من مجتمع فلسطيني ممزق ومستقطب
ويتجدد فيه العنف الفلسطيني والانتقامات الإسرائيلية المتوقعة؟ ولعل
سوء التقدير الاكبر في ذلك هو انه يمكن ان يكون هناك سلام مع حكومة
فلسطينية تستبعد حماس.ان حماس ليست ظاهرة سريعة الزوال يمكن القضاء
عليها بقوة السلاح.بل انها تجسيد دائم للمشهد السياسي الفلسطيني
شانها في ذلك شان فتح وهو ما يعني عدم وجود تغيير دائم او ثابت في
العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبالتأكيد عدم وجود نهاية
للعنف او بدأ عملية سياسية حتى مع انسحاب إسرائيلي ملموس من الضفة
الغربية يمكن ان يتم رغم معارضتها.ان هناك بديلا وان كان على الرغم
من انه غير مؤكد الا انه اقل خطورة واقل دموية ويسمح بفرص.حيث ان
حماس تريد ان تحكم بشكل فعال وهذا حقيقي دون حصار دولي وعمليات عسكرية
إسرائيلية.وعلى الرغم من انها لاتريد ان تنبذ رسميا العنف الا انها
مستعدة للالتزام بهدنة شاملة وقد اثبت قدرتها على تنفيذها عندما
تلتزم بها إسرائيل كلية بشكل متبادل.ان حماس تريد التعاطي مع إسرائيل
بشكل مباشر بشأن القضايا اليومية وبشكل غير مباشر بشأن القضايا الاكثر
حساسية.وسوف تقبل بالمفاوضات بين عباس واولمرت وتلتزم باي اتفاق
يصادق عليه استفتاء شعبي.ومع ذلك فان حماس لن تعترف بإسرائيل.وهذا
يؤسف له.لكن هل يستحق ذلك حقيقة ان تغوص المنطقة في فوضى اكبر لان
حماس لاتتفاوض مع إسرائيل بشان شرعية الدولة اليهودية التي حصلت
عليها بالفعل تقريبا من كل دول العالم؟ان هذا البديل هو البديل الذي
دافع عنه عباس من البداية والذي كان هو الاساس في تشجيعه دخول الاسلاميين
الحياة السياسية في المقام الاول وهو السبب في رفضه الضغوط المستمرة
الاجنبية والمحلية بمواجهة حماس بعنف.وربما تنهار مقاومته على ما
يبدو.فمواجهة بتشدد وعدم مرونة غربية وعناد اسلامي فانه مجبر على
تهدئة مسار العنف الذي لم يتسبب فيه والذي من غير المحتمل ان يبقيه
بوصفه زعيما فلسطينيا.ولايزال عباس مؤهل بشكل فريد لتشكيل حكومة
وحدة مع حماس وتحقيق تسوية سلمية مع إسرائيل.وبالتأكيد فان هذا النهج
هو اكثر حكمة من الاوهام الخطيرة التي تنسجها واشطنطن والتي تحاول
الظهور بها على انها اكثر تفهم للحقائق العربية كما فعلت ادارة بوش
بغزوها للعراق وهو ما يمكن ان يأتي بنفس النتائج الكارثية.
روبرت مالي وهنري سيغمان
مدير برنامج الشرق الاوسط في مجموعة الأزمة الدولية.وسيغمان مدير
مشروع الولايات المتحدة ـ الشرق الأوسط وأستاذ زائر في كلية الدراسات
الشرقية والافريقية في جامعة لندن.
خدمة انترناشيونال هيرالد تريبيون-نيويورك تايمز خاص ب(الوطن).
أعلى
سوريا مصممة على تأكيد دورها في منطقة الشرق الأوسط
أرسى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والد
الرئيس الحالي بشار الأسد، قواعد تفوق دولته في منطقة الشرق الأوسط،
وحول سوريا التي عانت من ويلات حوالي 30 انقلاباً عسكرياً في ظرف
24 عاماً الى دولة يقودها زعيم واحد لمدة 30 عام تقريباً. وتأكد
الرئيس السوري الراحل من ان بلاده تستغل الأحداث بحكمة في منطقة
الشرق الاوسط، وليس بطريقة عشوائية ملتفة. ولسعيه بتحقيق تأثير اكبر
خارج نطاق حدوده، نجح الأسد الأب في بسط سيطرته على لبنان وجعل سوريا
الراعي الأساسي للقضية الفلسطينية.
وعلى الرغم من افتقاد بشار الأسد لنفس مهارات بناء الدولة التي كان
يمتلكها والده الراحل، فإن المستنفع الأميركي في العراق، وعلاقات
سوريا القوية مع القوة الصاعدة "ايران"، ودعم سوريا لبعض
جماعات المقاومة الفلسطينية كلها عوامل تجمعت لتمنح الأسد الابن
فرصة حقيقية لإستغلال شئون الشرق الأوسط على نطاق واسع.
ومع امتناع القيادة الاميركية والإسرائيلية عن اجراء أي حوار مع
القيادة السورية الحالية، يمضي الأسد قدماً في تشكيل موقفه الخاص
إزاء العراق والصراع العربي الإسرائيلي. وتعتقد الولايات المتحدة
وإسرائيل ان سوريا سوف تلعب دوراً اقليمياً مؤثراً يضر بمصالحهما
في المنطقة، ولكن كلتا الدولتين لم تقدما العروض أو التهديدات الكافية
والكفيلة بإرغام سوريا على مساعدتهما في المنطقة.
وعلى مدار الاسابيع القليلة الماضية، استيقظت سوريا أمام ابرز المشاكل
التي تواجهها: وهي استمرار طوفان اللاجئين العراقيين والأزمة الاقتصادية
الصعبة التي قد تترتب على هذه المشكلة. وبينما رفض الرئيس بوش الرد
على اي اتصال هاتفي من القصر الرئاسي في دمشق، مضت سوريا في طريقها
وأعادت فتح سفارتها في بغداد وبدأت في عقد سلسلة من الاتفاقيات الثنائية
مع العراق تتعلق بالهجرة والسيطرة على الحدود. وتواجه سوريا مصاعب
ضخمة في التعامل مع اللاجئين العراقيين البالغ عددهم حوالي 800 الف
لاجىء. وتحظى هذه المشكلة بإهتمام كبير من قبل القيادة السورية،
وتفوق في اهميتها بعض القضايا الأخرى مثل مطالبة المجتمع الدولي
بتوقيف سوريا للمقاتلين الأجانب الذين يعبرون كل شهر الى العراق
من الحدود الشرقية لسوريا.
وتهتم سوريا ايضاً بتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة من الحدود من
اجل اعادة تشغيل خط أنابيب النفط السوري العراقي. وفي عقد التسعينيات
من القرن الماضي، ساهمت الاكتشافات النفطية في سوريا في دفع وتعزيز
الاقتصاد السوري، وتزيد حصة الصادرات النفطية لسوريا على نحو 50%
من اجمالي صادراتها الى الخارج. ولم تحدث أي اكتشافات نفطية جديدة
ضخمة خلال العشر سنوات الماضية، ولكن سوريا واصلت اعتمادها على دخلها
من النفط. ومنذ عام 2000 حتى تاريخ الغزو الأميركي للعراق في عام
2003، استوردت سوريا كمية ضخمة من النفط الخام العراقي بطريقة غير
شرعية لسد احتياجاتها المحلية، مع تصدير النفط السوري الخام للأسواق
الدولية. وبحلول عام 2009، يمكن أن تصبح سوريا بلداً مستوردة للنفط.
ومع انخفاض انتاج النفط في سوريا وبطء عمليات الاصلاح الاقتصادي،
تمضي سوريا نحو أزمة اقتصادية ضخمة.
وقد انقذت ايران التي تستثمر مئات الملايين من الدولارات في عدة
مشاريع بالمدن السورية سوريا من أزمة اقتصادية خانقة. وغيرت العلاقات
الايرانية السورية ايضاً من مجال تأثير سوريا في لبنان، مع سعي حزب
الله لفرض تأثير أكبر على الحكومة اللبنانية وفي ظل عدم انتهاء التحقيقات
في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. ولم يتضح
بعد مدى قدرة سوريا على استعادة سيطرتها على لبنان مجدداً في ظل
المشاكل التي تتعرض لها الحكومة اللبنانية بفعل الضغوط التي يمارسها
عليها حزب الله. ويبدو أن احتمال عودة هذه السطرة مجدداً وراد جداً.
والواضح ان سوريا ما زالت تلعب دوراً مسيطراً في الساحة السياسية
الفلسطينية حيث يقيم خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس
الذي يلعب دوراً اساسياً في تشكيل اي حكومة فلسطينية قابلة للحياة،
في دمشق. ويحل مشعل ضيفاً عزيزاً على الرئيس السوري بشار الأسد.
وهذا العنصر مهم جداً بالنسبة للدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا في
المستقبل على جبهة الصراع العربي الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن تأثير
سوريا في لبنان لم يعد كما كان في الماضي، تستمر دمشق بتأثيرها على
حماس وحزب الله في لعب دور مؤثر في أي تسوية سلمية دائمة بين إسرائيل
وجيرانها وفي اقامة دولة فلسطينية. وقد عبر الأسد عن استعداده لإجراء
مفاوضات سلام مع إسرائيل دون شروط مسبقة غير عودة مرتفعات الجولان
التي كانت ولا تزال ثمن السلام الإسرائيلي السوري. وبخصوص هذه القضية،
من المستبعد اتخاذ إسرائيل لمثل هذه الخطوة بسبب تحدث سوريا عن خياري
السلام والحرب في الوقت الذي تمنح فيه إسرائيل المزيد من تصاريح
البناء في مرتفعات الجولان.
ومثل أي دولة اخرى، تفعل سوريا كل ما بوسعها من أجل تحقيق مصالحها.
وقد منحت الأزمة العراقية سوريا فرصة التقدم في التعامل مع المشاكل
الاقتصادية ومشاكل اللاجئين العراقيين، وسوف تستخدم دمشق هذا التقدم
كقوة دفع ضد أي دولة اخرى. وعلى الرغم من حماية سوريا بقوة لبعض
القادة الفلسيطنيين البارزين، فإن علاقات دمشق القوية مع ايران يعزلها
ضد أي عمل عسكري إسرائيلي. وبدون الاهتمام الإسرائيلي أو الاميركي
في التباحث والتشاور مع إسرائيل، تواصل سوريا في تدعيم موقعها كدولة
يصعب اختراقها. وسوف يفخر الأسد الأب بهذا الأمر لو كان حياً حتى
وقتنا هذا.
سيث ويكاس
عضو زائر بمعهد سياسات الشرق الأدنى في واشنطن
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص ب(الوطن)
أعلى
لم يعد بالإمكان تجاهل مأساة اللاجئين العراقيين
بينما نعيش هذه الأيام الاحتفالية في موسم
الأعياد، لا يمكن لأي أميركي إلا أن يشعر بالفخر والتقدير حيال رجالنا
ونسائنا في القوات المسلحة الذين يخدمون حالياً في بلد لا تزال أمتنا
في حالة حرب به، العراق، وقلوبهم مع الأهل والأحبة في وطنهم. لكننا
وفي هذا العام بالتحديد علينا مسؤولية كبيرة تجاه مئات الآلاف من
العراقيين الأبرياء الذين أبعدتهم الحرب عن أوطانهم. رجال ونساء
وأطفال نزحوا عن بيوتهم فراراً من دوامة العنف اللانهائية التي تزداد
حدة يوماً بعد يوم.
اللاجئون هم شهود هذه المأساة التي يعيشها العراق اليوم ولا يمكن
لنا أبداً تجاهلهم أو إغفال حقوقهم. إن علينا نحن الأميركيين تحمل
مسؤوليتنا تجاه هؤلاء المبتلين في وطنهم والعمل بجدية للتخفيف من
واقع معاناة هؤلاء المهجرين. لكن الوقت لا يقف في صالحنا، وعلينا
التحرك بسرعة وفعالية.
لقد هجر أكثر من مليون وستمائة ألف عراقي بلدهم أو هجّروا منه على
مدار السنوات الثلاث ونصف الأخيرة، إضافة إلى مليون وثمانمائة ألف
آخرين نزحوا إلى بلدان الجوار العراقي فراراً من العنف الطائفي الذي
ابتلي به هذا البلد وعمليات الاختطاف والابتزاز والتهديدات بالقتل
والذبح، فهناك على الأقل سبئعمائة ألف عراقي في الأردن وستمائة ألف
في سوريا ومائة ألف في مصر وأربعة وخمسين ألفاً في إيران وعشرين
ألفاً في لبنان.
قد يكون هؤلاء أفضل حظاً من لاجئين آخرين يعيشون في مخيمات إيواء
تحت وطأة ظروف معيشية مهينة، لكنهم أيضاً في مناطق حضرية حيث عليهم
الاقتصاص من مواردهم المحدودة لسداد نفقات المسكن والمأكل والمشرب،
كما يتعين عليهم الاعتماد على ما تتفضل عليهم به حكومات البلدان
التي نزحوا إليها، وهي بلدان تعيش بالأساس ظروفاً اقتصادية صعبة
تزداد صعوبة بمئات الآلاف من المهاجرين العراقيين.
في الأردن على سبيل المثال، يمثل المهاجرون العراقيون اليوم ما يقرب
من عشرة بالمائة من إجمالي عدد السكان، وهو ما يجعلها وغيرها غير
قادرة على تلبية المتطلبات الأساسية لهؤلاء النازحين.
وللهرب من هكذا التزامات، تعمد هذه البلدان إلى إغلاق الحدود مع
العراق لمنع أعداد أخرى هائلة من العراقيين والعراقيات من الخروج
من بلدهم ليبقوا محاصرين بين مطرقة العنف وسندان شظف العيش. وهكذا
تستمر النيران في إيقاد مرجل مأساة إنسانية تزداد وطأة كل يوم.
لقد أجمل تقرير المجموعة المكلفة بدراسة الأوضاع في العراق، والذي
صدر مؤخراً عن اللجنة التي ترأسها وزير الخارجية السابق جيمس بيكر
والسيناتور السابق لي هاميلتون، أن الموقف المعقد للنازحين العراقيين
لا يلقى سوى التجاهل ولا يتم التعامل معه بالصورة الملائمة، وهو
ما قد يلقي بظلال أكثر قتامة على مستقبل الاستقرار في العراق والمنطقة
بأسرها.
فشلت إدارة بوش للأسف في تقدير الحجم الحقيقي لمأساة اللاجئين العراقيين،
تماماً كما فشلت في تقدير أمور أخرى كقوة جماعات المقاومة وأعداد
القوات المطلوبة لإتمام المهمة في العراق، واليوم هي في مأزق حقيقي
يتعين عليها التعامل فيه مع مجموعة من الحقائق الواضحة على الأرض.
هناك حاجة متزايدة لإعانات مؤقتة عاجلة لهؤلاء النازحين. كذلك سيكون
علينا قبول مجموعات أكبر من هؤلاء، إذ لم تقبل الولايات المتحدة
العام 2006 سوى مائتي عراقي واثنين فقط، وهو نفس العدد الذي تنوي
السلطات قبوله خلال العام الجديد. إنه رقم غير كاف بالتأكيد، وعلينا،
ومعنا بلدان العالم الأخرى، فعل المزيد.
لقد فر الآلاف من هؤلاء إلى خارج العراق خوفاً من التعرض لعمليات
انتقامية بسبب تعاونهم مع الأميركيين، ومن هؤلاء أعداد كبيرة من
الطهاة والسائقين والمترجمين الذين وجدوا أنفسهم متهمين بالخيانة
من قبل البعض في العراق بعد تعاونهم مع الأميركيين، عسكريين أو مدنيين،
تعاون يعلم الجميع في العراق أن مصيره واحد لا يتغير، الموت.
بخلاف تفويض من الكونجرس بقبول خمسين مترجماً من كل من العراق وأفغانستان
على الأراضي الأميركية كل عام، لم تفعل الإدارة شيئاً آخر لتأمين
هؤلاء العراقيين "الشجعان" الذين قدموا لنا المساعدة بمختلف
أشكالها. إنه تعامل غير عادل ولا يستند إلى أي أسس وعلينا تقديم
مزيد من المساعدات لهؤلاء الذين ساعدونا.
تنفق بلادنا قرابة الثمانية بليون دولار شهرياً على الحرب في العراق،
بينما تبخل بحفنة من الملايين من الدولارات لتوفير أوضاع إنسانية
كريمة لهؤلاء النازحين. هل يعقل أن كل ما رصدته الخارجية الأميركية
لمساعدة اللاجئين العراقيين خلال السنة المالية الجديدة لا يتعدى
عشرين مليوناً؟
على الولايات المتحدة قيادة الجهود في هذا الصدد، لكننا لا يجب أن
نقف وحيدين في هذا المربع، بل علينا دفع جيران العراق وبقية أمم
العالم للتحرك معنا. ولعل عقد مؤتمر دولي لوضع حلول لقضية النازحين
العراقيين يكون خطوة أولى معقولة على الطريق، مؤتمر تقوم بلدان الجوار
العراقي والأمم المتحدة بتوفير التمويل اللازم له.
ينبغي على الولايات المتحدة الأخذ بزمام المبادرة وتشجيع الآخرين
على المشاركة في مثل هذه القضية.
بالتعاون مع جيران العراق والأمم المتحدة، سيكون بإمكاننا قيادة
تحرك سريع لتخفيف آلام النازحين وإنقاذ حياتهم. والمؤتمر الذي أشرت
إليه بأعلى هو البداية الصحيحة لمناقشات أعمق تتوسع لتشمل بقية المشكلات
التي تهدد مستقبل العراق.
لقد تبين لنا من واقع التجربة أن التعاون المشترك هو السبيل الأمثل
لإنهاء العنف المستشري في جسد الأمة العراقية وإيقاف نزيف الدم اليومي،
وإلا فإن الفشل في بدء مثل هذا التحرك سيؤدي إلى مزيد من الفوضى،
مزيد من القتل، ومزيد من الدماء.
إدوارد كينيدي
الكاتب عضو في مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ماساشوستس ويستعد لتولي
رئاسة لجنة الهجرة وأمن الحدود واللاجئين بالمجلس.
خدمة واشنطن بوست - خاص بالوطن
أعلى