بعروض سينمائية تناولت أعماله التي قدمت في مصر وأميركا
اللاتينية
احتفالية خاصة بنجيب محفوظ في معهد العالم العربي والمركز
الثقافي المصري في باريس
باريس (اف ب)- يقيم معهد العالم
العربي في باريس احتفالية خاصة للكاتب المصري الراحل نجيب
محفوظ تتناول أعماله التي قدمت على الشاشة الكبيرة ليس في
مصر فحسب وإنما أيضا تلك التي تحولت إلى أعمال سينمائية
في أميركا اللاتينية وتقام هذه التظاهرة التي بدأت الأحد
وتستمر لمدة شهرين بالتعاون مع المركز الثقافي المصري في
باريس والمكتب الثقافي للسفارة المصرية في العاصمة الفرنسية
إضافة إلى عدد من الجهات بينها جامعة مونبيلييه .
ويعرض معهد العالم العربي 16 فيلما مقتبسا من روايات هذا
الروائي العالمي الحائز على نوبل للآداب من أصل أكثر من
خمسين فيلما تناولت أعماله وتقدم العروض بمعدل فيلمين كل
يوم أحد حتى الرابع من شهر مارس المقبل وتأتي هذه التظاهرة
الاحتفالية بأديب مصر و"روائي عصره" بعد تكريمات
عربية عديدة له بينها تكريم لسينما محفوظ في مهرجاني القاهرة
وقرطاج السينمائيين الأخيرين .
وافتتحت العروض بفيلم "السكرية" الذي أخرجه حسن
الإمام عام 1973 وقام ببطولته نور الشريف ويحيى شاهين وميرفت
أمين كما عرض في اليوم نفسه فيلم "درب المهابيل"
(1955) لتوفيق صالح الذي أعقبه التدشين الرسمي للتظاهرة
ولقاء مع كل من الناقد المصري ورئيس هيئة الرقابة على المصنفات
الفنية علي ابو شادي والصحفية زينب حسن الامام والناقد الادبي
محمد فاضل اضافة الى الكاتبين جمال الغيطاني ومحمد سلواني
ومن الافلام المقرر عرضها ايضا "الفتوة" لصلاح
ابو سيف الذي انتج عام 1957 وقد شارك نجيب محفوظ بنفسه في
كتابة سيناريو الفيلم الذي قام ببطولته فريد شوقي وتحية
كاريوكا وزكي رستم وميمي شكيب لصلاح ابو سيف ايضا يعرض في
28 يناير فيلم "شباب امرأة" الذي اخرج عام 1956،
وفيه ايضا تعاون نجيب محفوظ مع ابو سيف في وضع سيناريو الفيلم
الذي قامت ببطولته تحية كاريوكا بجانب شكري سرحان وشادية.
ويعرض أيضا فيلم "الوحش" (1954) لصلاح ابو سيف
مع محمود المليجي وانور وجدي وسامية جمال وسميحة ايوب الذي
يتصدى لظاهرة التسلط في الريف المصري ، في هذا الوقت، وخضوع
الفلاحين ثم تمردهم.
الفيلم الرابع المعروض ضمن التظاهرة لصلاح ابو سيف هو "القاهرة
30" (1966) ،الذي يصور قصة ثلاثة خريجين جدد يحاول
كل منهم إيجاد طريقه في الحياة فيختلف النهج ويتشعب وسط
جو سياسي مفعم وحافل وقام ببطولته سعاد حسني مع احمد مظهر
وحمدي أحمد.
ويعرض في التظاهرة ايضا "خان الخليلي" الذي أخرجه
عاطف سالم عام 1966 والذي تحول في السبعينات الى مسلسل تليفزيوني
وفيلم "السمان والخريف" الذي أخرجه حسام الدين
مصطفى عام 1967 بطولة نادية لطفي ومحمود مرسي وعبدالله غيث
كما يعرض فيلم "ميرامار" (1969) بطولة شادية ويوسف
وهبي وعماد حمدي ويوسف شعبان و"السراب" إخراج
أنور الشناوي (1970) ويتناول مسألة حساسة ودقيقة هي العجز
الجنسي لدى الرجل و"ثرثرة فوق النيل" لحسين كمال
(1971) التي تعد من أهم روايات محفوظ وتدور أحداثها في عوامة
و"أهل القمة" (1981) لعلي بدرخان مع سعاد حسني
وعزت العلايلي ونور الشريف و"الجوع" (1986) لعلي
بدرخان أيضا مع سعاد حسني ومحمود عبد العزيز ويسرا وسميحة
توفيق و"الحب تحت هضبة الهرم" (1984) و"قلب
الليل" (1989) للمخرج عاطف الطيب الذي اضفى نكهة جديدة
على اعمال محفوظ واكبت ثمانينات القرن الماضي والى جانب
هذه الاعمال المصرية يقدم معهد العالم العربي ضمن هذه التظاهرة
فيلم "بداية ونهاية" الذي أخرجه المكسيكي ارتيرو
روبشتاين 1993 والمقتبس عن رواية محفوظ الشهيرة التي قدمها
صلاح ابو سيف للسينما المصرية عام 1960 مع عمر الشريف وفريد
شوقي وسناء جميل وفي هذا الشريط تحولت الشخصيات والاسماء
المصرية الى مكسيكية فدونا اينياسيا تجد نفسها مضطرة لإعالة
أسرتها بعد وفاة الزوج بوتيرو على نحو مفاجئ وتراهن في ذلك
على ابنها البكر غابرييل وقد اقتبست السينما المكسيكية من
أعمال محفوظ رواية "زقاق المدق" عام 1994.
أعلى
رسائل (1):
عن الاستطراد، والمعاجم، والشِّعر، و"رُبَّما"
أشياء أخرى
(ضاعت بعض الحقائب والكراتين
في الشحن البري والبحري والجوي عبر السنوات والبلدان والأسفار،
وما فقدته أنا كان بالتأكيد أقل نوعاً وكَمَّاً بكثير مما
فقده غيري في ظروف وسياقات أخرى لكن ذوت الأوراق تحت الشمس
والمطر والغبار والنسيان، وعبثت الفئران والرُّمَّة بالباقي
في ظروف تخزين سيئة واختار الزمن، مُعاتَبَاً مشكوراً، تمزيق
بعض تلك "الوثائق" (بهذه الصفة أنظر إليها الآن)
من تلقاء نفسه لم يعد لديَّ ولدى المرسلة إليهم تلك الرسائل/الوثائق
سوى نسخ تتناقص باستمرار-خاصة تلك التي كتبت قبل عصر الحاسوب-من
أحاديث قد يهم بعضها أشخاصاً غيرنا لهذا جاءت فكرة هذه السلسلة
التي هذي هي حلقتها الأولى من غير ما ترتيب زمني معين في
نشر الحلقات التالية، حيث يعتمد الأمر على توفر الرسائل/
الوثائق ، وملاءمتها للنشر من حيث الموضوع وغير ذلك إنه
أيضاً تَرَاسُلٌ بيني وبينكم-الكاتب/المُرسِل).
أوستن، في 29 ديسمبر 1997.
عزيزي [...]
أجيء مترنحاً مثل برزخ يبحث عن مكان ؛ أجيء من هدأة اللحظة
إلى وهاد الملاحظة ، فأقلق ، ويعتريني خوف شديد لكن لِمَ
عليَّ أن أذهب في وصف المجيء ؟. لِمَ لا أجيء فحسب ؟!. أجيء
آبِقَاً من الجُمَل الدراسية التي عليها أن تبقى قصيرة على
الرغم من طول وعرض وحجم الموضوع طالما أن من كتبها ليس "مُؤَسَّسَاً"
بعدُ في التراتب الصارم للسلطة الأكاديمية - الجُمَل المكتنزة
القصيرة مثل الممثِّلة [...] (ولعلي مصيب في أن التضامن
الكامل مع النظرية النسويَّة لا يعفي من اقتناص الدعابة
، المؤسَّسَة تاريخياً وفق اعتبارات خِطابيَّة بالضرورة
، كالاعتبارات الميدانيَّة التي تجعلهم يطلقون في اليمن
اسم هذه الممثلة على أحد أنواع عربات الدفع الرباعي!. استطراداً:
سمعت قبل قليل من محطة "السي إن إن" انهم منعوا
ختان الإناث في مصر؛ وهذا خبر ممتاز جداً على الرغم من تأخره
كما هو حال كل شيء لدينا)، والتي كان عليَّ أن أملأ بها-
أعني الجمل القصيرة وليس زميلتنا الممثِّلة [...] !-من دون
ندم كثير على الرغم من كل شئ أكثر من مائتي صفحة باسلة ،
خلال الفصل الدراسي الذي انتهى قبل بضعة أيام، لأثأر نفسي
فور تسليم آخر ورقة بحثيَّة إلى الأستاذ ، وأتعقب طرائدي
الأثيرة الأكثر شراسة من كتب الدراسة الصعبة حيناً (وثقيلة
الظل فحسب أحياناً) بحاسة الأنف وحدوس الروح والعظام والموت
السافر فيما أريد (وأحاول) أن أكتب في جملة استطرادية صغيرة؛
صغيرة مثل كوخ مهجور نحتت العواصف أخشابه على حافة بحيرة
جليدية تتطاول حريقاً في المحيطات المدلهمَّة؛ تنأى وتقترب؛
تتبدى وتتخفى؛ تخاصم وتصادق؛ تألف وتشاغب؛ تنبني في الهلام
وتهشِّم حديد التشبيه في فولاذ الهشيم (كم أود الاسترسال
في تمزيق نفسي بالثنائيات المتناقضة لو أضافت أشلائي هذه
شيئاً إلى المعنى؛ كم أود أن أرسل المعنى إلى الثلج وأن
أطوح بالدفء إلى الدِّبَبَة والأرانب التي تتكاثر في جحور
الصورة)؛ أجيء ، إذاً ، هارباً من نقطة إلى فاصلة ؛ من تنكير
إلى تعريف ؛ ومن التعريف انجرف إلى التباس جارف؛ من قوس
قزح إلى قوس الجملة المقحمَة والجميلة الاستطرادية- أجيء
بالتعريف الأسوأ من إنكار اللغة، هارباً من نفسي إلى نفسي
.
أفكر في هذه الأيام في "الجملة الاستطرادية" هذه
غير أن فورة الغضب الآني تلك على الجُمَل الدراسية المُحْكَمَة
ليست إلا من باب الإعلان النَّزِقِ عن استنفاد القوى بعد
فصل دراسي منهِك، فقد مضى من غير أسف زمن المراهقة الذي
كان المرء ينصت فيه بتبجيل ساذج لأنصاف الجهلة (وأنا أُنَصِّفُهُم
لأنهم أخطر من الجهلة الأسوياء وكاملي البلادة والأغبياء
بلا إعاقات إضافيَّة) ، "مثقفو" الحانات والمقاهي
وهم يتباهون بأميَّتهم المزركشة بمقطع من هذا الشاعر وجملة
من ذلك الفيلسوف (لا بأس أيضاً من تحلية "المحاضرة
الكاباتشينويَّة" بالإشارة القبضاتيَّة إلى لوحة تشكيلية
أو مشهد سينمائي كي يكتمل التركيز "الكوكتيلي"
في الإحاطة بالإنجازات المعرفية للجنس البشري) ألا يستوقفك،
مثلاً، أن كلمة "مشهد" قد أصبحت من المقتنيات
المظهريَّة للأثاث اللغوي في الحديث الثقافي العربي اليوم
؟ ألم يستوقفك ان كثيراً من الذين يتكلمون اليوم في شؤون
وشجون الثقافة العربية لا يدرون في العادة عمَّ يتكلمون
، حرفياً، وهذا أصبح من متطلبات الموضة الفكرية؛ وذلك لأن
العالم "غامض" بما فيه الكفاية، ولأن لا "حقيقة"
توجد، ولأن الأشياء "ملتبسة" للغاية، فَمَ الداعي
إلى أي شيء في الأساس ؟!. ألا يذهلك، استطراداً، ان كل شاعر
"حداثي" الآن يستخدم بحريَّة شديدة كلمة "ربما"
حتى في المواضع التي يريد أن يقول فيها (في الشعر وفي النثر)
شيئاً من قبيل "واثقٌ أنا ان..."، "أدري
أنا ان..."، وأحياناً في المواضع التي لا يريد أن يقول
فيها شيئاً على الإطلاق-"ربما" بوصفها لازمة من
اللوازم ، نافلة من النوافل التي لم يعد لها أي معنى ؟.
تنزلق كلمة "ربما" إلى لغة الشاعر الحداثي في
التسعينيات قبل أن يقرأ السيَّاب بالله عليك، تَقََصَّ إحصائياً
ورود كلمة "ربما" هذه فيما لديك من نصوص منشورة
مؤخراً، كي تفهم غضبي لو لم يزعجني شيء في الشعر "الحداثي"
العربي كله لقامت كلمة "ربما" تلك "ربما"
بالمهمة على خير وجه) ، والتي ينصبونها (الفاعل يعود بعد
هذا الاستطراد الطويل إلى أنصاف الجهلة، والمفعول هو أميتهم
العالية مثل فزاعة في الهواء) بقدرة الخواء المبتهِج ، بديلاً
"إبداعياً" و"فكرياً" لـ"الكتب
الصفراء"، و"الفئران الأكاديمية القارضة"،
و"المنهجيات العقيمة"، وهم البائسون التافهون
الذين ما أصابوا من البحر غير الزَّبد كلا، ليست الأمور
بهذه السهولة ومكابدة المعرفة، وإعادة إنتاجها وتأسيسها
قراءة وكتابة وفقاً لشروطها واختبار مشارِطِكَ في السياقات
الجديدة، هي غير معاناة القهوة والجعة والثرثرة وإنشاء الجمل
الفضفافة التي يمكن أن يتدثر تحت عباءتها المهيبة حتى الحمير
والثيران والسلاحف الكسولة أقول لك ذلك وأنا مدرك بأن تجربتي
هنا قد قادتني إلى استخلاص أن المرء- وهو لا يزال في طور
تلمس طريقه بعيداً عن فجاجات الإنشاء والتضليلات المجانيَّة
للتعبير- لا يتعلم معنى الاكتساب فحسب ؛ ولكنه في الوقت
نفسه يمر بعملية إلغاء تَعَلُّمٍ (unlearning) لكثير من
الأوهام والتصورات المغلوطة ليس في هذا انحياز للجامعة التي
نعرف جيداً أنها تخرِّج الكثيرين من الذين يضافون إلى الأشياء
من دون أن يضيفوا إليها شيئا ؛ فأنت دوماً تتذكر ، وتحافظ
باستماتة شديدة على اختلافك الداخلي الغائر أبداً، والحاضر
دوماً، وتدرك غربتك في قاعة الدرس (وفي غير مكان، طبعاً)
؛ بيد انه سيحضرك بلا شك - ما دمت موجوداً في العالم الذي
تشكِّل كافة تفاصيله مأزقك - إنك في قاعة الدرس تلك، تقرأ
في الغالب ما تحب، وما تعجب به لأنه يستوقف ، ولأنه يؤسِّس
ولا يدلِّس ، ولأنه يفتح طرقاً جديدة ، ولأنه مكتوب بلغة
(بالمعنى الأعمق للمفردة) ، وبفكر صلب يقف وراء تلك اللغة
فيه جهد وعناء ومثابرة ، وليس ابتزازات الكلام العام ، والمراوغات
اللغوية السهلة التي تصلح لكل المواقف وتنطبق على مختلف
أشكال المعرفة ، والطاقيات السحرية لإخفاء الجهل ؛ كما أنك
تدرك أن التعبير عن اختلافك في مجالات كالشعر أو النثر ليس
موقفاً ذاتياً ضيقاً من المعرفة الكأداء التي لها شروطها
وأدواتها الخاصة هذا موضوع علي أن أحدثك به بتفصيل أكبر
لاحقاً، فقد ذكرته من باب الاحتفاء بالاستطراد (الجوهري)
فحسب لكن لا عليك من أولئك الأنصاف الذين لا يكثرون إلا
في ثقافتنا العربية، وذلك لسبب بسيط هو أن الحبل متروك لدينا
بسخاء على الغارب، إذ لا تقاليد (ولا إبداعات) عصرية في
اختبار القول، حيث انني ما منحتهم-أولئك الأنصاف - إشارة
هنا إلا من باب الترحُّم عليهم وفي ذهني ما قاله عبد القادر
الجنَّابي: "ثمة موتى ينبغي قتلهم" ولا عليك أيضاً
من أسباب تسمية الجملة الاستطرادية بهذا الإسم؛ ذلك أنني
أود اقتراح انها كذلك وُسِمَت لأنها تطرد من جُلاَّسها الموضوع
الرئيسي لصالح موضوع فرعي ؛ لأنها تخرِّب في بنية الكلام
وتُشَعِّب السياق الواهم بإيصال الرسالة المُحِدَّدَة من
المرسل إلى المرسل إليه ؛ لأنها تفتك بأحادية المعنى ويقين
القاعدة ؛ لأنها استحالة البوح وبوح الاستحالة مرحى لها
إذاً هذه الطريدة البديعة تتنبأ بالهامش ضد المركز، وتنحاز
للأقلية ضد الغالب والسائد (نيتشه: "الأكثرية دوماً
على خطأ!"). لو كان لدي شبكة لأوقعت فيها، لأجل عينيها،
بالمبتدأ البعيد والأخبار غير النهائية ولو كان عندي "لسان
العرب" في هذه اللحظة لاستنطقته بحثاً عن شئ من رضاب
تاريخ الطريدة الجليل لكن، ما دمنا في سيرة المعاجم، هل
في وسعك أن تتصور لغة غير العربية لا يتوفر فيها حتى الآن
على حد علمي قاموس للمترادفات ؟. صحيح ان "لسان العرب"
إيتيميولوجي بصورة معقولة، لكنه في نهاية الأمر ليس قاموساً
إيتيمولوجياً بالمعنى التقني للكلمة، وليس معجماً حديثاً
في الأساس (ليس هناك من معجم عربي حديث أصلاً على الرغم
من أن العربية لم تَشِخ ولا يبدو أنها ، على الرغم من الاشكاليات
الكبيرة التي تخلقها اللهجات العربية المختلفة، من اللغات
قصيرة العمر) كذلك ليس لدينا في العربية معجم لتغير المعاني
عبر السياقات الثقافية المختلفة ليس لدينا قاموس للمجازات
ليس لدينا قاموس للتعبيرات ليس لدينا معجم للكلاشيهات اللغوية.
ليست لدينا معاجم للاقتباسات في شتى أنواع المعارف ليست
لدينا معاجم تمليها الطبيعة التعبيرية والبلاغية للغة العربية،
إلخ، من الأساسيات المرجعية التي ليست لدينا، والتي تتوافر
للناطقين بلغات أخرى حتى في مكتباتهم الشخصية الصغيرة في
البيوت.
وإذ أجلس، إذاً، مثل جملة استطرادية لاهثة - وأود لجلوسي
أن يطول من دون أن يقول شيئاً في كلامه - إلى الطاولة التي
تتناثر عليها الأفكار والأسئلة والذكريات في مواجهة البياض
الحاسوبي الغامر الذي ارى انه ورث بنجاح - على الرغم من
إليكترونيته - كافة مفاهيمنا الرومانسية ، وإن كان بدرجة
أقل من العملية، حول بياض الورقة (اللعنة، من باب الحسد،
على جيل الكتَّاب الذين كانوا يجلسون إلى آلة طباعة ويملون
عليها رواية كاملة) ، فإنه يروق لي أن أتذكر كاسبار هاوزار
في فيلم فيرنر هيرتزوج ، والذي كان يشتكي من انه يستطيع
البدء في سرد قصة، لكنه لا يستطيع إكمالها قصص كاسبار هاوزار
الفاتنة استطرادية، مثل وجوده، ووجودنا كله؛ قصصه المبتورة
مثل شظايا تبرق بها الأبدية في ظلام العالم، والتي تنتهي
في مشرحة العقلانية الغربية البائسة؛ المشرحة الجُمْلَة
المطرودة شر طردة من استمرارية الحياة يروق لي تماماً تذكر
ذلك، لأن مشكلتي معكوسة فيما يخص مشروع رسالة كهذه ، فهي
صعوبة البدء؛ أما الإكمال فإن الحديث عنه مبكر لأوانه، خاصة
في أحاديث لا يبدو أن لها نهاية أصلاً وفرعاً ؛ لا يبدو
أن لها مسارا خارج الاستطراد، وخارج مشرحة ما .
[وفي عودة إلى رسالة سابقة]: بلى، ليس اختلاف النص الشعري
عن المنطلقات النظرية التي يخال الشاعر انه متكئ إليها (أو
انه يطمح إلى ذلك) علامة سالبة، سواء كانت تلك المنطلقات
جمالية ، أو فلسفية ، أو أيديولوجية ، إلخ؛ بل ان العكس
تماماً قد يكون الصحيح ؛ ففي ذلك التناقض المتسق بعمق مع
جدل الأشياء ما يعني ان الشاعر قد وُفِّقَ في أن يجعل الأولوية
للجدير بالأولوية : الشعر نفسه وليس سواه (الحقيقة أن الشعر
نفسه، وليس الشاعر الذي اسقط في يده ، "ربما"
كان هو من تدبر أمر إقصائه) لكني أتصور ان المهم في الأمر،
بالنسبة إلى الشاعر، هو الوعي بذلك إلى أقصى الحدود الممكنة
(فهناك حدود غير ممكنة في ذلك)، والمهم هو القدرة المتحفزة
على الإشارة إلى مناطق التوتر والتضارب (بمعنى inconsistency
بالنسبة إلى الأخيرة) ، ليس بغرض تكميمها كي لا تقول ما
لا يريد الشاعر سماعه، ولكن بقصد الاشتغال أكثر، نظرياً
وضمن معطيات مطامح النتاج الشعري نفسه ، على تضاريس التناقض
تلك ، من أجل إضاءتها وترجمتها إلى معطيات نصيَّة هذا هو
السياق الذي أشارت فيه رسالتي السابقة إلى ابتعاد نصك الشعري
عن رؤاك النظرية الجديدة حول الشعر وكونك على بيِّنة من
الأمر لا يجعل مهمتك إلا أكثر صعوبة .
بيد انني- وأنا هنا لا أتحدث بالضبط "عن" حالتك،
وإنما "قريباً" منها - أتحدث عن حالتي أيضاً (فأنا
واع إلى اني أعيش تناقضاً نظرياً / تطبيقياً نَفْسُهُ وآخر)
، سأقول ان ليس للأمر أن يؤخذ على علاته ، حيث علينا أن
نكون حذرين كي لا يؤدي التمسك بهذه المقولة- اي مقولة التبرير
الوجيه لعدم اتساق المنطلقات النظرية مع النتاج الشعري بسبب
طبيعة الشعر أو طبيعة الحياة وما طُبِعَت عليه اللغة- إلى
أن يكون شمَّاعة مهيبة في وسع الشاعر أن يعلق عليها ما وسعه
من إخفاقات ؛ ذلك انه من المريح للغاية أن تتحول هذه المقولة
إلى كلاشيه مناسب (بمعنى convenient) وأن تكون بذلك حلاً
مريحاً جداً لكثير من الإشكاليات غير المريحة (تأمل، مثلاً،
شمَّاعة الكسر الإبداعي للحواجز بين الأجناس لدى كتَّاب
"النص المفتوح"، والتي يلوحون بها قمعاً لأي نقاش
حول اللغة نفسها، وحول النص ذاته). من ناحية أخرى فإن الأمور
نسبية حتى في الشعر، فهناك لا-اتساقات هشَّة من الأساس،
ولا يمكن القبول بها من ناحية المبدأ ، إذ أن ارتباكاتها
البائسة أبعد ما تكون عن القلق الجوهري الكامن خلف اللااتساقات
ذات الطبيعة الإشكالية الحقيقية التي تبرهن، في التحليل
النهائي للأمر، على طبيعة الشِّعر الصعبة .
تقدم رسالتك الفاكسية التي بعثتها لي قبيل مغادرتك الولايات
المتحدة منطلقات كثيرة لأحاديث عدة (وهي كلها، في أية حال،
مرتبطة ببعضها على نحو يستحيل معه تجزئتها) ومن ضمن تلك
النقاط - التي أتفق معك في معظمها - احتوت رسالتك على سرد
موجز لتطور تجربتك الشعرية في إطار تاريخي ونقدي ذاتياً
(لا أدري إن كان يدهشك ان بعض تلك المحطات كان جديداً علي)
وقد أردتَّ من خلال ذلك الإيجاز أن تبحث، ضمنياً وعلى نحوٍ
مقنِع للغاية، عن جذور مرتئياتك الجديدة. رسالتك، في سردك
المقتضب لتجربتك، تمس، ضمن أشياء أخرى، إشكالية قديمة، وأظن
أنها تتجدد بتجدد الحياة والعالم وقد كنتُ قبل مدة طويلة
من وصول رسالتك أحاول أن أصيغ بعض هواجسي حول تلك الإشكالية
، أي إشكالية العلاقة بين الإبداعي والسياسي، وهي الإشكالية
التي اعتقدنا من زمان انا أشبعناها نقاشاً وتوصلنا إلى قناعات
بخصوصها لكن، فيما يخصني على الأقل، شعرت دوماً بأن قبول
إحدى المحاججتين [الانتصار للإبداعي أو الانتصار للسياسي]
على حساب الأخرى (فالأمر كان في الغالب مطروحاً بهذه التخيريَّة
الجائرة والساذجة، أو انه فُهِمَ، أو أُفْهِم على انه كذلك)
ينطوي على كثير من إبعاد الأشياء عن سياقها (بمعنى decontextualization)
أو تغريبها عن التاريخ (بمعنى dehistoricization) اللذين
لم أعد أستطيع أن أفهمها صحيح اني كنت، ولا أزال، أرجِّح
بإصرار، فيما يخص الكتابة، جانب المحاججة الإبداعية التي
تنتصر لحريَّة النص وحرية الخلق. لكني كنت، ولا أزال ، أفهم
ذلك على انه واقع في حدود تاريخيتي وتاريخية تجربتي في الحياة
(وبالتالي: في كل شيء) سأحاول الكتابة حول هذه الهواجس بصورة
أفضل في وقت لاحق، إذ اني أرى انه ليس هناك من ثقافة معاصرة
يزداد فيها ذلك الانفصام الغريب كما هو حاصل في الثقافة
العربية ؛ هذا في الوقت الذي "ربما" كانت فيه
هذه الثقافة تحديداً هي الأكثر تؤهلاً لاستبطان كنه ذلك
التعالق الغائر.
في منتصف الثمانينيات بعثتَ لي رسالة طويلة تمخضت رؤاها
بسبب من الصدامات العنيفة التي حصلت حينذاك على ساحة الكتابة
في البحرين والإمارات وأعتقد انه حتى بقراءة تلك الرسالة
اليوم بعد انقضاء أكثر من عقد من الزمن على كتابتها فإن
فحواها لا تزال تمثل جوهر موقفنا من الإشكال في ذلك الوقت
، وخاصة لجهة فهم تفردات الطبيعة العميقة للإبداع ، واختلافها
عن مقتضيات الخطاب السياسي لكن التوقف عند ذلك الحسم اليوم
يعني قصوراً في قراءة المشكلة من كافة جوانبها (بما في ذلك
الجوانب التي كانت خافية علينا في ذلك الوقت وتكشفت خلال
السنوات الفائتة على صُعُدِ التجربة والوعي والمعرفة، والجوانب
التي ينبغي إعادة النظر إليها من رؤيا وحساسية جديدتين ،
وبما في ذلك أيضاً قصور المعسكر الآخر عن فهم أعمق للأشياء)
لكن ما أود الإشارة إليه الآن هو ان تلك الإشكالية تظل،
شئنا أم أبينا، تعتمل في كل ما نطرحه حول الشعر؛ لأن أسئلة
الشعر هي أسئلة الحياة (والموت طبعاً) ، وحتى في الموضوعات
التي تبدو للوهلة الأولى تقنية ومحض جمالية مثلاً ما تطرحه
أنت حول "لغة العصر" من حيث انه، كما تقول: "إذا
كانت الدعوات قد طالبت بنقد عربي وهوية ثقافية فإن هذا العصر
وما سيأتي به القرن القادم يؤكد انه لا يوجد نقد غربي أو
عربي ، شعر شرقي أو غربي ، فابن البدوي في الإمارات يوجد
في علبة سيارته ميحد حمد مع مايكل جاكسون وهو يقطع الرمال
ويتحدث في الهاتف النقال" هذا وصف لمشهد تتزاحم فيه
عناصر صراعية (الصمت/علبة التسجيل؛ الإمارات بوصفها هوية
ثقافية معينة/الغرب باعتباره هوية حضارية أخرى؛ ميحد حمد/مايكل
جاكسون؛ الرمل/السيارة؛ الصحراء/الهاتف النقال)، وقد سيق
هذا المشهد للتدليل على عولمة تنصهر فيها خصوصية تلك العناصر
في بوتقة الهوية الكونية الجديدة ، والتي ليس أمام الشعر
العربي الجديد سوى أن يقبلها ، بل ويشارك في صنعها- هكذا
فهمت الأمر في سياق قراءة محاججتك النقدية حول رؤاك الشعرية
الجديدة.
لكن ليس في وسعي قبول تلك العناصر التي يسردها المشهد إلا
كونها رموزاً لصراع ومواجهة ، وبعض تلك العناصر- في سيرورة
ذلك الصراع ونتيجته- يكتسح العناصر الأخرى هو مشهد واقعي
في اتكائه على معطيات سياسية وثقافية معينة، لكني لا أستطيع
قبول الشعر على انه "معطى" (بمعنى datum) من تلك
المعطيات، ينجرف في تيارها؛ بل اني أرى إليه فاعلاً فيها،
ومؤثراً في سيرها.
لكني الليلة (وهذه نكاية بالمفارقة)، ولدى حلول اللحظة التي
ابتدأ فيها الحديث الذي كنت أتأمل في بعض جوانبه ، وأتوقع
أن يكون الموضوع الرئيس لهذه الرسالة قبل الشروع في كتابتها،
فإني [...] كثيراًً في ترف الإجازة الدراسية القصيرة وضجرت
كثيراً في عري الليل "ربما" (أقصد "بالتأكيد"
طبعاً!) لأني لم أكتب شيئاً من الشعر منذ مدة، ليس بسبب
[...] الطارئ، ولكن لأني حاولت الشعر في الأيام الفائتة
-على الرغم من اني، بالطبع، لا أتعامل مع الشعر على انه
من الأمور التي يمكن وضعها في الجدول الإرادي لما ينبغي
منك أن تفعله اليوم أو غداً، والتي، لذلك، عليها أن تنقاد
لظرف الفراغ في الإجازة ، ولكني فقط راهنتُ خاطئاً على تراكمات
الشعر في الروح ، واعتقدت ان هذا الوقت سيمتد سهولاً شاسعة
أمام خيولي الجائعة- فلم أستطع (الحقيقة التي ليست أقل سوءاً
هي ان الدراسة لم تترك لي أي وقت لقراءة الشعر وما دام المرء
لا يقرأ شعراً فليس له أن يتوقع انه سيكتب شعراً) ؛ الأمر
الذي أشعر معه بحرج شخصي، وأخلاقي، ومعرفي حقيقي يستحيل
بسببه استمرار كتابتي عن الشعر (انتظار الشعر؛ المراهنة
على مفاجآت الشعر؛ ريلكه الذي كتب عشر قصائد في عشر سنوات؛
كل ذلك أعرفه لكنه لا يجديني نفعاً)، وذلك لأني - ضمن أسباب
أخرى- لست "ناقداً"؛ لست "مفكراً" في
علاقتي بالشعر؛ فأنا أحاول أن أكون شاعراً يتقاطع نظرياً،
وبالوعي النقدي الممكن، في تجربته الشعرية، مع الأسئلة التي
يطرحها الشعر؛ ولذلك فإني لا أستطيب الكتابة عن الشعر إلا
إذا كنت فيه ( ألا تكون في الشعر فهذه مشكلة، لكنها ليست
مشكلة كبيرة جداً في غير هذه الليلة ).
أما فيما يخص هذه الليلة، وما يخص غداً، فإني أتمنى أن يستمر
الحوار بيننا، لأنني حقاً أحبه ، ولأنني حقاً أرجو أن يتصل
في استطرادات قادمة .
عبدالله حبيب
* أديب عماني
*"إنني لا أنوي الكلام عن؛ فقط قريباً من" ("I
do not intend to speak about; just nearby") الفيتنامية
ترنه تي منها في فيلمها "إعادة تركيب"-أشاهدته
بالمناسبة؟.
أعلى
كل سبت ..
اقتراب للحالة .. !
خلال الأسبوع الماضي أجرت أحد
البرامج الإذاعية الثقافية في السلطنة حواراً مميزاً مع
أحد الشعراء الخليجيين وتطرق هذا الشاعر للعديد من المنعرجات
- ربما - كان خارجاً عن المجال المفترض أن يتم مناقشته ،
ولكن الحديث كان ذا شجون ، والحديث تطرق للعديد من الحقائق
التي تمس الحالة الشعرية المهزوزة بل المنتكسة التي يمر
بها الشعر الشعبي ، ومن خلال ذلك يؤكد لنا بأن حالة الشعر
الشعبي هي حالة عامة ليست على مستوى الشعر الشعبي بالسلطنة
بل على مستوى الخليج بشكل عام.
قمت بإجراء بعض الاتصالات غير المباشرة مع بعض الشعراء إضافة
لمعرفتي لبعض الآراء المتعددة من خلال التواصل مع البعض
ورأيت بأن الأغلب وليس الكل غير مقتنع تماما مع الشاعر الضيف
فيما أشار وتحدث عنه عن الشعر الشعبي في الحلقة المعنية
، بينما أكد البعض على منطقيته وصحة كلامه.
إخواني الشعراء .. ليس هدف كل ناقد أو كل من له باع في مجال
معين من الحديث بشكل سلبي عن موضوع ما إثارة البلبلة أو
إدارة الأضواء تجاهه بقدر ما هي الغيرة عن تدهور ذلك المجال
برغم اختلاف طرق التعبير عن ذلك بل ربما تكون سلبية في بعض
الأحيان ، ولكن يجب علينا أن نقف مع النقاط المطروحة بتأنٍ
وبعقلية تتميز بنضج ووعي ، والوقوف مع تلك النقاط بعين الباحث
للحقيقة والمصحح للأخطاء أو المقترب للصواب إن لم يكن كذلك.
سنحاول الاقتراب في بعض ما طُرح فالشاعر في الحلقة قدم لنا
صورة واضحة عما يعيشة الشعر الشعبي بعموميات الساحات وعن
التوتر بين أفرادها وقدم لنا صورة واضحة وشاملة عن العقبات
التي تحول دون تطور المستوى الفكري لدى الشاعر وقدم العديد
من الأمثلة وهذه الصورة برغم سوداويتها إلا أنها في الواقع
حقيقية يجب علينا أن ندرك تماما صحتها وأن نقتنع ليس لترسيخ
صحتها بل للقيام على حلها أو إيجاد البدائل الراقية للحيلولة
دون الوقع في ثغراتها مرة أخرى.
تم الإشارة إلى أن الشاعر الشعبي يعاني من ( قلة الوعي )
وهنا القصد في الوعي الثقافي والفكري ، فهل هذه المعاناة
غريبة عنا ؟؟ دعونا نقولها بجرأة نعم .. فالمستوى الفكري
والثقافي لدى الشاعر الشعبي محصور في حدود ضيّقه جدا لا
تعددى المستوى ( الشعبي ) والإرث التقليدي القديم بل ( العتيق
) في ثقافة النص أو حتى ثقافة التعامل الفكري بين الشعراء
الشعببين وبين الآداب الأخرى ، وهذه المعاناة طرحناها كثيراً
وتكرارها بداعي التذكير ومحاولة إيجاد الحلول ليس الا. فأدوات
الجد حينما كان يستقل الجمل في ترحاله والحمير في تنقلاته
مثلا لم تعد الآن موجودة وغيرها من الأدوات الأخرى بحسب
نطاقها الأوسع فالحالة العصرية تبدلّت فهل من المفترض أن
نتناولها في القصيدة كعامل آني يجب التعامل معه أم أننا
نستخدمها كإرث لا تعدوه السطحية أم أننا ننتقل للفكر الأوسع
والأشمل في القصيدة .. واعتقد اننا نتفق على ذلك .
كما تم مناقشة تهميش الشاعر للثقافات الأخرى كالشعر الفصيح
والقصة والرواية والدراسات والنقد وغيرها ، وكأن الشاعر
الشعبي هو ( الأديب ) الوحيد على هذه الأرض والسبب أنه وجد
المساحات المتاحة من مختلف الوسائل بغض النظر عن معرفته
ماهية تلك الوسائل ، فلا يجب أن ننظر للشي من زاويته البسيطة
الضيقة بقدر ما نحاول ان نوسعه ونستخلص منه النتائج ، فالشاعر
الشعبي كما ذكرنا وصلت له الحالة في مسألة التهميش إلى حتى
تهميش الشعر الشعبي خارج حدود الخليج وكأنه يعتبر ان لا
شعر شعبي في الوطن العربي بل يرفض في كثير من الأحيان التواصل
مع الشعر الشعبي في مصر مثلا أو السودان أو دول الشام وغيرها
من الدول العربية التي ربما لها في هذا المجال من المستوى
ما هو أرقى ومن الكم ما هو أكثر ، فما نسمعه في أغان كثيرة
قدمها لنا عمالقة الطرب الأصيل أليس ذلك شعراً شعبياً اختلف
في التسيمة ؟ .. أليست هذه الإشكالية تعود في أسبابها على
المعاناة السابقة المطروحة ؟
مسألة الهوس التجاري في استغلال ما يدعي البعض أنه ( شعرا
) - شعبيا - في الكثير من الوسائل الإعلامية المختلفة سواء
المجلات المتخصصة التي أصبح عددها الكثير والقنوات الفضائية
المتخصصة والبرامج وغيرها من المسابقات الربحية الكثيرة
، ألم تصبح عالة على الصبغة الحقيقية للشعر الذي من المفترض
أن يكون ؟ ، هل نحن على قناعة تامه بأن كل من يتصدر أغلفة
وصفحات وشاشات تلك الوسائل بأنه شاعر حقيقي نسطيع أن نطلق
عليه لقب شاعر ؟؟ هل من المعقول أن نصدق أنفسنا بأن الساحة
الشعرية الشعبية تحتمل أن يتواجد بها ذاك العدد الهائل من
الشعراء الشعبيين الذي نرى من الوجوه ألفا في اليوم الواحد
لا تتكرر سوى ألفا أخرى من حيث العدد ، وفي النهاية حينما
نسأل أنفسنا من نعرف من الشعراء نقول بأنهم ثلاثة أو أربعة
لا غير يستحقون أن نطلق عليهم لقب شاعر ! أليس حريا بنا
ان نعي ذلك ولا نستسلم للموجة التجارية التي نحاول ان نفترضها
على انفسنا كشعراء ؟؟ أليس هذا مرتبط بسابقه ؟؟
الحديث كما طال في ذلك الحوار الشيّق الجميل يطول بنا هنا
أيضا .. ونعدكم بالتواصل بكل ماله في خدمة الشعر الشعبي
للرقي به نحو صيغته الحقيقة التي نتمناها بل يتمناها الأدباء
الآخرين في المجالات الأخرى حتى يقفوا احتراما للشاعر الشعبي
في إبداعه وفكره وثقافته ، وهذا الرقي بكل تأكيد لن يتأتى
الا بالتكاتف واللحمة من أجل الصالح العام .. وفقنا الله
وإياكم لسمو الأهداف.
ومضة ..
ذبحني الخوف بين اشوفك جرح واغتابــك
وبين اني اشوفك حبل وتقطعه سكينـــــي
تعبت ولا لقيت الا اني ارحل دون اشقى بك
تعبت ولا لقيت الا انني انزعك من طيني
سنين .. سنين كني أمس مريت اطرق ابوابك
ولا حدٍ فتح هالباب .. ولا احدٍ يواسينـــي
فيصل العلوي
fai79@hotmail.com
أعلى
صوت
فلسفة الطعام
لقد ارتبط الغذاء عند الإنسان
من دون كافة حيوانات وكائنات الأرض ليس بغريزة إشباع الجوع
فحسب فهو (الإنسان) انتقل منذ بداية صعوده سلم الحضارة من
الحالة البدائية التي مارسها لإشباع غائلة جوعه بأكل ما
وقع تحت يده من جذور النبات ولحوم الحيوانات نيئة، والتي
كان يصطادها، أو ما ساقها قدرها هدفا تحت حرابه وسهامه وبين
فخاخه، دون تمييز إلى حالة أرقى حيث ارتبط ارتباطا رئيسياً
من خلال حالة اشتهاء تحدد أو هي المسئولة في البداية عن
مدى إقباله على هذه النوعية من الغذاء أو صدوده عن تلك،
خاصة بعد أن اكتشف الإنسان النار التي كان اكتشافها فصلا
مهما من مفاصل تاريخ الجنس البشري على الكرة الأرضية، وما
وفرته من خصيصة الطهو الذي انتقل بالغذاء من مادتها الأولية
الخام ولا نقول الطازجة إلى مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة
الاستطعام ، فعن طريق النار نظرا لفعل الاحتراق الذي تتعرض
له المواد الغذائية وتغير مكوناتها تحت تأثير الحرارة الشديدة
التي توفرها النار، أصبح بفضل ذلك بالإمكان التمتع بالإضافة
إلى سد الجوع بطعم ونكهة ورائحة للغذاء المعد.
حيث أتاحت هذه العناصر للإنسان أن يستعيض في أكله من أن
يكون الكم في الغذاء هو الطريق المباشر إلى الشبع مما مكنه
بعد اكتشافه الطعم والنكهة والرائحة في غذائه إلى الارتقاء
بعملية الأكل ومكوناته الغذائية من مجرد استجابة أو سد لمطلب
غريزة حيوانية صرفة إلى متعة من ضمن المتع التي يتيحها الإنسان
لنفسه، أخذت تمارس ضمن عادات الإنسان اليومية ، فما عاد
الإنسان يلجأ للطعام عند حالات الجوع القصوى فقط والتهامه
كميات كبيرة من الطعام مرة واحدة نتيجة لمعاناة سغب الجوع
في حالاته القصوى هذه، وإنما نظم حالات جوعه وشبعه تنظيما
دقيقاً بما يتلاءم مع متطلبات جسمه والجهد الذي يتحمله هذا
الجسم خلال الجهود المعيشية التي يبذلها الإنسان طوال نهاره
، لذلك جاءت فترات تناول الطعام التي استقر عليها الإنسان
(الإفطار ، الغداء ، العشاء) والتي يتقيد بطقوسها وعاداتها
كافة سكان المعمورة ، استجابة حقيقية لداعي سد خواء المعدة
الجائعة بالدرجة الأولى ولمتطلبات الجسم من الطاقة والنشاط
التي يوفرها الطعام.
وإضافة إلى كل ذلك فإن الطعام بعكس البهيمية عند الحيوان
له عند الإنسان شهية لها محفزاتها في الطعام من خلال نوعيته
وكيفية إعداده ، ولها مثبطاتها في تركه والصدود عنه تعتمد
على الكيفية التي أعد عليها هذا الطعام والطريقة التي يقدم
بها ، ومن الطبيعي أن تكون أسس الخدمة المقدمة في المطاعم
العامة ومحلات تقديم الوجبات والأطعمة مراعاة هذه الشهية
والعمل على الاستجابة لمحفزاتها خلال صنع الطعام وتقديمه
حرصا منها على نجاح خدماتها والمحافظة على إقبال الزبائن
على هذه الخدمة.
أحمد الرحبي
كاتب عماني
أعلى