كلمة ونصف
نحو دعم الجمعيات الخيرية
تجسيدا للنظام الأساسي للدولة وترسيخا لدولة
المؤسسات والقانون وتدعيما لتطور المجتمع المدني ، ورفد الجهود المبذولة
من جانب مؤسسات الدولة المختلفة والقطاع الخاص ، جاءت الجمعيات المهنية
لتكون رافدا هاما آخر يعزز مسيرة العمل الوطني ، ويكمل مسارات العمل
في الكثير من المجالات ذات العلاقة بجوانب الحياة المختلفة .
فبلاشك أن الجمعيات المهنية التي تتخذ من العمل التطوعي مسلكا لها
تعد إضافة هامة ستعمل على التكامل مع الجهات المختصة ، والتواصل
مع نظيرتها في الدول الشقيقة والصديقة بما يساهم في رفعة شأن هذا
الوطن ، وإعلاء لصوته في المحافل الدولية.
كما أن هذه الجمعيات جانب من جوانب العمل الأهلي غير الحكومي الذي
يتكرس في هذا العالم ، ونحن جزء لا يتجزأ منه ، لبلورة أهداف تسعى
إلى تحقيق التوازن في التعاطي مع المستجدات والمتغيرات وتعمل على
إيصال الصوت الآخر بعقلانية تأخذ بكل المسببات وتراعي كل الاعتبارات.
فهذه الجمعيات ثمرة من ثمار النهضة المباركة ، التي منحت الحقوق
وفرضت الواجبات على كل مواطن يعيش في هذه الأرض الطيبة ورسخت لمفهوم
العمل التطوعي في مجتمعنا ، إلا أن هذه الجمعيات الناشئة تعوزها
الإمكانيات على اختلاف أنواعها لمواصلة نشاطها لتدبير أمورها كغيرها
من المؤسسات والمنظمات.
فالاحتياجات كثيرة والموارد قليلة ، الأمر الذي يتطلب من الجهات
المختصة مراعاة أوضاع هذه الجمعيات باعتبارها مؤسسات عامة تعمل على
رفد الجهود المبذولة من جانب الحكومة من ناحية وتعد تطورا يتحقق
في هذا الوطن من ناحية أخرى.
فالكثير من الدول تدعم هذه الجمعيات كغيرها من المؤسسات ذات النفع
العام يكفيها ذل السؤال ويدفع برامجها وأنشطتها إلى الأمام ، وهناك
الكثير من الأمثلة في الدول الشقيقة والصديقة في هذا الشأن.
فالدعم من الدولة من ِشأنه أن يساعد في وضع البنى الأساسية الهادفة
إلى الانطلاقة بالعمل التطوعي وترسيخا لثقافة هذا الجانب المضيء
من المجتمع .
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

اصداف
التعليم في العراق -4-
عندما بدأت مرحلة الاحتلال ، كان واقع التعليم
في العراق ، قد تم انهاكه بصورة لا مثيل لها ، وبدلا من وضع برنامج
لتطوير هذا الواقع والاهتمام به ، ذهب اتجاه الاحتلال الاميركي للعراق
ومن عمل تحت امرتهم من العراقيين الى مسارات اخرى ، فقد انصب اهتمامهم
بالدرجة الاولى على قطع صور الرئيس الراحل صدام حسين من الكتب والمناهج
الدراسية ، واخذ هذا الامر وقتا طويلا ورصدت لذلك الاموال الطائلة
، كما اتجهوا الى الغاء المواد التعليمية، التي تثقف الاجيال على
الارتباط بالامة العربية ، واستدعى ذلك الغاء الكثير من المناهج
التعليمية ، وحصل ذات الشئ مع مواد تدريس القرآن الكريم والتربية
الاسلامية اذ حصلت تغييرات جذرية وجوهرية ، وتم حذف الكثير من المواد
الدراسية، التي تدخل في صلب التربية الدينية ، في بلد مسلم وعربي
مثل العراق.
ما يتعلق بالكوادر التدريسية ، فقد تعرض هؤلاء الى عمليات اقصاء
وابعاد لا مثيل لها ، فهناك عشرات الالاف من التدريسيين الجامعيين
والمدرسين في الثانويات والمعلمين في المدارس الابتدائية ، قد تم
فصلهم وطردهم من ممارسة مهنتهم التعليمية، تحت يافطة قانون اجتثاث
البعض ، الذي شرعه الاحتلال ، واقصى مئات الالاف من العراقيين وابعدهم
عن تادية أدوارهم في العملية التنموية في العراق.
كما ان هناك الكثير من الكوادر التعليمية ، اضطرت الى مغادرة العراق
، بعد ان تم استهداف هذه الكوادر بالقتل والاختطاف والتعذيب ، وضمن
ذات المسلسل ، فقد حصدت عمليات الاعتقال الواسعة ، التي نفذتها قوات
الاحتلال والقوات الامنية الحكومية الالاف من الكوادر التدريسية،
ما اضاف ثغرات اخرى الى البنيان المتهرئ في ميدان التعليم.
لم يسلم الطلبة من عمليات الاعتقال ، اذ تم اعتقال الالاف منهم ،
وشملتهم عمليات الاغتيال والاختطاف ، ووصل الامر الى قيام العصابات
الاجرامية ، التي تعمل تحت مظلة قوات الاحتلال وبتوجيه منه ، الى
اختطاف الطالبات وحصلت عمليات اغتصاب من قبل تلك العصابات المعروفة
، لانها مسار العملية التربوية وايقافها بالتمام والكمال على طريق
اثارة الفتنة واستكمال مشروع تدمير البنية التعليمية والثقافية للعراق
، وهذا ما بدأت بتنفيذه الادارة الاميركية منذ بداية تسعينات القرن
الماضي، ويحاولون الان اكمال مهمتهم التخريبية الهادفة الى هدم جميع
مرتكزات التربية والتعليم والتثقيف في العراق.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب ـ جدار بغداد
wzbidy@yahoo.com
أعلى

اقول لكم
عزيزة الفحلة
الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ قدم نموذج
(الفتوة) في عدد من رواياته، بتحليل نفسي لشخصيته، وتوضيح للمناخ
السياسي والاجتماعي الذي يسمح بظهور نموذج الفتوة على رأس هرم من
صبيانه الفتوات الصغار، ليقوم بدور تعجز عنه السلطة في بسط الأمن
وتحقيق العدل والانتصار للضعفاء وحمايتهم من جور اصحاب السلطة والنفوذ..لكن
بعضا من فتوات نجيب كانت تنحرف عن هذا الدور الانساني وتستغل قوتها
وجبروتها لتحقيق مغانم خاصة وجباية الأموال من الناس بدعوى حمايتهم
مع ممتلكاتهم من إغارات اللصوص والقتلة.
وهذه النوعية من الفتوات رموز لقوى معاصرة تسعى للقيام بنفس المهام
لتحقيق مصالحها الخاصة في عالم اضحى شبيها بقرية كونية كبيرة، والقانون
الذي رصده محفوظ فيما يتعلق بدواعي ظهور نموذج الفتوة مازال فاعلا
في عصرنا الراهن، وهو خوف عامة الناس ـ او الدول الضعيفة ـ من ظلم
بعض الفتوات الذين يمتلكون القوة والهيمنة ويوظفونها لخدمة مصالحهم
الخاصة.
وقريتنا الكونية الكبيرة تحتفي كثيرا بنموذج الفتوة الشعبي الذي
يضعه عامة الناس على رأس السلطة لتحقيق مصالحهم وحماية أمنهم، لكنها
تجفل بشدة ممن ينحرفون عن الجانب الانساني في الفتوات المعاصرين،
وتتطلع الى نموذج (المعلمة عزيزة الفحلة) فتوة حي المغربلين بالقاهرة،
التي وحدت قوتها مع باقي فتوات مصر المملوكية ضد الفتوة العالمي
نابليون بونابارت، وتمكنوا من إجباره على الرحيل الى فرنسا، ثم جلاء
كل قواته لاحقا عن مصر المحروسة!.
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 ابعاد
قنبلة بدون اختبار
ليس هناك ما يدعو للاختبارات او التجارب النووية
، يمكننا صنع قنبلة نووية جديدة بدون اختبار. هذه هي سياسة حكومة
الرئيس بوش. فالولايات المتحدة ملتزمة بعدم اجراء تجارب نووية بحكم
توقيعها على معاهدات دولية . ولكن الحكومة وجدت طريقة لصنع اسلحة
نووية جديدة بدون انتهاك هذه المعاهدات. التكنولوجيا الجديدة تساعد
في صنع القنبلة النووية بدون الحاجة الى اختبار او تفجير . الولايات
المتحدة تريد احترام المعاهدات الدولية ولكنها تريد اسلحة نووية
جديدة في الوقت الذي تعارض فيه انتشار الاسلحة النووية وتعاقب دولا
اخرى لسعيها الى هذه الاسلحة . كيف تكون المصداقية النووية الأميركية
في العالم؟ .
توقفت اميركا عن صنع سلاح نووي منذ عقدين من الزمن . وخلال عشرين
عاما اليوم وقعت الحكومات الأميركية معاهدات مع الاتحاد السوفيتي
وروسيا والدول النووية الأخرى للحد من حجم الترسانات النووية . هذه
المعاهدات دليل على ان الحكومات تدرك عدم الحكمة في تكديس الأسلحة
النووية لأن قنبلة نووية واحدة لديها من الردع ما توفره عشرون قنبلة
. لا يحتاج المرء ان يموت عشرين مرة. هي مرة واحدة. كما يموت المرء
بعشرين طلقة يموت بطلقة واحدة.
لكن حكومة الرئيس بوش تقول ان القنابل النووية اميركية قديمة وخلال
خمسين عاما من الآن سوف تتقادم بعض مكونات القنابل بحيث لا تضمن
مفعولها . العمر الافتراضي لهذه المكونات ( وأهمها مفجر البلوتونيوم)
هو مائة عام. ولكن بدلا من استبدال هذه المكونات بأخرى جديدة تسعى
الحكومة الى صنع سلاح نووي جديد بأكمله . هذا السلاح الجديد له اسم
جذاب يهدف الى طمأنة الأميركيين والكونغرس الذي في يده اعتماد الأموال
الطائلة اللازمة لصنع السلاح . عشرات المليارات من الدولارات . الحكومة
تصف القنبلة الجديدة بأنها قوية يعول عليها ومأمونة من ايدي الإرهابيين.
وتقول ان صنع هذه القنبلة بأعداد كافية سوف يسمح بالتخلص من جزء
كبير من الترسانة النووية الراهنة.
الخطة الجديدة تثير تساؤلات . هل تحتاج الولايات المتحدة أو اي دولة
نووية اخرى الى سلاح نووي جديد ؟ الجواب هو: لا.
هل يمكن الاطمئنان الى قنبلة جديدة بدون اختبارها ؟ لا . كأنما يطير
المرء بطائرة جديدة لم تختبر ابدا مهما تقدمت التكنولوجيا.
هل توفر القنبلة الجديدة دافعا جديدا امام ايران وكوريا الشمالية
ودول اخرى لمواصلة السعي الى سلاح نووي ؟ نعم.
هل يجب ان تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات في هذا الوقت
على سلاح نووي جديد والجنود الأميركيون في العراق يموتون لنقص المعدات
التقليدية؟
الاقتراح الاسلم هو ان تتخلص الولايات المتحدة من قنابلها القديمة
بالدخول في معاهدات جديدة مع الدول النووية لأن تفعل الشئ نفسه.
كفاية ان يكون في يد كل دولة مائة قنبلة نووية فقط لأن العمر واحد
والرب واحد.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

في الموضوع
محاولة تبرئة ذمة
لم تخالف وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا
رايس المنطق ، عندما قالت انه لا يمكن انهاء العنف في العراق خلال
فترة قصيرة ، لكنها لم تتطرق إلى مسؤولية الإدارة التي تمثلها في
إثارة هذا العنف ، سواء كان ذلك عن طريق القرارات التي اتخذها الحاكم
المدني للاحتلال بول بريمر- تنفيذا لاستراتيجية المحافظين الجدد
- بحل الجيش العراقي وقوات الأمن ، ثم بعد ذلك سياسة القوات الأميركية
في تشكيل وحدات الجيش العراقي الجديد على أسس طائفية أو عرقية ؛
فإما شيعية أوسنية أو كردية . ولم يخالف الرئيس الأميركي جورج بوش
المنطق أيضا ، عندما انتقد عملية تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي
السابق صدام حسين ، ووصفه حكومة نوري المالكي بأنها " غير ناضجة
". لكن ما يجري في العراق من عنف طائفي ، يهدد بنشوب حرب أهلية
هناك - على خطوط طائفية - يشير إلى قصور تتحمل سلطة الاحتلال المدنية
والعسكرية مسؤوليته ، كما أنها تتحمل تبعاته حاليا ، وتحاول البحث
عن مخرج منه ، لكن الإدارة الأميركية تتخبط بين جمودها الأيديولوجي،
الذي لا تستطيع الفكاك من أسره، وبين الضرورات التي تتطلبها الاعتبارات
الواقعية والعملية لإدارة شؤون العراق ، والحفاظ على وحدته .
وتفرض هذه الظروف الصعبة على مسؤولين عراقيين عديدين ، القبول بمواقف
مفروضة عليهم ومثيرة للجدل ، بشأن الموقف من قوات الاحتلال وضرورة
استمرار بقائها في العراق ، لأهمية ذلك في الحفاظ على الاستقرار
، وتأمين الأوضاع حتى تنضج الظروف السياسية في بغداد ، لتحقيق الاستقرار
المطلوب . لكن السؤال الذي يتعين الإجابة عليه ، هو ما إذا كانت
سلطة الاحتلال تعمدت اتخاذ قرارات تجعل وجودها في العراق ضروريا
من وجهة نظر بعض العراقيين ، بينما هي تريد البقاء في العراق لتأمين
مصالح الدول التي شاركت في غزو العراق وتفرض الاحتلال فيه ، وليس
بالضرورة من أجل هدف الاستقرار هناك . ويطرح ذلك أيضا تساؤلات أخرى
بشأن نزاهة موقف العراقيين الذين يريدون بقاء قوات الاحتلال في بلادهم
، وما إذا كان ذلك دليلا على سذاجتهم السياسية، أو تفهمهم لضرورات
قد لا تتفق مع مبادئهم ، أوقولهم بذلك للتغطية على مواقفهم الحقيقية
" المتعاونة مع الاحتلال " ، أو لمجرد تفادي الاتهام بذلك
.
كانت هذه النقطة هي موضوع مناقشات نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي
في كل من واشنطن ولندن ، عندما طالب كلا من الرئيس الأميركي جورج
بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ، بعدم سحب قوات بلادهما
من العراق حتى استتباب الأمور فيه ، وكتابته "رسائل مفتوحة
" إلى كل منهما ، هدفها الأساسي هو احتواء تصاعد المعارضة الشعبية
لتواجد قوات الاحتلال هناك ، ومساعدة حكومتيهما على اتخاذ قرارات
بهذا الشأن . لكن الهاشمي لم يسلم من انتقادات شديدة من دوائر عديدة،
فخصومه " الطائفيين " لم يرضوا كثيرا عن الاتصالات التي
أجراها، لأنه يتهم حكومة نوري المالكي بالضعف من ناحية، وبأنها تلتزم
" أجندة طائفية " توالي جماعات متطرفة من الشيعة ، وتعزز
النفوذ الإيراني في العراق . كما أنه يتحدث أيضا عن اختراق "
ميليشيات شيعية " قوات الجيش والأمن، وتحولها إلى "عصابات
قتل" على الهوية الطائفية، تستهدف مواطنين أبرياء من السنة،
وليس "الإرهابيين من أعضاء تنظيم القاعدة"، أو قوات الاحتلال
من أجل تحرير العراق. وأوضح أن هدف مخطط هذه الميليشيات هو "تغيير
التركيبة السكانية في العراق"، عن طريق "عملية تطهير عرقي"،
تدفع حوالي ثلاثة آلاف عراقي لمغادرة بلادهم كل شهر, نازحين إلى
دول مجاورة.
صنف الهاشمي أعمال العنف التي تقع في العراق إلى ثلاثة؛ أولها الإرهاب
الذي يستهدف كل ما يجده في مواجهته دون تمييز . والثاني هو المقاومة
للاحتلال. والثالث هو عنف الميليشيات . وحدد أولويات رؤيته في ضرورة
إنهاء عنف الميليشيات، وأشار إلى فقدانه اثنين من أشقائه وإحدى شقيقاته
ضحايا لهذا العنف. وقال إن ذلك سيساعد في توجيه الجيش والأمن لمواجهة
الإرهاب، وعند هذه النقطة تستطيع القوات "الأجنبية" الانسحاب
من العراق، ويعني ذلك انتهاء المقاومة، التي لن يصبح هناك مبرر لها
. وطالب ، في هذا الشأن ، بإعادة تشكيل الجيش العراقي المنحل، قائلا
إنه"كان جيشا وطنيا لا يعتمد خطوطا طائفية". وأوضح أن
"الأمر سيستغرق وقتا، لأنه ليس هناك حل سحري عاجل للأوضاع في
العراق".
في إطار توجهه إلى الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية، لم يكن
أمام الهاشمي سوى امتداح ما أصبح يعرف باسم "الاستراتيجية الأميركية
الجديدة"، وأشار إلى أهمية التزام رئيس الوزراء العراقي ، الذي
انتقد تركيز كافة السلطات في منصبه ، بالحزم في فرض الانضباط على
أسلوب عمل قوات الأمن ، وفتح المناطق ( الشيعية ) التي كانت مغلقة
أمام القوات الأميركية للعمل فيه ، وإدارة شؤون العراق على الأسس
التي كانت سائدة قبل الحرب . لكن ذلك جعله هدفا لانتقادات إضافية،
بـ "التواطؤ مع الاحتلال"، فرد على ذلك بدعوة منتقديه
إلى "استبدال قوات تابعة للأمم النتحدة وأخرى من دول عربية
بقوات الاحتلال، لإقرار الاستقرار في العراق". لكن كثيرا من
دول العالم - وبينها الدول العربية - ترفض التورط في "مستنقع"
من صنع قوات الاحتلال التي غزت العراق . وشدد الهاشمي على أن هدفه
الأساسي هو "حماية أرواح العراقيين الأبرياء أولا".
انتقد الهاشمي أيضا الدستور العراقي الجديد، وقال انه "وثيقة
سيئة أعدت على عجل، دون تفهم واضح لظروف العراق ومتطلباتها الضرورية،
ولم تحظ بقبول كافة العراقيين". ووصف نظام الحكم في العراق
بأنه يتكون من "برلمان مشلول، وحكومة مركزية ضعيفة خاضعة لنفوذ
طائفي، يعملان حسب دستور مثير للجدل". وأشار إلى "الحاجة
لقوات أجنبية إضافية"، حتى يتم "إصلاح العملية السياسية"
في بغداد. وقال ان "نسبة 65-70 في المئة من العراقيين يعانون
من البطالة"، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر بشأن تفاقم الأوضاع
في العراق. وذكر أن "قواعد اللعبة تغيرت في عام 2006 عما كانت
عليه عام 2003"، لكن ذلك لا يبدو كافيا لتبرئة ساحته في نظر
كثيرين . وقال البعض ان "السنة ، أنفسهم ، لا يرون حديث الهاشمي
متسما بالنزاهة، ولو أنه سار دون حراسة في الأعظمية، لمزقه الناس
هناك إربا". وربما كان ذلك يكفي لتعقيد الأوضاع في العراق،
وصعوبة التوصل إلى حل مقبول لها يحقق الاستقرار والازدهار والرفاهية
والديمقراطية، التي وعدت بها الدول التي شنت الحرب وحققت الغزو عام
2003، وتحكم العراق تحت الاحتلال منذ ذلك الوقت، وهي التي تتحمل
المسؤولية الأساسية فيما يجري الآن هناك.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى

تسخير العـلوم
لا شك في أن أهمية العلوم والمعارف تكمن في
خدمتها الأغراض الإنسانية، خاصة عندما تتعلق خلاصاتها وتطبيقاتها
بالكشف عن الحقائق والإفادة منها. ولكن حينما "توظف" هذه
المعارف والعلوم لأهداف سياسية وحيدة الجانب ، فإنها لابد وأن تنحرف
عن طبيعتها وأهدافها الإنسانية السامية لتتحول إلى "خادمة"
منصاعة للحاكم أو للطبقة الحاكمة أو للموقف السياسي المقصود . وللمرء
أن يلاحظ هذه المسلمات قبل مناقشة شيوع ظاهرة استخدام علم الإحصاء
في العالم العربي لخدمة أهداف سياسية تحت عناوين مغرية من نوع "استطلاع
الرأي"، وهي عناوين يراد لها أن تخدم تمرير رأي معين ، باسم
الجماهير، على أنه رأي غير قابل للنقاش لأنه رأي الغالبية. وهكذا
انتشرت في وسائل الإعلام العربي ظاهرة استطلاعات الرأي على نحو ملفت
للنظر في الفترة الأخيرة ، ليس كمحاكاة للاستطلاعات التي تقدمها
معاهد علمية متخصصة في الولايات المتحدة الأميركية (كمعهد غالوب)،
ولكن كأداة لتمرير أفكار "مبيتة" أو موصى بها ، أو كعصا
لضرب "الرأي العام" الحقيقي.
الملاحظ في هذا السياق هو أن استطلاعات الرأي العام هي ظاهرة أميركية
لها تاريخ فلسفي طويل يتصل بطبيعة "العالم الجديد" وبميله
القوي إلى التفرد وتكريس الاختلاف مع أوروبا، خاصة مع بريطانيا.
لذا ناقشت أذكى العقول البريطانية (خاصة في عصر الثورة الصناعية)
هذه الظاهرة ولم تألو جهداً في نقدها، ابتداءً من تشارلز ديكنز Dickens
و جون ستيوارت مل Mill وانتهاءً بعبقريات رفيعة من عيار ماثيو آرنولد
Arnold وأوسكار وايلد Wilde. والحق، فإن مسألة الاستطلاعات لا يمكن
أن تؤخذ عنواناً واحداً ووحيداً للديمقراطية ، ذلك أن النقاد الانكليز
لظاهرة الأمركة Americanization، من أمثال الأسماء المذكورة أعلاه
، عدّوا الموضوع نموذجاً للانجراف وراء رأي "الأكثرية"
بديلاً عن "الأقلية"، باعتبار أن الحكمة وبًعد النظر هي
من صفات الأقلية وليس من صفات الأكثرية التي كان ينظر اليها بازدراء
ودونية أحياناً!
بيد أن أميركا تبقى أميركا، "عالم جديد" متمسك باتباع
الأغلبية على حساب الأقلية درجة تطوير هذا الاتجاه بطرائق علمية
رصينة تبلورت في استطلاعات المراكز العلمية والصحف الرصينة من وزن
الـ(نيويورك تايمز) أو الـ(واشنطن بوست). هذه الصحف والمراكز التخصصية
تقدم خلاصات استطلاعات الرأي بطرق مسؤولة، لأنها تضطلع بها بأساليب
إحصائية دقيقة، فتقدم هذه الخلاصات دون تحوير أو تغيير أو ليّ أو
عمليات تجميل، درجة أنها تكون مستعدة للمساءلة القانونية وللتدقيق
العلمي من قبل اية جهة أخرى، حكومية أو قضائية. لذا يُعتد بإحصائيات
أو استطلاعات معهد غالوب على نحو علمي من قبل أرفع مراكز صناعة القرار
في واشنطن.
وإذا كانت المحاكاة من أفضل أساليب التعلم، فإننا في العالم العربي
لا نتعلم كثيراً لأننا في أغلب الأحيان نعجز عن المحاكاة الدقيقة،
الأمر الذي يفسر عدم دقة إحصائيات واستطلاعات الرأي والجداول الرقمية
التي تقدمها الفضائيات والصحف والمجلات وحتى الكتب المختصة أحياناً
، خاصة الآنية الإعلامية والدعائية التي راحت تعتمد استطلاعات الرأي
لموضوعات تافهة من نوع استطلاع رأي الجمهور براقصة أو بمغنِ ! أما
في الموضوعات السياسية المهمة والحساسة، فإن هذه الاستطلاعات غير
قابلة للتحقيق أو للتدقيق، ولكنها تسرب عبر الشاشات وصفحات الحرف
المطبوع بلا مسؤولية وبلا قانونية وبغض النظر عن الوسائل العلمية
التي اعتمدت للخروج بخلاصاتها . هكذا يحاكي بعض العرب الأميركان
في الشكل دون المضمون.
وحيث يمثل استخدام علم الإحصاء لأغراض سياسية حرفاً خطيراً لمسار
وأهداف هذا العلم من أجل التأثير، عن بعد، على الرأي العام لتشكيله
كما يريد "راعي" الاستطلاع، فإن علينا أن نعترف أن ماضينا
كان سباقاً في توظيف التاريخ لأهداف سياسية . فمنذ نهاية عصر الخلفاء
الراشدين برزت على سطح التاريخ العربي الإسلامي الأهمية القصوى لتوظيف
التأريخ والمؤرخين بالطرق السياسية من أجل أهداف من نوع تبرير إدعاء
اسرة بالخلافة على حساب اسرة أخرى، أو من أجل تتبع الأصول العائلية
والقبلية عبر أنواع النسابين المرتزقين، خاصة مع تصاعد الصراع بين
العرب والأعاجم في العصر "الذهبي" للحضارة العربية الإسلامية
التي شهدت صعود نجم "الشعوبية" كإفراز سلبي من هذا النوع
من الشوفينيات. لذا لم يكن من الغريب أن يجد الباحث، من بين رجالات
"البلاط"، المؤرخين والنسّابين المعتمدين من قبل صانع
القرار، إضافة إلى شعراء البلاط ومداحيه وجنرالاته ومهرجيه من بين
سواهم من أفراد الحاشية المتخصصين. لقد كان مؤرخ البلاط عبر تواريخ
الأمم من أهم "الموظفين" الذين يتم استدعاؤهم لاستشارتهم
عند الحاجة، خاصة عندما يظهر مطالبون جدد بالسلطة. إن أهم واجبات
هذا النوع من المؤرخين هو الاحتفاظ بالوثائق وبشجرات العائلات وبكل
ما من شأنه تمجيد الحاكم، بغض النظر عن علمية ما يقوم به.
بيد أن الطريف في هذا السياق هو أن ظاهرة توظيف العلوم بهذه الطريقة
قد تواصلت حتى في العصر الحديث وبعد تحقيق العديد من الدول الإسلامية
والعربية الاستقلال السياسي. وهذا ما تمت ملاحظته مع الحملة التي
شهدتها العقود الأخيرة من القرن الماضي، تحت عنوان "إعادة كتابة
التاريخ"، حيث تمت رعاية اللجان الكبيرة والمؤتمرات المتعددة
المشحونة بالولائم وبالمكافآت النقدية من أجل تحقيق تسجيل إنتقائي
أو إنتخابي لصفحات التاريخ، على النحو الذي يخدم أهداف هذا العلم
"الوطنية" أو التعبوية. وهكذا عاش المؤرخون والنسابون
عصراً ذهبياً في العديد من هذه الدول، خاصة عندما كانوا يتميزون
عن سواهم في تتبع أنساب الرعاة إلى شخصيات أو أسر تاريخية لها وقعها
الاعتباري والعاطفي في النفس الجماعية. وكانت أخطر الظواهر قد تمثلت
في ركوب المؤسسات الأكاديمية لخدمة مثل هذه الأغراض، وهكذا أسست
معاهد ومؤسسات بحث مختصة بـ"ضخ" أطروحات الماجستير والدكتوراه
التي تمجد الحاكم وتطري أفكاره وتطلعاته أو تبرر ما أقدم عليه من
أفعال. وليس ببعيد عن هذا النوع من التوظيف السياسي، تبرز ظاهرة
"الاستفتاءات" التي تشبه الاستطلاعات، حيث تأتي النتائج
الباهرة، كما كان متوقع لها، بنسب لا علمية ولا واقعية من نوع 99.9%
أو 100% على طريق خدمة الأهداف السياسية للمتنفذين.
لقد كانت ظاهرة تسخير العلوم والمعارف في تاريخنا القديم والحديث
معروفة بوصفها حالة مؤسفة، ولكن أن يقوم البعض بوضع قناع العالِم
على وجهه وعباءة الأكاديمي على كتفيه من أجل تمرير أرقام يراد لها
تشكيل الرأي العام بطرائق منحرفة، فإن هذا هو من أخطر ما يحيق بالجمهور
العربي اليوم.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com
أعلى

لماذا يغير الرئيس الأميركي نهجه في العراق ؟
نوري المالكي يريد أن يثبت لجورج بوش وإدارته
أنه أقوى من أن يسقط قبل سقوط بوش المنتظَر ، فبوش هو الضعيف بامتياز
في هذه المرحلة ، وحكومة المالكي لم تُُهزَم أمام " الإرهاب
؟" أي المقاومة العراقية الشريفة بأطيافها. ماذا يعني خروج
الابن على أبيه ، والسيف على الكف القابضة عليه، ومتلقي النعمة على
صاحب نعمته ، ولماذا يتخلى الوجه عن القناع في هذه المرحلة ، بعد
الذي كان والذي جرى ؟ هل ذلك اعتراض على استراتيجية إدارة بوش الجديدة
التي تريد الحد من نفوذ فريق عراقي ذهب في الانتقام بعيداً فأثار
حفيظة كثيرين و دولاً "حليفة" للولايات المتحدة الأميركية،
لا تطيق أن توضع في موقف الساكت على تهميش السنة وذبحهم ، وتريد
أن يكون لهم دور في العراق ، وهي دول لا ترحمها شعوبها إذا بقيت
متفرجة على ما يجري للعراقيين جميعاً، سنة وشيعة، على يد قوات الاحتلال
وأجهزة الموساد وعملائهما وأدواتهما؟ أم أن تلك الدول التي يتم التلويح
بإرادتها وتحالفها وموافقتها على دعم استراتيجية بوش الجديدة، قد
وظِّفت توظيفاً محكماً وحرِّكت في توقيت محدد وإيقاع ممجَّد ، لتقوم
بدور في مشروع دموي يضبط الاحتلال الأميركي البريطاني إيقاعه في
العراق ومن ثم في المنطقة كلها.؟.
لقد قررت إدارة بوش أن تجعل من العراق سداً أمام توسع إيران كما
قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس "لأن الإيرانيين ذهبوا
بعيدا، وأن هذا الأمر يثير قلقاً جدياً في المنطقة وخارجها، حيال
نواياهم.". وجعل العراق سداًً أمام إيران في المرحلة الحالية
يعني تغيير الموقف من نصف الشعب العراقي على الأقل الذي يرتبط ارتباطاً
عضوياً بإيران ولا يقاوم الاحتلال الأميركي حتى الآن، بل يعمل فريق
منه تحت مظلته ليصفي حسابات قديمة مع فريق آخر بطريقة بشعة، من دون
تفكير بالنتائج البعيدة على الطرفين، السنة والشيعة، وعلى العراق
الجريح وموقعه وموقفه ومصالحه وحتى وجوده . من الطبيعي وقد تحولت
الأمور وأخذت هذا المنحى أن يستند المالكي وفريقه إلى الظهير الإيراني
لا سيما إذا قدر أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تتخلى عنه ،
فليس له سوى ذلك الخيار، ومن ثم سيعمل على الحيلولة دون جعل العراق
سداً في وجه إيران ومنطلقاً لمهاجمتها ، أو أن يوظََّّف لهذه الغاية
. ولا يمكن القول بأن الأميركي كان يجهل ، أو أنه لا يتوقع ، مثل
هذا التصرف أو اللجوء إلى هذا الخيار ، فقد اعتمد على هذه العناصر
وحكَّمها في المصائر، وهو يعرف مرجعيتها وميولها ومواقفها، وسكت
على ما كان يرتكبه المتطرفون من عناصرها ضد الآخرين في العراق، والاستحواذ
على الأمور كافة فيه.
والسؤال: لماذا اختار الأميركي أن يغير التوجه والأسلوب والتحالفات
؟ هل لأنه أيقن بأن الفريق العراقي الآخر ليس معزولاً ولا ضعيفاً
إلى الحد الذي يطلب معه الصفح ويقبل بالاحتلال ويستكين ويخضع لإرادة
الأطراف الأخرى: الاحتلال والموساد وأدواتهما، قرر أن يعيد النظر
بأساليبه وتحالفاته وأدواته ليحقق الانتصار في العراق ، فيرد على
هزيمة الجمهوريين أمام الديمقراطيين ، ويستمر في تسويق الفتنة المطلوبة
التي سيقطف ثمارها الصهاينة والاحتلال والغرب المتواطئ معه.؟ ولماذا
يقف الأميركي ضد معظم من مكّنوه من دخول العراق وتدميره والقضاء
على وجوده دولة فاعلة في المنطقة ؟ .
إن تلمس الإجابة على سؤال لماذا غيرت الولايات المتحدة استراتيجيتها
وتحالفاتها وأدواتها في العراق ومن حوله، تعيدنا إلى سؤال: لماذا
تقرر تدمير العراق ولمصلحة من تم ذلك؟ ولماذا كان نصيب صدام حسين
الشنق بموافقة الأميركيين الذين يتنصلون اليوم من الأمر جزئياً ويقولون
بـ "شنق كريم"، ويعملون على جعل بعض العرب يقلقون من "
المشروع النووي الإيراني" ولا يقلقون من المشروع الصهيوني الذي
يحتل أرضهم ويضطهد شعبهم، ويتحولون إلى تكوين تحالف يقف ضد إيران
التي تعاونوا معها في احتلال أفغانستان وضبط سيطرة فريق من العراقيين
على العراق المحتل ، وجعل العراق سداً في وجه توسعها؟ هل لأن العراق
شن حرباً على إيران؟ لا فتلك حرب كانت مطلوبة وممولة ويرقص العراقيون
سنة وشيعة لانتصاراتها في الشوارع ؟ هل لأن العراق احتل الكويت ..
ذلك سبب وجيه ومباشر ومؤثر، ولكنه ليس السبب الوحيد ؟ هل لأنه اضطهد
وقتل وفرض لوناً من الحكم الاستبدادي ؟ إن ذلك لم يحرك دعاة الديمقراطية
و" حماتها؟" ولا حركة حقوق الإنسان في حينه مطلقاً؟ إن
السبب يكمن في قرار الحركة الصهيونية أولاً وأخيراً التي وصلتها
بعض هدايا العراق الصاروخية والتقطت رئيساً أميركياً تلمودياً بامتياز
مسكوناً بمناصرة " إسرائيل" وعمل كل ما تطلبه، وبالعداء
للعروبة والإسلام، فحرب الولايات الأميركية على العراق وتدميره كانت
مطلباً صهيونياً تحقق ومصلحة أميركية باءت أو ستبوء بالفشل.
إن تغيير الاستراتيجية والتحالفات والتوازنات في العراق والتحرك
في المنطقة نحو ما يسمى" عملية السلام" بين الفلسطينيين
والكيان الصهيوني، وتحريك المفاوضات بين سوريا وذلك الكيان حول الجولان،
كل ذلك يأتي في سياق متقارب تكون عناصره: توصل إيران إلى امتلاك
تقنية نووية، وتصريحات الرئيس أحمدي نجاد الموجهة للكيان الصهيوني
ومنها مواقفه المعلنة من المحرقة ، ونتيجة الحرب العدوانية التي
شنها العدو الصهيوني على لبنان وحزب الله تحديداً وهزيمة الكيان
الصهيوني في تلك الحرب، ومأزق الولايات المتحدة الأميركية في العراق
الذي يتطلب حلاً، وهزيمة بوش وحزبه أمام الديمقراطيين الذين اكتشفوا
فداحة مخاطر حرب الحركة الصهيونية في العراق وعلى العروبة والإسلام
بالجيش الأميركي، خطر ذلك على جيشهم ومصالحهم وصورتهم في العراق
والوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم كله الذي تتجه بعض بلدانه
لتكوين تحالف ضد الشر الأميركي المنطلق من عقاله.." تشافيز
ونجاد وإيل سونغ ورؤساء من أميركا اللاتينية أنموذجاً.".
إن استراتيجية بوش الجديدة لم تغير أهدافها الصهيونية ـ الأميركية
البعيدة، " نصرة الصهيونية ومشروعها وفرض هيمنة الكيان الصهيوني
في المنطقة، والقضاء على العروبة والإسلام"، أما الباقي فـ"
تكتيك" وأدوات ووسائل وذرائع ومساندات. إن تكوين تحالف المعتدلين
الذي يُراد له أن يساهم في تحويل العراق إلى جبهة مواجهة لإيران
أو إلى سد منيع في وجه توسعها، لا يتكون ليحمي دول الخليج العربي
والسعودية والوطن العربي من إيران وتوسعها، أو ليوقف الفتنة المذهبية
المتدحرجة من العراق على لبنان إلى أطراف الوطن العربي المجاورة
لإيران، بل ليشعلها ويحرق الجميع بنارها، وعندها يقدم الرئيس بوش
خدمة فريدة وتاريخية للصهيونية قبل أن يترك الحكم ، ويدخل التاريخ
صهيونياً شريراً من نوع فريد أيضاً. إننا حقيقة لسنا أمام مشروع
إيراني للتوسع في المنطقة ، ولا أمام مخاطر من هذا النوع بل أمام
مشروع صهيوني يشمل إيران ويوظفها كما يوظف عرباً ومسلمين في حرب
لمصلحة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، وعلينا أن
نحذر الانخراط في هذا المشروع القذر؟
يتكثف جهد المبشرين بإمكانية تحريك مسارات التفاوض في مناخ ملائم
يقولون إنه سيفضي إلى نتائج إيجابية لأن سيد البيت يريد أن يدفع
عملية السلام بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين إلى الأمام ، وأنه
يتوجب على المعنيين أن يلتقطوا الرسالة ويغتنموا الفرصة السانحة.؟
إن سيد البيت يتحرك الآن ليغري " تحالف المعتدلين " بالتحرك
معه والانخراط في الفتنة ، واعداً بان يقدم شيئاً على طريق الدولتين
.. وهذا الشيء ينطوي على اشتراط إفناء من يقول لا للكيان الصهيوني
؟ كم سنة مضت على وعود بوش وسواه ؟ وكم مرة تقدمت بها المفاوضات
ثم توقفت لأن تقدمها وتوقفها كان " تكتيكاً" لخدمة مصالح
صهيونية وأميركية ؟ فهل يقرأ العرب التاريخ القريب ويستفيدون من
قراءتهم له،أم أنهم سيبقون أسراب فراش تحوم حول النار وتحترق زرافات
ووحداناً؟
إن رهان المالكي وبوش والمحور المتطرف والتحالف المعتدل.. كل ذلك
لعبة بيد الحركة الصهيونية وكيانها المغروس كسكين مسمومة في قلوبنا
، وهو رهان يريق مزيداً من دم العراقيين ليكتب به أن المنتصر أحق
" بكرامة الموقف" من الآخر!؟ ومن هو المنتصر في الحقيقة؟
إن المنتصر الحقيقي والمستفيد الأول من إراقة الدم والدمار والبؤس
والصراعات المذهبية والقومية هو الكيان الصهيوني الذي يريد القضاء
على أية قوة عربية أو إسلامية تتمكن من التصدي له في أي يوم من الأيام.
وإذا كان العرب يفكرون على نمط تفكير بوش وأدواته ولا يبحثون عن
الشر الصهيوني الكامن وراء التحرك الأميركي، فبئس التفكير والتدبير
، بئست الغاية والوسيلة، وبئس المنفّذ والأداة، لأن دم الأبرياء
من عرب ومسلمين، ونار الفتنة المذهبية المستعرة ، وأنواع الصراع
والشر الذي يتخمر في النفوس، هو الذي يحدد من الفائز في رهان مقيت
بين وجه وقناع، وهو فوز يُكتب صكه بالدم والنار والدمار ومزيد من
الضعف والتآكل والبؤس والمعاناة لأبناء الشعب العراقي خاصة وأبناء
الأمتين العربية والإسلامية عامة. ألا فلنستيقظ ولنبحث عن جذر الشر
وأس المشكلات، إن الصهيونية أس الشر وأم المشكلات، هي الشيطان المتوج
في منطقتنا ، وهي وراء كل هذا الذي نعاني منه منذ عقود من الزمن
، فلنجتث الداء بدلاًً من أن نجتث قوانا وتوافقنا وديننا وهويتنا
ومصالحنا وإرادتنا وفكرنا، إن ما نفعله يتسبب في نشر الداء وإبقاء
العلة .. بوش لا يريدنا ولا يخلص لنا ولا يهمه أمرنا ، إنه الصهيوني
المهووس بتلموديات عفى عليها الزمن ، ويتخذ منا أدوات ومن أرضنا
مسارح معارك ومنطلقات عدوان، وهو لا يعمل إلا ليخدم هوسه الديني
المتطرف، ويستمر في حماقاته التي لا يستفيد منها إلا الصهاينة بالدرجة
الأولى. فلنوقف الفتنة والرهانات التي ندفع ثمنها نحن جميعاً بأطيافنا
المختلفة: قومية ومذهبية وقطرية وحزبية وثقافية وتنظيمية. فلتدع
إيران إلى حوار ووحدة موقف وصف على ما يرضي الله ورسوله ويصون دم
المسلمين ومصالحهم في أرض شهدت ما يكفي من الدم والدموع، ولنفعل
نحن الشيء ذاته، أو فليستجب كل منا لداعي الحق والعدل والوفاق وصوت
العقل والحكمة، ولنتسابق مبادرين إلى ما يحقن الدم ويصون الحياة
البشرية والعقيدة الإسلامية والهويات القومية، يصونها من شرور ذلك
الشيطان المتوج، الصهيونية، التي تعبث في مناطق كثيرة من العالم
وتبقى فوق المساءلة والقانون والعدل والناس! ألا يشكل هذا وصمة عار
في جبين البشرية؟ ألا يحرك ضمائر وعقولاً وإرادات خيرة؟ أين هي إذن
وهذا وقت الحاجة الماسة إليها.؟
علي عقلة عرسان
كاتب وأديب عربي سوري
أعلى
عن "تشظي" الحركة "الجهادية"
ما الذي يدفع ببعض الشباب إلى التحول نحو السلفية
الجهادية ؟ وكيف يتم هذا التحول ؟ وما هي دينامياته ؟ أسئلة تلقي
بظلالها مع تواتر الأخبار بين الفينة والأخرى عن ظهور تنظيمات "جهادية"
لم يسمع عنها من قبل، وقيامها أو استعدادها للقيام بعمليات عنيفة
داخل بلدانها وخارجها. وذلك على غرار ما تناولته وسائل الإعلام قبل
أيام عن المواجهات التي وقعت بين قوات الأمن في تونس وبعض "الشباب"
الإسلامي المتطرف في منطقة "حمام الأنف" جنوب العاصمة
تونس، أسفرت في النهاية عن مقتل أكثر من عشرين شخصاً حسبما ورد.
ودون الدخول في تفاصيل هذه العملية بالتحديد، أو ما سبقها من عمليات
مماثلة في دول عربية أخرى، تبقى الظاهرة (ظاهرة التحول من السلفية
"التقليدية" إلى نظيرتها الجهادية) قائمة بذاتها، ولم
تحظ بقدر كبير من الاهتمام والتأصيل وذلك على الرغم من تواتر تنظيماتها
وتعدد حوادثها في أماكن مختلفة من العالم العربي على غرار ما حدث
في السعودية ومصر وسوريا ولبنان وأخيراً تونس. الأمر الذي يمثل قصوراً
معرفياً في تغطية جانب مهم في فهم ديناميات التحول داخل منظومة الحركات
الإسلامية ومستقبل هذا التحول.
ويمكن القول أن ثمة قواسم مشتركة من حيث النشأة والتجنيد والمركب
العمري والبيئة الحاضنة، تجمع هذه التنظيمات، وتجعلها تبدو كما لو
كانت استنساخاً لمركب عقيدي وفكري وأيديولوجي واحد، وهو ما يمثل
في حد ذاته رابطاً عضوياً يمكن الارتكاز عليه كنقطة بداية في تحليل
هذه الظاهرة.
أولاً، تظهر معظم هذه التنظيمات للعلن بشكل فجائي، وذلك بعد أن تتبنى
القيام بعملية محددة جرى تنفيذها، وإن كان تحضيرها ونشأتها لا تتم
بشكل فجائي، وإنما عبر فترة زمنية قد تتراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة
أعوام وذلك كما هو الحال في "تنظيم التوحيد والجهاد" المصري
الذي أنشأ عام 2000 وتبنى تفجيرات دهب وشرم الشيخ خلال العامين الأخيرين.
ثانياً: يجري التجنيد داخل هذه التنظيمات على مرحلتين، الأولى عبر
المنظومة السلفية "التقليدية" التي تستند في أدبياتها
على الاقتداء بالسلف الصالح والسير على نهجه بشكل "ماضوي"
لا يستوعب تحولات الواقع السوسيولوجي خلال القرون السالفة ، فيتم
التركيز فيها على منظومة التقليد والاتباع الحرفي للنصوص الدينية،
وهناك العشرات من التنظيمات السلفية المنتشرة عبر أرجاء العالم العربي
من شرقه إلى غربه، وينخرط بعضها في أنشطة دعوية دينية محضة لا علاقة
لها بالمجال السياسي . أما المرحلة الثانية، فهي التي يتم الانتقال
فيها من الخمول إلى الحركة ، ومن الفكر إلى الممارسة، ومن القول
إلى الفعل، أي "الهجرة" من المسجد بوصفه "الحاضنة"
الأساسية لأفكار التيار، والمنطلق الرئيسي لحركته في مجال الدعوة،
إلى "الشارع" بوصفه مجال الحركة "ومعمل" اختبار
إيمان وعقيدة "المؤمنين"، وهنا يبدأ التيار في التحول
إلى "تنظيم".
بالطبع ليس مشروطاً على الإطلاق أن يتم التحول عبر هاتين المرحلتين
، فهناك من التنظيمات ما يقفز مباشرة إلى المستوى الثاني "الحركي"
مع اهتمام سطحي بالمحتوى الفكري. كما أنه ليس مشروطاً أيضا أن يجري
هذا التحول بشكل تلقائي داخل جميع التيارات السلفية، أو أن يكون
التحول نحو العنف أو "الجهاد" حسبما يراه "المتحولون"،
نتيجة حتمية لأفكار التيار السلفي، وحجة ذلك أن معظم التيارات السلفية،
والتي تمتد جذورها لأكثر من قرن، على غرار جماعات التبليغ والدعوة،
وأنصار السنة، والجمعية الشرعية، لم يظهر على معظم المنخرطين فيها
أي أعراض لمثل هذا التحول . ناهيك عن أن معظم التيارات "السلفية"
الحديثة جاء تحولها انعكاساً لواقع سياسي وثقافي أنضجته بيئة ما
بعد الحادي عشر من سبتمبر.
ثالثاً، يمثل المركب العمري لأعضاء مثل هذه التنظيمات علامة استفهام
كبيرة، بقدر ما يمثل أيضا تجسيداً واقعياً للأزمة "الحضارية"
التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية. ودون الإفراط في التفاصيل
، يتراوح أعمار المنخرطين في صفوف هذه التنظيمات ما بين العشرين
عاماً (أو ما دونها بقليل)، والثلاثين عاماً (أو ما يعلوها بقليل).
والأمثلة كثيرة ولا تحصى في هذا الإطار ، فعلى سبيل المثال تراوحت
أعمار أعضاء "تنظيم التوحيد والجهاد" الذي قام بتفجيرات
شرم الشيخ (يوليو 2005) و دهب (إبريل 2006) ما بين 25 عاماً وثلاثين
عاماً. كذلك الأمر في تونس ، حيث إنه من الملفت أن يسمى التنظيم
المسؤول عن المواجهات الأخيرة نفسه بـ"شباب التوحيد والجهاد"
، في حين أشارت وسائل الإعلام إلى أن أحد الأفراد الذين لقوا مصرعهم
يبلغ من العمر 36 عاماً (أسعد ساسي) يعتقد بأنه قائد التنظيم.
وتفتح ظاهرة "التشظي" داخل الحركة الجهادية باباً واسعاً
من التساؤلات حول كيفية تشكيل "العقل الجهادي"، وملامح
هذه التشكل، فضلاً عن طبيعة البيئة السوسيولوجية التي تنتج مثل هذه
التنظيمات ، ناهيك عن العلاقة المحتملة بينها وبين "تنظيم القاعدة"،
فكراً وحركة؟ وما إذا كانت امتداداً لنهجه أم خروجاً عليه؟ وما هي
فرص الالتقاء الحركي بين الطرفين ؟.
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany
أعلى
فليقدم الكونغرس الدعم لخطة الرئيس ثم يكون الحكم
اصطدمت الخطة التي طرحها الرئيس بوش بخصوص
العراق بحائط معارضة صلد داخل الكونغرس ، ويرى المنتقدون - وهو محقون
في ذلك - أن الاقتراحات أصغر من ان تنجز شيئا كما أنها تأتي بعد
فوات الأوان . إلا أنه في خضم حالة التشكك التي تسري في أرجاء الكونغرس
بل وفي الولايات المتحدة برمتها لا يزال ممكنا القول بأن المحاولة
والتجريب هي الاختيار الصواب طالما أننا لا نعول كثيرا على نجاح
الاستراتيجية الجديدة في الوقت الذي نشرع فيه في العمل وفق خطط مساندة
فيما نبذل لبوش ما طلبه.
وعلى أية حال فهناك جانب منطقي نلمحه في الاقتراحات التي تقدم بها
بوش . وحول زيادة أعداد القوات في حد ذاته فلطالما أسهب النقاد في
الحديث عن صغر حجم القوات الأميركية في العراق ، والان يجيب بوش
النقاد الى مطالبهم . والمؤكد ان زيادة القوات بـ 21500 جندي وتخصيصهم
في القيام بعمليات تقليدية في محاربة المسلحين لا يعد تغييرا ضخما
وربما تكون خطوة قد جاءت بعد فوات الأوان ، إلا أنها تمثل رد بوش
على منتقديه الذين يعارضون الآن ما سبق وطالبوا به .
وبالمثل فالرئيس يريد ان يتحرك في الاتجاه الصواب نحو بناء الاقتصاد
. وكانت الخطط السابقة تركز بشكل يكاد يكون محصورا على الاصلاح واعادة
اعمار البنية الاساسية . وقد سلم بوش في حديث له في ديسمبر 2005
أنه قد أفرط في الثقة التي اولاها لاستراتيجية هاليبرتون . إلا ان
الامر قد استغرق منه أكثر من عام لادخال اصلاحات وتركيز جزء كبير
من استراتيجيته الاقتصادية على عملية ايجاد فرص للعمل . ومن غير
المتوقع لمثل تلك الاستراتيجية أن يقوم عليها دعامات قوية للاقتصاد
العراقي تكون قادرة على التحمل والبقاء على المدى البعيد.
بيد أنها تستجيب للاحتياجات السياسية لأمة تعيش مثل تلك الفترة الصعبة
كما انها تمثل - من الناحية الامنية - خطة جيدة في ظل حالة الغضب
والحنق التي تموج بها العراق وعدم توفر فرص العمل للشباب ما يدفع
بهم الى الانضمام الى صفوف المسلحين.
الأمر الأخير ان الرئيس بوش محق في الرسالة التي يبعث بها الى القادة
العراقيين أن عليهم التوصل الى حلول وسط واتفاقات فيما بينهم حول
تقسيم عوائد النفط وبسط السيطرة على الميليشيات واتاحة الفرصة امام
الأعضاء السابقين في حزب البعث من الذين لم تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء
بتقلد وظائف في العراق . والرئيس بوش على صواب عندما يقول أنه بدون
تحقيق تقدم في مثل تلك المسائل فلن يكون هناك نجاح للمهمة وسوف يستمر
موقف الشعب الأميركي في فقده المصداقيه في الجهود المبذولة.
يأتي ذلك في تعارض مع التعليقات التي سبق لبوش أن أدلى بها في نوفمبر
الماضي - ليس بعيدا - خلال زيارته لفيتنام عندما قال إننا يمكن أن
نفشل في العراق فقط في حالة ما فقد الأميركيون تصميمهم . والحقيقة
أننا بحاجة الى شريك قوي في العراق يحظى بدعم واسع من مختلف الطوائف
والسياسة الأميركية ملزمة ان تأتي بمثل هذا الشريك.
وبدلا من رفض تمويل المبادرات التي تقدم بها بوش على الكونغرس أن
يقدمه الآن فقط للعام المالي 2007 اي حتى نوفمبر القادم وعند ذلك
الموعد او حتى خلال عطلة الكونغرس في أغسطس علينا وقتها ان نقف لنعرف
ما إذا كانت زيادة القوات قد اثمرت وعودها ثم يأتي موقف الكونغرس
باستمرار تمويل تلك الزيادة أو رفضها. وإذا كان الرفض هو الخيار
يكون الوقت - حينئذ - قد حان لاجبار الرئيس على تقديم خطة بديلة.
وقد أقر كل من وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع روبرت
غيتس في شهادتهما أمام الكونغرس الخميس الماضي أنه خلال عدة أشهر
يجب أن تكون لدينا صورة واضحة ما إذا كانت الحكومة العراقية عازمة
على دعم هذه الجهود الجديدة. فالخطة تتطلب اشراك المزيد من القوات
العراقية واقرار الحكومة بتقييد استخدامها. إضافة الى ذلك فإن أحد
أبرز مهندسي الاستراتيجية الجديدة الخاصة بزيادة أعداد القوات الأميركية
هو الجنرال المتقاعد جاك كين الذي صرح بأنه إذا ما أثبتت خطة الرئيس
فعاليتها يجب ان نشاهد على أرض الواقع تحسنا في الموقف الأمني هذا
العام . والواضح اننا يجب كذلك أن نكون قادرين على تقييم نجاح هذه
الاستراتيجية في غضون مدة زمنية وجيزة.
ولكن إذا لم تنجح خطة بوش ما هي استرتيجيتنا الجديدة إذا ؟ الوقوف
الى الجانب الشيعي الكردي في حرب العراق( حل الـ 80% كما يطلق عليه
البعض) ربما يؤدي الى وجود كيان قوي للقاعدة في المناطق السنية .
ومن ناحية اخرى فان محاولة اثارة انقلاب لإقامة حكومة إجبارية في
العراق هو أمر يصعب تحقيقه للغاية. وكما اقترح مؤخرا خبير البوسنة
ادوارد جوزيف وكاتب هذه السطور أنه بناء على الأفكار التي طرحها
السيناتور جوي بايدن وليسلي غيلب فإن اقامة نموذج مشابه لنموذج البوسنة
في العراق يمكن أن يكون أقرب الى المعقول . فالعراق يمكنه آنذاك
أن يجمع هيكل فيدرالي غير محكم وحكومة وطنية وآلية للمشاركة في عوائد
النفط غير أن شئون الحكم والامن تكون من مهام ثلاث حكومات اقليمية
تتمتع بالحكم الذاتي.
ويكون من حق المدنيين الانتقال الى أي مكان يجدونه انسب لإقامتهم
حيث يمكن ان يعيشون فيه في امان مع توفير الحماية من الحكومة والتحالف
جنبا الى جنب مع المساعدة في الاسكان والتوظيف . فإذا فشلت الزيادة
العددية للجنود فسنكون بحاجة الى نموذج جديد للسياسة في العراق.
وعلى الكونغرس الآن أن يقدم الأموال والدعم الذي طلبه الرئيس بوش
ثم يكون الحكم.
ميخائيل أوهانلون
باحث بارز في معهد بروكينغز
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ( الوطن )
أعلى
أمل متأخر للعراق
عبارة " لو أن " تحمل أعمق معاني
الأسى والحزن عندما يكون الحديث عن السياسة الأميركية في العراق
. وقد جالت العبارة بخاطري عندما وقفت أمام الأخبار الجديدة التي
تناقلت تسمية الرئيس بوش لأكثر الجنرالات الأميركيين ذكاء وحنكة
وهو ديفيد بيتريوس ليتولى منصب قيادة القوات الأميركية في العراق
مواكبة مع الاعلان عن خطة بوش الجديدة.
وكان بيتريوس قد خدم مرتين سابقتين في العراق وأتيحت لي فرصة السفر
والحديث بشكل مسهب معه وهو يتفهم تعقيدات الموقف السياسي في العراق.
فعندما كان قائدا للكتيبة 101 المحمولة جوا بين عامي 2003/ 2004
استطاع ان يضع استراتيجية كان من نتائجها تحقيق الاستقرار على نطاق
واسع خاصة في مدينة الموصل السنية.
ولو أن وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون كانت قد تبنت مثل تلك الاستراتيجية
في ذلك الحين لربما كانت الأمور قد اخذت مسارا آخر مغايرا تماما
لما آلت إليه.
وبيتريوس الذي كتب رسالة دكتوراة في جامعة برينستون حول دروس الحرب
في فيتنام كان قد وصل الى الموصل ومعه خطة لإحلال الأمن وانعاش الأوضاع
الاقتصادية للسكان المحليين . وقد استخدم المخصصات المالية من الموارد
الخاصة بحزب البعث لإحياء المصانع وتوفير الوظائف وقدم الاموال بشكل
مباشر الى العراقيين فيما تجنب الاستخدام الموسع للمتعاقدين الأميركيين.
وقد أقام صالة توظيف للجنود العراقيين غير العاملين.
كما أقام علاقات مع القادة المحليين ودرب جنوده على ألا يقوموا باقتحام
الأبواب عنوة . وتركز هدفه الاستراتيجي على تطبيق خطة مكافحة الارهاب
تقوم على أساس التطهير واحكام السيطرة والبناء . وهذا يعني انهاء
تواجد المسلحين واحلال الأمن في المدينة أمام السياسات وأنشطة الأعمال
المحلية واعادة بناء الاقتصاد بهدف استعادة السيطرة على الأوضاع
المحلية.
وقد أسهب قادة العشائر السنية في الموصل على نحو واسع في كيل المديح
لسياسات بيتريوس عندما كنت في زيارة عام 2003. وقد حذر بيتريوس ان
السياسة التي تنهجها الولايات المتحدة في العراق آنذاك بحل الجيش
التابع للنظام القديم من شأنه أن يثير حالة من العداء لدى آلاف من
السنة بحوذتهم أسلحة. كما أنه تساءل حول جدوى سياسة ما بعد البعثيين
التي أطاحت بالأعضاء المتوسطين في حزب البعث بما فيهم أساتذة جامعيين
وأطباء الى جانب إثارة سخط واستياء الطبقة المتوسطة من السنة.
ومما يؤسف له أن توجه بيتريوس وأسلوبه لم يتم تبنيه كنمط عام للسياسة
الأميركية في مراحلها الاولى مع بدء الاحتلال . ففي بغداد وفي مدن
أخرى تقطنها أغلبية من السنة مثل محافظة الأنبار تبنى عدد من القادة
سياسة الاعتماد المفرط على الأساليب العسكرية والتي أثارت الغضب
بين المدنيين السنة وغذت نيران السخط والثورة عند المقاتلين.
وحتى في الموصل فقد تناقصت أعداد القوات الأميركية بعيد خروج بيتريوس
عنها وعاد المقاتلون يتدفقون اليها ثانية من الأنبار التي كانوا
يختبئون بها.
وفي 2005 عندما سافرت الى الموصل في مروحية عسكرية مع بتريوس كان
علينا ان ندور حول المدينة في قافلة عسكرية مدججة بالسلاح ووجدت
أن العديد من العراقيين الذين تقابلت معهم في 2003 إما أنهم قد اغتيلوا
أو هربوا خارج المدينة.
وقد أشرف بيتريوس مؤخرا على وضع كتيب جديد للجيش حول كيفية التصدي
للمقاتلين وهو الأول من نوعه منذ 20 عاما.
ويبدو أن خطة بوش الأخيرة التي يرى فيها ارسال قوات اضافية الى العراق
قد جاءت محدودة ومتأخرة للغاية . فعلى ضوء العنف الذي تشهده بغداد
والأنبار وعدم قدرة القوات العراقية على القيام بمهامها فإن 20 ألفا
اضافية من القوات الأميركية تكاد لا تكون كافية بحال لكي تأتي بنتائج
أخرى. وكانت زيادة أعداد القوات الاميركية في بغداد بـ 10 آلاف جندي
في الخريف الماضي لم تتمكن من وقف حمامات الدم واستمرار تدهور الموقف
. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان الجيش الأميركي يمكنه ان يتحمل
تلك الزيادة لوقت طويل.
ناهيك عن أن الاوضاع في العراق قد تبدلت كثيرا عما كانت عليه عندما
قدم اليها بيتريوس في أول مرة له . فمنذ تفجير المرقد الشيعي في
فبراير الماضي تحول القتال في العراق الى حرب أهلية بين المقاتلين
السنة والميليشيا الشيعية. والآن يجب على بيتريوس أن يقرر ما إذا
كان عليه أن يبدأ بتأمين المناطق السنية أو أن يتتبع الميليشيا الشيعية.
وأعتقد أن الجنرال سوف يبدأ بملاحقة المتشددين السنة أملا أن يكون
ذلك دافعا للحكومة العراقية التي تهيمن عليها قيادة شيعية أن تقوم
بملاحقة الميليشيات الشيعية . والسؤال الآن هل يستطيع أن يحمل رئيس
الوزراء العراقي الضعيف نوري المالكي على أن يتصدى للزعيم الشيعي
المتشدد مقتدى الصدر ؟ وهل يمكن لاختيار بوش للسفير الأميركي الجديد
في بغداد ريان كروكر الذي يتمتع بمعرفة جيدة بالشرق الأوسط أن يتوصل
الى مصالحة بين الشيعة والسنة ؟
نحن هنا بصدد الحديث عن معجزات . وأعتقد ان بيتريوس قادر على التأقلم
مع الظروف الجديد إلا أن المطلوب منه كثير ويأتي في وقت متأخر للغاية
، فقط لو أن توجه بيتريوس في محاربة المقاتلين كان هو نهج السياسة
الأميركية في 2003 !
ترودي روبين
كاتبة عمود وعضو في أسرة تحرير صحيفة فلادلفيا انكوايرر
خدمة ام سي تي خاص بـ(الوطن)
أعلى