يرى الواقع أكثر تعقيدا من الخيال
الأديب التونسي محمد اليوسفي : الوسائل الحديثة سرقت الشعر
من القصيدة
الترجمة تشكل موضوعا عويصا في المنطقة العربية
دمشق ـ من وحيد تاجا:محمد
علي اليوسفي شاعر وروائي ومترجم, ترجم عددا من الأعمال
الهامة من الأدب اليوناني ومن أدب أميركا اللاتينية فضلا
عن ترجمته بعض الأعمال عن الأدب الياباني مما أتاح له
فرصة طيبة للاطلاع على أدب هذه الشعوب وترك أثرا واضحا
في كتابته الروائية لاحقا . حازت روايته الأولى "
توقيت البنكا " على جائزة الناقد عام 1992، كما حازت
روايته الثانية " شمس القراميد" جائزة الريشة
الذهبية - كومار لأفضل رواية صدرت في تونس سنة 1997 ثم
توالت أعماله الروائية التي صدرت في تونس وبيروت ودمشق:
"مملكة الأخيضر"، " دانتيلا"، "بيروت
ونهر الخيانات". . وكان قد اصدر في الأثناء بعض دواوين
الشعر مثل "حافة الأرض" و"ليل الأجداد"
و" امرأة سادسة للحواس".
التقيناه في دمشق وكان هذا الحوار حول أعماله وكتاباته
وحول الترجمة في العالم العربي .
* في رواياتك الكثير من الشعر
مع تأثر واضح بأدب أميركا اللاتينية والأدب الإفريقي ؟
** و جود الشعر في رواياتي
عائد إلى أنني بدأت ولا أزال شاعرا . و قد انعكس هذا في
كتاباتي الروائية . ولكنني بت أحاول في كتاباتي الجديدة
أن يكون الشعر متأتيا من إيقاع الحدث أكثر، وليس من السرد
الذي قد يؤدي إلى الترهل اللغوي الكلامي في الرواية. وقد
تأثرت كثيرا بأدب أمريكا اللاتينية والأدب الإفريقي فضلا
عن الأدب الياباني نتيجة عملي في الترجمة. ربما ملت، بطرق
واعية وأخرى لاواعية، إلى الخروج بتوليفة جديدة من هذا
كله، ومحاوة إغناء السرد والشكل الروائي، لأنني لم أتأثر
روائيا بما كتب في المنطقة العربية إلا في البدايات .
* هل يمكن القول إن هذه التوليفة
الجديدة هي ما لفت نظر واهتمام النقاد في روايتك الأولى
"توقيت البِنكا" ؟
** قد يكون هذا السبب , لكن
لا أستطيع بصراحة أن أقول ماذا وجد النقاد فيها , فالرواية
تضمنت الكثير من الدفق الكلامي, وفي الرواية الأولى يحاول
الكاتب دائما أن يقول كل شي ويحملها بشكل ما الكثير من
السيرة الذاتية . أما في العمل الثاني فيجد الروائي نفسه
أمام نوع من الفراغ . ماذا سيكتب بعدما تخلص من كل شئ
. وهكذا تشكل الرواية الثانية تحديا أكبر من الرواية الأولى
.
* يلاحظ أنك ألغيت السرد الروائي
في روايتك الأولى لحساب المشهد ؟
**هذه ملاحظة دقيقة جدا ,
وهذا ما لا أنكره. لكنني لم ألغي السرد تماما. حاولت الجمع
بينه وبين المشهدية العالية. وبالفعل يسحرني إن يكون هناك
مشهد. ولطالما أخذته بالاعتبار في قراءتي الشخصية ثم بعد
ذلك في كتاباتي , كثيرا ما أقرأ روايات وأنسى أحداثها
فيما بعد ولكن يتبقى منها بعض المشاهد المتقطعة وبعض الملامح
والصور التي تشغل حيزا في كيانك وفي شعورك , وقد يعود
هذا أيضا إلى قراءتي السينمائية , ولا أقول مشاهداتي السينمائية
فقط؛ فقد يحدث أن أنغمس في المشاهدة دون أن أفهم الفيلم
جيدا , لكني أقرأ كثيرا عن السينما . أتساءل كيف للصورة
أن تغزونا بهذا الشكل ؟ وكيف نستطيع، شعراء وكتّابًا أن
نواجه عصر الصورة بكتابة لا تنتج الصورة فحسب بل تحاول
أن تسكنها وتسكن فيها .
* الشخصيات في روايتك تبدو
هلامية أكثر منها شخصيات حقيقية كما في روايات نجيب محفوظ
مثلا ؟
**لا أؤمن بأن أجعل الشخصية
تبدو كما هي بالوصف التقليدي , أن نقول أن هذه المرأة
جميلة لا يعني لي شيئا في الرواية إلا إذا كان الوصف موظفا
لخدمة حدث ما , مثله مثل الإنسان الذي يسير في حقل يلتقط
بقايا حبات القمح حتى يصبح لديه كومة من السنابل , فأنا
لا أميل لإعطاء أشياء جاهزة في رواياتي . فالفصل الأول
قد يشير آلي الفصل السابع . وسطر واحد في وصف شخصية ما
قد يكفي وقد يكتمل في الفصل الخامس أو السادس .. الخ والكتابة
عبارة عن شظايا متناثرة تتجمع فيما بعد بذهن القارئ أي
أن القارئ يشارك في استجماع ملامح هذا الشخص الحاضر الغائب
فأنا أتقصد أن يكون هناك نوع من الغياب والحضور للشخصيات
في رواياتي .
* هذا يجرنا إلى مسألة المكان
والمحلية في أعمالك ؟
** المكان في أعمالي قد يكون
تأسيسيًّا أو وهميا أو متخيلا. وهذا عائد بشكل ما إلى
حياتي حيث عشت متنقلا بشكل دائم بين تونس وسوريا ولبنان
وأوروبا , وهاجسي الدائم كيف أعود وأجسد المكان بدون الانزلاق
في المعنى السياحي و الفلكلوري . وهذا ما يجعلني أقف كثيرا
في تفاصيل المكان لكن مع محاولة شده إلى جغرافية معينة
مثل قرية صغيرة في تونس ولكنك لو ذهبت آلي الجغرافيا وبحثت
عن هذا المكان لن تجده وربما وجدته في أي مكان آخر . وهكذا
يكون العمل، والمكان ككل، وهمًا وحلمًا كما هي الحياة
والواقع بمعنى من المعاني .
* روايتك بشكل عام ليست مهادنة
للواقع ؟
** صحيح أن روايتي ليست مهادنة
لأي واقع ولأي نوع من الواقع- بما في ذلك الواقع المتعلق
بشكل الرواية نفسه- مهما كان ومهما كانت أوصافه وأمكنته,
ولكن أقول أنني لا أكتب رواية مباشرة , كما لا أكتب القصيدة
المباشرة , لا يهمني معاناة الناس عندما تريد من الكتابة
أن تكون فنا , قد يفهم من كلامي هذا أنني أدعو آلي نوع
من الفن للفن فقط , كلا أنا أعني أن للفن أدواته ووسائله
كما للشعر والرواية أدواتهما ووسائلهما , والسؤال بالتالي
كيف لا نسقط في الواقعية المكرورة وندعي أن الواقع هو
واقعي. وفي رأيي أن الواقع أكثر تعقيدا من الخيال ونحن
عندما ندعي أننا نمسك بهذا الواقع يفلت منا تماما مثل
الزمن , فكيف تكون للرواية وسائلها الخاصة في التعبير
عن هذه العلاقة المحتدمة بين واقعنا الاجتماعي وواقعنا
السياسي وواقعنا الثقافي ..الخ هذا ما تعبر عنه كتاباتي
, خاصة رواياتي الأخيرة .
* كيف ترى هنا علاقة المثقف
بالسياسي في العالم العربي ؟
** في رأيي أن المشكلة مفتعلة
بين الثقافي والسياسي . فالخطاب السياسي له أهدافه التي
قد تكون قصيرة المدى أو بعيدة المدى , كما أن له لغته
الخاصة المباشرة وأساليب عمله وتكتيكاته الخاصة . ولكن
هدف المثقف قد يتقاطع مع هدف السياسي الاستراتيجي . دون
الوقوع فيما يقال عنه أنه الدعوة إلى الفن من أجل الفن
. فالفن كما أسلفت له لغته وأساليبه ومفرداته أيضا , وعندما
يكتب الكاتب ليعبر عن موقف كامل ليس من اللازم أن تكون
مهمته التحريض الجماهيري , بل هو يكتب ويبدع في تصور أبعد
مدى. وعندما يجري الخلط بين هذه الأمور , تصبح المسألة
وكأن الذي لا يخوض في اللحظة السياسية متخلف أو رجعي أو
مثالي يدعو إلى الفن للفن. إن النص الجيد والجميل الذي
يخدم قضية ما على المدى البعيد أفضل من نص هابط لكنه محرض
ويدعي أنه يلتقط المبادرة من السياسي لينقلها عبر الثقافي
بنظرة براغماتية , قد يحقق من خلالها شيئا على مستوى الفعل
السياسي أو النضال اليومي . واعتقد أن هذه القضايا لم
تعد تطرح الآن في أوروبا على العكس منا تماما حيث القضايا
لدينا مختلطة لان الكاتب العربي مجند دائما , ومطالب بالكتابة
بكل شئ في ظل أزمة ديمقراطية وعولمة وأزمة مجتمع ديموقراطي
, فكيف يواجه ذلك كله في مقولاته وخطبه ومواقفه السياسية
. وأجد من الضرورة التأكيد هنا أن يكون للكاتب مهمة حياتية
كغيره من الناس ومهمة فنية , وعليه أن يواجه الأزمات بلغة
فنية وأداء متميز وقاموس فني غير مباشر . أما السياسي
فلا شك أنه يحاول دائما أن يهيمن على الثقافي ويدعوه بالترغيب
والترهيب إلى الالتحاق به كشخص وكنص يعبر عن مشاغله الآنية
وتحقيق ما هو مطلوب من السياسي , وهناك من يستجيب ويتحول
إلى وسيلة إعلامية للسياسي . وهناك من يرفض وقد يضطر لأن
يدفع الثمن ويعيش في المنافي كحال البعض .
* تكتب الرواية والشعر ..
أين تجد نفسك على الصعيد الإبداعي .. وهل تجد ان مواضيع
الرواية عندك تتكامل مع مواضيع الشعر ؟
** نعم، تتكامل وينقذ بعضها
بعضا، أقصد: أن بدايتي الروائية لم تكن بسبب القراءات
في البداية، ثم الترجمة لاحقًا، فقط، بل جاءت من الشعر
أيضا؛ الشعر الذي بدأ يمتلئ بالسرد وبالشخصيات والأصوات
التي تريد الخروج من اختزال القصيدة وطريقتها التكثيفية.
* ماهي برأيك أسباب "
طغيان " الرواية وانتشارها الواسع في السنوات الأخيرة
ولاسيما على حساب الشعر الذي يتراجع ان كان على الصعيد
العربي أو العالمي ؟
** الشعر لم يمت والشعراء
ما زالوا يولدون كل يوم بل وتزداد أعدادهم أكثر مقارنة
بعدد من يكتبون الرواية. لكننا أمة شعر لم تعتد الرواية
ولما شاهدت "روايتين زيادة" في السوق أصيبت
بالدهشة! يعود ذلك إلى أننا لم نكتب الرواية في تراثنا.
وتقدمنا مع العصر أتى بالرواية كما سوف يأتي بعد ذلك بالمسرح
والسينما وما إلى ذلك. تبقى المشكلة الحقيقية كامنة في
مسألة القراءة. قراءة الشعر هي التي تراجعت سواء عندنا
أم في الغرب. ربما يعود ذلك إلى أن حاجات الإنسان الحديث
باتت عملية أكثر؛ أي أقل تأملا واحتفاء بالذات وبالمشاعر
مع حيلة أخرى أجادتها وسائل الاتصال الحديثة وهي سرقة
الشعر من القصيدة وتوزيعه على كل الفنون. وفي ذلك تسرّب
للشعر إلى مجالات حيوية أخرى لكي لا تضيق به الأنفاس!
* هل يمكن أن نطل من خلالك
على المشهد الروائي في تونس ؟
** في المشهد الروائي التونسي
نوع من الانتقال , فهناك مشكلة تتلخص في وجود عدد قليل
من الروائيين المعروفين والروايات المعروفة خلال المرحلة
التأسيسية, كان هناك من الرواد بشير خريف , الذي يعتبر
من أهم الروائيين في تونس وكذلك محمود المسعدي , وقد تأثر
جميع الروائيين التوانسة تقريبا بهذين الكاتبين .
الآن هناك محاولات كثيرة لكتابة رواية مختلفة , وقد أخذت
تبرز بعض الأسماء داخل تونس وخارجها , ولكن هذه المحاولات
لم تشكل بعد تراكما كبيرا لكنها تستقل عن المؤثرات الأساسية
للرواية الواقعية كما درجت عند بشير الخريف أو الكتابة
التنميقية لدى محمود المسعدي، و باتت تجمع بين الغنى والتنوع.
*وماذا عن النقد في تونس ؟
** هناك نقد أكاديمي وآخر
صحفي سريع يواكب كل ما يصدر من إنتاج أدبي وثقافي. لكن
النقد الوسيط الذي يعتبر ضروريا لمواكبة حركة الإبداع
هو ما نفتقده في تونس. فليس لدينا أسماء نقاد على مستوى
جيد . كما أن الصحف والمجلات لا تعطي مجالا للنقاد لمواكبة
الإصدارات الجديدة وجعلها تقليدا بل قد يجد الناقد أنه
مذل ومهان من أصحاب الصحف الذين يكتفون بالتنويع وثقافة
السندويتش. ذاك طموح نتمنى أن يتحقق في تونس لكي لتسير
حركة الإبداع بمواكبة أكبر .
* هذا يدفعنا إلى السؤال الذي
يقول بتميز الكتابات الفكرية في المغرب العربي عنه في
المشرق الذي تميز بالكتابات الإبداعية ؟
** أنا أتحفظ كثيرا على هذا
الرأي الذي انتشر بكثرة في الوطن العربي وربما تتم رؤية
الأشياء من خارج منطقة المغرب العربي بطريقة انتقائية
ومتسرعة، حيث المعاناة متواصلة في هذا الإطار . فبينما
يبرز اسم في المغرب , نجد عشرات الأسماء تبرز في سوريا
أو في مصر مثلا . وعلى صعيد الإبداع , تسيطر مسألة الفرنكفونية
في المغرب العربي على هذا الجانب مع اغتناء اللغة العربية
بنصوص حديثة , وأعني بذلك أن اللغة لدينا ربما تبقى تراثية
, تعود إلي الأصول , ولا أريد أن يفهم من كلامي هذا إنني
ضد التراث , ولكن أن تبقى اللغة العربية تعود إلي التراث
و التعابير القديمة فهذه مشكلة حقيقية , على الرغم من
أن هذه العودة قد تمثل نوعا من الحماية أو الحصانة أو
الهروب من مواجهة الواقع أمام الغزو الثقافي اللغوي الذي
بدأ ولم ينته. غير أن الكتاب الجدد يتجاوزون هذه المشكلة
بنجاحات لافتة.
* وما رأيك بواقع الترجمة
في العالم العربي ؟
** أصبحت الترجمة تشكل موضوعا
عويصا جدا في المنطقة العربية . وهي تعيش في ظل فوضى مستشرية,
ليست أسبابها بعيدة عن كيفية التعامل مع الكتاب والتوزيع
والحدود المصطنعة , خاصة على صعيد الثقافة العربية , وقد
رأيت الكثير من الترجمات العربية في الكثير من بلداننا
, ومنها ما يتناول كتابا أجنبيا واحدا , لكن المشكلة إن
كل كتاب مترجم ينتشر في البلد الذي ترجم فيه فقط , ومن
خلال اطلاعي على هذا الواقع وجدت تفاوتا في مستويات الترجمة
إلى جانب عدم التنسيق على الصعيد العربي والانتقائية في
الترجمة , لذلك لمست مستوى هابطا في الترجمة سواء في النقل
الدقيق أو التعبير في اللغة العربية , وهو ما أدى إلى
كتابة الترجمة بلغة هجينة مهزوزة , وربما تطرح المسألة
بنوع من الاختلاف بين مشرق الوطن العربي ومغربه . فنحن
في المغرب لا نحتاج عادة للكتب المترجمة إلا ما ندر ,
حيث يتم الاطلاع على الإعمال الأجنبية , سواء الفرنسية
أو الإنكليزية أو غيرها بطريقة مباشرة , ويعود هذا إلى
واقع دول المغرب العربي التي عانت من الاستعمار طويلا
. بينما تطرح المشكلة بشكل كثيف في المشرق العربي ويلحظ
فيه إقبال شديد على الكتب المترجمة. لكن الترجمة لا تعني
مطالعة كتاب باللغة الأجنبية، رغم إن هذا مهم جدا , ثمة
جانب آخر مهم أيضا يتمثل في كيفية أخذ هذا الكتاب وتوظيفه
إن صح التعبير في لغتنا وفي أساليبنا وكتاباتنا، عبر عملية
تلاقح كاملة , فالنص المترجم يلعب دورا وسيطا بارزا بين
النص الأصلي وبين اللغة العربية وتطورها العصري .
* فيما يخص ترجمة الشعر ..
برأيك إلى أي مدى يمكن نقل الصورة الشعرية والإحساس عبر
الترجمة .. ؟
** درج القول إن الترجمة خيانة
لا بد منها أو إنها خيانة جميلة؛ والحقيقة أن بعض الشعر
يتألق أكثر في لغته الجديدة المنقول إليها: يتوقف ذلك
على نوعية النصوص وعلى نوعية المترجمين أيضا. فهل يجوز
أن يقوم كل من يجيد اللغة الأجنبية بالترجمة؟ كلا. لا
بد من خلفية اختصاص دقيق لدى المترجم. حتى المترجم المتشبع
بالشعر الكلاسيكي وحده والمناهض للشعر الحديث قد يلحق
الضرر بالنصوص الأجنبية المترجمة، فيأتينا بها خالية من
روحها العصرية. للذائقة أيضا دور مهم، على المترجم، في
نظري، ألا يترجم إلا النص الذي يحبه ويقيم معه علاقة حب،
على ألا يكون من نوع الحب القاتل!