|
فتاوى وأحكام
*ما قول سماحتكم في رجل عقد قرانه على امرأة ولم يدخل بها بعد ، وأراد
الذهاب إلى العمرة ، فهل يجوز له أن يأخذها معه ، لأنه سمع من بعض
الأشخاص أنه ليس محرماً لها لكونه لم يدخل عليها بعد ؟
** بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلّم
على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فهو ليس بمحرم لها ، لأنها لو كانت محرماً له لما جاز له أن يتزوج
منها ، ولما جاز له أن يستمتع بها ، وإنما هي حليلته وهو أقرب الناس
إليها وهي أقرب الناس إليه ، فلذلك كانا زوجين ، ومعنى كونهما زوجين
أنهما حقيقة واحدة كل واحد منهما يمثل شطراً من هذه الحقيقة ، فهو
زوج لها وهي زوج له ، والذي أحلها له هو العقد الشرعي ، فبما أنه عقد
زواجه بها فهي حليلته ولذلك أبيح له الاستمتاع بها ، وما دام مباحاً
له الاستمتاع بها فكيف لا يباح له أن يأخذها عنده ويباح لها أن تسافر
عنده ، إن ذلك مباح ولا يمنع من ذلك مانع فإن الذي يحللها له هو العقد
الشرعي بعد استيفائه جميع شروطه ، والله تعالى أعلم .
* متى يبدأ وقت صلاة قيام الليل ، ومتى يبدأ الثلث الأخير من الليل
بالنسبة للصيف وللشتاء ؟
** قبل كل شيء صلاة الليل ليست مرهونة بوقت معين من الليل ، فإن الله
تبارك وتعالى يقول ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً
لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ( الاسراء:79
) ، فمتى قام الإنسان في أي وقت من الليل كان له فضل عظيم في ذلك ،
وإنما يتفاوت الفضل بتفاوت الوقت فكلما كان أقرب إلى السحر كان ذلك
أبلغ في الفضل ، فعندما يقوم الإنسان في الثلث الأخير من الليل يكون
قد قام في أفضل جزء من الليل يقام فيه ، والثلث الأخير من الليل يقاس
بتقسيم الليل إلى ثلاثة أثلاث بحيث تكون هذه الأثلاث متساوية الثلث
الأول منذ غروب الشمس إلى انقضاء الجزء الأول من الثلاثة اجزاء ، ثم
الثلث الوسط الذي هو بذلك المقدار ، ثم الثلث الأخير الذي هو إلى مطلع
الفجر ، والله تعالى أعلم .
* ما حكم من حلف بالله عدة مرات وهو كاذب ؟
** عليه أن يتقي الله ، وأن يتوب إليه توبة نصوحا ، وأن يرجع إليه
سبحانه فإن اليمين الكاذبة هي اليمين الغموس ، ومعنى كونها غموساً
أنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها ، وبجانب
هذه التوبة فإن عليه عندنا أن يكفّر كفارة يمين ، وكفارة اليمن هي
ما نص عليه القرآن الكريم حيث قال عز من قائل (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ
عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلاثَةِ أَيَّامٍ )( المائدة: من الآية89 ) ، ومعنى ذلك أنه مخير
بين ثلاثة أشياء بين أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم به أهله
، أو أن يكسوهم كسوة متوسطة ، أو أن يعتق رقبة ، فإن عجز عن ذلك كله
فهنالك ينتقل إلى الصيام بحيث يصوم ثلاثة أيام ، هذه الكفارة المنصوص
عليها في كتاب الله والمنصوص عليها في سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلّم عندما يقع الإنسان في يمين يحنث فيها ، هذه كفارة الحنث ، وإنما
شدّد بعض العلماء عندما رأوا التشديدات من قبل الناس في الأيمان فجعلوا
اليمين عندما يشدّد الإنسان على نفسه فيها حكمها كحكم كفارة الظهار
من حيث نوع التكفير بحيث يكون التكفير إما عتقاً للرقبة وإما صياماً
لشهرين متتابعين وإما إطعاماً لستين مسكينا وذلك مما لم يقم عليه دليل
، ولذلك جنح كثير من علمائنا إلى أن كفارة اليمين لا تختلف ولا تتنوع
بين مغلظة ومرسلة كما ينوعها بعض أهل العلم ، وإنما هي كفارات مرسلة
بحسب ما نُص عليه في القرآن ، والله تعالى أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
من أعلام عمان
الإمام محمد بن عبدالله الخليلي
إعداد ـ خوله العامري:الأبناء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا
أبي.
الأب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, تفضلوا يا أبنائي.
خالد: إننا ننتظر هذا اللقاء بفارغ الصبر وذلك لمعرفة المزيد عن علمائنا
وأئمتنا.
يا ترى من يكون عالم جلستنا اليوم؟
الأب: عالمنا وإمامنا اليوم من مواليد سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين
للهجرة وموطن مولده سمائل الفيحاء انه الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد
الخليلي (رضوان الله عليه).
عمر: هذا عن نسبه، فماذا عن علمه؟
الأب: تلقى الإمام محمد العلم عن أبيه الشيخ عبدالله وعمه العلامة
أحمد بن سعيد حيث درس على يديهما القرآن الكريم وغيره من مختلف العلوم
كما درس النحو عند محمد بن عامر الطيواني.
بعدها هاجر إلى الشرقية ليلتقي بالإمام السالمي وينهل من علمه الوافر
وبالفعل ظل ملازماً له إلى أن صار علما من الأعلام.
الأب مواصلاً حديثه: كان ـ رحمه الله ـ كثير العبادة لله منذ صغره
ومما يذكر عنه أنه كان من عادة القائم على المسجد إطفاء السراج بعد
صلاة العشاء والعودة إلى المسجد لأذان الفجر وفي أحد الأيام جاء الإمام
محمد ـ وذلك في أيام صباه وتعليمه ـ فقال له: أنا أكفيك السراج فاذهب
وعندما عاد الرجل لأذان الفجر وجده كما تركه فقال له الم تذهب إلى
البيت لتنام؟
قال الإمام: ولم السؤال؟
قال القائم على المسجد: لأني ذهبت إلى بيتي ونمت والآن جئت لأذان الفجر.
فرد الإمام ـ رحمه الله ـ ما شعرت بالوقت.
خالد: أبي... أستطيع أن أصف لكم هذا الإمام كما قرأت عنه.
فهو أبيض اللون, نحيف البنية, حسن الخلق, مدور اللحية تنجذب إليه النفوس.
سارة: أكيد هناك سبب لانجذاب النفوس إليه.
الأب: بالفعل هناك أسباب منها: أنه كان بعيداً عن الغضب ولا يرى غضباناً
إلا إذا انتهكت محارم الله وهذا مصداقا لقول المصطفى صلى الله عليه
وسلم (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) صدق
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عمر: لقد ذكر صاحب (نهضة الأعيان) أخلاقاً للأمام محمد بن عبدالله
الخليلي ـ رحمه الله ـ.
الأب: قل لنا عن تلك الأخلاق يا بني.
عمر: كان الإمام محمد دائم الفكر حمولاً للأذى واسع الصدر أكثر حياته
صامتا فإذا تكلم تكلم بعلم يجلس مع الناس ولا يفرق بينهم يقص عليهم
القصص الدينية والآداب الدنيوية.
كذلك كان دائم السعي في حاجات الناس يجره الشخص ليقضي له حاجة فيذهب
معه.
الأب: إن ما ذكرت يا عمر من أخلاق هذا الإمام ذكرتني بأخلاق الرسول
صلى الله عليه وسلم وكيف أنهم ساروا على نهج الرسول صلى الله عليه
وسلم.
خالد: وماذا عن إمامته يا أبي؟
الأب: قبل أن أحدثكم عن إمامته أحب أن أبين لكم أنه كان غنيا قبل إمامته
حيث ورث عن آبائه الكثير من الأموال فكان يعيش في رغد من العيش وتأنق
في اللبس. لكن لنرى ماذا فعل بتلك الثروة بعد أن صار إماما.
سارة: ماذا فعل بها؟
الأب: لا تتعجلي يا سارة كنت سأذكر السبب لقد باع كل ثروته وأنفقها
في سبيل الله طلباً للأجر والثواب متبعاً قول الله عزوجل: (مَّثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ
يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وأصبح بعد ذلك يكتفي
بالقليل من الأكل ويكثر من الصيام وترك كل ما كان عليه من الملابس
الفاخرة والأكل اللذيذ فكان أكله مقتصراً على التمر والسمك المجفف.
كان معروفاً بين الرعية بالعدل يحاول دائماً الإصلاح بينهم وتقريبهم
إلى ربهم فإذا رأى من رعيته انحرافاً أو ضلالا أرشدهم إلى الصلاح وذكرهم
بالآخرة.
سارة: ما أعظم هذه الصفات يا أبي لا تكون إلا من شخص أخلص حياته لله
تعالى وترك متاع الدنيا الفاني واثر النعيم الباقي.
الأب: إن حديثنا عن الإمام محمد بن عبدالله الخليلي (رضوان الله عليه)
لممتع وطويل لا يكفيه الوقت القليل لذلك آن لنا أن نودعه حيث فارق
الحياة يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة ألف وثلاثمائة
وثلاث وسبعين للهجرة رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.
الأبناء: نلقاك يا أبي في حديث آخر ومع عالم آخر بإذن الله والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
المرجع: حوار المحبة سلسلة من أعلام عمان للناشئة
أعلى
منافع الصلاة
د.خنساء محمد أسموني
الصلاة من أعظم الشعائر الدينية وأهمها في الإسلام, وهي أيضا من أعظم
أبواب الفرج ومن أفضل أعمال البر, وفي القرآن الكريم إذا عدت صفات
المؤمنين كان وصفهم بإقامة الصلاة أول الصفات بعد الإيمان بالله, كقوله
تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (سورة البقرة, الآية: 3). وقد
شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أداء الصلوات الخمس بمثابة الاغتسال
من الذنوب والآثام, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه
كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قـال
فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) (متفق عليه). والصلاة
صلة وصل بين الإنسان وخالقه فيها يطلب من الله حاجته وأقرب ما يكون
فيها إلى الله وهو ساجد ومن لا يؤدي صلواته اليومية كان كمن يقطع صلته
بخالقه, إنها مقربة من الرحمان مبعدة من الشيطان, جالبة للبركة دافعة
للنقمة حافظة للنعمة, منورة للقلب مغذية للروح شارحة للصدر, ممدة للقوى
منشطة للجوارح مذهبة للكسل, مفرجة للنفس, مبيضة للوجه, مطردة للأدواء
ودافعة للأذى, حافظة للصحة مجلبة للرزق, وعلى كل فرد مسلم أن يتذكر
دائما وأبدا أنه يقوم بها بين يدي الملك الجبار خالق السماوات والأرض،
وواهب الحياة, لذا عليه أن يتجه بجميع مشاعره وعواطفه نحو الله ويكون
خليقاً بأن يقف أمامه موقف الذليل الراغب فيما عند الله، والراهب الخائف
من عقابه، والراجي لمغفرته ورضوانه، والمتضرع المسكين الذي يرجو رفده،
إذن على من يقوم بين يدي البارئ سبحانه ألا يشغل فكره بأي شأن من شؤون
الدنيا وأن يصلي بسكينة ووقار خاشع الأطراف، ولين الجناح، وحسن المناجاة
له في نفسه، والطلب إليه في فكاك رقبته التي أحاطت بها تبعاته وخطيئاته،
واستهلكتها ذنوبه، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن
وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم
تؤت كبيرة وذلك الدهر كله) (رواه مسلم). فما أعظمها من فائدة حين يطيع
الإنسان خالقه بأداء عبادات تستقيم بها نفسه ويصلح بها بدنه!
فوائد الصلاة النفسية
فعندما يقف الإنسان بين يدي خالقه خاشعا متبتلا يحس بالطمأنينة والراحة
النفسية ذلك أنه يربط بالصلاة صلته بالخالق العظيم, وحيث أن المسلم
يقف هذا الموقف خمس مرات في اليوم فإن ذلك يؤثر في سلوكه خارج الصلاة
فيصبح قادرا على تمثل الأخلاق الفاضلة فيبتعد عن الفواحش والآثام قال
الله تعالى: (...َأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ
الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
مَا تَصْنَعُونَ) (سورة العنكبوت, الآية: 45). وتجد المؤمن كلما خطرت
بباله حاجة أو ألم به مكروه أو أراد أن يشكر الله تعالى على نعمه يلجأ
إلى الصلاة والدعاء فتنشرح أساريره وينفرج همه وكربه وتقضى حاجته وهذا
توجيه رباني أصيل يقول فيه جل وعلا: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)
(سورة البقرة, الآية 45). وما أحوج الإنسان في واقعنا المعاصر الذي
اشتدت فيه الأزمات النفسية والاجتماعية وقويت الضغوط والإحباطات إلى
أن يتجه إلى الله بالصلاة ليحس بالسكينة وينعكس ذلك إيجابا عن كل جوانبه
العقلية والبدنية والنفسية.
فوائد الصلاة الاجتماعية
الإنسان مدني بطبعه يميل إلى العيش في جماعة يأنس بها ويتفاعل معها
ويتعامل وفقها وقد يؤثر في جماعته ويعدّل من سلوكها عندما يمتلك من
الصفات والمزايا ما يساعده على ذلك. انطلاقا من هذه الحقائق, أولى
الإسلام عناية فائقة لصلاة الجماعة ولا يرخص للمسلم بالتغيب عنها إلا
بعذر مقبول وفي ذلك تربية اجتماعية مقصودة وجهنا إليها الإسلام إيمانا
منه بقيمتها وفوائدها المتعددة كاكتساب المزيد من الصفات والمؤهلات
الاجتماعية كتعلم الصبر, والتحلي بالروح الجماعية والإحساس بالمساواة
بين أفراد الجماعة في مجال العبادة وغيرها والإحساس بالانتماء إلى
أمة واحدة هي الأمة الإسلامية وتقوية الروابط بينه وبين أفراد أمته
بالتصافح والتحية والتحدث والتفقد والأخوة والمحبة والتكافل والانخراط
في العمل الجماعي والتشاور والتناصح قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ
خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ
الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى
صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ
* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (سورة المعارج, الآيات: 19 و20 و 21
و 22 و 23 و24 و25).
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عماله يقول: (إن أهم أمركم عندي
الصلاة, فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه, ومن ضيعها فهو لما سواها
أضيع) (أخرجه مالك في كتاب وقوت الصلاة).
وإجمالا فإن للصلاة تأثيرا عجيبا في حفظ الصحة والبدن والقلب وقواهما
ودفع المواد الرديئة عنهما, وما ابتلي عبد بمحنة أو بلية إلا وكان
حظ المصلي منها أقل وعاقبته منها أسلم بعون الله, ولها تأثير كذلك
في دفع شرور الدنيا ولا سيما إذا أعطيت من التكميل ظاهرا وباطنا فما
استدفعت شرور الدنيا والآخرة واستجلبت مصالحها بمثل الصلاة, لأن هاته
الأخيرة صلة بالعزيز الحكيم وعلى قدر صلة العبد بربه يفتح عليه من
الخيرات أبوابها ويقطع عنه الشرور أسبابها, ويفيض عليه مواد التوفيق
من ربه والعافية والصحة والغنيمة والراحة والنعيم والأفراح والمسرات
كلها محضرة لديه ومسارعة إليه.
أعلى
ألفة تهز بتلاوتها للقرآن الكريم قلوب الآلاف
جاكرتا ـ من جون غليونا*:بدأ والد ماريا ألفة
مع ابنته مبكرا حيث في اراد ان يكون لابنته وضع مساو للرجال. ومن ثم
فقد شجع هذه الرجل المسلم المخلص ابنته على دراسة القاء الخطب العامة
واخذ دروس في الصوتيات ودخول حلبة المنافسة في المجال الذي يهيمن عليه
الرجال وهو تلاوة القرآن الكريم على الملأ.
في العالم الاسلامي تعد تلاوة القرآن الكريم بصوت حسن امرا ممتعا للاذواق
بشكل يزيد عما يستمتع به الغرب بموسيقى البوب او الاوبرا او الفعاليات
الرياضية المهمة. ويتم اذاعة الحفلات القرآنية التي تجذب آلاف الاشخاص
من النظم الصوتية للمساجد ومن محطات البث الاذاعي والتلفازي.
وقد بدأ الحاج مظفر والد ماريا أولفا بشيء صغير حيث كان يعد مسابقات
لتلاوة القرآن خاصة في مدينته في شرق جاوا حتى يتسنى لابنته تذوق طعم
المنافسة والتوصل الى مدى جمال صوتها عندما تتلو القرآن باداء رائع.
وقد حقق الكثير من هذا الامر. حيث صارت ألفة اليوم هي واحدة من اشهر
قراء القرآن الكريم في جنوب شرق آسيا. حتى صارت معلمة وعالمة ومحاضرة
ورمزا ثقافيا ويستلهم نجاحها النادر في عالم الرجال النساء في انحاء
اندونيسيا وغيرها من العالم الاسلامي. وتقول ألفة البالغة من العمر
51 سنة: كان والدي رجلا عصريا ومتحضرا تماما. حيث من البداية المبكرة
علمني ان اكون مساوية لاي انسان سواء كان رجلا او امرأة. وقد بقيت
كلماته معي.
في اندونيسيا اكبر دولة اسلامية من حيث عدد السكان في العالم لدى اغلب
المدارس فيها جمعيات لتحفيظ القرآن الكريم. وتتمتع المرأة فيها وعلى
خلاف الحال في بلدان اسلامية اخرى حيث غالبا ما يتم استبعاد النساء
من الساحة العامة بمكانة عالية من خلال ثقافة اكثر حداثة بشكل نسبي.
حيث غالبا ما يتم تشجيع البنات من سن مبكرة على المنافسة مع الصبيان.
في مثل هذا الجو نشأت وتربت ألفة. ففي سنة 1980 فازت بلقب بطولة النساء
في مسابقة دولية لتلاوة القرآن الكريم في ماليزيا مما جعلها تحظى باستقبال
حار لدى عودتها الى اندونيسيا وهو ما ساعد على اطلاق مواهبها الصوتية.
وفجأة صار يتم سماع صوتها بشكل منتظم عبر اثير الاذاعة والتلفاز. وفازت
بعقود تسجيل ويتم دعوتها لحفلات تلاوة القرآن الكريم في انحاء العالم
الاسلامي وفي الغرب. وفي اندونيسيا فان تلاوتها تملأ ملاعب كرة القدم.
وهي تستخدم طبقات صوتها بشكل بارع في اظهار مخارج حروف آيات الذكر
الحكيم. وتقول اني راسسوسين استاذة الموسيقى في جامعة وليام ماري وكتابها
المقبل هو (النساء وتلاوة القرآن والفن الموسيقي الاسلامي في اندونيسيا
المعاصرة) ان ما هو مهم بشكل حقيقي بالنسبة لعمل ماريا ألفة هو في
الطريقة التي اصبحت عالمية. ففي زيارتها لاوروبا والولايات المتحدة
والشرق الاوسط اظهرت بطريقة طبيعية تماما ماذا تعني المرأة بالنسبة
للاسلام وماذا تعني بالنسبة للعمل المهني والعمل الفني. ان هناك آلافا
من البنات في اندونيسيا وجنوب شرق آسيا الذين يريدون فقط ان يكونوا
مثلها.
ويذكر علماء مسلمون ان مواهب ألفة قد غيرت بشكل كبير الاتجاهات بشأن
النساء. يقول ناديرسياه حسين استاذ الشريعة الاسلامية: كثير من الاديان
تشجع الزعمات الذكورية فالكاثوليكية على سبيل المثال لايزال ليس لديها
اي قساوسة من النساء. لكن ذلك يمكن ان يتغير. ففي الاسلام فان لدينا
ماريا ألفة التي تعزز فكرة المساواة بين النساء والرجال.
وكانت ألفة ولدت في عام 1955 وهي البنت التاسعة بين 12 طفلا 10 منهم
ذكور وبنتان وقد سماها والدها هذا الاسم من فرط اعجابه بوزيرة في الحكومة
كان تحمل نفس الاسم. حيث كان يخبرها ان تكون على مستوى اسمها بان تكون
وزيرة.
وقد بدأت دراساتها في تلاوة القرآن الكريم باللغة العربية بينما كانت
في الصف الاول الدراسي. وعلى استحياء في البداية كانت تتلو القرآن
الكريم في منزل صديقتها لكن سرعان ما اكتشف والدها موهبتها وشجعها
على الاستمرار في حفظ القرآن الكريم.
وعندما ذاع صيتها على المستوى الدولي تم دعوة ألفة الى تلاوة القرآن
الكريم في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية حيث ليس للنساء فيها
نفس الوضع الاجتماعي الذي تتمتع به النساء في اندونيسيا. وقالت: التقيت
بامام هناك كان مدركا ان الرجال والنساء سواسية. وقد شجعني على التلاوة
امام حشد من الحضور من الرجال. وكنت متوترة تماما لاني اعرف ان كثيرا
من الرجال العرب لا يريدون ان يسمعوا صوت امرأة. لكنه دفعني الى الاقدام
والتلاوة.
وقد ثار الجدل من اماكن لم يكن من المحتمل ان يثور منها. حيث قاطع
الطلبة المسلمون تلاوة ألفة في جامعة تورونتو في 2002. لكنها استمرت
في التلاوة في اماكن اخرى حيث ظهرت في هذا الشهر في كيوتو باليابان.
ولا تزال تجد الكثير جدا من المستمعين.
ويتذكر حسين العالم الاسلامي ان ألفة كانت مسافرة مؤخرا مع اخته التي
اوقفتها سلطات الجمارك الاندونيسية وطلبت المسئولة منهما بطاقة هويتهما
ونظرت الى ماريا وقالت لك نفس اسم قارئة القرآن الشهيرة. وقالت اختي
انها هي ماريا ألفة الحقيقية. فصرخت الموظفة يا الله! انت حقيقة هي؟
ولم يعانيا من اي مشاكل بعد ذلك.
في المحاضرات والفصول الدراسية تشجع ألفة النساء على العمل الجاد حتى
يصبحن مسلمات فضليات وتؤكد لهن ان المساواة سوف تأتي. هذا وان كانت
ألفة لاتزال تواجه صعابا. حيث على الرغم من انها تكون حكما في تلاوات
القرآن الكريم في اندونيسيا وغيرها الا ان القائمين على التنظيم لايزالون
لايسمحون للنساء بالتحكيم في المسابقات الدولية. ومن ثم فانها تعمل
من خلف الكواليس حتى توسع مرة اخرى الرؤى الذكورية الضيقة للنساء.
وتؤكد على انه ليس الاسلام هو الذي يفرق او يميز بين الجنسين بل انها
الثقافات الفردية. وتقول: في كثير من بلدان الشرق الاوسط لا يمكن ان
يسمع صوت المرأة على الملأ. ويعتقد الرجال ان صوت المرأة رقيق وجميل
ويعتقدون انه يمكن ان يثير الشهوات الجنسية. وهذا هو السبب في ارغام
كثير من النساء على تغطية وجوههن وخفض اصواتهن في الملأ. لكن ليس هذا
ما تربيت ونشأت عليه في اندونيسيا.
* خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص ـ بـ(الوطن)
أعلى
ذكرى الهجرة المباركة
تمر ذكرى الهجرة النبوية المباركة على المسلمين
في كل عام فيقفون عندها لحظات متأملين معتبرين يستنشقون منها روائح
التضحية والفداء ويستروحون في ذكر أحداثها معاني المجد والحب والعطاء
ويرى أتباع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن في الهجرة نقطة انطلاق
نحو عالم جديد ودنيا أرحب فمن خلال الهجرة ونتائجها كانت الدولة الإسلامية
الأولى وكانت الهجرة المباركة حدا فاصلا في تاريخ الدعوة ونقطة تحول
في حياة المسلمين .
فإن أصحاب الرسالات السابقة والديانات السماوية السامية والمصلحون
في كل زمان ومكان والحاملون مشاعل الهداية والنور لإنارة الطريق للسالكين
والرافعون لواء الحق والخير والعدل حتى يعيش الناس سعداء في ظل شرع
رب الأرض والسماء والمؤمنون الصادقون في إيمانهم والمسلمون العاملون
المخلصون في إسلامهم ودينهم والذين يقومون بالدعوة لإسعاد أممهم وإرضاء
ربهم وخالقهم كل هؤلاء لا يجدون الاستجابة والقبول من قومهم ومن كثير
من الناس ويتعرضون لما لا يتعرض إليه أحد ويصبرون على الأذى ويتحملون
ما لا تطيقه الجبال طلبا لرضى الكبير العظيم المتعال .
وفي النهاية تكون منهم الهجرة لله وإلى الله (( ومن يهاجر في سبيل
الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى
الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا
رحيما )) النساء 100 وإذا تصفحنا التاريخ وجدنا أن خليل الرحمن إبراهيم
عليه السلام هاجر من بلده إلى بلاد أخرى وتعرض لتعب السفر ومشقة الطريق
وطاف شرقا وغربا مهاجرا إلى ربه حاملا الأمانة مبلغا الرسالة (( وقال
إنى ذاهب إلى ربى سيهدين )) الصافات 99 وفى النهاية كانت النصرة له
والهزيمة لمن أخرجه ولمن لا يؤمن به ولم يعترف برسالته وهاجر نبي الله
لوط وهاجر نبي الله موسى الكليم صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً وهاجر
نبينا صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بعد ما حدث له ولأصحابه
الكرام ما حدث من إيذاء وتعذيب وما كان يملك النبي صلى الله عليه وسلم
الدفاع عنهم غير أنه كان يدعو الله لهم فلقد مر صلوات ربي وسلامه عليه
على ياسر وأسرته وهم يئنون تحت العذاب فقال لهم ( صبرا آل ياسر فإن
موعدكم الجنة ) ومات سيدنا ياسر شهيدا وماتت السيدة سمية زوجته شهيدة
وكانت أول شهيدة فى الإسلام من النساء ، واستمر التعذيب من الكفار
لضعاف المسلمين فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة وكانت
الهجرة الأولى إلى الحبشة وما كان من الكفار إلا أن أرسلوا في طلبهم
وكلموا ملك الحبشة ليطردهم ولكنه كان كريما ولم يسمع للوقيعة التى
أرادوها بينه وبينهم وظلوا في الحبشة إلى أن هدأت الأمور فعادوا إلى
مكة وعاد لهم التعذيب فرجعوا مرة ثانية إلى الحبشة ثم كانت الهجرة
بعد ذلك إلى المدينة المنورة .
لم يهاجر النبى صلى الله عليه وسلم فرارا من التعذيب رغم كل ما حدث
وإنما هاجر لينقل الإسلام إلى أرض خصبة ينموا فيها نبت الإسلام ويزدهر
وترتفع رايته عالية خفاقة فوق جميع الرايات ، فقد حاول النبي صلى الله
عليه وسلم أن يدعو بعض القبائل فذهب إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإيمان
بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا لعلهم يؤمنون به
ويناصروه فقابل رؤساءهم وعرض عليهم الإيمان فردوا عليه ردا قبيحا وأغروا
عبيدهم وغلمانهم يسبونه ويرمونه بالحجارة فرجع عنهم ، حينئذ لجأ إلى
ربه ودعا بهذا الدعاء العظيم ( اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتي وقلة
حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي
إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك
عليَ غضب فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت
له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو أن ينزل
بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ) وسمع الله دعاءه
وأرسل إليه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليه الأخشبين أى الجبلين فقال
النبي صلى الله عليه وسلم ( بل استأنى بهم عل الله أن يخرج من أصلابهم
من يعبده لا يشرك به شيئا ) ورجع إلى مكة ليجد أبوابها أغلقت دونه
، ودخلها في جوار المطعم بن عدي وأتى البيت العتيق وطاف به والمطعم
بن عدي وأولاده محدقون به وهم مدججون بالسلاح يحرسونه حتى دخل بيته
صلى الله عليه وسلم ، وبعد ذلك قيض الله تعالى له الأنصار من أهل المدينة
فالتقوا به في موسم الحج ، فآمنوا به وبايعوه على أن يمنعوه من كفار
قريش وغيرهم إذا قدم إليهم المدينة ، فأذن الله لرسوله بالهجرة فهاجر
في ربيع الأول بعد ثلاث عشرة سنة من بعثته صلى الله عليه وسلم ، وخرج
بصحبته أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، خرجا من مكة خفية لحرص المشركين
على منعه من الهجرة واختفيا في غار ثور ثلاثة أيام ، والمشركون يطلبونه
ورصدوا جائزة لمن يأت بهما وفي النهاية وصل الكفار بمتابعتهم الأثر
إلى الغار الذي اختفيا فيه ، ويقول أبو بكر الصديق يا رسول الله لو
نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما
ظنك باثنين الله ثالثهما ) وقد سجل القرآن الكريم هذه الواقعة في سورة
التوبة في الآية الكريمة 40 (( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه
الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن
الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة
الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم )) فلما
سمع الأنصار بخروجه إليهم كانوا يخرجون كل يوم إلى حرة المدينة ليستقبلوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا اشتد بهم حر الظهيرة رجعوا إلى
بيوتهم إلى أن حان اليوم الذى أشرقت المدينة بطلعته صلى الله عليه
وسلم ففرحوا به فرحا شديدا واجتمعوا إليه يحيطون به كل واحد يأخذ بزمام
ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يريد منه أن ينزل النبي عنده ، والنبي
يقول لهم دعوها فإنها مأمورة وبركت الناقة فى أربعة أركان وهو مكان
المسجد النبوى الشريف وآخى النبى صلى الله عليه وسلم بين الأوس والخزرج
وسماهم الأنصار ، وبين الأنصار والمهاجرين فكانت الأخوة في الله أعلى
مقاما من الأخوة في النسب فكان الأنصاري يقول للمهاجري يا أخي هذا
مالي بيني وبينك نصفين هذه دارى بينى وبينك نصفين هن زوجاتي اختر إحداهن
أطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها أنت على كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم ولكن المهاجري قانع بما قسمه الله له لو أراد مالا
أو دارا لظل في مكة ولكنه أراد أن ينشر دين الله ويرفع راية الإسلام
عالية خفاقة فكان يقول للأنصاري بارك الله لك في مالك ودارك وزوجاتك
ولكن دلني على السوق أكتسب منه بعرق جبين وكد يمين ، الأنصار قالوا
هذا الكلام من قلوبهم اطلع الله على قلوبهم التي في صدورهم فوجد أن
الكلام نابع منها ترجمة اللسان على صورة كلمات فشهد لهم في القرآن
الكريم في سورة الحشر في الآية الكريمة 9 (( والذين تبوءوا الدار والإيمان
من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
)) وما لبث النبي فترة من الزمن إلا وعاد إلى مكة فاتحا بعد ما انتشر
الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا هذا والله تعالى أعلى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
في (عام هجري جديد..) كل عام وأنتم بخير
يحتفل العالم الإسلامي كل عام بذكرى غالية وجليلة
وهي مناسبة الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها ـ أفضل الصلاة والسلام
ـ وهذه المناسبة بمثابة إحياء لمجد الأمة الإسلامية واستنباط منها
الدروس والعبر لكي نعلن للعالم إن في الإسلام مناسبات لا تُنسى بمجرد
انتهاء اليوم فهذه المناسبة تأتي في بداية كل عام هجري ليجلس المسلم
مع نفسه ويراجع ماذا فعل في العام والأعوام المنصرمة ليستذكر ما فاته
وما هو آتي ليستدرك الأيام القلية القادمة ويتزود إلى يوم المسير.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر الغفاري رضي الله
عنه :
يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق وخذ الزاد فإن السفر بعيد وخفف
الحمل فإن العقبة كؤود واخلص العمل فإن الناقد بصير.
فنحمد الله تعالى على أن مد علينا في العمر حتى هذا اليوم فهذا من
نعم الله علينا..
إذاً على المذنب أن يسارع في هذه اللحظات ويرجع إلى الله تعالى فما
تدري كم بقي من العمر..
إذا هبت رياحك فاغتنمها...... فإن لكل خافقة
سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها....... فلا تدري السكون متى يكون
وإن درت نياقك فاحتلبها......فلا تدري الفصيل لم يكون
أترجُ أن تكونَ وأنت شيخٌ ......كما قد كنتَ أيامَ الشبابِ
لقد خدعتك نفسُك ليسَ ثوبٌ.... دريس كالجديدِ من الثيابِ
والهجرة النبوية هي نصر وتمكين للمؤمنين في أشد المواقف وهو بعد أن
اجتمع الكفر للنيل من الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه والقضاء
على الدعوة الإسلامية في مهدها ولكن رب الأرض والسماء لهم بالمرصاد
إذ يقول: إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ?للَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
?لَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ?ثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ?لْغَارِ إِذْ
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ?للَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ
?للَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا
وَجَعَلَ كَلِمَةَ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لسُّفْلَى? وَكَلِمَةُ ?للَّهِ
هِىَ ?لْعُلْيَا وَ?للَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) سورة التوبة:40.
وها هي تلك الأيام تأتي من جديد لطمس معالم الدين ومعتنقيه فأنا لهم
ذلك يريدوا ليطفوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
فهجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بمثابة نقلة تاريخية للعالم
وللعرب خاصة إذ أمتن الله عليهم بنبي عربي أخرج هؤلاء العرب العجاف
من ظلمة الجهل وعبدة الأوثان إلى رب عظيم يقول للشيء كن فيكون، نور
يستضاء به .
إن الهجرة المباركة كانت درساً في الصبر والتوكل على الله تعالى ولم
تكن طلبا للراحة ولا هرباً من العدو ولا تهرباً من الدعوة وأعبائها
بل كانت بأمر من الله تعالى في وقت أشد ما تكون البشرية في ذلك الزمن
إلى الهدي المحمدي فلقد أرسل الله خير خلقه محمد ـ صلى الله عليه وسلم
ـ إلى البشرية وهي أحوج ما تكون إلى رسالته، وأشدَّ ما تكون ضرورة
إلى دينه، بعد أن صار الكثير من الناس في ظلمات الشرك والجهل والكفر.
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا الناس إلى دين قويم يرقى به الإنسان
إلى أعلى المنازل، ويسعد به في الآخرة سعادةً أبدية في النعيم المقيم،
فاستجاب له القلة المؤمنة المستضعفة في مكة، فأذاقهم المشركون أنواع
العذاب.
أخي العزيز: إن هجرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ تمد المسلمين
بالعبر والعظات والدروس والتوجيهات، وقد شاء الله تعالى أن تكون بأسباب
مألوفة للبشر، يتزود فيها للسفر، ويركب الناقة، ويستأجر الدليل، ولو
شاء الله لحمله على وسيلة أسرع من لمح البصر، ولكن لتقتدي به أمته
بالصبر وأتخاذ الأسباب وتحمل مشاق الدنيا والعمل الدؤب للأخرة التى
هي العقبى.
أخي العزيز : إن حال المسلمين في هذه الأيام يندى له الجبين من الأحداث
في العراق وفلسطين والآن في الصومال. فعلى المسلم أن يقف وقفة تمعن
بأن يستفيد من معاني الهجرة النبوية المباركة .
فعلينا أن نعلم أيضاً أن الدين الإسلامي دين علم وعمل وثقافة ومعرفة
ودعوة للحق مؤيدة بالبراهين العقلية والنقلية المنورة للقلوب فلن ينصلح
حال المسلمين في هذا العصر إلا بالأمور التي صلح بها السلف الصالح
من العلم والمعرفة الصحيحة لدين الله والتحذير من المضللين أصحاب الفتاوى
السيئة التي جلبت الويلات للمسلمين، وبالخُلق الكريم، والصدق مع الله،
والتوكل عليه، والصبر على المكاره، وإحسان العبادة، على وفق ما جاء
به النبي صلى الله عليه وسلم في السُنة المطهرة.
نسأل الله تعالى أن تكون هذه السنة الهجرية بركة وخيراً يعم البلاد
والعباد وكل عام وأنتم بخير.
أحمد بن سعيد الجرداني
أعلى
من دروس الهجرة النبوية
سيف بن عبدالله الناعبي
بعث الله نبينا محمداً بدعوة تملأ القلوب نوراً، وتشرف بها العقول
رشداً؛ فسابق إلى قبولها رجال عقلاء، ونساء فاضلات، وصبيان لا زالوا
على فطرة الله. وبقيت تلك الدعوة على شيء من الخفاء، وكفار قريش لا
يلقون لها بالاً؛ فلما صدع بها رسول الله أغاظ المشركين، وحفزهم على
مناوأة الدعوة والصد عن سبيلها؛ فوجدوا في أيديهم وسيلة هي أن يفتنوا
المؤمنين، ويسومونهم سوء العذاب، حتى يعودوا إلى ظلمات الشرك، وحتى
يرهبوا غيرهم ممن تحدثهم نفوسهم بالدخول في دين القيّمة.
أما المسلمون فمنهم من كانت له قوة من نحو عشيرة، أو حلفاء يكفون عنه
كل يد تمتد إليه بأذى، ومنهم المستضعفون، وهؤلاء هم الذين وصلت إليهم
أيدي المشركين، وبلغوا في تعذيبهم كل مبلغ.
ولما رأى الرسول ما يقاسيه أصحابه من البلاء، وليس في استطاعته حينئذ
حمايتهم، أذن لهم بالهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ثم لحق بهم
في المدينة.
والناظر في الهجرة النبوية يلحظ فيها حكماً باهرة، ويستفيد دروساً
عظيمة، ويستخلص فوائد جمة يفيد منها الأفراد، وتفيد منها الأمة بعامة.
فمن ذلك على سبيل الإجمال ما يلي:
1 - ضرورة الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:
ويتجلى ذلك من خلال استبقاء النبي لعلي وأبي بكر معه؛ حيث لم يهاجرا
إلى المدينة مع المسلمين، فعليّ بات في فراش النبي وأبو بكر صحبه في
الرحلة.
ويتجلى كذلك في استعانته بعبدالله بن أريقط الليثي وكان خبيراً ماهراً
بالطريق.
ويتجلى كذلك في كتم أسرار مسيره إلا من لهم صلة ماسّة، ومع ذلك فلم
يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم، ومع أخذه بتلك الأسباب
وغيرها لم يكن ملتفتاً إليها بل كان قلبه مطوياً على التوكل على الله
عز وجل.
2 - ضرورة الإخلاص والسلامة من الأغراض الشخصية:
فما كان عليه الصلاة والسلام خاملاً، فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن،
وما كان مقلاً حريصاً على بسطة العيش؛ فيبغي بهذه الدعوة ثراء؛ فإن
عيشه يوم كان الذهب يصبّ في مسجده ركاماً كعيشه يوم يلاقي في سبيل
الدعوة أذىً كثيراً.
3 - الاعتدال حال السراء والضراء:
فيوم خرج عليه الصلاة والسلام من مكة مكرهاً لم يخنع، ولم يذل، ولم
يفقد ثقته بربه، ولما فتح الله عليه ما فتح وأقر عينه بعز الإسلام
وظهور المسلمين لم يطش زهواً، ولم يتعاظم تيهاً؛ فعيشته يوم أخرج من
مكة كارهاً كعيشته يوم دخلها فاتحاً ظافراً، وعيشته يوم كان في مكة
يلاقي الأذى من سفهاء الأحلام كعيشته يوم أطلت رايته البلاد العربية،
وأطلت على ممالك قيصر ناحية تبوك.
4 - اليقين بأن العاقبة للتقوى وللمتقين:
فالذي ينظر في الهجرة بادئ الرأي يظن أن الدعوة إلى زوال واضمحلال.
ولكن الهجرة في حقيقتها تعطي درساً واضحاً في أن العاقبة للتقوى وللمتقين.
فالنبي يعلّم بسيرته المجاهد في سبيل الله الحق أن يثبت في وجه أشياع
الباطل، ولا يهن في دفاعهم وتقويم عوجهم، ولا يهوله أن تقبل الأيام
عليهم، فيشتد بأسهم، ويجلبوا بخيلهم ورجالهم؛ فقد يكون للباطل جولة،
ولأشياعه صولة، أما العاقبة فإنما هي للذين صبروا والذين هم مصلحون.
5 - ثبات أهل الإيمان في المواقف الحرجة:
ذلك في جواب النبي لأبي بكر لمّا كان في الغار.
وذلك لما قال أبو بكر: والله يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موقع
قدمه لأبصرنا.
فأجابه النبي مطمئناً له: { ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ).
فهذا مثل من أمثلة الصدق والثبات، والثقة بالله، والإتكال عليه عند
الشدائد، واليقين بأن الله لن يتخلى عنه في تلك الساعات الحرجة.
هذه حال أهل الإيمان، بخلاف أهل الكذب والنفاق؛ فهم سرعان ما يتهاونون
عند المخاوف وينهارون عند الشدائد، ثم لا نجد لهم من دون الله ولياً
ولا نصيراً.
6 - أن من حفظ الله حفظه الله:
ويؤخذ هذا المعنى من حال النبي لما ائتمر به زعماء قريش ليعتقلوه،
أو يقتلوه، أو يخرجوه، فأنجاه الله منهم بعد أن حثا في وجوههم التراب،
وخرج من بينهم سليماً معافى.
وهذه سنة ماضية، فمن حفظ الله حفظه الله، وأعظم ما يحفظ به أن يحفظ
في دينه، وهذا الحفظ شامل لحفظ البدن، وليس بالضرورة أن يعصم الإنسان؛
فلا يخلص إليه البتة؛ فقد يصاب لترفع درجاته، وتقال عثراته، ولكن الشأن
كل الشأن في حفظ الدين والدعوة.
7 - أن النصر مع الصبر:
فقد كان هيناً على الله عز وجل أن يصرف الأذى عن النبي جملة، ولكنها
سنة الإبتلاء يؤخذ بها النبي الأكرم؛ ليستبين صبره، ويعظم عند الله
أجره، وليعلم دعاة الإصلاح كيف يقتحمون الشدائد، ويصبرون على ما يلاقون
من الأذى صغيراً كان أم كبيراً.
8 - الحاجة إلى الحلم، وملاقاة الإساءة بالإحسان:
فلقد كان النبي يلقى في مكة قبل الهجرة من الطغاة والطعام أذىً كثيراً،
فيضرب عنها صفحاً أو عفواً، ولما عاد إلى مكة فاتحاً ظافراً عفا وصفح
عمن أذاه.
9 - إستبانة أثر الإيمان:
حيث رفع المسلمون رؤوسهم به، وصبروا على ما واجهوه من الشدائد، فصارت
مظاهر أولئك الطغاة حقيرة في نفوسهم.
10 - إنتشار الإسلام وقوته:
وهذه من فوائد الهجرة، فلقد كان الإسلام بمكة مغموراً بشخب الباطل،
وكان أهل الحق في بلاء شديد؛ فجاءت الهجرة ورفعت صوت الحق على صخب
الباطل، وخلصت أهل الحق من ذلك الجائر، وأورثتهم حياة عزيزة ومقاماً
كريماً.
11 - أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه:
فلما ترك المهاجرون ديارهم، وأهليهم، وأموالهم التي هي أحب شيء إليهم،
لما تركوا ذلك كله لله، أعاضهم الله بأن فتح عليهم الدنيا، وملّكهم
شرقها وغربها.
12 - قيام الحكومة الإسلامية والمجتمع المسلم.
13 - إجتماع كلمة العرب وارتفاع شأنهم.
14 - التنبيه على فضل المهاجرين والأنصار.
15 - ظهور مزية المدينة:
فالمدينة لم تكن معروفة قبل الإسلام بشيء من الفضل على غيرها من البلاد،
وإنما أحرزت فضلها بهجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام أصحابه إليها،
وبهجرة الوحي إلى ربوعها حتى أكمل الله الدين، وأتم النعمة، وبهذا
ظهرت مزايا المدينة، وأفردت المصنفات لذكر فضائلها ومزاياها.
16 - سلامة التربية النبوية:
فقد دلّت الهجرة على ذلك؛ فقد صار الصحابة مؤهلين للاستخلاف، وتحكيم
شرع الله، والقيام بأمره، والجهاد في سبيله.
17 - التنبيه على عظم دور المسجد في الأمة:
ويتجلى ذلك في أول عمل قام به النبي فور وصوله المدينة، حيث بنى المسجد؛
لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي
تربط المسلم برب العالمين، وليكون منطلقاً لجيوش العلم، والدعوة والجهاد.
18 - التنبيه على عظم دور المرأة:
ويتجلى ذلك من خلال الدور الذي قامت به عائشة وأختها أسماء رضي الله
عنهما حيث كانتا نعم الناصر والمعين في أمر الهجرة؛ فلم يخذلا أباهما
أبا بكر مع علمهما بخطر المغامرة، ولم يفشيا سرّ الرحلة لأحد، ولم
يتوانيا في تجهيز الراحلة تجهيزاً كاملاً، إلى غير ذلك مما قامتا به.
19 - عظم دور الشباب في نصرة الحق:
ويتجلى ذلك في الدور الذي قام به علي بن أبي طالب حين نام في فراش
النبي ليلة الهجرة.
ويتجلى من خلال ما قام به عبدالله بن أبي بكر؛ حيث كان يستمع أخبار
قريش، ويزود بها النبي وأبا بكر.
20 - حصول الأخوة وذوبان العصبيات.
هذه بعض الدروس والفوائد من الهجرة في سبيل الإجمال.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أعلى
|