الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 




فتاوى وأحكام



*ما قول سماحتكم في رجل عقد قرانه على امرأة ولم يدخل بها بعد ، وأراد الذهاب إلى العمرة ، فهل يجوز له أن يأخذها معه ، لأنه سمع من بعض الأشخاص أنه ليس محرماً لها لكونه لم يدخل عليها بعد ؟
** بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فهو ليس بمحرم لها ، لأنها لو كانت محرماً له لما جاز له أن يتزوج منها ، ولما جاز له أن يستمتع بها ، وإنما هي حليلته وهو أقرب الناس إليها وهي أقرب الناس إليه ، فلذلك كانا زوجين ، ومعنى كونهما زوجين أنهما حقيقة واحدة كل واحد منهما يمثل شطراً من هذه الحقيقة ، فهو زوج لها وهي زوج له ، والذي أحلها له هو العقد الشرعي ، فبما أنه عقد زواجه بها فهي حليلته ولذلك أبيح له الاستمتاع بها ، وما دام مباحاً له الاستمتاع بها فكيف لا يباح له أن يأخذها عنده ويباح لها أن تسافر عنده ، إن ذلك مباح ولا يمنع من ذلك مانع فإن الذي يحللها له هو العقد الشرعي بعد استيفائه جميع شروطه ، والله تعالى أعلم .

* متى يبدأ وقت صلاة قيام الليل ، ومتى يبدأ الثلث الأخير من الليل بالنسبة للصيف وللشتاء ؟
** قبل كل شيء صلاة الليل ليست مرهونة بوقت معين من الليل ، فإن الله تبارك وتعالى يقول ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ) ( الاسراء:79 ) ، فمتى قام الإنسان في أي وقت من الليل كان له فضل عظيم في ذلك ، وإنما يتفاوت الفضل بتفاوت الوقت فكلما كان أقرب إلى السحر كان ذلك أبلغ في الفضل ، فعندما يقوم الإنسان في الثلث الأخير من الليل يكون قد قام في أفضل جزء من الليل يقام فيه ، والثلث الأخير من الليل يقاس بتقسيم الليل إلى ثلاثة أثلاث بحيث تكون هذه الأثلاث متساوية الثلث الأول منذ غروب الشمس إلى انقضاء الجزء الأول من الثلاثة اجزاء ، ثم الثلث الوسط الذي هو بذلك المقدار ، ثم الثلث الأخير الذي هو إلى مطلع الفجر ، والله تعالى أعلم .

* ما حكم من حلف بالله عدة مرات وهو كاذب ؟
** عليه أن يتقي الله ، وأن يتوب إليه توبة نصوحا ، وأن يرجع إليه سبحانه فإن اليمين الكاذبة هي اليمين الغموس ، ومعنى كونها غموساً أنها تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله إن لم يتب منها ، وبجانب هذه التوبة فإن عليه عندنا أن يكفّر كفارة يمين ، وكفارة اليمن هي ما نص عليه القرآن الكريم حيث قال عز من قائل (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ )( المائدة: من الآية89 ) ، ومعنى ذلك أنه مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يطعم عشرة مساكين من أوسط ما يطعم به أهله ، أو أن يكسوهم كسوة متوسطة ، أو أن يعتق رقبة ، فإن عجز عن ذلك كله فهنالك ينتقل إلى الصيام بحيث يصوم ثلاثة أيام ، هذه الكفارة المنصوص عليها في كتاب الله والمنصوص عليها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما يقع الإنسان في يمين يحنث فيها ، هذه كفارة الحنث ، وإنما شدّد بعض العلماء عندما رأوا التشديدات من قبل الناس في الأيمان فجعلوا اليمين عندما يشدّد الإنسان على نفسه فيها حكمها كحكم كفارة الظهار من حيث نوع التكفير بحيث يكون التكفير إما عتقاً للرقبة وإما صياماً لشهرين متتابعين وإما إطعاماً لستين مسكينا وذلك مما لم يقم عليه دليل ، ولذلك جنح كثير من علمائنا إلى أن كفارة اليمين لا تختلف ولا تتنوع بين مغلظة ومرسلة كما ينوعها بعض أهل العلم ، وإنما هي كفارات مرسلة بحسب ما نُص عليه في القرآن ، والله تعالى أعلم .



يجيب عن أسئلتكم

سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى




الهجرة وجلال الفطرة

إن الكون ليزهو ، وإن الأرض لتزدان وتبتهج مع إطلالة العام الهجرى الجديد ، وحلول شهر المحرم ، عندما نتذكر ونحيا بذكرى يوم الهجرة المهيب ، ونتملى أحداثه ، وننظر بعين التأمل ذكرياته ، سواء في مرحلة الإعداد والتخطيط أو في مرحلة الإجراء والتنفيذ أم في جني ثماره وقطف نتائجه ، حقا ، إنه يوم جدير بأن نتهدأ في فهمه ، ونتأنى في فقه مجرياته لنتعرف على هذه الشخصية النبوية السامقة ، ونقترب من هذه الذات الطاهرة : كيف تفكر ، وبأى تخطيط تسير ، وعلى أي نهج تسلك ، إنها شخصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المؤيدة من السماء ، المحوطة بكل عناية إلهية ورقابة ربانية ، وهذا حادث قدر له أن يكون حدث الأحداث وحكاية الأفواه ، ومحل النظر ، كما شاءت الحكمة الالهية أن يشترك في إنجاحه كل العوالم المخلوقة لتنال شيئا من شرف نتائجه ، فنجد شريحة الإنس : شيبا وشبابا ، رجالا ونساء ، وشريحة الجن ، وشريحة الحيوان ، وشريحة الطير ، وشريحة الحشرات ، عوالم الارض وعوالم السماء والجو ، المؤمنين والكافرين ، التراب الجامد ، والماء السائل ، كل ذلك تآزر في سبيل مضاء الهجرة الى غاياتها النبيلة ، وفي رأيي أن ذلك كله حدث ليبين لنا جلال الفطرة النقية ، وسمو الطبيعة التي خلقها الله وأودعها صفاءها ، قال ـ تعالى ـ : (فطرة الله التي فطر الناس عليها) ، فالفطرة في أبسط تعريفاتها هي الطبيعة السليمة التي لم تشب بعيب ، أو هي الخلقة التي يكون عليها كل موجود أول خلقه أو ساعة ولادته وهي في اصطلاح الفلاسفة استعدد لإصابة الحكم ، والتمييز بين الحق والباطل ، والمرء المتمتع بالفطرة التي لم يلحقها دخن الحياة وغبار أحداثها فطرة بيضاء تحب الخير وتعشق الفضيلة ، وتتنفس الطهر وتبغي الكمال ، وترمي بطرف طماح الى معالي الامور ، وتتجنب سفسافها ولذلك قال أهل التجربة : إذا أخذ طفل بريء لم يؤثر عليه أبواه ، واعتني به بعيدا عن البشر ، رعاية وإطعاما وحدبا ، ثم شب وكبر سرعان ما يتطلع إلى السماء باحثا عن معبوده ، يحب السجود ، ويغرم بالركوع ، فالنفس الشفافة تبحث عن الحقيقة وتسمو الى الوصول اليها وهي إحسان العبادة ، ورد كل خير الى الله المعبود هذا ابراهيم - عليه السلام - عندما كبر ورأى اباه وقومه يعبدون الأصنام لم يرق له أن ينجرف معهم وراح يتأمل في صفحة السماء يلبي نداء الفطرة ويقلب طرفه السليم في سطورها فيرى الكوكب في سواد الليل البهيم فيقول : هذا ربي لكن الكوكب يعود فيأفل ، قال : لا أحب الآفلين ، ثم يعاود النظر بفطرة تأبى الخطأ ، وتسعى وراء الصواب الحق فيرى القمر بازغا فيعجل قائلا : هذا ربي ، ولكن القمر يأفل ، ثم تظهر الشمس وهي أكبر ، فيسارع إنه ربي ، إنه أكبر ، فلما أفلت أدرك بفطرته النقية أنها حكمة وتدبير اله قدير ، قيوم رقيب فقال على الفور : (يا قوم إنى بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ولما جاءه قومه يحاجونه تعجب من أولئك السكارى الفارغين من فطر سليمة أو عقول كريمة قال : (أتاحجوني في الله وقد هدان)
وهؤلاء السحرة الذين جاؤوا من المدائن وحشرهم فرعون ، ووعدهم بأن يقربهم منه ولا يبعدهم عنه قالوا (أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين) وراحوا يلقون حبالهم وعصيهم وهم يقولون : بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون واستعملوا كل ألوان التوكيد التي تحمل الثقة والاطمئنان فإذا بهم بعد هنيهة من إلقاء موسى عصاه وابتلاعها ما يأفكون وعندما رأوا بأم رؤوسهم جلال الفطرة وكمال القدرة تلقف الإفك وتصرع الكذب عادوا إلى فطرتهم النقية وألقوا بأنفسهم مفترشين جباههم لله رب العالمين وما اكترثوا بتهديد فرعون ووعيد الطاغية عندما عبس بوجهه وقارب بين حاجبيه ولوى لسانه وصرخ بأعلى صوته : (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم اجمعين) فكان ردهم هادئا متزنا مطمئنا يمتلئ ثباتا وينضج يقينا وإيمانا قالوا : (لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) وفي آيات أخر يقولون : (اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وابقى) نعم الله خير وابقى ، فما أهمهم تعذيب ، ولا هزهم تهديد ولا زعزعهم ترهيب ولا وعيد ولا أخافهم رعديد لأنهم عادوا إلى نفوسهم الصافية وفطرهم السليمة السامية .
وبلقيس ملكة سبأ تلك المرأة التي كان لها ملك عظيم وجيش عرمرم ممتد وحاشية قالت لها نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ، هذه المرأة - كما حكى القرأن - امرأة حكيمة غير أنها كانت من قوم كافرين فسدت فطرتهم ، وارتكست طبيعتهم ، وانتكست ذواتهم لكن الهدهد - وهو الطائر الكريم صاحب الفطرة السليمة - ما ارتاحت نفسه ولا اطمأن فؤاده وهو يرى الناس يتعبدون لغير الله فراح يقف امام سليمان ينكر المنكر ويرفع شكواه ويعرض حجته ويتفاصح بلسانه في موقف مهيب ليت الناس يتعلمون منه وما ضره ان يتفوه بكلام لو قاله أمام ملك غير سليمان لمزقه إربا إربا وما استمع منه الى حرف واحد قال بكل ثبات ووقار بعد أن وقف غير بعيد : (أحطت بما لم تحط به) الله اكبر طائر لو أمسكه أحدنا وضغط على جناحيه لانتهى وفارق الحياة يقول لسليمان الذي أوتي ملكا لم يؤته احد سواه هذا الكلام الخطير ثم راح يزاوج في العبارة مستعملا الجباس الناقص وينسب المسؤولية الفردية اليه (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) ، ثم بعد هذه المقدمة الشائقة التي أخذت بلب سليمان - عليه السلام - عرض الموضوع بشكل مفصل مؤكد وانتقد سلوكهم الشائن وبين عواره ووضع الحل الناجع له (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون الا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما تسرون وما تعلنون الله لا اله الا هو رب العالمين) ثم قام سليمان بدوره كنبي يحكم بحكم الله ولا يقبل كفرا في مملكته وجاءت بلقيس - وهي قصة جديرة بالوقوف امام كل حرف من حروفها وفصل من فصولها - ولما ثبت لها أن الامر حق وأن المسألة مسألة ايمان وجلال وطهر ونور وعبادة لله - جل جلاله - عادت الى نفسها ، واستيقظت فيها فطرتها النقية (قالت رب اني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) نعم أسلمت مع سليمان وليس أسلمت لسليمان فالجميع يمشي في معية الله ويرجو رحمته ورضاه ، ويأمل ان يأخذ بيديه الى دينه وهداه وإذا تأملنا حدث الهجرة ، وجدناه يعلي من شأن الفطرة ويبرز جلالها ويكبر أصحابها ولنتح لأنفسنا التجوال في مجرياتها لنرى كم لعبت الفطرة السليمة دورا غير منكور في أحداثها ، وأسهمت إسهاما كبيرا في نتائجها ونجاحها فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى الله في مكة فلم يجد أذنا تسمع فانطلق راشدا تدفعه فطرته النقية وحبه للخير ، وتعبيد الناس للحق - جل جلاله - فذهب الى الطائف فلم يجد إلا أناسا ملأت الخرافة عقولهم حتى أغروا سفهاءهم به فألقوا عليه الحجارة الصلاب فأدموا قدمه الشريف ، لكنه لجأ الى بستان يستظل به وراح ينادى ربه القوي بنقاء وصفاء إلهي ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمنى أم إلى قريب ملكته أمرى ، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله) ثم يأتيه الوحي مؤذنا بالهجرة ولما اخبر أبابكر الصديق كادت تذهب نفسه فرحا ، وقال : الصحبة يا رسول الله الصحبة . فقال : نعم الصحبة يا أبابكر ، فانظر الى الفطرة وحبها لعمل الخير ورجائها استقرار الحق ولو دفعت فيه ثمنا غاليا وقام ابوبكر على الفور بإعداد أسباب السفر من شراء البعيرين والقيام عليهما رعاية وعناية لليوم المرتقب ، لكن ذوي الفطر السقيمة والطبائع اللئيمة علموا بأنه ينتوي الهجرة فجمعوا أربعين شابا جلدا بسيوفهم ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل ولا يستطيع بنو هاشم القصاص له ، والمطالبة بدمه ، واصطف المتخلفون حول دار النبوة يرتقبون خروج الحبيب ولكن الرسول - بمعونة من ربه - طلب إلى سيدنا علي - رضي الله عنه - أن يتسجى ببردته الخضراء التي اعتاد أن يتغطى بها عند نومه إيغالا في التمويه ، وإمعانا في التضليل لكنه طمأنه وقال : لن يخلص إليك أحد ولن تصاب بأذى فعجل علي بالرقاد في فراشه الشريف ، تدفعه فطرته النقية أن يقدم روحه فداء لرسول الله ، وذودا عن حماه ، وما فكر لحظة في أن يموت أو تفوته الحياه ، بل قدم رقبته عن طيب نفس فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شاب والشاب يأمل في الحياة ويتمنى العيش والبقاء لكن الايمان اذا ملأ القلب ناطح صاحبه السحاب وتاه على الثريا وداس بأخمصيه الفرقدين وشاءت أرادة الله - سبحانه - أن يلقي النعاس على الاربعين شابا المؤتمرين فغطوا في نومهم ، وصدرت الأصوات من أنوفهم فخرج الرسول يمشى الهوينى بين أيديهم لا يرونه ويضع التراب على رؤوسهم تلك الرؤوس الفارغة من الايمان الممتلئة بالفسوق والعصيان التى استحقت أن يوضع فوقها الرغام يغطي عقلها تاركة لهم درسا لن ينسوه : أن الله مع المتقين وأنه مع أوليائه ونصير أحبابه وأتباعه واصفيائه ، خرج بكل شموخ يحثوا التراب على الوجوه وهو يردد قول ربه : (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) وذهب الى الغار واستيقظ المجتمعون فوجدوا الرسول قد خرج والتراب يملأ أدمغتهم ويتساقط من رؤوسهم ونظروا فإذا بعلي قد نام في فراش الرسول وتحققوا من ذلك فقاموا يزدرعون طرق مكة ، ويستنطقون رمالها ويدققون في كل شبر فيها ورصدوا المبالغ الكبيرة لمن يأتي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حيا أو ميتا ، فطر فاسدة ، وذوات خربة وما فقهوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحرسه قوة القوى وعناية العنايات والمعية الأولى ، في أمان الله - جل في علاه - وتمضي أحداث الرحلة لتوضح كيف تكون فطرة الصديق وكيف نقاؤها فقد باع نفسه وربط مصيره بهذا الدين فلا يقر له قرار ولا يستريح له بال حتى يطمئن على صاحب الدعوة فهو إذا راح فرد ، لكن رسول الله إذا راح فقد ذهب كل شيء ، ولذا اجتهد في تأمين الشخصية النبوية ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فقبل أن يدخل الرسول الغار دخله أبوبكر فنظر فيه وطهره وسد ثقوبه الا ثقبا واحدا لم يجد من الحجر والقماش ما يسده فغرس فيه اصبع قدمه السبابة ودخل الرسول الغار ليتخذ مكانه ويستريح من عناء المشي وكلال الصعود ونام قليلا فإذا بثعبان - كما في احدى الروايات - تريد دخول الغار ولكنها صادفت اصبع الصديق فعضته فلم يشأ ايقاظ الرسول الذي نام على فخذيه متوسدا اياها غير أن الم الثعبان لم يكن يطاق فبكى الصديق حتى بلت الدموع خد رسول الله فاستيقظ فلما سأل عن السبب أخبره فبل بريقه الشريف مكان الالم فبرئ الصديق لتوه ، وكأن شيئا لم يكن ، لكنه خشي على الرسول لما سمع صوت أقدام قريش تصل الى الغار فيقول بفطرة ، ولسان طاهرين : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، وهذه حقيقة لكن النفس المتصله بالله المؤيدة من السماء لا تخشى شيئا ، بل هي من الهدوء بحيث تربوا على الهدوء وتفوق السكينة ذاتها ، فقال الرسول مطمئنا أبابكر ومعطيا درسا للعالمين سمعه الكون وأدركه : يا أبابكر ما بالك باثنين الله ثالثهما ، لا تحزن إن الله معنا نعم إنها الفطرة الشماء والقلب الوقور المفعم بالايمان وليت هذه العبارة يصطحبها الناس عند البلاء واشتداد البلواء ، لأن الله لا يرى (لا تدركه الابصار) وإذا كانت معية الله حاصلة للعبد فهو كذلك لا يرى ، فلو بذل هؤلاء كل جهودهم ونظروا في الغار فلن يروا شيئا ستسلب منهم نعمة النظر أو سيتوقف عندهم قانون البصر كما توقف لابراهيم - عليه السلام - قانون الاحراق وسلب من النار خاصية الاحراق وخرج ابراهيم - عليه السلام - منها غير محترق وكانت عليه بردا وسلاما وكما توقف قانون سيولة الماء لموسى - عليه السلام - وصار البحر كالطود العظيم يمر عليه موسى دون ان يغرق لكن فرعون عندما توسط البحر عاد كما كان ماء وغرق وذهب الى الجحيم فلو نظر هؤلاء المتخلفون تحت اقدامهم - كما ارتأى ابوبكر - لما وجدوا احدا ولما ابصرت عيونهم المريضة شيئا هذا يقين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاليقين على الله والارتكان الى جلال الله وصفاء النفس ورقة العلاقة وحسن الاتصال وسلامة الفطرة هدأت من روع ابي بكر وعلمتنا درسا لا ينسى في أن الله لا يتخلى عن أحبابه ولا يترك أولياءه (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) كما قال لموسى من قبل : (إنني معكما اسمع وأرى) فهو مع حبيبه ومصطفاه محمد - صلى الله عليه وسلم - يسمع ويرى ويهزم الكفر ويمرغ أهله في رغام الأرض ويأتي بعد ذلك دور سراقة ، هذا الذي ذهل عندما سمع كبر الجائزة المرصودة ، فقال : سراقة ومائة ناقة ! إنه كنز ضخم بمفهوم عصره ، إذ ينقله الى مصاف الأثرياء ذوي الثروة الطائلة فراح يجتهد في البحث والتحري حتى طار بفرسه وكاد يدرك رسول الله وأبوبكر يضطرب قلبه خوفا على الرسول الكريم والرسول لا يكترث كثيرا لسراقة ، وظن سراقة أنه مدرك رسول الله ولما اقترب منه بحيث يسمعه استيقظت فطرة الفرس أو الحصان وحرم على نفسه التقدم وساخت قدماه في أطواء الارض فيقوم سراقة ويشتد في ضرب فرسه ولكن الفرس يدرك انه امام سيده الحقيقي أمام الرسول العظيم فتسوخ منه القدمان ثانية وثالثة ساعتها ادرك سراقة بفطرته النقية انه لا يمكنه الوصول الى شخص الرسول الكريم لانه مؤيد كل التأييد من ربه العزيز الحميد فطلب سراقة الامان من الرسول فكتب اليه كتاب أمان ثم قال له مستشرفا مستقبل هذا الدين واعتلاءه عروش الكذبة الظالمين وتمكنه من الحكم في الارض وإنارته ربوع الارض : كيف بك يا سراقة وانت تلبس سواري كسرى ؟! فقال سراقة ذاهلا : كسرى بن هرمز ؟! قال : كسرى بن هرمز فعاد سراقة باكيا ضاربا كفا على اختها حانيا على الرسول مخذلا عنه الناس قائلا : كفيتم هذا الجانب فسبحان الله كان في الصباح مجتهدا في الوصول اليه وعاد في المساء وهو أحب الناس اليه يدفع الناس عنه إنها الفطرة النقية عندما تعود الى اصلها ونقائها وجلالها ثم تمضي الايام ويدخل سراقة الاسلام ويخرج في الجند المحاربين لكسرى بن هرمز والدولة الكسروية ثم ينتصر المسلمون في المعركة ، ويكون سراقة قد كبرت سنه وتدلى حاجباه على عينيه ثم ينادي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قائلا : أين سراقة بن مالك ؟ فيخرج هذا الرجل الكريم يتكئ على عصاته أو سيفه يقول : هأنذا يا أمير المؤمنين . فيقول له : أتذكر عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فيبكى سراقة بكاء شديدا ويغرورق خديه بالدموع ويقول : لكأني أسمع حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها لي عن قرب ، فهي ترن في أذني ، والله ما شككت في صدقه ، ويلبس سراقة سواري كسرى ويصلي الكون ويسلم على الرسول الكريم الذي ايده ربه ويتعجب سراقة أن يعيش ليرى بأم عينيه وصية رسول الله وعهده فخيب الله قوما يؤذون رسول الله ، أو يشككون في شيء من سنته او لا يأخذون بسيرته وخيب الله اناسا لا يعملون بهديه ويتكاسلون عن اتباع طريقه (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) قال - تعالى - : (ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) إن الله قد حكم وفصل في قوله : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) نعم لقد (كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا .
ثم تتجلى الفطرة النقية وتبلغ سموها في كثير من التصرفات فهذا رجل مثل صهيب الرومي ـ رضي الله عنه ـ اراد الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ساومه قومه على ترك جميع ماله، وصادروا كل ممتلكاته فقبل عن طيب نفس وسماح ذات قالوا له بلسان متعجرف ولفظ قميء: (اتيتنا صعلوكا لا مال لك، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت ثم تريد ان تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون) فرد صهيب بعبارة هادئة وقلب متئد، ونفس تطمح الى الآخرة وعطاءات الله: (أرأيتم ان جعلت لكم مالي اتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال : فإني جعلت مالي لكم). فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال على التو: ربح صهيب ربح صهيب) نعم ربح ورب صهيب، انه آثر الآخرة على العاجلة، وأمل في الله وتخلى عمن سواه.
لكن تعال لواحد آخر مثل عمر بن الخطاب، ساعة هاجر ، هاجر في وضح النهار وتحت شمسها وامام اعين المتخلفين، يروي علي ـ رضي الله عنه ـ يقول: ما علمت احدا من المهاجرين هاجر الا متخفيا الا عمر بن الخطاب فانه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتهى في يديه اسهما ، واختصر عترته (وهي الحربة الصغيرة علقها في خاصرته)، ومضى الى الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم اتى المقام فصلى ركعتين ثم وقف على الحلقة (مجالس القوم وحلقاتهم) واحدة واحدة ، فقال: شاهت الوجوه، لا يرغم الله الا هذه المعاطس! من ارد ان تثكله امه او يؤتم ولده، او ترمل زوجته فليلحقني وراء هذا الوادي، فاني مهاجر الى الله ورسوله. قال علي: فما تبعه احد، ثم مضى لوجهه.
ولنا ان نتأمل هذا المشهد، ونقارن بينه وبين هجرة الرسول سرا، ومكثه في الغار ثلاثا ثم تخطيطه لئلا يدركه قومه، لعل واحدا من الناس يقول: ان عمر اقوى في هجرته من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث هاجر عيانا بيانا، واخبر الناس في بيت الله، وتحداهم ان يخرجوا اليه ، نقول: ان عمر ـ رضي الله عنه ـ ليس قدوة في هجرته لكل الناس فهو لم يكن مستهدفا في ذاته فليس نبيا، والرسول قدوة لكل الناس: ضعيفهم وقويهم، رجالهم ونسائهم، شبابهم وشيبهم، وهو رمز الدعوة وهو المقصود لذاته ورصد له أكثر من اربعين شابا بسيوفهم امام داره يرتقبون خروجه (واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يخرجوك، او يقتلوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، وهم يريدون شخص النبي ذاته لا غيره، ولذا فإن ابا سفيان في غزوة احد عندما شاع ان الرسول قتل قال: اعل هبل اعل هبل، اي انتهى الاسلام، انتهى الاسلام وليعل صوت الأصنام فهم يتمنون ذهاب هذا الدين ممثلا في شخص النبي الكريم، اما عمر فهو واحد من المسلمين، ما يفعلون بموته رغم ان اسلامه وهجرته كانت فتحا وتمكينا لدين الله ونشرا لنور الاسلام في الارض كل الارض.
في الهجرة وضح جلال الفطرة وكمال الطبيعة الانسانية، كما ارتسمت امام اعين الناس جلال الذات النقية والنفس السوية، مثلت المرأة المسلمة في اسماء وعائشة وام معبد، فكل واحدة قامت بدور كريم في احداث الهجرة، فأسماء ـ رضي الله عنها ، بذلت قصارى جهدها، وظهرت اصالة معدنها فهي ابنة الصديق، كانت حاملا قرب موعد وضعها وكانت تذهب في سواد الليل الأليل، وتمشي في صحراء تمتلئ بالاحناش والحيات والعقارب والذئاب، وتسمع صوت الليل يسري وهي وحدها، وقد ترتقبها العيون المريضة تحمل الزاد الى رسول الله ووالدها في الغار ثلاثة ايام متتابعات، تحملت في الله كل اذى، فيالفطرتها السليمة وذاتها القوية، فمن صعد الغار يعلم كم كانت عزيمة هذه السيدة، وكم كانت رباطة جأشها وسمو ذاتها، انها رمز المرأة المسلمة العظيمة التي اعطت فوفت ، وبذلت فما لنفسها شيئا ابقت، انها تتمتع بنفس دونها كل النفوس، وتشتمل على ذات تعلو على سائر الذوات، وفي داخلها فطرة هي من الصفاء بحيث تفوق كل صفاء، واما عائشة بنت الصديق فقد ضربت اروع الأمثلة حيث اخفت عن جدها مكان ابي بكر (أبيها)، ولما سأل: هل اخذ ماله معه؟ قالت: بل تركه، واحضرت كيسا به حجارة صغيرة اسكتت الجد، فعمت عن رسول الله العيون، واما ام معبد فقد استقبلت رسول الله وهي لم تعلم انه رسول الله، وكانت مثال المرأة العربية الاصيلة الكريمة فاحضرت غنمتها التي كانت ضعيفة ولا تمتلك الا هي، واحضرت السكين لتقدمها لضيفيها، ولكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لها: لا حاجة لنا الى السكين والذبح ولكن ائتيني بإناء، ووضعه تحت ضرع الشاة، وحلبها بعد ان سمى الله على ضرعها فصارت الشاة لبنا ـ كما تقول الرواية ـ فشرب هو وابوبكر وشربت هي، وبقي الإناء بكامله، فتعجبت المرأة من هذه البركة التي حلت في شاتها التي جف ضرعها ولحمها، وحكت ذلك لزوجها بعد رحيل الضيفين، فأخبرها انه رسول الله ، ثم خرج يطوي الارض بحثا عنهما لنوال بركتهما والتشرف بالنظر اليهما، ولذلك سمع صوت في الكون يردد ـ قال احدهم: انه الجن: جزى الله رب الناس خير جزائه
رفيقين حلا خيمتي ام معبد
هما نزلا بالسر ثم ترحلا
فأفلح من كان رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم
ومقعدها للمؤمنين بمرصد

نعم ، ليهنئا الناس بني كعب، لأن فتاتهم اكرمت رسول الله في خيمتها فهي فاتحة بيتها للمؤمنين، وهي مقصدهم وموضع سعادتهم وإكرامهم فطر سليمة وعقول طاهرة ونفوس أبية وذوات ورعة تقية.
ان الشباب ذوي الفطرة السليمة كان لهم دور كبير، فعبدالله بن ابي بكر اخذ مهمة الاستخبارات العامة، حيث كان نهاره يرصد ما في افواه مكة وحناجرها، وكان ليله يعطي تقريرا مفصلا عما يدور بالبلد الحرام، وكأن الرسول جلس بين ظهرانيهم يسمعهم بنفسه، وكان عبدالله بن فهيرة يمثل الموالي فهو مولى أبي بكر ، وكانت مهمته طمس معالم الأقدام واخفاء الأثر وقريش بارعة في قص الأثر غير ان عبدالله بن فهيرة هذا شخص همل في نظر المكيين يقوم على خدمة سيده، فهو يسرح بالغنم ليلا ونهارا، مساء وصباحا فلا يحوم حوله الشك، فلو جاز ان يشك في احد فلن يشك في هذا المولى المسكين غير ان مهمته كانت جد خطيرة، ومن ثم فلا يستهان انسان بقدرته، ولا يقلل من طاقته وجهده فقد يكون اخطر الناس وقد تسند اليه مهمة هي من اعظم المهمات في كبرى الملمات في احرج اللحظات.
والعجب في هذه الرحلة المباركة ان ينصر الله الاسلام بالشرك يالها من مفارقة عجيبة فهذا المشرك عبدالله بن أريقط رجل خبير بالصحراء، ورجل مؤتمن لا يزال يتمتع بفطرة نقية، فالأمانة تجري في دمائه، وعشق الخير لم يزل ينضح في ذاته، والدين الاسلامي غير منغلق، هو دين منفتح على كل التيارات، لا يعرف اضطهادا لاحد، بل يستعين بكل احد، فهذا الرجل عليم بدروب الصحراء ومسالكها الوعرة، ووهادها ونجادها وهضابها ومنخفضاتها فاستعان به الرسول واعطى درسا للعالمين ان الاسلام دين التعاون والمعايشة ولا يعرف صدام الحضارات ولا صراع الديانات ـ كما يحلو للغرب ان يصور الاسلام على انه دين لا يحب التعايش ويتعالى على الاخر، ويحث على الكره ويدفع الى التناحر ـ ان الاسلام يجيز الاستعانة بالمشركين شريطة الا يتحكموا في مصير الامة، ولا يعبثوا بمقدراتها، ولا يتدخلوا في شؤونها ولا تعاليمها، استعان الرسول به وقدر خبرته وامانته، واعطاه الجعل المتفق عليه، ثم انقضى دوره. وفي البخاري: (ان الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) وفي رواية: (بالرجل لا خلاق له) وفي الكتاب العزيز: (وما يعلم جنود ربك الا هو)، من هذا الذي يمكنه ان يقف امام مراد الله ـ جل في علاه ـ ان جميع من في الارض رهين إشارة الله ووفق لفظه (كن)، ينفذون لا يتنفسون (وكان امر الله مفعولا) و(كان امر الله قدرا مقدورا).
ولك ان تتصور دور الطير والحشرات فهذه اليمامة وذاك العنكبوت اللتين وردت عنهما في احداث السيرة كلمات قليلات، قاما بدورهما كذاك في انجاح الهجرة، فاليمامة ترقد على بيضها في امان وسكون والعنكبوت تنسج خيوطها وكأن المقام لم يطأه انسان، او يلجه جان او حيوان، اذ لو دخله انسان لطارت اليمامة وانكسر البيض وراح العنكبوت وكأن الله ـ جل جلاله ـ يقول: لأنصرن ديني بأضعف خلقي: يمام وبيت عنكبوت ، قال تعالى (وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).
عجيبة هي احداث الهجرة حتى الحيوان مثل فيها، حصان سراقة تسيخ اقدامه، واغنام ابي بكر مع عبدالله بن فهيرة تعمي الأثر، وتخفى آثار الاقدام، وناقتا رسول الله وابي بكر تحملهما الى المقر الدائم للدولة المسلمة (المدينة المنورة) حتى الجماد له دور، فهذا التراب الذي القي في عيون المشركين على رؤوسهم وقد سلب منهم نعمة اليقظة، واغشي عليهم فناموا وخرج الرسول يمشي بين اعينهم يقول: (شاهت الوجوه)، وهذه البردة الخضراء التي لبسها علي وتلك الخيمة التي كانت لأم معبد، وهذا الغار بحجارته وترابه الذي شرف بإضافة رسول الله ثلاثة ايام متتالية، حتى الماء والسحاب .
فقد روي في احداث القصة ان غمامة كانت تتبع رسول الله اينما حل وحيثما ارتحل، ومعروف لهيب الصحراء، التي تحرق الحجارة الصلبة فتصير سوداء بلقعا غدت كأنها حجرة مكيفة، او دار يضرب البرد في اطنابها، انها قدرة الله الذي احال الصحراء، الى جنة فيحاء، وطوى الارض لحبيبه فعبرها في لمح البصر او لمع البرق، ان من اقترب من الله وعاش في حماه نال رضاه وحصل رحماه، وعاد مشتملا بهداه ـ جل في علاه ـ ثم تمضي الرحلة الى ان يصل الرسول العظيم تخوم المدينة، واهل المدينة يرتقبون النور والهدى ويطالعون البدر في رابعة النهار صلى الله عليه وسلم حاملين اسلحتهم يذودون عنه، ويموتون دونه، نعم يفدونه بأرواحهم ويضحون بكل ما يملكون ليبقى الرسول النبيل ودعوته السامية، ولما حل نوره وتألق سناه خرجوا عن بكرة ابيهم تدفعهم فطرتهم الراقية نساء ورجالا واطفالا، ينظرون حبيبهم الذي شرف مدينتهم وشرف العالم كله والكون اجمع ، ولم يملك الانصار انفسهم عندما رأوه حتى قالت حناجرهم في آن واحد وبصدق صدوق:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
ايها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

صدق اهل المدينة ، انه البدر يطلع في النهار، وامره مطاع وقد شرف المدينة فصارت محل الانظار ومهوى الأفئدة ومزار المسلمين من اصقاع الارض، نعم انه خير داع واكرم انسان اسدى الى الانسانية كل خير، واعطاها كل صلاح ونفع.
ان احداث الهجرة بعد ذلك تظهر بجلاء ان الرسول مؤيد في كل حركة وسكون، نوم ويقظة حل وترحال، كلام وصمت اخذ وعطاء حب وبغض لقد ارسى الرسول عند وصوله الى المدينة اسس التعامل بين المسلمين وغير المسلمين ووضع دستور العلاقات الانسانية والاجتماعية والاقليمية والدولية، ورسم للمسلمين مستقبلهم مع ذواتهم ومع غيرهم، وبنى المسجد ليكون جامعة المسلمين يتعلمون منه كل ما تطلبه الحياة، ويريده الأحياء، وظل حياته كلها يقضي بالحق، ويحكم بالعدل، ويرسي معالم المجد ويشيع في الكون كله المحبة والسلام، والحب والوئام، فكانت هجرته فتحا ونورا، وسعادة وحبورا، وهناء وسرورا، فأحبه البشر وامست سنته قيد البصر وراحة النظر، ونعاهد رسولنا الحبيب ان نكون لسيرته متبعين ولها ناشرين ولبيانها للناس متفانين وللذود عنها مستميتين حتى نلقاه يوم الدين على سرر متقابلين، وننعم بقربه اجمعين في جنات النعيم في معية الله رب العالمين، والحمد لله على نعمة رسول الله وعلى نعمة الاسلام وكفى بها نعمة، وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الذكرى العطرة وعلى آله وصحبه اجمعين.
د. جمال عبدالعزيز احمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ومعهد العلوم الشرعية ـ سلطنة عمان

 

أعلى




من المكتبة العربية
مواقف إيمانية من حياة الصحابة

عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري :الصحابة صنعوا تاريخ الأبطال عبر الإسلام عما قدموه من تضحيات لهذا الدين الغالي الكل منهم يتسابق إلى ميدان القتال ليؤدي دوره ويدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان للصحابة دور بارز عبر التاريخ عما قاموا به وسوف يبقى خالداً في سجل التاريخ الإسلامي من هذه المواقف الإيمانية وجاء كتاب مواقف إيمانية من حياة الصحابة يحمل بين أوراقه المواقف التي وقف فيه الصحابة دفاعا عن الدين وعن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب لمؤلف خميس السعيد محمد يقع في 272صفحة .
في بداية هذا الكتاب مواقف أبو بكر الصديق الإيمانية : أبو بكر رضي الله عنه في بيته مع أهله وأولاده ، يأتيه الصريخ أن حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض له كفار قريش بالضرب والسب والإهانة ، فيخرج من بيته فزعا مهرولا قاصداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدافع عنه ، وليواسيه بنفسه كما واساه بماله ، ولم يعبأ بهذه الكثرة التي التفت حول النبي صلى الله عليه وسلم كالطود الكاسر تريد النيل من محمد صلى الله عليه وسلم فيخترق في هذا الجمع وهو النحيف الضعيف فيصاولهم ويجول بينهم كأنهم في عينه مثل الذر فكان ماذا ؟ كان من هؤلاء أن لهوا عن رسول الله وأقبلوا على أبي بكر يضربونه حتى إن الرجل منهم ليشده من غدائره فيندفع معه تجاهه وهو يقول ( تباركت يا ذا الجلال والإكرام) .
وتطرق مؤلف هذا الكتاب عن مواقف عمر بن الخطاب قائلا : كان عمر رضي الله عنه يحمل في نفسه الكبيرة كل خصائص الخير ، ويميل إليها على الرغم من مظاهر الشدة والتي عرف بها ، وهذه الخصائص قد ولدت فيه استعداداً فطريا لتقبل كل ما هو حق بعد سماعه وتمحيصه ثم التفكر وتقليب الرأي فيه قبل الإقدام عليه .
ولم تكن مبادئ الإسلام وتعاليمه غريبة عليه يوم أسلم بل مر بتجربة من ذلك الصراع المحتدم بين الباطل المألوف ، والحق المرسل من رب العالمين ، ويوم أسلم عمر كان إسلامه فتحاً مبينا للإسلام ، ونصراً عظيما لدولته ولسنا نجد شهادة أعظم من شهادة الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله حيث قال ( ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نطوف بالبيت ونصلي حتى أسلم عمر ، فلم أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا وطفنا .
أسلم عمر حين كان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وهم يزيدون على الأربعين متخفين في دار الأرقم ، فلم يرضه هذا التخفي ، وأشار على الرسول الكريم أن يخرجوا من هذا المخبأ ويكسروا هذا الطوق وسار المسلمون في صفين ، وكان على رأس الصف الأول حمزة بن عبد المطلب ، وعلى رأس الصف الآخر عمر بن الخطاب ، ونظرت قريش إلى هذا المشهد الكبير إلى حمزة أسد الله ، وإلى فاروق الإسلام عمر فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها ، ولم يستطيعوا أن يحركوا ساكناً !! وظل الناس يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون وهاجر جميع الصحابة خفية ، ولكن نفس عمر الثائرة المتمردة على الباطل أبت إلا أن يخرج عمر علناً وجهاراً مهاجراً إلى الله . وقد أعلم قريشاً بزمن هجرته ومكانها ، مخاطباً زعماءها وهم مجتمعون في فناء الكعبة قال لهم : ( شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، ومن أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي ) فوجم الجميع وما تبعه أحد وهكذا كانت هجرة عمر نصراً كما كان غضبه عزاً ، ورضاه عدلاً . أما عن مواقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مؤلف هذا الكتاب : وقف المواقف المعهودة ، وخاض غمرات الدنيا لا يبالي أوقع على الموت أو وقع الموت عليه.
وأول ما عرف من شجاعته موضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة ، وهو يعلم أن قوماً يترصدون حتى إذا خرج يقتلونه ، فلم يكن ذلك مما يضعف قلبه أو يؤثر فيه ، ثم في بدر وما بعدها من المشاهد ، كان علماً لا يخفي مكانه يبارز الأقران فلا يقفون له ، يفرق الجماعات بشدة هجماته ، وقد أتاه الله من قوة العضل وثبات الجنان القسط الأوفر ، وتظهر شجاعته رضي الله عنه فيما مر له من مواقف منها :
1- قتله لصناديد الكفر يوم بدر إذ قتل رضي الله عنه في هذا اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل خمسة عشر رجلا .
2- قتله لأشجع فرسان قريش عمر بن ود يوم الأحزاب .
3- وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يفر وكفي بها بشهادة ومكرمة لعلي
4- شجاعته الوافرة يوم خيبر وقتله لمرحب فارس اليهود بل وقتله لعدد من شجعان اليهود واحداً تلو الآخر.
5- أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خيبراً لن يفتحها إلا علياً رضي الله عنه فكان كما قال ، وفتحها علي.
6- نشر العلم وتعليم الناس من أهم موضوعات الدعوة إلى الله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : فو الله لأن يهدي بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم.
وأشار مؤلف هذا الكتاب عن دور سعد بن أبي وقاص فكان سعد بن أبي وقاص من الرماة المشهورين فقد ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة انهزام الناس عنه ، وكان من الرماة الخلصاء الأبطال الذين ساهموا بنبالهم الحادة في إحباط المحاولات العنيدة التي قام بها المشركون بعد الانتكاسة للقضاء على نبي الإسلام ، فقد وقف سعد ساعات البلاء المتلاحق وهي الساعات الدقيقة التي تعرضت فيها الذات النبوية لهجمات القرشيين العارمة وقف سعد الباسل بين يدي رسول الله يدافع عنه ، وكان له في ذلك المقام المحمود أكبر الأثر في إبعادهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قذف المشركون في تلك الساعة العصيبة بألف سهم.
وسعد بن أبي وقاص هو الرجل الوحيد الذي قال له الرسول صلى الله عليه وسلم ( فداك أبي وأمي ) وذلك لما رأى من بطولته وشجاعته واستبساله وبراعته في إصابة الهدف . فشكر الله لفارس الإسلام سعد رضي الله عنه ما قدم من مواقف وضيئة تبقى نبراسا للسالكين.
فقد كان لدفاعه المستميت مع قسم من الصحابة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الغالية أثر على تحطيم هجوم قريش الشديد الذي كان يستهدف حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن مناقب وفضائل سعد رضي الله عنه :
1- عندما أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال صلى الله عليه وسلم لما فرحاً به مسروراً ( هذا خالي ، فليرني امرؤ خاله ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه أن سعداً رضي الله عنه قل أن يوجد له نظير بين الرجال قاطبة.
2- أنه رضي الله عنه كان في مقدمة من أسلم حتى جاء على لسانه كما عند البخاري وهو يقول : ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام.
3- ثباته العظيم بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، فقد قيل إنه رمى المشركين في هذا اليوم بألف سهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه وهو يقول ( ارم فداك أبي وأمي ) .
4- فتوحاته العظيمة للمدائن ، والعراق والجزيرة ، وغير ذلك من المدن والبلدان ، وعبوره العظيم للنهر هو وجنوده عبوراً أذهل سعداً نفسه وجنوده وأعداءه

أعلى




يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم

يقول الله تعالى في سورة الانفطار 6/ يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك )) إن الله تعالى يلفت نظر الإنسان إلى أنه خلق من قطرة ماء مهين قال تعالى في سورة السجدة 6/7/8/9(( ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون )) ثم أخرجه الله تعالى إلى نور الحياة طفلا ضعيفا عاجزا لا يملك من أمر نفسه شيئا قال تعالى في سورة النحل 78 (( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا)) ولكن الله تعالى بقدرته يكفل أسباب العيش والنشأة فتنشأ وتقوى حتى تبلغ سن الشباب ثم يأتيك الانحطاط فتنتقل من الشباب إلى الهرم فترجع إلى الضعف والعجز وليس لك في هذه الأطوار إرادة أو حكم إنما الحكم فيها لله عز وجل قال الله تعالى (( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير )) الروم 54
وأخيرا ينطفئ سراج الحياة وينتقل الإنسان إلى القبر شاء أو لم يشأ معرضا عن أمواله وأحبابه وأولاده وأقربائه وهو لا يملك أن يمسك حياته لحظة واحدة مهما أوتي من قوة وجاه وسلطان لأنه لا توجد إلا قوة واحدة في العالم كله بل في الكون أجمع قوة فوق كل قوة ، قوة تهب الحياة وتمنعها إنها قوة الله تعالى وقدرته (( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير )) الأنعام 18 وقال تعالى في سورة النجم 44(( وأنه هو أمات وأحيا )) وقال تعالى في سورة عبس 21 (( ثم أماته فأقبره ))
والإنسان في هذه الحياة القصيرة مقيد بقوانين الطبيعة وقوانين الفطرة ولا يستطيع أن يخرج عنها قيد شعره ولا يستطيع أن يخلق الماء أو الهواء ولا يستطيع أن يخلق نبتة واحدة لأنه لا يملك القدرة على ذلك فمن يملك القدرة وحده هو الله القادر سبحانه وتعالى لأنه تعالى خلق كل ذلك بقدرته وأسبغ نعمه ظاهرة وباطنة على الإنسان (( وما بكم من نعمة فمن الله )) النحل 53 فالأشجار والأزهار والأنهار والبحار والدواب والليل والنهار والنور والظلام والقمر والنجوم وغير ذلك من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى واقرأ إن شئت الآيات الكريمات 32 إلى 34 من سورة إبراهيم (( الله الذي خلق السماوات والأرض ، إلى قوله تعالى ، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار )) إن آيات الله تعالى في أرضه وسمائه قد سخرها الله تعالى للإنسان ولكنها تثور أحيانا على الإنسان الذي تكبر على أوامر الله وأعرض عنها ونسي أن له ربا خلقه ولا يستحق العبادة غيره عند ذلك يرسل الله تعالى الريح بأمر فتدمر كل شيء بأمر ربها وأحيانا يرسل الماء فيضانا عاتيا يغرق ويودي بحياة الألوف وأحيانا هزة أرضية عنيفة تلصق الأبنية العالية الشاهقة بالأرض وتحولها إلى أكوام من التراب وليس ما يحدث في العالم منا ببعيد ومهما أوتي الإنسان من قوة أو علم أو اختراع يحتمي فيه من البأس الشديد فإن ذلك لن يغني عنه من الله شيئا قال تعالى (( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أوَ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )) الأعراف 97/98/99
إن الله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفته في أرضه وأعطاه من العلم ما لم يعط للملائكة وجعله الله لعلمه الذي علمه الله إياه فضلا على الملائكة إذ أمرهم بأن يسجدوا له فسجدوا وبسجودهم هذا كأن الملكوتية خرت له ساجدة واعترفت بعلوه وفضله على نفسها إلا إبليس فإنه استكبر وأبى أن يسجد لآدم كما أمر الله تعالى فالقوى الشيطانية عدو الإنسان وقد أبت أن تطأطئ رأسها للإنسان وعلمه
لذلك ضرب الله على إبليس الذلة واللعنة وقد طلب المهلة من الله تعالى إلى يوم القيامة ليحاول إضلال الناس وبدأ إبليس ذلك مع آدم وحواء فوسوس لهما وعند ذلك قاسمهما إني لكما لمن الناصحين ويقول سيدنا آدم ما ظننت أن يقسم أحد بالله كذبا وأمام القسم بالله الواحد الجبار كانت استجابة آدم عليه السلام وكانت بعد ذلك العداوة بين آدم وأبنائه وبين إبليس وجنده وتدخلت عناية الله للإنسان وأعلمه بأنه سيرسل له هداة فإذا اتبع الإنسان هدى الله دخل الجنة وإذا اتبع الشيطان دخل النار قال الله تعالى في سورة البقرة 38/39 ((قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )) إن القوى الملكوتية تعترف للإنسان بأنه خليفة الله تعالى في أرضه وهي لذلك تدين له بالطاعة والانقياد ولكن القوى الشيطانية لا تعترف له بهذه الفضيلة وهي لذلك تريد أن تجعله مطيعا لنفسها متبعا لأمرها قال تعالى (( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم )) سورة فصلت 30/31/32 والذين يتركون هدى الله تعالى ويتبعون الشيطان قال الله تعالى عنهم في سورة الزخرف 36 إلى 39(( ومن يَعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون )) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم ( إذا أنزل الله تعالى بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم ) صدق الله العظيم وصدق رسوله النبي الكريم ونحن على ذلك إن شاء الله من الشاهدين.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم
أنس فرج محمد فرج


أعلى




(( آفة الإسراف , أسبابها وعلاجها ))

ما هو تعريف الإسراف أولاً ؟ هو ما أُنفق في غير طاعة أو هو التبذير ومجاوزة الحد وفي اصطلاح علماء الدعوة ( هو مجاوزة حد الاعتدال في الطعام والشراب واللباس والسكن ) والله عز وجل أوصى عباده بعدم الإسراف فقال تعالى في كتابه العزيز ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد , وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ثم ما هي أسباب الإسراف ؟ ذكرها صاحب كتاب آفات على الطريق ونذكر بعضاً من هذه الآفات (1) النشأة الأولى . لأن المسلم قد ينشأ في أسرة حالها الإسراف والبذخ فما يكون منه سوى الاقتداء والتأسي إلا من رحم الله تعالى , وكما قال القائل :
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوًدهُ أبوه
من هذا يتبين لنا سر دعوة الإسلام لكل من الزوجين أن يتصفا بشيء من الورع والخوف من الله تعالى وعند الاختيار يكون الأساس هو التقوى قال تعالى ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) النور 22 (2) السبب الثاني من أسباب الإسراف هو : السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر لأن كثيرا من الناس قد يعيشون في حالة من الضيق والحرمان فإذا هم صابرون محتسبون أجرهم عند الله تعالى وقد يحدث وتتغير الموازين فتكون السعة بعد الضيق فينقلب على النقيض تماماً فيكون الإسراف أو التبذير . يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فوا الله ما الفقر أخشى عليكم , ولكن أخشى عليكم أن تُبسط لكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم , فتتنافسوها كما تنافسوها , وتهلككم كما أهلكتهم ) أخرجه البخاري في الصحيح .(3) السبب الثالث صحبة المسرفين ومخالطتهم لأن غالبا ما يتخلًق الإنسان بأخلاق أصحابه , لا سيما إذا طالت هذه الصحبة , وكان هذا الصاحب قوي الشخصية , وشديد التأثير . فلابد على العبد المسلم أن يختار الصديق المؤمن حتى يعينه على تقوى الله وطاعته (4) السبب الرابع الزوجة والولد : نعم أخي المسلم قد يكون السبب في الإسراف الزوجة والولد فربما يكون الأب غير حازم مع أولاده أو أهل بيته الذين من طبيعتهم الإسراف والبذخ , فهنا نشير إلى أن الأب في بيته راعٍ ومسئول عن رعيته فإذا لم يتق الله تعالى ويُعلًم أولاده الاعتدال في كل شيء سيندم ساعة لا ينفع الندم . وقد يكون التهاون مع النفس البشرية التي تنقاد لأهوائها ورغباتها قد يكون هذا من أسباب الإسراف والتبذير . لأن النفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات وإلى متاع الدنيا الزائل فمن أراد الفلاح فليعمل على البعد عن هذه الأسباب قال تعالى ( إن الله لا يُغيًر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
وعواقب الإسراف كثيرة منها ( 1) قسوة القلب لأن القلب يرقًُ ويلين بالجوع , أو بقلة الغذاء , ويقسو ويجمد بالشبع أو بكثرة الغذاء( سُنَّةَ اللَّه فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )
( 2) علًةُ البدن لأن هذا البدن محكوم بمجموعة من السنن والقوانين الإلهية بحيث إذا تجاوزها الإنسان بالزيادة أو بالنقص تطرقت إليه العلة , وعندها يقعد الجسم عن القيام بواجباته . ( 3) خمول الفكر . لأن نشاط الفكر مرتبط بعدة عوامل من أهمها البطنة , فإذا خلت البطنة نشط الفكر وإذا امتلأت اعتراه الخمول وقديما قالوا ( إذا امتلأت البطنة نامت الفطنة ) ويوم أن يُصاب الفكر بالخمول يوم أن يُحرم المسلم الفقه , والحكمة . (4) من آثار الإسراف أيضاً الانهيار في ساعات المحن والشدائد لأن المسرف قضي حياته في الاسترخاء والترف , فلم يألف المحن والشدائد , ومثل هذا إذا وقع في شدة أو محنة لا يلقى من الله تعالى أدنى عون أو تأييد , فيضعف وينهار لأن الله عز وجل لا يُعين , ولا يؤيد إلا من جاهد نفسه , وكان صادقاً مخلصاً في هذه المجاهدة .
ما هو علاج الإسراف ؟ تتلخص في الآتي : (1) التفكر في الآثار والعواقب المترتبة على الإسراف , فهذا يحمل على تدارك الأمر والتخلص من الإسراف قبل فوات الأوان . (2) الحزم مع النفس وذلك بمنعها من شهواتها وحملها على الأخذ بكل شاق وصعب من قيام ليل إلى صيام تطوع , إلى صدقة , إلى مشي على الأقدام وغير ذلك . (3) النظر في سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فإنها مليئة بالتحذير من الإسراف بل وبمجاهدة النفس , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن يأكل في معيٍ واحد , والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) وبعد النظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ينظر المسرف في سيرة السلف الصالح بدأً من الصحابة الكرام إلى يومنا هذا , (4) ومن أقوى أنواع العلاج أيضاً الانقطاع عن صحبة المسرفين , ومصاحبة أصحاب الهمم العالية في الطاعة والتقوى , وأخيراً الاهتمام بالزوجة والأولاد , وتربيتهم وتنشئتهم على عدم الإسراف في كل أمور الحياة من طعام , وشراب , وملبس وغيره .. وبعدُ أخي المسلم : علينا البعد عن الإسراف , والتزام منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المسرفين لا يُحبهم الله تعالى , وعلى المسلم أن يلتزم بمنهج الوسطية والاعتدال فهذا من صفات عباد الرحمن , نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الختام اللهم آمين , والحمد لله رب العالمين ***

إبراهيم السيد العربي *


أعلى



تربويات يغفل عنها بعض المربين

لا يزال الحديث موصولا حول هذه السلوكيات المعيبة او التربويات التي تنكبت طريق الصواب في تربية الابناء، وتأتي هذه المحاولة وتلك التنبيهات أملا في ان تجد سبيلها الى التغيير، وان تتحول الى ترجمة عملية تجد صداها في البيوت ودور التربية، وفي المؤسسات التي تعنى بالجوانب التربوية، فإن دراسة العيوب والتماس طرق الحل هو الخطوة الاولى نحو بناء مجتمع مثالي يحيا اعضاؤه تحت مظلة التربية الصالحة والسلوك الأرشد الذي يدفع باتجاه التنمية والتطور وتسنم ذرا المجد والامساك بزمام الركب واعتلاء القمة والتفرد والأخذ بيد المجتمعات الحيرى الى دنيا العفاف والطهر وحياة الفضيلة والخلق.
ومن تلك التربويات التي يغفل عنها بعض الآباء والمربين عدم متابعة الأولاد علميا في دراستهم والاتصال مع المدرسة، والتواصل مع المدرسين حيث يكتفي بعض المربين بمتابعة الواجبات اليومية فحسب دون الارتباط بالمؤسسة ومن فيها، دون ان يتصل بالمدرسة للسؤال عن موقف أولاده علميا، ولا يكلف نفسه ان يلتقي مع اساتذة ولده، ليقف على مستواه العلمي وتحصيله، وهذا امر غاية في الاهمية اذ الاكتفاء بمتابعة الواجبات لا يحقق المقصود ولا يلبي المراد، اذ هو نظرة قاصرة لا تعدو ان تتسم بالسطحية والبساطة، وفيها شيء غير قليل من السلبية واللامبالاة وينبغي تعديل هذا السلوك الى الافضل والذي يمكن اجماله في اربع نقاط:
الاولى متابعة الولد في انهاء واجباته المنزلية يوما بيوم والتأكد من انجازها بصورة متقنة. والثانية سؤال المدرسين عن مستوى تحصيل الولد، ومدى استيعابه لما يلقى على مسامعه من دروس وعلوم، وعن سلوكه داخل الفصل الدراسي مع استاذه ومع زملائه، ومدى مشاركته وتجاوبه مع مدرسيه، وتنفيذ ما يطلب اليه علميا، والسهر على ذلك بشكل دوري ويومي، حتى اذا اخفق الولد في شيء امكن تداركه وعلاجه في بدايته.
والثالثة ان نزيل عوائق التعلم كالمرض ونحوه، اذ ربما اشتكى الولد من عدم وضوح الرؤية وعدم استطاعته قراءة ما يكتب امامه لضعف في نظره لا يمكنه من المتابعة وتسجيل ما يشرحه اساتذته، ومن ثم يثقل عليه عمل الواجبات فلابد من اعطاء الأبناء فرصة للشكوى ، وان نكون آذانا مصغية وقلوبا مفتوحة بالحب والحنان، مملؤة بالعطف والرعاية والاستماع الى ما يؤلم صغر او دق وحل اي مشكلة تقف في طريق التحصيل.
والرابعة ألا نضغط على الولد ليكمل كل واجباته او لينهي كل مذاكرته في وقت واحد متواصل، فقد يكون مرهقا متعبا، وعندئذ لا تفيد المذاكرة، فلابد من ترك فرصة له ليستريح ويستجم، وربما تركناه يمارس بعض الهوايات او اللعب لان ذلك يشجعه ويجعله اكثر اقبالا على الدرس والتعلم واكثر تفتحا للقراءة والتحصيل، ومثل هذا السلوك يعطي الولد الاحساس باهتمام والديه وحسن رعايتهما له، كما يشعره بمكانته في اسرته، واهمية والديه في حياته، وانه لا بد من تفوقه حتى يدخل السعادة على قلبين طالما رجوا له الخير والتفوق.
ومن هذه التربويات التشكيك في صدق كلام الولد، ودوام ايقافه وسؤاله واستجوابه كما يحدث في التحقيقات الجنائية، ويتعدى الشك الى تكرار سؤاله رغم جوابه نفيا او اثباتا فعلى سبيل المثال، قد يسأل الوالد ولده: هل قمت بهذا العمل؟ فيجيب الولد ان نعم قمت به. فيعيد الوالد السؤال: هل صحيح انك قمت به؟ كيف وانا لم أرك؟ ويظل يحقق معه كوكيل نيابة يحقق مع احد المجرمين حيث تتتابع الاسئلة ويستمر الاستجواب، ولا يدرك المربون انهم بذلك يدفعون أولادهم الى الكذب والخداع وتزويق الكلام، ويحملونهم على مقارفة ما يحذرون منه، والاولى ان نثق بأولادنا، وان تكون العلاقة التي تربط جميع افراد الاسرة قائمة على الثقة المتبادلة التي تعني الاطمئنان الى ان الجميع يتعاملون بالأمانة والصراحة، ولا يخفى ما لذلك من اثر طيب يعطي الثقة ويزيد في نمو الشخصية بحيث تصبح شخصية فريدة تتمتع بالصفات الكريمة وتتحلى ببعد التفكير وكمال الثقة.
ومن تلك السلوكيات الخاطئة الدلال الزائد عن الحد المعقول الذي يصل الولد معه الى درجة الميوعة والترخص، فهو يحصل على كل ما يريد، ويتحقق له جميع ما يطلب، ويفرض رغباته وطلباته على الآخرين، مثل هذا الولد سيصبح مع الوقت عدوا لنفسه، بل ربما ادى به الأمر الى الاضرار بوالديه عندما يكبران ولا يحققان له مآربه، فلابد من الحزم في التربية وعدم المبالغة في الدلال او الإفراط في الدلع، ويلزم ان نعود الأولاد على تحمل المسؤولية، ولابد من المشاركة الاسرية والتعاون الجماعي وتدريبه على الخشونة في العيش (اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم) واذا عاش الوالدان اليوم فلن يعيشا الى الأبد، واذا عاشا اليوم اثرياء اغنياء فربما استحال امرهم الى فقر وعناء ومسغبة وشقاء، ولن يرحمهما الولد المدلل الذي دفعا حياتهما في تدليله وتنفيذ رغباته وطلباته.
لابد ان يدرباه كل فترة على حياة التقشف او الصبر، وحياة التحمل وترك حظ النفس ، حتى ينشأ عوده نشأة قوية، تمكنه من استيعاب احداث الحياة: حلوها ومرها، صفائها وشقائها، سعتها وضيقها، وساعتها سيحمد الولد لوالديه هذا الأمر ثم يعلمه هو الآخر لأبنائه، فان السهر على تربية الأبناء وإكسابهم خبرة بالحياة هو اجمل ما في هذه الحياة ، وان تركهم رجالا يقدرون المسؤولية لهو خير نفع وأكرم سبيل، نسأله جل جلاله ـ ان يكتب التوفيق لنا ولأبنائنا ويجعلنا خير خلف لخير سلف ويتقبل من الجميع جهودهم تجاه ابنائهم، ويبقيها في عقبهم انه على ما يشاء قدير وبالجواب جدير نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين.

* مها محمد بشير حسين نافع
ماجستير في الشريعة الاسلامية من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة

أعلى



النيرات المنيرات
أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية رضي الله عنها

هي أم سلمة (اسمها) هند بنت أمية ( واسمه ) سهيل زاد الركب المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية وهي من أجمل النساء وأشرفهن نسبا .
نسبــــها
من بني مخزوم من قريش وقد سمي أبوها " زاد الركب " لأنه كان أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم لأنه كان يزود الركبان الطعام والشراب وقيل اسمها ( رملة ) والصحيح هو هند وهي ابنة عم خالد بن الوليد رضي الله عنه وأمها هي : عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية .

زواجها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
تزوجت أم سلمة من أبى سلمة ( واسمه ) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي وهو ابن برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنه أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة .
هجرتها مع زوجها للحبشه ثم للمدنية
أسلمت أم سلمة مع زوجها قديما بمكة وهاجرا إلى أرض الحبشة الهجرتين الأولى والثانية وأنجبت له هناك أبناءهما : سلمة وعمر ودرة وزينب وكان لأم سلمة أحاديث عديدة عن حياة المهاجرين في الحبشة وموقف نجاشي الحبشة من المسلمين وحمايته لهم ، وكانت أم سلمة وزوجها أول من هاجر إلى الحبشة ثم هاجرا المدينة بعد عودتهم إلى مكة من الحبشة.
ومن الأحاديث التى روتها أم سلمة رضي الله عنها عن المسلمين في الحبشة وكيف حاولت قريش ردهم وإيذاءهم في الأرض الجديدة التى وجدوا فيها ملاذهم وأمنهم قالت -رضي الله عنها: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا فيها خير جار, النجاشي , أمننا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثواإلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشى وبطارقته هدايا يستطرف من متاع مكة ثم بعثوا عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشى هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم فخرجا حتى قدما على النجاشي فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي ثم كلماه فقالا : أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وقد بعثنا إليك فيهم أشراف من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيهم ، فقال بطارقته حوله : صدقا أيها الملك ، فأسلمهم إليهم، فغضب النجاشي ثم قال : لاها الله لا أسلمهم إليهما ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة فدعاهم وسألهم أمام أساقفته : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في دينى ولا في دين أحد من هذه الملل؟ فقال جعفر بن أبى طالب رضوان الله عليه أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ويأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا يشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه واتبعناه على ما جاء به من الله فعدا علينا قومنا فعذبونا وافتتنونا عن دنينا ليردونا إلى عبادة الأوثان فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلادك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قال جعفر نعم. فقال النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ عليه صدرا من (كهيعــص)"مريم" فبكى ــ والله ــ النجاشي حتى اخضلت لحيته , وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تُلي عليهم, ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة, ثم قال لرسولي قريش : انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون وللحديث أيضا بقية فعندما حاول عمرو بن العاص الوقيعة بين المسلمين ونجاشي الحبشة بعد هذا الموقف بقوله والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد ثم عدا من الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه فأرسل إليهم فلما دخلوا عليه قال لهم ماذا تقولون في عيسى ابن مريم فقال جعفر بن أبى طالب نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم يقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . فأخذ النجاشي بيده عودا من الأرض , ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود. ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شيوم- أي آمنون- بأرضي من سبكم غرم, ما أحب أن لى دبرا -أي جبلا- من ذهب, وأني آذيت رجلا منكم. فخرج رسولا قريش من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأم سلمة تعد من أولى المؤمنات بالله عزوجل ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولم يسبقها إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله سوى أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وبناتها وأم أيمن الحبشية وأم الفضل رضي الله عنهن جميعا ويقال عنها أنها (أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة). وقيل : ( بل هي ليلى بنت أبى حثمة زوج عامر بن ربيعة) .
إعداد / أم الزبرجد الشيبانية

أعلى



الاسلام يحل مشاكلك

لقد اشكل علي معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) شاكرا لفضيلتكم لو وضحتم لنا معنى هذا الحديث.
ايها السائل الكريم عليك ان تلم ان تارك الصلاة احد اثنين:
الاول: من تركها عامدا تركا كاملا في جميع اوقاتها جاحدا لفرضيتها اي انه لا يعتقد انها ركن من اركان الاسلام الخمسة فهذا هو المرتد بعينه اي انه كافر بالله ورسوله لانه انكر ركنا معلوما من الدين بالضرورة فعليه ان يتدارك نفسه بالتوبة الى الله عز وجل والاقلاع عن معتقده بحيث ان تصبح عقيدته اسلامية يؤمن من خلالها بجميع اركان الاسلام الخمسة وتعاليمه.
الثاني: من ترك الصلاة متهاونا في ادائها او يؤدي بعضها ويهمل بعضها الآخر او يصليها اياما او اشهرا ويتركها اياما او اشهرا او انه يؤديها في جميع اوقاتها ليس على الوجه المطلوب لأدائها كسلا وانشغالا بهذه الحياة ومفاتنها مع انه يؤمن بان الصلاة ركن من اركان الاسلام ويعترف في قرارة نفسه بانه مقصر في حق ربه بتهاونه في ادائها فهذا لا يعد كافرا كفر جحود وانما هو كافر كفر نعمة فعليه ايضا ان يتدارك نفسه بالتوبة الى الله عز وجل والندم وقضاء ما فاته منها سواء كان تركه له عمدا او اخل بحكم من احكام صحتها.
والله ولي التوفيق

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept