كلمة ونصف
لائحة الممنوعات الحرفية (1)
في الوقت الذي أثلج صدورنا جميعا إنشاء
هيئة للصناعات الحرفية، باعتبار أنها ستكون مظلة لحماية الصناعات
الحرفية، وإحيائها والحفاظ عليها من الاندثار، وتشجيع الحرفيين على
ممارسة حرف ومهن متوارثة أبا عن جد، إلا أن الهيئة لم تعمل بما فيه
الكفاية حتى الآن للنهوض بدورها في هذا الجانب، بل إن الهيئة أصبحت
تحد من تطور الصناعات الحرفية، وممارستها من جانب الحرفيين بالاشتراطات
الصعبة إن لم تكن المستحيلة التي تفرضها على ممارسة هذه الحرف.
فالهيئة أصدرت اللائحة التنظيمية للصناعات الحرفية، والتي فرضت شروطا
تفوق ضوابط تراخيص الصناعات المختصة بمجال البيئة والمجالات الكيميائية،
واشترطت على الحرفيين شروطا تفوق قدراتهم، لتبدو ممارسة هذه المهن
أشبه بالمستحيلة فتطبيق هذه اللائحة، التي يمكن أن نسميها (لائحة
الممنوعات الحرفية)، من شأنها أن تكون له انعكاسات سلبية على مستقبل
الصناعات الحرفية في السلطنة.
فاليوم نحن نتخوف ونقلق من عزوف الحرفيين عن ممارسة حرفهم في ظل
تعدد الفرص وتزايد الإغراءات الوظيفية المتعددة، وروح المدنية التي
تسلخ الأجيال عن إرثها وتراثها وحرفها. والمفترض أن نفرش الطريق
لكل حرفي لممارسة مثل هذه المهن، لا أن نضع الشوك والعراقيل أمامهم،
ونطلب منهم تراخيص ونفرض عليهم رسوما ونضع قيودا وغرامات لا قبل
لهم بها.
فالحرفيون جزاهم الله خيرا لأنهم مازالوا يمارسون هذه المهن والحرف
التقليدية كل على شاكلته في منزله أو ورشته أو أينما كان، ونأتي
اليوم ونقول لهم أمورا تبدو غير مستساغة وغير مناسبة، فهذه الأمكنة
لها دلالاتها، وترجعهم إلى ذاكرة الزمن ليعيشوا زمن آبائهم وأجدادهم
الذين امتهنوا هذه الحرف، مع أجدادهم وآبائهم في جو هذه الحرف المتوارثة.
إن هذه اللائحة بما تتضمنه من بنود في تقديرنا ستقطع الطريق أمام
تطور الحرف، ونموها وستحد من ممارسة هذه المهن وانعكاساته على هذا
الإرث التاريخي العريق.
وسنواصل غدا
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

في الموضوع
بين (المبدئية) و(التكتيك)
قالت تقارير إخبارية ـ كانت في نطاق السرية
من قبل ـ إن وزير الخارجية الفلسطيني الدكتور محمود الزهار وقادة
آخرين من حركة حماس، التقوا شيمون بيريز ـ نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي
الحالي ـ ورئيس الوزراء الأسبق اسحق رابين في مناسبات متعددة، ضمن
جهود بذلت أوائل التسعينيات من القرن الماضي، للبحث عن تسوية سلمية
للقضية الفلسطينية. وأشارت التقارير إلى أن تلك اللقاءات جرت بمشاركة
عدد من قادة حركة فتح أيضا. ومن الناحية الشكلية، تطرح هذه المعلومات
تساؤلات عديدة، حول رفض حكومة حركة حماس الآن الاعتراف بإسرائيل،
إذا كانت شاركت في لقاءات معها من قبل. ويطرح ذلك تساؤلات أخرى أيضا،
حول توقيت الإعلان عن أخبار تلك اللقاءات، وما إذا كان الهدف من
ذلك هو إحراج موقف الحركة، في إطار الصراع بينها وبين حركة فتح.
النقطة المهمة هنا، هي أن الكشف عن عقد لقاءات من هذا النوع لايمكن
أن يحرج حماس، والسبب في ذلك أنها لم تكن سرية بالنسبة لقيادة منظمة
التحرير الفلسطينية، التي شارك بعض أعضائها فيها. وإضافة إلى ذلك،
فإن كافة الصراعات المسلحة لابد وأن تنتهي بتسوية، وهذه التسوية
تتحقق عن طريق لقاءات تفاوض بين القادة السياسيين، ويرتكز موقفهم
التفاوضي على القوة العسكرية لكل طرف على الأرض، وما يستطيع أن يحصل
عليه فعلا، أو ما يشعر الطرف الآخر أنه يتعين عليه تقديمه من أجل
التوصل إلى تسوية، يكون هو موضوع التفاوض الفعلي. وفي هذا السياق،
فإنه ليس عيبا أن يلتقي طرف في صراع مع طرف آخر تتناقض مواقفه معه،
فالمهم هو أنه لا يرضخ لضغوطه، ويعمل للحصول على ما يرى أنه حق مشروع
له، أو على ما يمكن أن يحصل عليه عمليا.
في حالة التمسك بما يرى طرف أنه حق مشروع له، يكون أساس التفاوض
(مبدئيا)، وعندما يكون التفاوض للحصول على ما يمكن، يكون أساس التفاوض
(عمليا) أو(براغماتيا). وفي معظم الحالات، يكون التفاوض (العملي)
أو(البراغماتي) تكتيكيا مؤقتا، بمعنى أنه تكون هناك رؤية لدى أحد
الأطراف ـ على الأقل ـ أو كليهما بأن ما يجري مجرد خطوة (تكتيكية)
على طريق طويل. ويعتبر هذا الفهم لطبيعة المفاوضات، ولما جرى فيها
فعليا، تأريخا لبداية الخلاف بين حركتي فتح وحماس. فما يبدو هو أن
حركة فتح اختارت التفاوض التكتيكي، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تمكين
قيادة منظمة التحرير من العودة إلى وطنها، وإقامة السلطة الوطنية
الفلسطينية، بما يرسي أساس الدولة المنشودة من ناحية، ويضع حدا لما
تفعله إسرائيل من إقامة واقع استيطاني جديد على الأرض المحتلة عام
1967، يهدف إلى إعاقة إقامة هذه الدولة، أو محاصرتها في الحدود التي
لا تريد لها إسرائيل أن تتخطاها، بسبب ما ترى أنه اعتبارات ضرورية
لأمنها.
يمكن القول ان مشاركة حماس في اللقاءات ـ خلال تلك المرحلة ـ كان
جزءا من عملية استكشافية, سواء كان ذلك لتجربة أسلوب العمل المشترك
مع منظمة التحرير الفلسطينية، أو لسبر أغوار الموقف الإسرائيلي،
على النحو التصالحي الذي عبر عنه رابين، ودفع حياته ثمنا له. وجاء
اغتيال رابين ليضع حدا لهذه العملية، بسبب تصاعد نفوذ اليمين الليكودي
وتوليه الحكم، تحت قيادة نتنياهو، وبدء مرحلة جديدة من التمعن فيما
يجري، قالت تقارير أميركية وإسرائيلية عنها، أن كلا من الرئيس الفلسطيني
الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) ورابين كانا (يخدعان بعضهما البعض)،
بهدف الحصول على أكبر مكسب تكتيكي ممكن. وفي هذا السياق جرت (مفاوضات
أوسلو)، وحصلت قيادة منظمة التحرير على (حق العودة). وصور رابين
ذلك على أنه خطوة على طريق (حل الدولتين). غير أن اغتياله أعاق الترويج
له في الأوساط الإسرائيلية.
يبدو أن هذه كانت هي النقطة الفارقة في الخلاف بين فتح وحماس، غير
أن وجود عرفات ـ بتأثيره الهائل على الحركة الوطنية الفلسطينية ـ
جعل البعض يؤجل معالجتها، ويرى الزمن كفيلا بذلك، خاصة وأن الجميع
كانوا يناضلون ـ أو يجاهدون ـ داخل الوطن، تحت ضغط قمع الاحتلال
الصهيوني. ونتج عن هذا الصمود المشترك نوع من التنسيق بين الجناح
العسكري لحماس (كتائب عز الدين القسام) والجناح العسكري لفتح (كتائب
شهداء الأقصى). ورأى الجميع أن (وحدة الهدف) و(وحدة المصير) كفيلان
بحل الخلاف. ثم غطى عليه موقف (أبوعمار) في كامب ديفيد، عندما رفض
المساومة على حدود عام 1967 وعلى القدس وحق العودة للاجئين، فاستقبله
شعبه ـ بمن فيه أعضاء حماس ـ استقبال المنتصرين وكأنه (صلاح الدين)،
على النحو الذي قيل في عام 1999.
غير أن الأوضاع تغيرت منذ ذلك الوقت، ابتداء من (زيارة) أرييل شارون
المسجد الأقصى، واستفزاز الشعب الفلسطيني في انتفاضته الثانية، مرورا
بسقوط حكومة أيهود باراك وفوز شارون وتحالف حزب الليكود بالحكم،
ثم فوز جورج بوش الابن برئاسة الولايات المتحدة الأميركية عام 2000،
ووقوع كارثة 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، فتغيرت ملامح الساحة
العالمية، وتحول توجه السياسة الأميركية ـ تحت تأثير نفوذ المحافظين
الجدد ـ إلى شن حملة عالمية ضد الإرهاب (الإسلامي)، ونجحت إسرائيل
التي تعمل لتجريم المقاومة المشروعة ضد احتلالها الاستيطاني في وصم
حماس بـ(الإرهاب)، والعمل على محاصرتها داخليا، وقطع شرايين التمويل
الخارجي عنها. وانكشف الغطاء عن الساحة الوطنية الفلسطينية برحيل
عرفات، في ظروف غامضة، بعد مرض مثير للجدل، عقب الحصار الذي فرض
عليه في مقر المقاطعة بمدينة رام الله، فانحسرت عوامل الحفاظ على
الوحدة في الحركة الوطنية الفلسطينية.
رأت حماس فيما جرى أن التفاوض (التكتيكي) عملية (عبثية)، ودفعها
ذلك إلى التزام خط التشدد الأيديولوجي، وساعد في تعزيز ذلك التوجه
اغتيال زعيمها الروحي ومؤسسها الشهيد الشيخ أحمد ياسين، وقادة آخرين
مثل الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، وبعض الكوادر السياسية والمقاتلين.
وتجمعت آثار هذه التضحيات مع الانتقادات التى وجهت لحكومة فتح في
السلطة، فمهدت الطريق لفوز حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة،
وتوالت الأحداث في اتجاه ما نراه الآن من صراع سياسي ومواجهات فلسطينية
مسلحة. ربما كانت محاولة فهم هذا الإطار العام لما جرى، عاملا مساعدا
في توصل فتح وحماس إلى اتفاق على حكومة وحدة وطنية، والتنويع بين
(المبدئية) و(التكتيك) للخروج من الأزمة الراهنة.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى

اقول لكم
سنة حلوة
اليوم تطفئ (الوطن) شمعتها السابعة والثلاثين،
في مسيرتها الصحفية المتزامنة مع بواكير النهضة العمانية المباركة،
لتكون لسان حق يلتزم بالحقيقة، تتطور مهنيا مع كل لبنة جديدة تضاف
كل عام إلى صرح النهضة، إلى أن أصبحت ما هي عليه الآن من ابداع صحافي
يحتضن الكوادر العمانية الشابة ويوفر لها فرصة صقل الموهبة واكتساب
الخبرة والتألق في مختلف فنون العمل الصحفي، وما وصلت إليه من انجازات
تقنية عالية المستوى، تمنح المنتج النهائي شكلا طباعيا مميزا وجميلا،
يتألق ويتأنق في إبراز محتوياته من مداد أقلام محرريها وكتابها،
ومع طموحات لا سقف لها تركض دائما وراء الأفضل والأجود ومكانة الريادة.
اليوم نطفئ شموع الجميلة ونقطع كعكة ذكرى ميلادها، ونسترجع ذكريات
خطوات البداية الأولى بالغة الصعوبة، ومراحل النمو والتطور والارتقاء،
إلى أن انضمت إليها شقيقتها اليومية (عُمان تريبيون) وشقيقتان بالحجم
النصفي تعنيان بالمرأة والأسرة والشباب والرياضة في (فتون) و(الملاعب)
في تجربة نادرة لدوريات عربية متخصصة توزع مجانا، وبمؤازرة توزيعية
تتسم بالكفاءة في مؤسسة (العطاء) وأخرى خطت خطوات واثقة في مجال
الطباعة التجارية راقية المستوى، ولا سقف لطموحات عميد هذه المؤسسة،
الذي يفاجئنا دائما بكل جديد يخرج من عباءته الفضفاضة!
المناسبة تستحق الاشادة بالدور الرائد لعميد هذه المؤسسة الاستاذ
محمد بن سليمان الطائي، الذي جعلنا جميعا نركض وراء طموحاته التي
لا ضفاف لها، ويؤكد بها كل يوم تميزه وتفرده بالصدارة في الاعلام
العماني، وتأكيده لموضوعية ومصداقية الخطاب الاعلامي الذي تقدمه
كل إصدارات المؤسسة .. اليوم نقول لـ (الوطن) ولأبيها وعميدها: سنة
حلوة يا جميل!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى
أصداف
حرب شارع حيفا
تصف القوات الاميركية ما يحصل في شارع حيفا
من قتال شرس بـ(الحرب)، وهو اعتراف واضح وصريح، بوجود قوتين تتقاتلان
في رقعة جغرافية محددة، كما ان ذلك يعني وجود هدف معلن وواضح لكل
من هاتين القوتين، وفي البداية، لابد من اعطاء وصف لهذا الشارع،
الذي شهد معارك شرسة بين هاتين القوتين.
يقع شارع حيفا، بجانب الكرخ من العاصمة بغداد، ويمتد لمسافة كيلو
مترين، وتسميته تشير الى مدينة حيفا في فلسطين، وتمتد على جانبي
هذا الشارع العمارات السكنية الحديثة، التي تم تشييدها بداية ثمانينات
القرن الماضي، ويقطن غالبية اساتذة الجامعات العراقية في هذه العمارات،
ولا يبعد شارع حيفا عن (المنطقة الخضراء) سوى بضعة كيلومترات، حيث
يتواجد الثقل الاداري والعسكري الاكبر للاميركيين، بالاضافة الى
مقرات الحكومة العراقية والسفارة البريطانية وبقية السفارات الاجنبية،
التي تحتمي بهذه المنطقة، سبب تردي الوضع الامني والفوضى العارمة
التي تشهدها بغداد.
في هذا الشارع، تسكن الكثير من العوائل السورية والفلسطينية، من
الذين يعيشون في العراق منذ مئات السنين، وتعرض هؤلاء الى القتل
والتهديد والاختطاف، منذ ان بدأت سلسلة الحكومات المنتخبة في العراق
مطلع العام 2005، اي بعد الاحتلال الأميركي للعراق ووصول القوى الجديدة
الى سدة الحكم وهي قوى معروفة العناوين والتوجه والارتباط، وحصل
ذلك ضمن حملة منظمة لطرد جميع المواطنين العرب من الاراضي العراقية،
ولم يقتصر هذا العمل المبرمج على هذا الشارع بل شمل جميع مناطق بغداد
والمحافظات الاخرى.
في زمن تولي ابراهيم الجعفري عام 2005 السلطة شنت القوات الحكومية
والاميركية الكثير من الهجمات على هذا الشارع، واعتقلت وقتلت المئات
من المواطنين العراقيين، وشهد شارع حيفا على مدى اكثر من شهرين حين
ذاك معارك شرسة، حيث كان المقاتلون من رجال المقاومة العراقية وابناء
المنطقة المدافعين عنها، يكبدون القوات المهاجمة المزيد من الخسائر.
وخلال عام 2006، وبعد ان تولى السلطة نوري المالكي، تعرضت منطقة
شارع حيفا الى عشرات الهجمات، من الميليشيات المدعومة من الحكومة
والمشاركة في العملية السياسية والحكومة، لكن جوبهت هذه الهجمات
الاجرامية الكبيرة بردع كبير وتصميم من المقاتلين هناك على عدم السماح
لهم بدخول المنطقة واختطاف الرجال، وتعذيبهم ورمي جثثهم في المزابل
وعلى الطرقات، كما يفعلون مع من يختطفون من الابرياء.
في بداية مايسمى بـ(خطة امن بغداد)، تم تجهيز حملة عسكرية اميركية
وعراقية مع الميليشيات، لاقتحام هذا الشارع الذي يشكل مساحة صغيرة،
وشاركت في الهجوم عشرات الطائرات ومئات المدرعات وآلاف الجنود من
المارينز والحرس الحكومي قوات الداخلية وميليشيات الاجرام المعروفة،
وتم فرض حصار شامل على المدنيين، اذ انتشر القناصة فوق اسطح البنايات،
يقتلون المرأة والطفل والشيخ، اذا حاول احدهم الخروج بهدف الحصول
على المواد الغذائية او المياه، ومنعوا وصول سيارات الاسعاف لانقاذ
الجرحى.
هذا ما يحصل في شارع حيفا، حيث تدور الحرب بين قوات الاحتلال والقوات
الحكومية ومعها الميليشيات التابعة للحكومة من جانب، ورجال المقاومة
وابناء المنطقة من جانب اخر.
هكذا يريدون فرض امن بغداد بقتل الشرفاء من اهلها او أخذ النساء
سبايا.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب ـ جدار بغداد
wzbidy@yahoo.com
أعلى

نافذة من موسكو
الحرب قادمة لا محالة
يرى نائب رئيس مجلس الدوما، زعيم الحزب الليبرالي
الديمقراطي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي أن الولايات المتحدة قد تشن
عملية عسكرية على إيران في صيف هذا العام. وعلل جيرينوفسكي رأيه
هذا بأن النصر في الشرق الأوسط مهم جدا للمرشح الذي سيدعمه جورج
بوش في الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2008. ويشير إلى أن
نجاح فريق بوش في الانتخابات التي ستجرى في شهر نوفمبر 2008 يتطلب
منهم البدء بضرب إيران. ويعتقد مراقبون روس أن هذا التخوف من توجيه
ضربات أميركية أو إسرائيلية لإيران دفع موسكو مؤخرا لتنفيذ عقد توريد
أنظمة صواريخ الدفاع الجوي الحديثة من طراز (تور ـ إم 1) إلى طهران
لحماية المنشآت النووية. ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن تحاول واشنطن
فرض عقوبات على روسيا لأن هذه الصواريخ تدعم قدرة إيران الدفاعية
إلى درجة قد تتكبد معها القوات الأميركية خسائر غير مقبولة في حال
هاجمت الأراضي الإيرانية. وكان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية
الأميركية قد أعلن أن البيت الأبيض سيبحث في توجيه رد مناسب لوصول
مثل هذه الصواريخ الروسية إلى طهران. وكانت إيران تعاقدت في عام
2005 على شراء 29 نظاما صاروخيا من نوع (تور ـ إم1). ويرى رجب صفاروف،
مدير مركز الدراسات الإيرانية المعاصرة بموسكو أنه بالإضافة إلى
المكاسب التجارية من هذه الصفقة، تحاول روسيا منع ظهور نقطة ساخنة
أخرى بالقرب من حدودها الجنوبية. ويجمع المراقبون الروس على أن إيران
ازدادت ثقة بقوتها العسكرية بعدما حصلت على صواريخ (تور ـ إم1)،
بالرغم من إرسال حاملات طائرات أميركية إضافية إلى الخليج. منظومة
(تور ـ إم 1) تستطيع الكشف عن حوالي 48 هدفا (طائرة أو مروحية أو
صاروخ مضاد للرادار أو صاروخ مجنح) في آن واحد، وتتبع وضرب هدفين
في آن واحد على ارتفاع يتراوح بين 20 و6000 متر من مسافة تتراوح
بين 1 و12 كيلومترا. ويرى الباحث الروسي بيوتر غونتشاروف أن الوضع
حول إيران أخذ يتطور في الفترة الأخيرة في اتجاه الحرب حيث تتقدم
حاملات الطائرات الأميركية نحو الخليج لحماية منابع النفط وتقليل
إمكانية إيران من السيطرة على مضيق هرمز. ويربط الباحث الروسي وصول
حاملات الطائرات هذه بنقل منظومات صواريخ (Patriot) الأميركية المضادة
للصواريخ إلى منطقة الخليج لتدعيم الرأي الذي يميل إلى أن واشنطن
تعد العدة لضرب إيران. وفي خضم هذه الاستعدادات الأميركية والإيرانية
تحسبا لمواجهة عسكرية محتملة، أعلنت طهران مرات عديدة أنها ستشغل
عند بداية السنة حسب التقويم الإيراني (21 مارس) مجمعا لتخصيب اليورانيوم
من 3 آلاف جهاز طرد مركزي مما يتيح الوصول إلى مستوى التصنيع المتكامل
في تخصيب الوقود النووي. وهذا يوفر من وجهة نظر واشنطن فرصة لصنع
القنبلة الذرية في حال توفر الإرادة السياسية لدى الإيرانيين. وفي
هذه الأحوال سيتعين على الولايات المتحدة، كما يرى الخبير الروسي
اليكسي أرباتوف، أن تختار بين الشر (المحدود) والشر (الكبير). فالشر
(الكبير) حسب هذا الخبير الروسي هو صنع إيران قنبلتها الذرية، أما
الشر (المحدود) فهو إقدام الولايات المتحدة على المواجهة العسكرية
المباشرة مع طهران. وهكذا فإن الجو العام وسط المراقبين والسياسيين
الروس يميل نحو السيناريو المتشائم، ألا وهو اشتعال الحرب في الخليج
هذا العام.
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى

حتى لا تتسع الهوة بين جوهر العلم وطالبه
كلما ودعنا عالما من علمائنا وأديبا من أدبائنا
وعلما من أعلامنا الكبار ممن شمروا عن سواعدهم سالكين طريق العلم
آخذين بالخيار المعرفي متبعين منهج البحث والتحصيل مقبلين على هذا
الأمر إقبال المخلص المؤمن بمكانة العلم التي لا تضاهيها مكانة,
العارف بما يضيفه على الإنسان من مكاسب وعلو شأن ورفعة وسؤدد, متواثبين
لكي ينالوا مقعدا رحبا في وارف ظلاله تواثبا لا وهن يأتيه ولا تردد
يعيقه ولا منافع دنيوية تداخله, آخذين بالقاعدة التي تقول (العلم
رأسمال لا يفنى), كلما ودعنا عالما من علمائنا شعرنا بالغصة وتجرعنا
المرارة وانتابنا الحزن فالمصاب جلل والخلف قصرت خطاه عن بلوغ تلك
المكانة, فلا يموت عالم من هؤلاء العلماء إلا وأغلق مجلسه وعطلت
مكتبته ومات معه أثره إلا من مؤلفات ومصنفات وبحوث وأوراق لم تجد
من يتعامل معها تعامل الحريص المجد لفهم نصوصها المتمكن تمكنا يؤهله
لنفض الغبار عنها واستخراج ما تحمله من فكر وإبداع وإثراءها بحثا
وتعليقا وشرحا وصولا إلى تكوين رأي دقيق لمعانيها وفلسفتها. إن هؤلاء
الذين ودعناهم وما زلنا نودعهم هم مراجع يعتد بهم في الفقه والأدب
والتاريخ واللغة والسير والرحلات وفي البحث والتحقيق وحتى في علوم
الفلك والجغرافيا والطب والرسم وغيرها, وهم في علمهم وفي مكانتهم
أضحوا أمثلة ساطعة في مجتمعهم يعتد بهم في إعمار المكان بالعلم والمعرفة
وفي العمل على تقريب وجهات النظر وبما هم عليه من سمات تفيض بالخير
والفضل وترسم الاعتدال في الطرح وفي تقديم المشورة والرأي صاروا
أهلا لثقة غرسوها بأفعالهم الكريمة في النفوس وبأخلاقهم التي لم
تفرق بين كبير وصغير, ونتيجة لتفاعلهم الايجابي مع التطورات والمستجدات
الناشئة وتجاوبهم مع احتياجات ومتطلبات أبناء مجتمعهم كانت دورهم
حافلة بطلبة العلم والباحثين والمستزيدين وكانت مجالسهم عامرة بالحوار
والمناقشات العلمية واستعراض مختلف المسائل في محاولات لفك طلاسمها
وكشف رموزها وشرح معانيها ومصطلحاتها مع ما يتخلل ذلك من قصص مشوقة
وأمثلة وشواهد تسند الرأي وتدعمه, وكانت مكتباتهم تزخر بأمهات الكتب
المطبوعة والمخطوطة في شتى العلوم وفي مختلف التصنيفات المعرفية
والبحثية. هذه الدرجة العلمية التي تبوأها هؤلاء العلماء لم تزدهم
إلا تواضعا في السلوك وحكمة في تقدير الأمور وخبرة في التعامل مع
الآخر وتقديرا مضاعفا للعلم وأهل العلم وهو ما زادهم رسوخا وقناعة
بأن الطريق نحو العلم طويل ومرهق وبأن أقدامهم لم تزل تخطو خطواتها
الأولى في هذا المجال, وهذه هي سمات العلماء والباحثين والمفكرين
والمصلحين في كل زمان ومكان تقدير العلم كقيمة لا تضاهيها قيمة ودعم
وتشجيع طلبته.
إن نجاح طالب العلم في التحصيل وفي تبؤو مكانة علمية مرموقة تفرضها
معايير وشروط معروفة منها أهلية الطالب ومقدرته على التحمل والاستمرار
ورغبته الصادقة في اكتساب العلم واقتناعه بمكانة العلم وأهميته في
الارتقاء بقدرات الإنسان, وهي معايير فقدت أهميتها بعد أن ارتبط
الحرص على طلب العلم باحتياجات سوق العمل واقتصر الهدف على ضمان
الحصول على الشهادة التي تمكن حاملها من تبؤو موقع مرموق في السلم
الوظيفي, كما أن النظرة إلى أركان العلم الثلاثة المنهج والأستاذ
(العالم) والطالب والتي كانت تحمل في النفس صور الهيبة والوقار والاحترام
نجد وفقا لشواهد وأمثلة عديدة بأنها قد فقدت تلك الرمزية والمكانة,
والتعامل مع العلم كقيمة في ذات العلم ومعناه وهدف خالص لا تشوبه
الشوائب ولا تداخله الدواخل يعكس حرص الطالب الباحث عن لب العلم
وحقيقته لا عن قشوره, بحثا يمكنه من الإلمام به إلماما يستحق معه
أن يشار إليه بالبنان ويجدر بأن يسعى إلى بابه طلبا للعلم, هذا الهدف
النبيل تحول إلى هدف مصلحي وبات ينظر إلى العلم من منظور ترفي يقصد
منه الارتقاء الوظيفي وتحقيق الوجاهة, وشتان بين من يطلب العلم من
أجل العلم ومن يخدم العلم من أجل العلم ومن خلع عنه كل لباس من ألبسة
الحياة الزائفة المعروضة في ألوان مغرية وملمس مخملي وأشكال وصور
جاذبة وتفصيلات وتخريجات بديعة فغض الطرف عنها منصرفا غير نادم إلى
ثوب العلم وبين من حول العلم إلى نوع من أنواع الترف التي تزخر بها
هذه الحياة مازجا بين أثواب شتى فخرج منها دون أن يظفر بثوب واحد
يستر عريه, وشتان بين من يسعى إلى العلم لأغراض دنيوية وشخصية لا
تخرج عن الإطار الشكلي وبين من قدم حياته وأفنى عمره وضحى بمتع الحياة
ومباهجها من أجل العلم ولأجل العلم وللعلم, وشتان بين من جعل من
الطريق إلى العلم وسيلة لتحقيق تلك الأهداف الضحلة وبين من جعل من
العلم هدفا لتحقيق ذاته والارتقاء بإنسانيته وصقل مواهبه, وشتان
بين من وقف يتأمل ساحة العلم عن بعد متهيبا خائفا فلم يخرج من وقوفه
ومن تأمله ذاك إلا بالقشور (جواز مرور معتمد من مؤسسة علمية ولقب
لا يغني ولا يسمن من جوع) وبين من أقدم غير وجل مقتحما ساحة العلم
فبرع في السباحة واستزاد مهارة وعلما ووجد من أصناف اللآلئ والدرر
ما لا تأتيه الأثمان فشغله الاغتراف من معينها عن الإلتفات إلى غيرها.
تطلب المقال هذه المقدمة الطويلة التي بينت أهمية العلم واستعرضت
مكانة العلماء وأشارت إلى أهلية طالب العلم وضرورة رصد امكاناته
وقدراته ومدى استعداده للمضي في طريق طويل ووعر قبل الوصول إلى مراتب
متقدمة في أي من فروع العلم التي قرر أن يسلكها, نظرا لأن الموضوع
على درجة عالية من الحساسية والأهمية فـ(العملية التعليمية قضية
استراتيجية نظرا لأثرها في بناء الأجيال ودورها في التنمية الشاملة),
ولأن الصورة التي يرسمها أصحاب المؤهلات العلمية المتقدمة لم تكن
بذلك الزهو (إلا الاستثناء منها) ولا تدعو إلى التفاؤل (ومن هنا
خرجت لنا أجيال متعلمة شكلا ولكنها في غاية الجهل فعلا مقارنة بأجيال
سابقة كانت جاهلة شكلا ولكنها في غاية العلم فعلا), ولأن التقارير
والمؤشرات والكتابات الصحفية والوقائع الماثلة تطلق أكثر من تحذير
وتدق نواقيس الخطر معلنة بأن الحصيلة العلمية التي تكونت وتجمعت
والنتائج المعرفية التي تخرج إلى النور لا تتناسب مع المؤهلات والألقاب
العلمية مع كثرتها وتناسلها وأن هذا الولع الشديد والتهافت المتزايد
على هذه الألقاب تغذيها عوامل تتعلق بالمظاهر وحب الوجاهة أكثر من
أن يكون حبا في العلم وفي التحصيل والبحث (قصة الشهادات العليا التي
يتم الحصول عليها سريعا وبلمح البصر ومن دون مقدمات هي مرض عربي
يقود في بعض الأحيان إلى درجة من الضحك المبكي), ومن أسباب ذلك هشاشة
القاعدة التعليمية التي ينشأ عليها طالب العلم والتراجع الذي يشهده
العالم العربي على جميع الأصعدة ومنها التعليم الذي أثر على مكانة
الجامعات وأضعف من دورها وأخرها عن اللحاق بزميلاتها في الدول المتقدمة,
وتراجع مكانة الكتاب في مقابل ثقافة التلفاز والانترنت والألعاب
الالكترونية وغيرها.
وحيث إن الظاهرة في عموميتها لم تعد ظاهرة تختص بها دولة عربية دون
الأخرى وان اختلفت في بعض التفاصيل والأسباب والنتائج التي تعكس
ظروف وثقافة البلد وتجاربه.. وحرصا على الابتعاد عن الحساسيات التي
دائما ما تتبع بفهم معتل وتأويلات مغلوطة فسوف يتجاوز المقال الشواهد
والحقائق الماثلة في المحيط وسيقتصر تركيزه على مختارات مما نشرته
العديد من التقارير والصحف العربية والمحلية وما كتبه المتخصصون
للاستشهاد والتدليل على الخلل والضعف والتراجع الذي يشهده التعليم
في العالم العربي والسلطنة جزء من هذا العالم, في شخصية المعلم وفي
المنهج والوسائل وفي نظرة الطالب إلى العلم وهذه هي الحقائق والمؤشرات:
* لم تنل جامعة عربية واحدة موقعا على قائمة الألف جامعة الأفضل
على مستوى العالم, في حين أن القائمة لم تخل من جامعة أو أكثر من
الجامعات الإسرائيلية. والملاحظ أن هذا التراجع مستمر بحسب المعطيات
والمؤشرات المتوفرة مع إدراكنا بأهمية الجامعات في النهوض بالمجتمع
والارتقاء بأفراده.
* في جامعة عربية قرر رئيس الجامعة معاقبة أستاذ لأنه نزع غلافا
لكتاب أجنبي ووضع عليه غلافا جديدا يعلن أن الكتاب من تأليفه. إذا
كان هذا صنيع الأستاذ وهذه أخلاقياته العلمية والمهنية فماذا سيكون
عليه حال الطالب يا ترى؟.
* تكشفت فضائح في بعض الدول العربية تتعلق بقيام عدد من المسئولين
الكبار وشخصيات نافذة بشراء شهادات من دول في أوروبا الشرقية وروسيا.
والأمثلة على ذلك لا حصر لها من الواقع الذي نعيشه حيث ان العديد
من حملة الألقاب العلمية لا يجيدون لغة التدريس في البلاد التي حصلوا
من مؤسساتها التعليمية على الشهادات العليا إجادة تمكنهم من إعداد
البحث واستيعاب المنهج والإلمام بأساسيات التخصص.., ومنهم من لا
يعي حتى بأبجديات العلم الذي يتشرف بحمل أعلى لقب علمي فيه.
* استهل د.عبدالقادر حماد كاتب وباحث فلسطيني مقاله المنشور في جريدة
(الوطن) في وقت سابق بعتاب تلقاه من إحدى زميلاته لأنه لم يهنئها
على حصولها على درجة البكالوريوس وعندما سألها متى وكيف قالت منذ
حوالي ستة شهور التحقت بإحدى الجامعات الأجنبية التي يمثلها مكتب
يديره أحد الفلسطينيين وعندما سألها عن المحاضرات والكتب وخلافها
قالت الجامعة تعتمد على نظام الأبحاث القصيرة لكل مقرر دراسي وزوجي
هو الذي أنجز لي تلك الأبحاث والمهم أنني حصلت على البكالوريوس.
الإنجاز بالنسبة لهذه الصحفية مرتبط بالحصول على المؤهل العلمي لا
على مضمون العلم ومادته.
* في مقال سابق للدكتور محمد الرميحي بعنوان (مجتمع الدال) يتساءل
الكاتب عن الدافع للسير في هذا الطريق (هل هي الحاجة إلى وظيفة معينة
تسهلها كلمة الدال التي يحصل عليها هذا الشخص أم أننا كمجتمع يهوى
لبس الأقنعة الزائفة لدرجة تدفع بعضنا للذهاب إلى ذلك الحد من خداع
النفس إكمالا لشكل مظهري اجتماعي؟ والسؤال الآخر هو لماذا تزدهر
هذه الظاهرة الثقافية اللا أخلاقية في مجتمعاتنا والعالم الثالث
حتى أننا أرغمنا المجتمعات المتقدمة على خلق سوق لها تنتج شهادات
لا تعترف هي بها أصلا وتصدر لنا كفاءات هي أدرى بمدى عمقها).
* في مقال نشر في أكثر من موقع للكاتب فهمي هويدي بعنوان (دكتوراة
للبيع), يعلق على هذه الظاهرة كاتبا (أدري أن ثمة ولعا شديدا بالألقاب
في مصر وفي العالم العربي بوجه أخص وأنه في أزمنة التراجع وفي العالم
الثالث عموما لا تقاس قيمة المرء بما يضيفه في مناحي الخير والبناء
والمعرفة ولكنها تقاس بمقدار وجاهته سواء استمدها من مال وفير أو
ألقاب كثيرة فسقراط وأبو حنيفة والعقاد وأحمد أمين لم يحتاجوا إلى
ألقاب لكي يثبتوا حضورهم في التاريخ لكن من دونهم بكثير ممن ليست
لهم أي بصمة على صفحات التاريخ ولن يكون لهم ذكر. هؤلاء يتعلقون
بأهداب الألقاب ولا يرون لأنفسهم حضورا إلا من خلالها) وتضمن المقال
حقائق مذهلة عن مجتمع (المافيا الثقافية) المعتمد على جيش من الجنود
السريين الذين يعدون رسائل الدبلوم والماجستير والدكتوراة وبيعها
على الراغبين بأسعار محددة أشار لها المقال.
إن المواطن في الدول المتقدمة لا يسعى إلى نيل الألقاب العلمية إلا
بعد شوط طويل يكون خلاله قد حقق نجاحا مشهودا يغني المجال الذي تخصص
فيه وتطورا ملموسا يدعم حياته العملية وبعد أن ينجز أعمالا مقدرة
في مجال البحث والتحقيق ومساهمات قادرة على إغناء المكتبة وبعد أن
يشعر ويطمئن بأنه أصبح جديرا باللقب العلمي الذي سيحصل عليه. إن
الكتابات الصحفية والبحوث المتخصصة وأوراق العمل وغيرها المعدة على
ضوء المعلومات والمؤشرات والمدعمة بالشواهد والأمثلة يجب أن تنال
اهتمام المختصين بالعملية التعليمية دراسة وتحليلا لتقييم الواقع
وتشخيص أسبابه والعمل على معالجته لكي نحفظ للتعليم بريقه ومثله
وقدسيته ومكانته, إذ لا يجوز التغافل أو التجاوز عن هذا الواقع المرتبط
بأهم قطاع في حياة الإنسان قطاع التعليم المعول عليه في البناء والنهوض
والتطوير والتقدم, فنرى جيلا بأكمله يعيش (موجة تهميش وتسطيح ثقافيين
محاصر بالغث من كل جانب ولا يكاد يرى سمينا أبدا مما جعله منكبا
على الغث مستمتعا به غير مستنكر لأي شيء فيه...), إن حملة الألقاب
الرنانة الكثير منهم لا يمتلكون مكتبة صغيرة والاستثناء منهم من
يحرص على القراءة والبحث لتطوير امكاناته وتنويع ثقافته وتعزيز قدراته
في الفرع المتخصص فيه. وصدق الشاعر العربي إذ يقول:
ليس الجمال بأثواب تزيننا
إن الجمال جمال العلم والأدب
سعود بن علي الحارثي
كاتب عماني
Saud2002h@hotmail.com
أعلى

الدولة المؤقتة
لم يترك الرئيس الفلسطيني محمود عباس مجالاً
للشك من أنه لن يوافق على مشروع الدولة المؤقتة في أية مفاوضات جديدة
يمكن أن تحصل بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية أو في
إطار اللجنة الرباعية التي من المنتظر أن تلتقي في واشنطن مطلع الشهر
المقبل بدعوة من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
لقد أكد الرئيس عباس رفضه لمشروع الدولة المؤقتة في لقائه مع رايس
عندما زارت رام الله قبل عدة أيام، وجدد هذا الرفض في أكثر من مناسبة
وكان صائب عريقات مسؤول دائرة المفاوضات في السلطة الفلسطينية قد
المح إلى هذا الرفض بكل وضوح، فلماذا الرفض الفلسطيني المؤكد للدولة
المؤقتة؟.
قبل الخوض في الإجابة على هذا السؤال لابد لنا أن نشير إلى أن المصطلح
هو صناعة سياسية وأمنية إسرائيلية وأن كانت بعض الجهات الأميركية
قد أشارت اليه، ويبدو أن الفكرة طرحها رئيس الوزراء ايهود اولمرات
خلال لقائه مع الرئيس محمود عباس في القدس، ثم ظهرت بثوب جديد من
خلال ما أعلنه وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيريس عندما قال انه
بصدد مبادرة للسلام مع الفلسطينيين تقوم على ثلاث مراحل بدايتها
أن يصدر من الفلسطينيين بجميع فصائلهم اعترافاً تحريرياً بـ(الدولة
الإسرائيلية) على أن يعقب ذلك إعلان إسرائيل لمفردات الدولة الفلسطينية
بالحدود المؤقتة لمدة ثلاثين شهراً، وهكذا اتضح مفهوم الدولة المؤقتة
على أنه ذات مجسات جغرافية، بمعنى أن مفهوم (المؤقتة) ينحصر بالحدود
وهذا هو بيت القصيد في الأهداف الإسرائيلية.
وبمعنى مضاف أن الإسرائيليين يريدون أن تكون الدولة الفلسطينية المنتظرة
بحدود معينة ليست هي الحدود النهائية لها وأنها سوف تكون بحدود نهائية
بعد مرحلة يقررها الإسرائيليون أنفسهم لاختبار نوايا الفلسطينيين
على الأرض، وبهذا يكمن الفخ اللوجستي الذي يسعى الإسرائيليون لنصبه
ولذلك كان الرئيس محمود عباس صريحاً في رفض الفكرة إذ أنه لو اعتمدها
أساساً للتفاوض مع الإسرائيليين في المرحلة القريبة لكانت الحقوق
الفلسطينية التاريخية والشرعية قد تعرضت لتسويق جديد على يد الإسرائيليين
يضعها على رف التأجيل، وكأنها اللعبة المفضلة التي تقوم مدياتها
على التسويق ومحاولة إغراق الذاكرة الفلسطينية بالانتظارات المتكررة،
وفي كل ذلك تقوم الأهداف الإسرائيلية للترويج للدولة الفلسطينية
على عدد من الأهداف الفرعية المشوشة التي تصب لصالح المخطط الإسرائيلي
العام في أبعاده الاستراتيجية المعروفة.
ان ما يريده الإسرائيليون في الدولة المؤقتة هو الالتفاف على كل
القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولة والأمم المتحدة وفي
مقدمتها القرار (242) الذي ينص على الانسحاب الإسرائيلي من الأرضي
المحتلة عام 1967، ومن المؤكد أنهم يريدون الاحتفاظ بالجدار العازل
الذي بنوه بطوله الذي يزيد على (600) كيلومتر، وبذلك يكونون قد وجهوا
ضربة سياسية إجرائية لقرار محكمة العدل الدولية التي أدانت هذا الجدار
واعتبرته غير شرعي، فمن الراجح أن يقول الإسرائيليون بأنه لا داعي
لتنفيذه مادام هناك اتفاق حصل بين الحكومة الإسرائيلية والفلسطينيين،
وهكذا يقع المحظور في الالتفاف على حكم قضائي دولي يمثل علامة بارزة
في الموقف الدولة العام ضد الإجراءات العنصرية الإسرائيلية، وفي
سياق ذلك يكون الإسرائيليون قد عزلوا الموقف الدولي العام عن التسوية
النهائية عما يتيح لهم التلاعب بالقضايا المطروحة الأخرى على وفق
ما يريدون مادام الرقيب الدولي القضائي قد أبعد عن مواقع التأثير.
ولا شك في أن طاولة المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ستكون مزدحمة
أيضاً بأجندة إسرائيلية فرعية (إلهائية) هدفها سحب الفلسطينيين إلى
قضايا جانبية على حساب الجغرافية التي هي قاعدة مهمة للمطالب الفلسطينية
(الأرض مقابل السلام) ولعل أكثر ما يعزز الاعتقاد بأن الإسرائيليين
يريدون لفخ الدولة المؤقتة أن يأخذ فرصته، ما أعلن من برامج لدعم
المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية من خلال زيادة عدد المساكن
وتكوين مجالات للربط بين هذه المستوطنات وذلك بضم أراض فلسطينية
إلى دائرتها تحت ذريعة الضرورات الأمنية المستقبلية، وهكذا تكون
متوالية قضم الأراضي الفلسطينية قد تواصلت محبوكةً أكثر ويكون عنصر
التأجيل قد أخذ أبعاداً إضافية أخرى.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى

حال الاتحاد.. أم حال الإدارة؟!
ألقى الرئيس جورج بوش الابن مؤخراً ما يعرف
بخطاب (حال الاتحاد)، أو هذه الكلمة الرئاسية الدورية، التي يطل
عبرها رئيس الولايات المتحدة على الأميركيين، فيما هو أشبه بمن يقدم
لهم كشفاً مستحقاً عليه بالحساب السنوي المتعلق بحصيلة سياسات إدارته
الداخلية والخارجية، لكنه هذه المرة، خصوصاً إذا ما اقتصر تناولنا
له على الشق الخارجي من هذه السياسة، كان الأبعد من ذلك الذي يقدم
فعلاً على مثل هذه المكاشفة العتيدة، وإنما كان الأقرب إلى من يحاول
باستماتة استدراج دعم مواطنيه لاستراتيجيته القديمة المستجدة المنصبة
على محاولته إنقاذ مشروعه الاحتلالي المتعثر الكامن وراء غزوه للعراق..
استراتيجيته المعروفة المرفوضة من قبل الحزبين الوحيدين اللذين يتقاسمان
التبادل على السلطة في بلاده، الحزب الديموقراطي المعارض وحزبه الجمهوري
الحاكم على السواء، تلك التي قدمها لهم مرة أخرى، لكن هذه المرة
في حلةٍ من التعابير الجديدة التي تشي بذات المواقف الأيديولوجية
المعهودة، أو التي لا جدة فيها. والمهم أنه اعتبرها (أفضل) طريق
للنجاح! بمعنى آخر لا زال الرئيس الأميركي مصراً على الترويج لنصره
الموهوم، متجاهلاً حصاد أربعة أعوام احتلال دموي تلى غزو مدمر تلطى
وراء جملة من الذرائع (الاستباقية) التي تكشفت سريعاً عن قائمةٍ
طويلة من الأكاذيب والمزاعم المفبركة التي لم يحفل صاحبها لتوالي
ضحد الواقع لها الواحدة تلو الأخرى، بل وإلى استبدال المفضوح منها،
وعند اللزوم، بأخرى جديدة لا تلبث أن تلاقي مصير سابقتها، وهكذا..
وصولاً إلى حصاد تمثل في عراق دمّرت فيه كل أسس الدولة، وشعب يعاني
مذبحةً مستمرة ضحاياها حتى الآن ما يقارب ثلاثة أرباع المليون ضحية،
وتسببت في تهجير المليونين إلى الخارج، بالإضافة إلى نصف هذا العدد
في الداخل.
لقد خاطب الرئيس الأميركي شعبه وكأنما هو مقتنع بأنه لا يعلم أحد
فيه أن دافعي الضرائب منه قد مولوا هذه المذبحة، الناجمة عن استمرار
الغزو، عبر خسارتهم المباشرة لما يقارب الأربعمائة بليون دولار،
وكأنما من يستمع إلى خطابه هم فحسب المحافظون الجدد وشركات النهب
المستمر لثروات العراق، من نوع هالبيرتون وأخواتها.. أو كأنما لا
حد في بلاده قد أدرك بعد مدى استفحال ورطته العراقية المستحكمة،
أو هذا الفشل المتدرج لمشروعها الاحتلالي هناك، أو فداحة تداعيات
حماقات الإدارة المتدحرجة المترافقة مع تهافت ذرائعها المتسلسلة
المتبدلة، تلك التي تساق في معركته الأيديولوجية التي يصفها بالحاسمة
في هذا العصر!
واللافت أن الرئيس الأميركي لم يعد يحفل أيضاً بالتناقضات التي يزفها
في خطاب واحد. فهو إذ يقول للأميركيين أن (بوسعنا إيجاد طرق عملية
للدفع بالحلم الأمريكي قدماً)، ويطالب الكونغرس بإعطاء استراتيجيته
العتيدة (فرصة للنجاح) يعترف لهم بأن (هذه ليست الحرب التي أردنا
خوضها في العراق، لكن هذه هي الحرب التي نخوضها اليوم). بمعنى دعوتهم
للقبول بهذا القدر الاستباقي الذي سعت إليه إدارته بظلفها، حاثاً
إياهم على تقبل ذلك القدر بالقول (ليس هناك شيء أهم في هذه اللحظة
من تاريخنا أكثر من أن تنجح أميركا في الشرق الأوسط، أن تنجح في
العراق، وأن توفر على الشعب الأميركي هذا الخطر).
أن تنجح في ماذا، وأي خطر يعني؟!
ان تنجح في تحقيق استراتيجيته الباحثة عن طرق يراها تؤدي إلى حيث
يتحقق الحلم الإمبراطوري الذي يسعى إلى تحقيقه، والتي من شأنها،
سواء تحققت أو لم تتحقق، وهي لن تتحقق، أن تلهب واقعاً عراقياً مشتعلاً
وتصبّ عليه المزيد من زيت الفتنة الطائفية والعرقية المدروسة، ومن
ثم تعميم هذا النموذج المراد في المنطقة، الأمر الذي لا نبالغ إذا
ما قلنا بأن تباشر مثل هذا التعميم قد بدت تلوح إرهاصاتها عربياً...
أما أي خطر؟ فهنا علينا أن نلاحظ أن بوش، وكعادته منذ كارثة 11 سبتمبر
المعروفة، يدق على وتر تخويف الأميركان واستثارت غرائزهم الوطنية
بكلام مثل:
(من أجل سلامة شعبنا يجب أن تنجح أميركا في العراق)! لأن هذا النجاح
هو ضرورة (كي لا تتعاظم قوة المتطرفين ويزداد مناصروهم). ولكي لا
يعمدوا (للانقلاب على الحكومات المعتدلة وخلق الفوضى في المنطقة،
واستعمال عائدات النفط لتمويل طموحاتهم) هذه. ويمضي ليقول:
(ان أعداء أميركا واضحون جداً حيال نواياهم، إذ أنهم يريدون إطاحة
حكومات معتدلة، وتأسيس ملاذات آمنة يمكنهم من خلالها التخطيط وتنفيذ
هجمات جديدة ضد بلادنا)!
لكن الأطرف أن الرئيس بوش، الذي هو بدوره واضحاً، يبرر إرساله المزيد
من الجنود إلى ساحة الحرب العراقية باريحيته التي تريد (مساعدة الحكومة
العراقية على استعادة عاصمتها). الأمر الذي يعني أنه حتى هذه العاصمة
قد خرجت على سيطرة الغزاة، وبالتالي فان حكومة ما بعد الغزو التي
أرادوها هي منذ أن أقاموها بلا عاصمة، بل أسيرة ما تسمى بالمنطقة
الخضراء!
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن خطة السيطرة على بغداد التي ترجمت
في الأيام الأخيرة مشاهد دموية ودماراً مريعاً في شارع حيفا، على
سبيل المثال، قد بشّر وزير الحرب روبرت غيتس الأميركان بأن لا ضمان
لنجاحها، وعليه، يسعى الغزاة أمس واليوم وغداً في العراق لإخراج
آخر ورقة في جعبتهم وهي إثارة الفتنة الطائفية، المثارة أصلاً، لتبرير
بقائهم هناك، لكن جل مساعيهم اليوم تنصبّ على محاولة تعميمها في
ما أمكن من الوطن العربي والجوار الإسلامي عبر ذريعة جديدة هي فزّاعة
(الخطر الإيراني)، هذا الذي تٌنصب الصواريخ حتى في تشيخيا وبولندا
لمواجهته، أو (لتطويق التهديد الشرق أوسطي)! وترسل حاملات الطائرات
إلى الخليج لصده وردعه، وتصل وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى
المنطقة مبعوثة في مهمة حشد (المعتدلين) ضده، ويكرر كلٍ من بوش،
وتشيني وغيتس، أن البقاء العسكري الأميركي في المنطقة هو إنما ضرورة
من ضرورات مواجهته!
في خطاب (حال الاتحاد)، الأقرب إلى خطاب حال الإدارة، كرر بوش، كما
هو حاله منذ قدومه إلى البيت الأبيض، نفسه، لكنه اعترف بأنه يخوض
حرباً لم يكن يريدها من حيث النتائج والتداعيات على هذا النحو الذي
يجري، والأهم أنه اقترح (إقامة مجلس استشاري خاص حول الحرب على الإرهاب
مؤلف من مسؤولين من الحزبين السياسيين) تكون مهمته هي إدارتها في
العراق وسائر ساحاتها الواسعة وسع العالم!
لكن بوش هذه المرة صنف (الإرهابيين) ومنحهم درجات من حيث خطرهم،
إذ تأتي، على سبيل المثال، القاعدة أولاً، وحزب الله ثانياً. كما
أنه ساوى لأول مرة أيضاً، بين السنة والشيعة من بين هؤلاء قائلاً:
ان المتطرفين من الشيعة والسنة وجهان مختلفتان للتهديد الاستبدادي..
وأن الشيعة منهم مصممون على السيطرة على الشرق الأوسط!
..والآن، ما هو صدى خطاب بوش، أو قل حملة تسويق استراتيجية بوش الدموية
في المنطقة أميركياً؟
أول الغيث، كان أن اعتمدت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس مشروع
قرار غير ملزم يرفض قرار بوش زيادة عديد القوات في جيشه المحتل في
العراق، ويصفه بأن (يتعارض مع المصالح القومية للولايات المتحدة).
القرار قُدم من قبل شيخان ديموقراطيان وآخران جمهوريان... قرار وصفه
رئيس اللجنة جو بيدن بأنه (محاولة لإنقاذ الرئيس من ارتكاب خطأ مهم
فيما يتعلق بسياستنا في العراق). لكن نائب الرئيس ديك تشيني، في
إشارة إلى مثل هذا التحرك من قبل الكونغرس، رد فأعلنها صريحة: إن
(هذا لن يوقفنا)!!
إذن، الإدارة الأميركية لن تتوقف أو توقف برنامجها، لا في العراق،
والأنموذج هنا هو ما يجري في شارع حيفا.. ولا في فلسطين، بعد أن
أحيلت المسألة، بعد طول كلام عن خارطة الطريق من قبل هذه الإدارة،
إلى ما تدعى اللجنة (الرباعية).. ولا في لبنان، حيث تم عملياً تمويل
الفتنة في مؤتمر باريس بعد منع التوافق بين اللبنانيين في بيروت..
ولا في المنطقة بأسرها..
نعم، لعل ما ألقاه بوش مؤخراً ليس خطاب حال الاتحاد بقدر ما كان
خطاب حال الإدارة.. أي أنه لم يكن كشف حساب بقدر ما كان استدراج
دعم لاستراتيجية يجمع حتى الأميركان على فشلها، وإعلان يرتدي حلة
من تعابير أيديولوجية يقول: ان الجموح الإمبراطوري لهذه الإدارة
لوثة مستحكمة، ومسار ليس في مقدورها التراجع عنه!
عبداللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
سونامي يعصف بإسرائيل..فضائح واستقالات..وتداعيات
لم يسبق لاسرائيل وعلى مدى تاريخها ان مرت
بمثل هذا الكم من الفضائح المالية والجنسية، والاستقالات التي تعصف
بها، وهي التي كانت تتغنى دوما بنظافة ايدي مسؤوليها والتزامهم (الأخلاقي)،
واحترامهم لانفسهم، وقيامهم بواجباتهم وبخاصة في داخل ما تعتبره
انجازها الأرقى وهو: المؤسسة العسكرية، ذراع اسرائيل القوية التي
تعمل على تنفيذ كل اهداف اسرائيل السياسية.
الفضائح تطول رؤوساً كبيرة من رئيس الدولة: كاتساف الذي وجه اليه
المدعي العام لائحة اتهام بالاغتصاب والتحرش الجنسي، وكرد فعل على
ذلك طالب بالتخلي المؤقت عن منصبه وسط احتجاجات كبيرة تطالبه بالاستقالة..مرورا
برئيس الوزراء اولمرت الذي يجري التحقيق معه في فضائح مالية مرتبطة
بخصخصة واحد من اقوى البنوك الاسرائيلية وهو بنك لينومي، ومرتبطة
باستغلاله لبيع شقته في القدس لمليونير اسرائيلي، وصولا إلى وزراء
في الحكومة : حاييم رامون، وزير العدل الذي استقال من منصبه بتهمة
التحرش الجنسي والوزير المتطرف ليبرمان زعيم حزب (اسرائيل بيتنا)
حول علاقات مالية له مشبوهة في روسيا إبان وجوده في وزارة نتنياهو
الذي سبق وان اتهم ايضا اخفاء آلاف الهدايا التي كانت تقدم له كرئيس
للوزراء عن الدولة.
الفضائح المالية تطول ايضا: شمعون بيريز ، النائب الثاني لرئيس الوزراء
ووزير المالية ابراهام هيرزون ومديرة مكتب اولمرت تسولا زاكن واعضاء
اخرين في الكنيست ورؤساء احزاب وغيرهم وغيرهم على الجانب الآخر،
انها المرة الأولى في اسرائيل التي يستقيل فيها رئيس اركان الجيش
، هذا الجنرال المتغطرس صاحب الشهية الكبيرة للقتل وسفك الدماء،
والذي قال عندما وجه اليه احد الصحفيين الاسرائيليين سؤالا عن شعوره
كطيار (وقد كان قائدا لسلاح الطيران) عندما تلقي طائرة اسرائيلية
قنبلة بوزن طن على احياء سكنية في غزة وتتسبب في قتل المدنيين، ذكر
يومها بانه ينام نوما عاديا عميقا دون الشعور بأي ذنب!.
استقالة حالوتس، رئيس الاركان جاءت على خلفية اخفاق الجيش الاسرائيلي
في تحقيق اهداف اسرائيل من العدوان الذي شنته على لبنان صيف العام
الماضي، وعلى خلفية اسر الجنديين الاسرائيليين من قبل حزب الله،
والاستقالة تلت استقالتين لـ: قائد المنطقة العسكرية الشمالية الجنرال
عوزي آدم، والجنرال غال هيرش قائد الفرقة التي كان الجنديان المختطفان
يتبعان لها.
استقالة حالوتس جاءت ايضا على خلفية اتهامه بفضيحة مالية وهي بيعه
لاسهم كان يملكها، مباشرة قبل الحرب تخوفا من نزول اسعارها وجاءت
بعد نشر تقرير اللجنة المكلفة ببحث تقصيرات الجيش في حرب لبنان وكانت
قد شكلت برئاسة الجنرال دان شمرون، وهو ايضا رئيس اركان سابق للجيش
الاسرائيلي.
التداعيات الكبيرة لهذا المسلسل الضخم من الفضائح والاستقالات تتناول
جانبين: آنية واخرى بعيدة.
اما التداعيات الآنية فان ابرزها يتلخص في : احتمال كبير لاستقالة
كل من رئيس الوزراء اولمرت ووزير دفاعه عمير بيريتس، وبخاصة ان معظم
الاسرائيليين (65%) يطالبون باستقالة الاول، وسط انخفاض في تدني
شعبيته الى ادنى مستوى يصل اليه رئيس وزراء اسرائيي وهي نسبة 14%،
اما الثاني فاضافة الى ان معظم الاسرائيليين يطالبون باستقالته ايضا
فان اوساطا كثيرة في حزبه (العمل) تطالب ليس باستقالته فقط من الوزارة
(على خلفية التقصيرات ودخول الفاشي ليبرمان الى الائتلاف الحكومي)
بل من رئاسة الحزب ايضا، وبخاصة انه متهم ليس بالجهل العسكري، بل
بالسياسي ايضا فقد تخلى عن مطلب اساسي من مطالب (العمل) إبان مفاوضات
الحزب مع (كاديما)، ألا وهو تسلم منصب وزير المالية، بهدف اجراء
التغييرات المالية ، التي يطالب بها الحزب، وبدلا من ذلك تسلم وزارة
الدفاع، مما اعطى انطباعا في اوساط الحزب بأنه فضل مصلحته الشخصية
على مصلحة الحزب. بيريتس سيواجه معركة صعبة بعد ثلاثة اشهر في الانتخابات
التي ستجري على رئاسة الحزب، وخاصة انه سيدخل في منافسة مع باراك.
بيريتس، وفي محاولة منه للحفاظ على منصبيه ان في الحزب او في الحكومة،
وفي محاولة ايضا لتلميع نفسه وتسويقها..طرح مبادرة (سلامية) جديدة
للتسوية مع الفلسطينيين وكان ذلك في واحد من اهم المؤتمرات التي
تعقد في اسرائيل سنويا (مؤتمر هرتسيليا السابع، والذي سنتطرق اليه
في مقالة منفصلة لأهمية شعاراته وما يوصي به من استراتيجيات غالبا
ما تتبناها القيادة السياسية الاسرائيلية) والذي عقد هذا العام وسط
خفوت اعلامي نظرا للتركيز الاعلامي الكبير على مسلسل الفضائح والاستقالات.
اولمرت، واضافة الى فضائحه المالية فإنه في ترقب لنشر تقرير لجنة
التحقيق التي شكلتها الحكومة الاسرائيلية برئاسة القاضي (فينوغراد)
حول حرب لبنان، وفي ترقب ايضا لما ستسفر عنه تحقيقات المدعي العام
الاسرائيلي عن فضائحه ففي حالة توجيه اتهام إليه، فستصبح استقالته
مفروغاً منها (وفقا للقانون الاسرائيلي) وبغض النظر عن كل ذلك فقد
اصبح في اضعف حالاته..وبخاصة ان استطلاعات الرأي تؤكد انه وفي حالة
اجراء انتخابات مبكرة للكنيست فان (الليكود) سيحقق تقدما (29 مقعدا
بدلا من 12 حاليا) واما حزب كاديما، الذي يرأسه اولمرت فسينال (18
مقعدا حاليا بدلا من 29 حققها سابقا).
بالتالي، فقد نكون امام انتخابات اسرائيلية تشريعية مبكرة، بكل ما
تعنيه الفضائح والاستقالات من تغييرات دراماتيكية منتظرة في الخارطة
السياسية الاسرائيلية واحتمالات متعددة لكيفية تشكيل حكومة جديدة،
وخاصة بالتحالف مع الاحزاب اليمينية والدينية، واثر ذلك على مسار
التسوية مع الفلسطينيين والعرب.
اما التداعيات البعيدة لمسلسل الفضائح والاستقالات فيتمثل في مزيد
من الانحدار في ثقة الاسرائيليين بجيشهم وبقدراته في تحقيق الاهداف
السياسية والعسكرية الاسرائيلية، هذه الثقة التي تضعضعت مؤخرا في
الحرب العدوانية على لبنان، وبعدما نشره الصحفي الاسرائيلي حاييم
بار، من ان الذي اجبر رابين على توقيع اتفاقيات اوسلو مع الفلسطينيين
هو (ثقته بان الجيش الاسرائيلي لم يعد قادرا على تحقيق طموحات اسرائيل)!.
لقد شكل منصب رئيس الاركان في اسرائيل بابا واسعا لدخول صاحبه في
الحياة السياسية الاسرائيلية بدءا من تسلم موقع الرئاسة في الاحزاب
(رابين ، باراك، على سبيل المثال لا الحصر)، مرورا باحتلال المواقع
المتقدمة في لوائح الاحزاب لانتخابات الكنيست..وصولا الى المناصب
الرئيسية في الحكومة (الدفاع، المالية).
واذا ضفنا ذلك الى سلسلة التناقضات العديدة في الشارع الاسرائيلي،
والتي ستترك أثرها بالحتم على بنية الدولة في اسرائيل، فإن هذه الدولة
هي في طريق تحولها من (سوبر دولة) كما يصورها الاسرائيليون، وكما
اثبتت حروب واحداث عديدة كثيرة سابقة انها مثلت تماما هذه الحقيقة،
الى دولة بمواصفات عادية فيها الفساد والفضائح، وقادة جيشها كذلك
هم قادة عاديون بينهم المقصر والمخطئ والجبان (ايضا)..ومن يبحث عن
مصالحه الشخصية وهي قضايا كان ينفيها الاسرائيليون.
لكن من الطبيعي والحالة هذه ان تبرز التساؤلات التالية: أليس من
الشفافية والديموقراطية ايضا في اسرائيل، ان يتم الاعلان عن الفضائح
التي تطول مسؤولين في هرم دولتها؟ وبخاصة ان دولا كثيرة يجري فيها
اضعاف اضعاف ما يجري في اسرائيل، ولم يسبق ان حوكم احد مسؤوليها،
كبيرا كان ام صغيرا؟ ثم الا يعني ان المحاسبة ستردع آخرين.
بالتالي، فان اسرائيل تواجه اخطاءها اولا باول، بينما في تلك الدول
تتراكم الاخطاء، وتتزايد حيث تصبح مرضا وسوسا ينخر في اجساد هذه
الدول؟
اطرح هذه التساؤلات، لان كاتب هذا السطور قد اصدر كتابا منذ عامين
بعنوان: زيف ديمقراطية اسرائيل، بالتالي: هل اتناقض مع نفسي؟ وفي
التوضيح اقول:
من الخطأ مقارنة اسرائيل مع تلك الدول الدكتاتورية بل يجب ان تجري
مقارنة اسرائيل التي تطرح نفسها كدولة (ديموقراطية) مع الديمقراطيات
العريقة، ثم ان الديموقراطية هي مسلكية متكاملة في التطبيق ان تعلق
الأمر بالسكان اليهود او العرب من مواطني الدولة في اسرائيل، او
ممن يعانون احتلالا من اسرائيل، ودولة ديموقراطية لا يمكن ان تقوم
باحتلال شعب آخر .. بالتالي، فإن اسرائيل التي تحاكم اخطاء مسؤوليها،
هي الدولة التي تقوم بمجازر ضد الفلسطينيين والعرب منذ انشائها وحتى
اللحظة، هي الدولة، العنصرية تجاه العرب الذين يسكنونها وممن تعتبرهم
مواطنيها، هي الدولة التي تحكم محاكمها على الجنود الذين يقتلون
عربا وفلسطينيين ابرياء بغرامات مالية بسيطة (كما الضابط الذي اشرف
على مجزرة دير ياسين) هي الدولة التي تفرق في القوانين التي سنتها
بين المواطنين وفقا لانتماءاتهم العرقية والطائفية والمذهبية، هي
الدولة التي تسعى لأن تكون دولة يهودية نقية (وإحدى الاشتراطات الديموقراطية
هي فصل الدين عن الدولة)، الدولة التي تمارس تفريقا بين اليهود الشرقيين
والغربيين، هي الدولة التي تفتقد الى الدستور والحدود الجغرافية،
والتي استولت على 92% من الاراضي التابعة لها بدعوى الامن الاسرائيلي،
هي الدولة الممنوع فيها إعطاء الترخيص لحزب يسعى ولو بالوسائل السلمية
لتغيير الطابع الرئيسي لها، هي الدولة التي تتنكر للحقوق الوطنية
الفلسطينية، ولقرارات محكمة لاهاي الدولية .. وغيرها ... وغيرها
... وغيرها ...
صحيح ان لاسرائيل احد وجوه الديموقراطية ان فيما يتعلق بتداول السلطة
فيها او في الفصل بين السلطات (وهذه جاءت لاعتبارات كثيرة لا مجال
لذكرها في مقالة) .. غير انه الوجه المتعلق بالممارسة على السكان
اليهود ، وبما يضمن مصلحة اسرائيل وبقاءها.
يبقى القول: ان تداعيات الفضائح والاستقالات في اسرائيل ستترك اثرها
البنيوي في هذه الدولة.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى
شبح (القاعدة) الزائف في العراق
في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه يوم الثلاثاء
الماضي، حذر الرئيس بوش من أن العراق يمكن أن تتحول، في حال فشل
جهود الولايات المتحدة هناك، إلى ملجأ آمن لأعضاء تنظيم القاعدة
يمكن ان ينطلقوا منه في شن هجماتهم على بعض الأهداف الأميركية. وقد
دأب الرئيس بوش وأعضاء إدارته من الصقور والمحافظين الجدد على استخدام
هذه الفكرة منذ عدة سنوات.
ففي نهاية عام 2005، حذر وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد
من أن زعماء القاعدة قد يحولون العراق إلى مركز لعمليات تجنيد وتدريب
الإرهابيين من أجل شن هجمات على المصالح الأميركية والرعايا الأميركيين
في مختلف دول العالم.
وعلى الرغم من متاجرة بعض المسئولين في ادارة الرئيس بوش بمشاعر
الخوف، من المستبعد جداً أن تستخدم القاعدة العراق كملاذ آمن لشن
هجماتها على المصالح الأميركية مثلما حدث في أفغانستان. وتختلف الأوضاع
السائدة حالياً في العراق عن الأوضاع التي كانت سائدة في افغانستان
ابان فترة حكم طالبان التي كانت تدعم وتحمي أعضاء القاعدة. ويمتلك
تنظيم القاعدة قوة كبيرة العدد في أفغانستان قوامها 18 ألف مقاتل.
وتعترف الحكومة الاميركية بأن عدد مقاتلي تنظيم القاعدة في العراق
لا يزيد على 2000 مقاتل، بينما ذهبت تقديرات مجموعة الدراسات الأميركية
حول العراق إلى أن عدد هؤلاء المقاتلين لا يزيد على 1300 شخص.
وبالفعل، يشكل المقاتلون الأجانب عنصراً صغيراً نسبياً من عناصر
المقاومة السنية ضد قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني. ومن السذاجة
تصور سيطرة 1300 مقاتل من تنظيم القاعدة على دولة يقدر تعداد سكانها
بنحو 26 مليون نسمة. والتحدي الذي يواجه تنظيم القاعدة في العراق
أصعب بكثير من الحقائق التي تفرضها هذه الأرقام. وبينما يلقى تنظيم
القاعدة تأييدا محدوداً من العرب السنة الموجودين في العراق، فإن
هذه الفرقة لا تمثل ثقلاً كبيراً في العملية السياسية على الساحة
العراقية.
وقد توصل استطلاع رأي اجراه برنامج مواقف السياسة الدولية التابع
لجامعة ميريلاند الأميركية في شهر سبتمبر عام 2006 إلى أن 94% من
العرب السنة يمتلكون موقفاً سلبياً ومعادياً لتنظيم القاعدة. ومع
تصاعد الهجمات العنيفة التي يشنها أعضاء تنظيم القاعدة في العراق،
وسقوط عدد كبير من الضحايا معظمهم من العراقيين وليس الأميركان،
انقلب عدد كبير من السنة ضد الجماعات الإرهابية وخصوصاً تنظيم القاعدة.
وقد تناقلت وكالات الأنباء عدة تقارير عن تزايد المواجهات المسلحة
بين العراقيين السنة والمقاتلين الأجانب.
وعلى صعيد آخر، يحمل الشيعة والأكراد مشاعر الحقد والكراهية تجاه
تنظيم القاعدة. وقد أظهر استطلاع الرأي أن 98% من الشيعة و100% من
الأكراد الذين شاركوا في الاستطلاع يمتلكون آراء معادية جداً لتنظيم
القاعدة.
ومن المستبعد جداً أن تتسامح الحكومة العراقية التي يسيطر عليها
الشيعة والأكراد مع تنظيم القاعدة وأن تسمح لهم بتحويل العراق إلى
ملاذ آمن لأعضاء التنظيم.
ووفق أفضل التقديرات، يمكن أن يأمل قادة تنظيم القاعدة في التواجد
الضعيف لمقاتليهم بمحافظة الأنبار معقل السنة العراقيين، ولكن من
المؤكد أن هؤلاء المقاتلين سيتعرضون لمضايقات ومطاردة مستمرة من
قبل القوات العراقية والأميركية وبعض العراقيين السنة الغاضبين أيضاً.
ومن ثم، لا تبدو العراق بكل وضوح قاعدة محتملة لعمليات هجومية ضد
المصالح الأميركية في المستقبل.
وقد عبر السيناتور تشوك هاجيل، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية
نبراسكا عن الوضع السائد حالياً في العراق بدقة عندما قال: لم أقتنع
ولم أعتقد على الإطلاق بأن العراق يمكن أن تتحول الى ملاذ آمن للإرهابيين
إذا غادرنا من هناك خلال 6 أشهر أو عام أو عامين. ويمكن القول بأن
شك هاجيل في محله.
والفكرة القائلة بأن تنظيم القاعدة يمكن أن يستخدم العراق كملاذ
آمن ونقطة انطلاق لهجماته على المصالح الأميركية في المستقبل هي
مجرد شبح بعيد عن الواقع وإشاعة كاذبة يستخدمها مسؤولو ادارة الرئيس
بوش في تضليل الشعب الأميركي وتخويفه لإجباره على دعم خطته الفاشلة
والمليئة بالأخطاء تجاه العراق.
تيد غالين كاربنتر
نائب رئيس قسم دراسات الدفاع والسياسة الخارجية بمعهد كاتو للدراسات
والأبحاث
خدمة إم سي تي ـ خاص بـ(الوطن)
أعلى