صوت
ناصر البلال شاعرية لم تقدح بعد ( 2 ـ 4 )
(2):البعد اللغوى :
وهو يتداخل ككل الأبعاد الأخرى الهامشية
مع البعد الرئيسي (عشق صور) فمن هذا العشق يتجسد عشق الأصالة
ورفض من يسلبه أصالته وموروثه الشعري كما رفض من يسلبه أصالة
وحضارة مدينته صور وأمجادها ، يقول من قصيدة ( ترنيمة حداثة
على وتر التقليد ) :
دعْ كلَّ حرف من الآهات يكويني
دعْ ثورة القدر المحتوم تسبيني
ويمزج عشق صور بالبعد اللغوي قائلا :
أما تراني أناجي البحر قافية
والموج أغنية في الحُور والعِين ِ
ويبث شكواه لجدته الخنساء التي تمثل الأصالة الشعرية في
موروثه بل تمثل متانة الشعر ونصاعته فهي التي شهد لها النابغة
دون غيرها من شعراء عكاظ وينحي باللائمة على من تغرب وغرب
تراثه :
يا أختَ صخر ! تعرتْ كلُّ قافية
وغرَّب الشعر لما استغرب الرحمُ
يا أختَ صخر ! وأضحى صخرنا مدرا
يا بنت عمرو ! وهذا عمرُنا عدم ُ
ساموه خسفا ، وعاثوا فيه دون هدى
وما رعوا حرمة تسمو بها الذمم
ولاشك أن علامات التعجب هذه بعد اسم صخر وعمرو توضح ما أراد
الشاعر قوله لكنه حذفه واستعان بدلا منه بعلامات التعجب
تلك ويقصد أن لا صخر ولا عمرو
-وهما رمزان من رموز الأصالة العربية -عاد لهم وجود الآن
في ظل هذا اللهاث نحو الغرب والتغريب والحقيقة أن القصيدة
الكبرى التي تجسد هذا البعد هي تلك القصيدة التي يتراسل
فيها الشاعر مع عراقة الماضي وأصالته فيذهب بعيدا إلى العصر
الجاهلي حيث يدخل في معارضة فنية متقنة النسج مع الأعشى
في قصيدته الشهيرة التي يقول مطلعها :
ودع هريرة إن الركب مرتحلُ
وهل تطيق وداعا أيها الرجلُ ) فعارضه ناصر على نفس القافية
والوزن ، وقال
عانق صحار أقام الركبُ أم رحلوا (73)
والثم ثراها فمنها ترتوي القبلُ
وهو في هذه القصيدة يتبع خطو شعراء الجاهلية من حيث المفردات
والأساليب والإيقاع كقوله :
فرعاء ، تختال في دلٍّ وفي غنج
هيفاء، ينضح من أعطافها الأملُ
ثم يتداخل مع أبيات الأعشى ويضمِّن كثير منها ويوظفه فيما
يحقق مضمونه الدلالي
ويشنُّ هجوما عنيفا على المغربين والمستغربين معا ويرى فيهم
اتفاقا على اقتلاع حضارة هذه الأمة وطمس هويتها باسم الحداثة
والتحديث والتجديد :
تبارزون الدنا بالشرق مفخرة
لكن أهواءكم في الغرب تبتهلُ
فكيف تنبجسُ الأشعار معربة
وراهب الشعر بالتغريب منشغلُ
صناجة َالعرب يا ميمون قافية
تزري بكفكا ودريدا وما اشتغلوا
ويقف هذا الرمز الشعري العربي (صناجة العرب ميمون الأعشى
والشاعر ) مقابل رموز مرتبطة بالإبداع الشعري في الغرب مثل
كافكا ودريدا كرمزين من رموز الحداثة أحدهما رائد الكتابة
الكابوسية والثاني صاحب النظرية التفكيكية ومن اتبعهما من
الشعراء العرب هذا هو البعد الدلالي الثاني الذي يتقاسم
الديوان وهو البحث عن أصالة الأمة ومكمن فخرها المتمثل في
الشعر الذي هو أبرز تراث هذه الأمة .
الظواهر الفنية البارزة في الديوان
(1) ظاهرة التنصيص : والتنصيص يقصد به ما يكتبه الشاعر بين
قوسين وهي كثيرة كثرة لافتة خاصة في قصيدة مرفأ النور التي
افتتح بها البلال ديوانه ، ولا يشير الشاعر إلى ما جعله
بين قوسين في الهامش مما يزيد من صعوبة الأمر ، ويحيل القارئ
للبحث المعجمي الشاق وراء تلك المترادفات أو ينصرف معرضا
عنها وهي عموما حين تزداد تصبح عبأ على الشعر والشاعرية
فينخفض سقف الشاعرية إلى أدنى مستوياته وخير نموذج لذلك
قول الشاعر :
يا ما أحيلى السّرى الوهاج معتمدا
أفياء بيروت أو ساحات "جيرون"
"لنيرين" ف "مقري" ف" السرير ف
"جم
رايا " فجو حواشي جسر " جسرين"
ف"القصر"ف"المرج"ف"الميدان"ف"الشرف
الأعلى" فسطرا"ف"جرمانا"ف" قلبين"
ف "الماطرون"ف"داريَّا" فجارتها
ف"آبل" فمغاني " دير قانوني " (22)
وكل كلمة من هذه المفردات هي أسماء لمدن وقرى أسسها الفينيقيون
واستقروا فيها لكنه في الحقيقة تنصيص مزعج للنظر وللسمع
في آن ، وإن كان ينم عن ثقافة الشاعر ومقدرته في توظيف تلك
الثقافة لخدمة غرضه الدلالي وهذه الأبيات هي تضمين لشعر
ابن منير الطرابلسي من شعراء العصر الفاطمي (ت/548 ) ومن
أمثلة التنصيص الجيد قوله :
"ميمونُ "عفوا فلا تربع بمحفلنا
فأصحب " هريرة َ" إن الركب منتحلُ (81)
وميمون طبعا الأعشى ، والانتحال التزييف وهو أن يدعي المرء
شيئا ليس له ، فكأنه يرى زيف المهرجانات الشعرية العربية
بادعائها الاهتمام بالشعر العربي والاحتفاء به وقوله مخاطبا
شباب صور العاطلين عن العمل المتسكعين على أرصفة المقهى
.. المتكئين كسالى على أمجاد ولتْ ، لم يصنعوها ولم يحافظوا
عليها يقول: وقالوا " صورنا "حبلى / بأمجاد وتاريخ
وإشراق ِ / و" صور " في شموخ الصمت / من إغفائهم
خجلى . (107) ولحسن الحظ أن النموذج الأول قليل لديه ويكثر
التنصيص الجيد في معظم قصائد الديوان .
د. سعيدة بنت خاطر الفارسي
أديبة عمانية
أعلى