كلمة ونصف
السبلة موطن القيم والأخلاق الرفيعة
السبلة إرث عُماني عريق يعتز به كل مواطن على
هذه الأرض الطيبة فيها تربى النشء على أخلاقها تربى ، وعلى مبادئها
ترعرع ، وعلى قيمها النبيلة شب وعلى أصولها حافظ .
فالسبلة موروث حضاري غرس فينا كل القيم والمبادئ ورسخ الأخلاقيات
الحميدة فهي مدرسة في أصول الأدب والاحترام والتقدير ، وهي معلم
بارز من معالم التراث العماني التي ستظل راسخة في وجدان المواطن
العماني .
والسبلة تعلمنا منها متى نتحدث وكيف ، وعرفتنا بآداب المحادثات والمناقشات
والحوار ، وأسلوب الحديث مع الكبار والصغار، وعلمتنا ألا نرفع أصواتنا
على من هم أكبر منا سنا ، احتراما لهم ووقارا ولكونهم أقدر من يحترم
، وأعظم من يبجل ، والسبلة أرضعتنا ما أوصانا به الإسلام من عدم
المجادلة إلا بالتي هي أحسن والمناقشة بالحسنى مصداقا لقوله تعالى
" وجادلهم بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي
حميم ".
ولكن أين الموروثات العظيمة منا الآن ، أصبحنا نفتقد اليوم القيم
والأصول والآداب في مخاطباتنا وأحاديثنا، بدواعي الحرية والانفتاح
على الغير بالسلوك غير الأخلاقي.
واللغة التي نتحدث بها أصبحت تستغيث من المفردات الدخيلة وغير المفهومة
، والدارجة والمصطلحات غير المستساغة فالأسماء لها دلالات عميقة
وكبيرة لا يجب أن تهان والمخاطبات يجب أن تكون ذات مذاق رفيع يسمو
بالكلمة المكتوبة للتاريخ ، وللزمن لتبقى راسخة.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى
اصداف
بكاء بوش
اعترف
الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بالكارثة التي يتعرض لها جنوده داخل
الوحل العراقي، وقال: إن مقتل الجندي، الذي اكتمل به عدد الثلاثة
آلاف جندي، الذين سقطوا في ميدان الحرب بالعراق قد أبكاه، ولانعرف
ماهي المواصفات التي يتميز بها هذا الجندي، لدرجة أنه شعر بالحزن
العميق، وذرف الدموع لمقتله.
مايصل إلى المتلقي من مثل هذا الخطاب، قد يدفع بالكثيرين إلى التعاطف
مع الرئيس الأميركي، وقد يعتقد البعض، أنه ينطلق من أرضية غارقة
بالإنسانية، وهو يتحدث عن الحزن والبكاء، الذي يلفه ويسيطر عليه،
وهو يتابع سقوط هذا الجندي في ساحة الحرب بالعراق.
الا ان الحقيقة تختلف تماما، فاذا كان الرئيس بوش ينطلق من تلك الرؤية،
التي يعتقدها البعض، فإن حزنه يجب أن لايميز بين الجندي الأول الذي
سقط مع بداية غزو العراق ربيع عام2003، والجندي الذي يحمل الرقم
ثلاثة آلاف حسب البيانات الرسمية، التي تصدرها وزارة الدفاع الآميركية،
فهذا جندي أميركي والذي سبقه كذلك، لكن لابد أن تتم قراءة حالة الحزن
والبكاء، التي تخيم على رئيس البيت الأبيض من الزاوية الصحيحة ،
بعيداً عن التزويق الإعلامي، ومحاولات التلاعب بمشاعر الأميركيين،
إذ أن الرئيس بوش إنما يحزن على نفسه وإدارته، ويبكي على الحال المأساوي
الذي رمى أميركا في الحفرة السحيقة، وبدلا من الارتقاء بسمعتها وهيبتها،
فقد أطاح بما كانت عليه، وبسبب غزوه العراق، وإصرار إدارته على البقاء
على أرض الرافدين، والعمل على صياغة أحوال العراق والعراقيين وفق
الصورة التي يريدون، فقد انقلبت الطاولة على رؤوسهم، ومع ازدياد
ضربات المقاومة العراقية ضد قواتهم ومرتكزاتهم، فقد ازداد ترنحهم
وكثرة هزائمهم، وعجزت قواتهم المسلحة عن تأمين الحماية لدورياتهم
وقواعدها، وتحولت إلى أهداف سهلة تتوزع بين قنص الجنود أو قتلهم،
وارسال عشرات الآلاف منهم بين معاق ومخبول، وهذا ماتعترف به دوائر
البنتاغون ذاتها.
إن الجميع يعلمون بما أدعاه بوش عندما أرسل جنوده لغزو العراق، فقد
ظل يردد أنه يريد حماية الأميركيين، لكن سرعان مابرزت الحقائق، وتكشف
عوائل الجنود أن الأبناء الذين ذهبوا لحماية الآباء، كما ادعى بوش،
قد عادوا داخل التوابيت لتبدأ سلسلة دفن الأجداد والآباء للأحفاد،
ومع كل جثمان تتم عملية دفن لهيبة أميركا وتتضاءل مكانتها في عهد
إدارة بوش، الذي أدرك ذلك وأخذ يبكي وبحزن على الحال المأساوي، الذي
وصلت إليه أميركا بسبب غزوها العراق.
أما الذين يقتلون من غير الأميركيين فلا قيمة لهم لا عند بوش، ولا
عند الذين يحكمون العراق الآن.
وليد الزبيدي
*كاتب عراقي مؤلف كتاب ـ جدار بغداد
wzbidy@yahoo.com
أعلى
باختصار
في كتاب القرن الإفريقي
هل
تقبل اريتريا بهزيمة حلفائها الصوماليين " المحاكم الإسلامية
" على يد الجيش الأثيوبي مما يعني ذلك توسع النفوذ الأثيوبي
إلى منطقة استراتيجية ، أم يكتب المستقبل القريب بداية مختلفة لحرب
طويلة الأمد. جميعنا يعرف العداوة التاريخية الأثيوبية الأريترية
وكيف قاتل الأريتريون الدولة الأثيوبية للحصول على استقلالهم الذاتي
وكانوا دائما جزءا من الصراع الدولي ومن الحرب الباردة التي ضربت
العالم لزمن طويل.
لاشك أنها البداية المدوية التي تعني سقوط " المحاكم الإسلامية
" الصومالية معنى لهزيمة اريترية مباشرة في حروب القرن الإفريقي
.. أن سياسة الأمر الواقع التي غيرت معالم الواقع في الصومال وأن
نتائجها تراجع لوجستي لتلك " المحاكم " يوضح معالم الصراع
القائم . إذ تلفت الحكومة الصومالية النظر إلى أنها تقاتل إرهابيين
دوليين ، وهو نص لايغيب عن البال في أنه موجه للولايات المتحدة التي
تعنيها تلك التسمية وهي التي تحمل لواءها منذ العملية الإرهابية
في 11 سبتمبر داخل الولايات المتحدة. تقول الحكومة الصومالية ماهو
يثير حفيظة الدولة العظمى ، لابل قد يكون نشيدها الذي تخفي وراءه
عودة الولايات المتحدة إلى الصومال بعد تلك الوقيعة الكبرى التي
دفعت فيها ضريبة كبرى إبان دخول قواتها إلى الصومال قبل سنوات.
لم يتدخل العرب في تلك الحرب ولا اهتمت جامعة الدول العربية مع أن
المجتاح هو إثيوبيا المسيحية. كان أمل الصوماليين أن يجتاح بعض الحنين
لبعض العرب إلى بلادهم لإيقاف الزحف الإثيوبي ، إلا أن معنى "
الإرهاب الدولي " بات فزاعة للجميع وبات من يقترب إليه كمن
يذهب للعنة بنفسه.
هل تعقدت الأمور في الصومال وباتت جبهة مفتوحة على شتى الاحتمالات
.. وهل لها بالتالي أي تأثير على أوضاع المنطقة ؟ لاشك أنها منطقة
ذات خصوصية ، لكنها ولأسباب تتعلق بالصومال الإسلامي والعربي إيضا
فهي تتخذ صفة متأخرة في القرار العربي أو الإسلامي حولها. الصومال
إفريقية بالطبع لكنها جزء من جامعة الدول العربية وهي تتمتع بمقعدها
الدائم فيها ، بل هي تمتعت بحيوية الحضور إمام كل المدلهمات العربية
وأن كان حضورها من قبيل الحرص على تمثيل العرب في المؤتمرات الكبرى
وخاصة القمة منها . لكن للصومال معناها الآخر وهو أنها آخر العرب
في إفريقيا وأن تداعيات وضعها الداخلي ليس كبيرا كما هي أحوال بلاد
المشرق أو تلك تحيط بفلسطين أو العراق . يتساءل كل صومالي واجهته
الكاميرا عن الإخوة العرب ويسأل عنهم في محنته.
مهما كانت نتائج الغزو الأثيوبي المدعوم أميركيا ودوليا فهي لن تفلح
في انهاء الأزمة الداخلية بقدر ماسوف تزيد في تعقيدها. ان تلك التظاهرات
التي خرج بها الصوماليين للمناداة بخروج القوات الأثيوبية سوف لن
تبقى مجرد تعبير لفظي ، ويعلم الأثيوبيون أن غزوهم قد يحقق نتائج
آنية لكنه لن يبقى كذلك أبد بقائهم في المناطق الصومالية ، كما تعلم
الحكومة الصومالية أن شرعية عودتهم إلى السلطة المتأتية من الوجود
الأثيوبي سوف تتحول لعنة عليهم أن لم يتم سحب القوات الأثيوبية على
جناح السرعة ، وهذا أمر مشكوك فيه ، فلو كان بمقدور الحكومة الصومالية
الحفاظ على مواقعها السابقة لما تمكنت " المحاكم الإسلامية
" من وضع أكثر الصومال تحت امرتها.
ما سيحدث في القرن الإفريقي حيث لن تقبل اريتريا بخسارتها أمام عدوتها
التاريخية اثيوبيا ، وحيث " المحاكم الاسلامية " لن تختفي
على وجه الارض كليا. انه مجرد وقت وزمن ليس ببعيد.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى
الأدب مسؤولية
الأدب، بوجه عام، تعبير إنساني في قوالب كلامية،
تراعي قيم الجمال وتنميها، ويضع العمل الأدبي تجربة ونماذج وعلاقات
إنسانية وسلوكاً في سياق معالجة لها خصوصيتها، تومض بوهج المعاناة
ولها لذع نارها، ويهدف إلى ترسيخ قيم وتحقيق أهداف، معتمداً منطقاً
وأسلوباً للوصول والتأثير والإمتاع والإقناع. ويُصَب العمل الأدبي،
أو بالأحرى يتخلَّق ويتفتَّح، ضمن حدود أطر فنية يحمل سمات وميزات
ومقومات وخصوصيات، تجعل للعمل شخصية مميزة وخصوصية ولذعاً حرَّاقاً
لا ينسى في حالات، وسلاسة جمالية مثل عذوبة النبع الصخري ينهل منه
ظامئ طال بحثه عن الماء، وتكسبه قدرة على إثارة عواصف داخلية قد
تعيد قولبة الكثير مما هو مستقر، وقد تثير الغضب والتشنج والعنف.
وتساعد الأطر النية والقيم والمقومات الخاصة على التفريق بين جنس
وآخر من الأجناس الأدبية- الشعر، القصة، الرواية، المسرحية، المقالة،
المقامة...الخ وبين كاتب وآخر. ويظهر في الأدب أو ينبغي أن يظهر
فيه، بصرف النظر عن جنسه وشخصيته وكاتبه وعصره ، ملامح المجتمع والبيئة
التي نبت فيها ومكونات تلك البيئة وملامحها، ويكون لثماره طعم التجربة
الإنسانية والتربة الثقافية خصوصاً والحضارية عموماً التي تتواصل
معها جذوره وتتغذى منها.. إن له هوية إن صح التعبير كما للكائن الإنسان
هوية تميزه عن غيره من المخلوقات، وعن إخوته من بني البشر وحتى عن
أشقائه من رحم واحد.
وتنعكس في الأدب معاناة الإنسان الفرد من خلال ارتباطه بالمجتمع،
ينعكس فيه واقعه ومقومات تكوينه الرئيسة: الجسمية - النفسية، الاجتماعية،
بكل ما لهذه الكيانات من أبعاد وتأثير ومكونات، يتم بتداخلاتها بعضها
مع بعض وتفاعلها جميعاً ضمن الذات والبيئة والمجتمع إنشاء الكيان
وتوقع نتائج تفاعله مع سواه ومع المعطيات ممن حوله. والعمل الأدبي
الناجح يجعلنا نقف على ذلك كله إضافة إلى أنه يضعنا في صورة واقع
الإنسان وطموحاته وينقل إلينا أحاسيسه وقلقه وأفكاره وعواطفه وأسلوب
تعامله مع الناس والأشياء والمخلوقات في الطبيعة، وكيفية محاكمته
ومعالجته للأمور، ضمن نظرة للكون والحياة تمليها قيم وتجارب ومعطيات
واقع ظروف حياة وعلاقات مع الناس.
ونحن أيضاً في العمل الأدبي أمام اختيارات الكاتب التي ارتضاها وأهدافه
التي ينشدها، أمام صورة معاناته في الوجود ومن أجله، ونظرته إلى
الواقع وتحريضه المستمر الذي يوصله إلينا من خلال عمله وبأسلوبه
الخاص ليجعلنا نرفض واقعاً معترَضاً عليه ونعمل على تغييره بواقع
أفضل منه. وقد يأتي الاعتراض والتحريض مواكبين لتصور واضح الملامح
في إطار رؤية لواقع هو الصورة البديلة لما يُعترض عليه ويتم الدفع
باتجاهه، أو مجرد اضطراب عبر واقع مرفوض، تشكل الدعوة إلى الخروج
منه وعليه، والوقوف خارج تلاطم لُججه بداية طريق الوضوح والتصميم
والإرادة، لتكوين صورة واقع بديل هو الواقع المنشود ورسم طريق الوصول
إليه، وقد يحجب صورة ذلك الواقع عن الكاتب بوضوح كفلق الصبح انغماسه
في معاناته الأليمة ضمن واقعه أو تورم أنانيته، وجثوم معاناة خاصة
ذات صفات كابوسية تجعله يقدم خصوصية ضيقة لا ترقى إلى شمولية إنسانية،
ومن ثم يقع تحت وطأة حالة تسد عليه منافذ كثيرة وتجعله يحتاج إلى
الطب ويفقد موقع الطبيب.
ويأتي العمل الأدبي في الغالب ، محققاً لغرض الأديب وغاية الأدب
، في تحرر الإنسان من قيود وظلم وقهر وجهل ومحدودية تفكير وقصور
تصور وتدبير ، أو رضا هو استسلام فرضه الخوف أو الخمول وقلة القدرة
على استشراف مخارج النجاة مما غرق فيه من أسى أو ضياع، وهو ما يجهد
الأدب والأديب لتحقيقه، يتم من أجل الإنسان الذي نريد له حياة أكثر
سعادة، وحرية تمكنه من الاستمتاع بعمر لا يعيشه إلا مرة واحدة فقط،
وبكرامة هي من أغلى ما ينبغي أن يتحقق ويصان له على الأرض ويبقى
في الرصيد التاريخي للمبدع.
ورغم توافر شكليات كثيرة في العمل الأدبي، يبقى هامش التأثير ثانوي
القيمة إذا لم يحقق انتماء للإنسان في واقعه المعيش، ليصل بتحقيق
هذه الخصوصية إلى شمولية إنسانية تجعل منه عملاً باقياً مفيداً لأناس
كثر وأجيال عديدة. وما لم يرتبط الأدب بواقع وقضايا، ويتمثّل ذلك
بعمق، وتظهر نتيجة ذلك التمثّل والمعايشة بصدق ووضوح رؤية وشفافية،
ما لم يتخذ مواقف واضحة وصريحة وجريئة من البؤس والظلم والقهر والفساد
والعدوان والاستغلال والاستلاب، من التعاسة والتبعية والشقاء، من
الانتهازية المدمرة وضحالة الروح، وما يحل من بؤس بساحة الإنسان
كل يوم، ما لم يكن ذلك ديدنه أو بعض ديدنه ويتمثله بعمق ويعيد إنتاجه
بإبداع، يبقى أو يسقط خارج حدود الكلمة الشريفة التي تحمل رسالة
سامية وتقف إلى جانب الإنسان في نضاله المشروع قوة حامية ومنفذة
وهادية على مدى العصور.
وتتوقف قيمة الأدب والفن ومدى ارتباطهما بالإنسان والحياة وقدرتهما
على التأثير والبقاء، تتوقف تلك القيمة- على الرغم من توافر قيم
ومقومات شكلية تحقق جانباً كبيراً من الإبداع- على تحديد القيم والأهداف
التي يناضل من أجل تحقيقها كل من الأديب والفنان، وعلى وضوح تلك
القيم والأهداف وإنسانيتها، وأساليب العمل من أجل بلوغها.
ولكي يكون الأدب أدباً والفن فناً، يجب أن يكونا إنسانيين، ولكي
يكونا إنسانيين يجب أن يستنبتا في بيئة اجتماعية ويثمران إنسانيتها
وخصوصيتها، ويشهرا سلاح الصدق والوضوح بجرأة، محددان موقفاً من كل
ما يجري في هذه الحياة. وهذا القول، فيما يبدو في الظاهر "لمن
يلتمس ظاهره أو يقف عنده"، مما هو متفق عليه نظرياً، ولكن بطلان
ذلك يظهر بوضوح صارخ عندما تبدأ عملية تحديد مفاهيم القيم الإنسانية
أو إنسانية القيم البشرية وكيفيه الوصول إلى تحقيقها وترسيخها وخدمتها
والدفاع عنها، والتعامل معها ضمن مصطلحات ومفاهيم محددة، بما لا
يجردها من مضمونها الإنساني وبعدها الأخلاقي؟!
والأدب بحكم ارتباطه بالحياة يحمل هموم الأحياء وتطلعاتهم ويجسد
قلقهم ويمثل ضميرهم، والكاتب الذي يريد لأدبه الحياة والفاعلية والانتشار،
يلتصق بواقع الناس ويعبر عن هواجسهم ويشرع أبواب الأمل أمامهم ويدفع
مسيرة الحرية والمتعة والاستقرار في الحياة إلى الأمام؛ ولا يستطيع
الكاتب تحقيق ذلك ما لم يعش أحداث عصره بامتلاء، ويتجذَّر في أرضه
وحضارة شعبه بانتماء، ويبدع في إطار رؤية إنسانية شاملة، فيكون في
أعماق عصره وتفاصيل ذلك العصر، وفي جذور تربة ثقافية واجتماعية وحضارية
ينتمي غليها ويحملها، وفي الوقت ذاته يحرض على التغيير ويمارس درواً
إيجابياً ليكون العالم أفضل والغد أسعد والمجتمع أكثر أمناً وأفضل
تعاملاً. إنه يرسم مشروع عالم الغد ويقدمه في شخوصه وكلامها وقيمها
وأحلامها التي تصور الواقع وتشكل برؤاها وأفعالها مدخلاً مشروعاً
لتغييره. وهو حين يحكم على واقع وسلوك وقيم ويدينها يؤسس لواقع وسلوك
آخر ولعلاقات وقيم أخرى، ويدعو إلى إشادة بنية اجتماعية وتكوين أجيال
تتمتع بقيم خُلُقية وغنى روحي وإرادة صلبة تصنع بها عالم الغد الأفضل..
أما إذا ركض في فلوات الكلمات على غير هدى منجذباً إلى سحر القول
وشحن بعض من ينفخون " البوالين".. فقد لا يصل إلى شيء
يرضيه، وقد لا يقدم للناس ما يفيدهم حتى إذا أرضى قلة منهم عنه،
وقد يقضي لاهثاً في صحارى لا تبقى منه شيئاً.
إن الكاتب بحكم موقعه وتعامله مع الكلمة التي تحمل مسؤولية إنسانية
وخُلُقية وتستمد شرفها من الانتماء للحياة والصدق والعدالة والحرية،
بحكم ذلك، يتحمل مسؤولية تاريخية حيال العصر الذي يعيشه والعصر الذي
يحاول أن يستشرف صورته، لأنه إنما يكتب ليتجسد ما يكتبه في حالة
اجتماعية أو سلوكية أو حيوية مستقبلية، في سياسة وعقيدة ورؤية ومتعة
عيش. ومسؤولية الكتاب في هذا العصر كبيرة حيال التحدي والتهديد والاحتلال
وتشويه الحقائق والتدخل في شؤون الدول والشعوب وثقافاتها ومحاولة
فرض حالة القصور الحضاري عليها بإرهاب الدولة الذي يتجلى أنموذجه
في الحالة الصهيونية المكفولة أميركياً.. وهي حالة متضادة حكماً
مع الحالة الحضارية المستندة إلى قيم ومعايير وأخلاق إنسانية شاملة،
وأصالة من تريد أن تفرَض عليه. والمسؤولية تصبح أكبر حيال التهديد
العسكري والفوضى والأزمات الاقتصادية ومشكلات البيئة والصحة ومحاولات
احتكار أسلحة الدمار الشامل باسم نزعها ممن يحاول أن يوازن قوة عدوان
بقوة دفاع، ويتحمل مسؤولية خُلُقيَّة عن الظلم الذي يحدث في العالم
وعن الإرهاب الدولي "إرهاب الإمبراطور" الذي يحرم شعوباً
من الأمن ويمضي في إبادة الشعب الفلسطيني مثلاً بتدمير مقومات الصمود
والبقاء والمقاومة لديه، وإشعال النار بالشعب العراقي ليؤسس لفتنة
يكون وقودها العرب والمسلمون.
لذلك أرى أن مسؤوليتنا الخُلُقيَّة عن عالمنا تحتم علينا التبصر
في الظاهرة العدوانية المتنامية في المؤسسة الأميركية الحاكمة والحركة
الصهيونية، ومحاولة الوقوف على أسباب الداء تمهيداً للتعامل معه
وحصره والشفاء منه. وأن يتعاون العالم بمسؤولية لوضع حد لهذه الحالة
المستفحلة المخاطر، ويتم التوجه إلى الشعوب التي لا تحب الحروب عادة
لتمارس دوراً فعالاً في هذا المجال ولتمارس بديمقراطية مسؤولة دوراً
يبعد عن العالم حكاماً مهووسين مصابين بمرض السيطرة وجنون العظمة
والتسلط عن ساحة اتخاذ القرار الذي يضر العالم ويدمر الحضارة وينشر
الفوضى. وعلينا أن نعمل من أجل دحر الاحتلال وإزالة أشكال الاستعمار
والاستغلال والهيمنة وإفساد القيم والناس والعلاقات والثقافات، والوقوف
بوجه أنواع الغزو والاستلاب الثقافي، من أجل المحافظة على غنى وتنوع
ثقافي لا تتقدم الحضارة الإنسانية وتزدهر من دون توفره، وعلى مناخ
ثري في عالمنا يتكون من أقواس قزح كثيرة وكبيرة تنتشر في فضاء عالمنا
كله.
ولن يكون الأدب مخلصاً للإنسان والحياة والرسالات والقيم ولمسؤولياته
الخاصة وخصوصياته البناءة ما لم يعمل على إزالة النزوع العنصري والتسلطي
من جهة ويقضي على الخنوع والاستسلام اللذين يفرضهما الجهل والخوف
والتواكل وضبابية الرؤى والأفكار والمواقف، تلك التي تشوه صورة الإنسان
والحياة والعلاقات، وتشوه النفس البشرية ومناخ الحياة والتفكير والاعتقاد
والتعبير وعالم اليوم. ولن يكون الأدب أدباً مستحقاً للحياة ما لم
يحافظ على مقوماته بوصفه أدباً وعلى قيمة الإبداع ومضمون ينصف الإنسان
ويدافع عن حقوقه وقيمه وحريات. على الكاتب أن يقدم أدباً جيداً وجميلاً
وممتعاً ومسؤولاً، أدباً يرفع قيمة الحياة والعمل بنظر الإنسان،
ويجدد أفق السعادة والحرية بالوعي المعرفي، ويجعل الإنسان أكثر جدارة
بإنسانيته وحياته، وأكثر تمسكاً بالحياة وإقبالاً عليها واستمتاعاً
بها وشعوراً بجمالها الذي يسفر عنه الأمان والعدل والاطمئنان.
علي عقلة عرسان*
* كاتب وأديب عربي سوري
أعلى
شكرا للجالية الباكستانية
ذهبت انا وابني الصغير صباح السبت الى مسجد
الجمعية الاسلامية غرب لندن لصلاة العيد ، فوجدنا الصلاة غدا الاحد.
ذلك ان اغلبية المسلمين في غرب العاصمة البريطانية من ابناء الجالية
الاسيوية، واغلبيتها باكستانية ، التي قررت ان عيد الاضحى يوم الاحد
الاخير من عام 2006 وليس السبت ، كما سار معظم مسلمي دول المنطقة
مشيا على توقيت بلاد الحج لتوحيد يوم وقفة عرفات. ويعود ذلك الى
خطأ بيّن في تحديد اول ايام شهر رمضان، ومن ثم عيد الفطر وبداية
شهر ذي الحجة. وبما ان القصد من صلاة العيد هو الجماعة، فقد عيّدنا
يوم الاحد وليس السبت، رغم ان المركز الاسلامي في لندن اعتمد العيد
السبت.
وأود هنا التذكير فقط بان مسجد غرب لندن، او مسجد "هاونزلو"،
لا يقل حجما ومساحة عن مسجد المركز في "ريجنتس بارك"،
مع اننا بنيناه بالتبرعات من الجالية المسلمة دون مساهمات ضخمة من
السعودية او دول الخليج كما هو حال مراكز اسلامية عديدة في لندن
وغيرها من مدن اوروبا. لذا نعتبر جاليتنا هنا وكانها "الغرب"
من مسلمي المهاجر بالنسبة "لشرق" بقيتهم، الاوسط والاقصى.
وها انا ذا اجد نفسي (فئويا) و(مناطقيا) في اطار (طائفي)، احيي واشكر
الجالية الباكستانية في غرب العاصمة البريطانية لانها اعفتني من
العيد الذي اريد لي على شاشات كل التلفزيونات وصفحات كل الجرائد.
ما زلت اذكر بوضوح نهاية عام 1998 عندما اصرت لندن وواشنطن على قصف
العراق بكثافة لأيام متتالية مع بداية شهر رمضان الكريم. ولم يكن
هناك اي مبرر عملي ولا منطقي للقصف، ناهيك عن توقيته، سوى نسف اي
قدسية او حرمة لاي شئ له علاقة بالمسلمين. ولما وجدوا المسلمين قابلين
خانعين بانتهاك حرماتهم، لم يوفروا مناسبة الا وتعمدوا النيل من
اي شئ يخصهم في دينهم ومشاعرهم.
عذرا، فقد كنت انوي الحديث عن العيد وعن العام الجديد بشكل مختلف،
لكنني تذكرت رسالة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، التي طلب مكتبه
من هيئة الاذاعة البريطانية ان تبثها قبل عدوان 1998 على العراق،
الموجهة للمسلمين ولم اجد للعيد طعما ولا للعام الجديد من نوافذ
امل كثيرة.
صحيح ان الجالية الاسلامية، وتحديدا في بريطانيا، تتخذ مواقف من
قضايا عنصرية الغرب تجاه الاسلام تتسم احيانا بالشطط والتطرف لكنه
تطرف رد الفعل. ولو كان المسلمون في مقاومتهم للعنصرية ضدهم مثل
اليهود او السحاقيات لكانت حكومات الغرب احترمتهم واقامت لهم وزنا
وغيرت القوانين لصالحهم ولمنع اهانتهم او حتى مس مشاعرهم. لكن حال
المسلمين لا يحتاج الى شرح وتفصيل، ومن بينهم من يزايد على الاميركيين
والبريطانيين في تحقير بني جلدته ومن يفترض انهم اخوانه في الدين.
لذا اجد بعض العذر لمواقف بعض الجاليات التي لا اتفق معها، واراها
احيانا ضارة بعض الشئ.
كما انه من الانصاف الاشارة الى ان المسلمين ساهموا في ضعفهم وهوانهم
الى حد كبير بتفرقهم وتناحرهم واهدار امكاناتهم بشكل يشجع دائما
على النيل منهم واتخاذهم نموذجا لكل موبقات السياسة الدولية. ورغم
كثرة عددهم، اكثر من خمس البشرية، فان وزنهم دوليا كجماعات ودول
لا يوازي العدد، وكان غالبية الكثرة يصدق يها وصف الحديث الشريف
بانها "كغثاء السيل".
خلاصة الامر ، كل عام وانتم بخير. ولعل العيد القادم يأتي على مسلمين
موحدين في كلمتهم مدركين لقوتهم مقاومين لكل محاولات النيل منهم
بشكل فعال يزيد من وزنهم في السياسة الدولية التي لن تغير من توجهها
باستهدافهم بكل السبل والاسلحة من الافكار والسلوكيات الى التقتيل
والاحتلالات. والله المستعان على ما يصفون.
د. احمد مصطفى*
* كاتب وصحفي عربي مقيم ببريطانيا
أعلى
وللفيصل الكلمة الآخيرة !
ليس ثمة ما يؤكد ان عمر الافراد هو ذاته
( عمر الشعوب ) ، ولا ما يشير الى ان تاريخ الافراد هو ذاته تاريخ
الشعوب ، ولا ان مصائر الافراد هي ذاتها مصائر الشعوب. واذا كان
كل فرد ( زائلا ) لأنه لابد ان يفنى ، فان الشعوب هي الابقى وهي
الاقدر على تغيير المسارات التي لعب الافراد دورا في تكوينها او
في حرفها او حتى في قلبها . والتاريخ ، ان كان سجل فعل الشعوب في
الزمن ، وان كان يسجل ( فعل افراد بعينهم ) الا انه يظل القادر في
النهاية على تصويب المسار ، او ما نتج عن افعال الافراد وان تعرض
للتزوير او التحريف .وبالتالي فإن الكلمة الفصل والفيصل لابد ان
تكون للتاريخ ذاته . ليس بمقدور أي قوة ان تجر التاريخ الى ساحة
الاعدام وتنفذ فيه حكمها ، لا رميا بالرصاص ولا ذبحا ولا شنقا ولا
بالمقصلة.
وما حدث ويحدث في العراق لابد ان يقاس بالنتائج المترتبة عليه ،
وليس القياس هو ( مصير فرد او عدة افراد) بل ما يؤول اليه حال وطن
وحال شعب . دعونا من مصائر الرموز وحتى من اثرها في مصائر الامم
والشعوب ، لكن في النهاية لايصح الا الصحيح ولا يمكث في الارض الا
ما ينفع الناس . تتباين الاراء وتتناقض المواقف - لكنها جميعا محكومة
بالظرف الجاري على الطبيعة. عليه فان العواطف وحدها لاتبني اسسا
لسجل الزمن والتاريخ ، وحين تهدأ العواطف ، كما هي حال العواصف ،
يبدأ العقل عمله ويسود المنطق ، وآنذاك تكون محاكمة الأحداث بمدى
اثرها في مسار الاوطان والامم والشعوب ، سلبيا كان الحكم عليها ام
ايجابيا.
من هذه الزاوية لن يرتبط القلق العام بمصير اي فرد من افراد المجتمع
ومهما كان موقعه وفعله ، بل لابد من ان يكون مسار القلق السليم موجها
نحو ( الوطن والشعب ) . من هنا ادنا اختلافات فتح وحماس ، وتخوفنا
من عنادهما وتمسكهما بالفصائلية احيانا وعلى حساب الشعب والقضية
. ومن هنا رأينا ان الفتنة مدمرة للاطراف المقتتلة دون تمييز . وهكذا
وضعنا ايدينا على القلوب خوفا على لبنان وعلى فلسطين ونضعها خوفا
على العراق ، قبل إعدان صدام حسين وبعده. فما تؤول اليه الاحداث
في الزمن القادم يؤدي ايضا الى تبلور الفكرة النهاية لحكم التاريخ.
السؤال الاساس والمهم هو : الى اين يسير العراق ؟هل ان الاحداث التي
شهدها في عام 2006 ستؤدي الى سيادة الامن والوحدة وعودة السيادة
والاستقلال بخروج قوات الاحتلال منه وتحقيق سيطرته الحرة على مقدراته
وثرواته ؟ ام ان القادم من الزمن يحمل المزيد من الموت والدمار والاقتتال
والعنف والتطرف والتشرذم الى العراق عموما ؟ المؤشرات تقول ان النار
في العراق تزداد اضطراما ، وان الادارة الاميركية متجهة نحو قرارات
، ليست بالضرورة هي الاستجابة للنصائح والمقترحات ولا هي نتاج الدرس
المستوعب من الاحتلال وسنواته العجاف على العراق وعلى المنطقة وعلى
الولايات المتحدة ذاتها. واذا كان هناك من تمنى ان ( ينتهي ) عام
2006 بسرعة لاستقبال العام 2007 بروح متفائلة فليس مسار الحدث في
العام الجديد الا النتاج الطبيعي لما كانت عليه احداث العام الذي
سبقه. ليس ثمة ما يحدث من غير جذور ، والرابط بين اليوم والامس لايمكن
ان ينفصل ، حتى في خضم التحولات الهائلة في المصير الانساني . ومن
هنا يبدو اننا مقبلون على مزيد من القلق على مصير الملايين من ابناء
وادي الرافدين ، والقلق على ( العراق ) بتاريخه وانتمائه ودوره في
الساحات جميعها : العربية والاقليمية والاسلامية والدولية .
هذا الاستنتاج يتبدى جليا من ردود الافعال المتناقضة في داخل الخارطة
العراقية الجيو بوليتيكية والسسيولوجية . أي في المشهدين الرئيسين
: السياسي والاجتماعي ، وارتباطهما بالواقع الجغرافي البشري للعراق
كله . فالانقسام افقي وعمودي في الوقت عينه . والاحداث اسهمت في
تعميق الانقسام والعامل الخارجي - الموضوعي - اجج كل عوامل الفتنة
والانقسام والاحتقان . ولما كان كل عامل من العوامل له مناصروه -
بقوة وتطرف واصرار وعناد - فالمتوقع ليس جيدا وليس ايجابيا بأية
حال. الدم يغرق الشوارع والازقة والمدن ، والشوارع مزروعة باسباب
الموت ، والخوف وفقدان الثقة بين مكونات الشعب العراقي يترسخان بفعل
مدروس ومرسوم هدفه الاساس تمزيق الكيان الوطني العراقي ، والذي لايتم
الا حين تسود المجتمع روح الانقسام وعوامل اللاثقة والحذر والتخوف
، والمواقف المتضادة التي تنأى عن ( خيمة الوطن ) وتنحصر في ( الحزب
او في المنطقة او في الفئة او الحركة او التيار او المذهب او العرق
او الدين ) وبدلا من ان يكون ( الموزاييك ) العراقي علامة جمالية
ودلالة وعامل قوة للوطن العراقي ، يصبح هذا التنوع عامل تمزيق وقبرا
واسعا للوحدة والسيادة والعيش الآمن بين مجموع المكونات التاريخية
للشعب العراقي.
ليس من باب التشاؤم نقول ما نقوله بل من باب التحذير وضمن قراءه
جهدت ان تكون موضوعية - مع ادراكنا ان الموضوعية في قضية تخصنا تكون
نسبية الى حد كبير ., للعراق نتمنى العودة الى الوحدة والحرية والاستقلال
والسيادة والامن وتوفير كل اسباب العيش لكي يربح العرب العراق بثقله
البشرى ووزنه الجغرافي وثروته . والتاريخ سيحكم على ما حدث وما سيحدث
في هذا الجزء النفيس العزيز من اجزاء وطن ينزف خوفا وحزنا ودما على
ما يجري لبعض اجزائه من دمار وآلام.
نواف ابو الهيجاء*
* كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
أعلى
روسيا تستعيد أمجادها ولو كره الغرب
أكملت روسيا بنجاح مهمة ترأسها لمجموعة الثماني
وتوجت ذلك خلال قمة المجموعة في سان بطرسبيرغ مطلع الصيف الماضي.
وفي أواخر الخريف وقعت روسيا اتفاقا تجاريا مع الولايات المتحدة
في هانوي ومن ثم فقد رفعت على اثره آخر الحواجز الجوهرية التي كانت
تقف حجر عثرة أمام انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية.
وقد اعتبر كثيرون ان هذين الحدثين الكبيرين هما أهم الإنجازات التي
حققتها روسيا على صعيد سياستها الخارجية خلال عام 2006. بينما ذهب
البعض الى الاعتقاد بأن الغرب قد طوى هذين الملفين في حين يرى آخرون
أن ذلك هو اقرار من الغرب واعتراف بمكانة روسيا.
وكان الغرب قد حاول في البداية ان يخيف روسيا بتهديده بتجاهل قمة
مجموعة الثمان وأن يقف دون انضمامها الى منظمة التجارة العالمية
بيد أنه عاد وتراجع ليقول أن ذلك لم يكن سوى مزحة.
والحقيقة فان الأشياء لا تبدو في حقيقتها كما تعكسها السياسة الخارجية.
أولا فقد أطلقت وسائل الاعلام الغربية والأميركية وكذا القنوات الاعلامية
للمعارضة الروسية حملة ضد قمة سان بطرسبيرغ واستهدفت بشكل عام ترؤس
روسيا لمجموعة الثماني. الا أن المقالات التي نشرت عن مكان لروسيا
بوتين والتي لم تكن تسير وفق المعايير والخطوط العريضة التي ترضي
الغرب في قمة الثماني لم تؤثر في الاعدادات الخاصة بالقمة. وكانت
روسيا تدرك أن شركاءها قد أخذوا قراراتهم الخاصة بها قبل وقت بعيد.
وثانيا فقد تزامنت قمة الثماني مع حدث آخر على قدر كبير من الأهمية
لم يلتفت اليه الرأي العام وهو ان روسيا كانت قد سددت ديونها الى
الدائنين في نادي باريس. وقبل ذلك بعام كانت روسيا قد سددت ديونها
لدى صندوق النقد الدولي. ومن ثم لم تعد روسيا مدينة لأي طرف بل انها
قد شرعت في منح قروض للدول النامية. وكان ذلك حدثا محوريا جاء في
وقته.
ثالثا فقد استطاعت السياسة الخارجية الروسية ان تحقق جل إنجازاتها
في الشرق خلال عام 2006 وكذا في العام الأسبق. وكانت تلك الانجازات
من الكثرة بمكان إلى حد انها تفوق الحصر أو التقييد بأحداث معينة
مثل انعقاد لقاءات القمم او الخروج بإعلانات. واكتسبت روسيا لمكانتها
قوة متزايدة في 2006 وقد أدرك الغرب من جانبه تلك الحقيقة جيدا.
إلا ان تلك ليست سوى تفاصيل ثانوية في حين ان الاحداث الرئيسية هي
ترأس روسيا لقمة مجموعة الثمان وانضمامها الى منظمة التجارة العالمية.
وسوف يكون لذلك تأثيره الكبير على حياة كل روسي. وعلى اية حال لم
يكن هناك الكثير من الأحداث المرتبطة بالسياسة الخارجية نتيجة للتقييم
المتواضع لدى الغرب للتغيرات القادمة التي ستشهدها روسيا كلاعب على
الساحة العالمية. وعلى ضوء تلك المكانة على الغرب ألا يحاول ان يعزل
روسيا أو أن يثير غضبها حول قضايا ثانوية.
وربما لم يدرك الغرب والولايات المتحدة وعدد آخر من الدول التي تربطها
اتحادات رسمية أو تحالفات وكذا تلك التي تترابط بعرى حضارات وأيديولوجيات
أن العالم يتغير وأن هذا التغير لا يصب في مصلحة هؤلاء. بيد أن النخبة
السياسية في أوروبا استطاعت أن ترى بوضوح هذا التغير الذي يشهده
العالم على نحو أسرع مما كانوا يتوقعونه له.
وتشير التوقعات الى أن الصين والهند ستصبحان في طليعة الاقتصاديات
العالمية بحلول عام 2020 وليس 2050 كما كانت تشير تقديرات سابقة.
وتراجع النفوذ السياسي الغربي في العالم عقب الإخفاقات المتلاحقة
في منطقة الشرق الأوسط التي يصفها الخبراء بالمنطقة المفقودة التي
لم تخرج بعد كل ما لديها من مفاجآت.
كما بزغت أميركا اللاتينية متحدية الغرب لتمثل جزءا آخر هاما في
الاطار الكلي للصورة. بينما تدق التهيدات الداخلية في أوروبا ناقوس
الخطر حيث لم تستطع أن تعالجها ( كوسوفو وحالة الإحتقان والاستياء
لدى المسلمين والسكان الأصليين للقارة ) وهي جميعها عوامل تقوي من
الشعور بانعدام الامن.
وخلال العقد الاخير من القرن الماضي كان هناك اعتقاد أن روسيا التي
تمثل الجزء الأكبر من الامبراطورية السوفيتية السابقة سوف تلتحق
بركب الغرب لتتأقلم معه في شتى الجوانب وتقبل بالسياسة والأخلاق
الغربية وكذا تتشرب أعرافه ومعاييره. وكان هذا التصور يتماشى مع
الصورة المخادعة لحقبة الأميركان الجدد أو الأوروبيين الأميركيين.
إلا ان تلك التوقعات لم تتحقق على أرض الواقع فقد اختار الروس ونخبتهم
السياسية معايير أخرى مغايرة يمكن أن يطلق عليها معايير صينية أو
كازاخية الا ان جلها روسي أصلي.
وللمرة الأولى على مر قرون عدة فقد اعترفت الحضارة الغربية إن لم
تكن قد قبلت بأن الحضارات الاخرى الأقدم والأعرق يمكن ان تستعيد
لنفسها سبقها التاريخي وتنهي حقبة الشعور بالدونية وبأنه لا مناص
من تعلم كل شئ وأخذه عن البلدان الأوروبة الأصغر عمرا. ولم تعد فرائص
الأوروبيين والأميركيين ترتعد عندما يقول أحد المحللين السياسيين
الهنود أن الهند وروسيا هما أكبر دولتين في العالم : الاولى من ناحية
عدد السكان والثانية بمساحتها.
و كان الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والهند من أهم الأحداث
الكبرى التي شهدتها السياسة العالمية خلال العام أو العامين الماضيين
ليس فقط لأنه يعترف بما فعلته الهند لتثبت مكانتها كقوة نووية ولكن
الأهم انه يمثل بداية لسياسة أميركية تسعى نحو تطوير علاقة جوهرية
جديدة مع أحد أقطاب المستقبل.
ويمكن القول إن ترؤس روسيا لقمة مجموعة الثمان وانضمامها الى اتفاقية
التجارة العالمية هما حدثان لهما ثقل متقارب إلا أن ماهية مثل تلك
الأحداث وأهميتها الحقيقة ربما تتطلب المزيد من الوقت لسبر أغوارها.
ديمتري كوسيريف *
* معلق سياسي لدى وكالة أنباء نوفستي الروسية
خدمة أم سي تي خاص بالوطن
أعلى
هل تنتهي محاكمات البلقان دون جلب العدالة؟
تعهدت محكمة الجزاء الدولية ليوغسلافيا السابقة
عند انشائها لأول مرة عام 1993 بإنجاز عدد من الأهداف النبيلة، وأنه
بمحاكمة المشتبه في تحملهم للمسئولية الأكبر عن الفظائع التي تم
ارتكابها في البلقان، ستتمكن المحكمة من جلب العدل إلى الضحايا،
وتردع ارتكاب جرائم أخرى، وتساعد على استعادة السلام في المنطقة
التي مزقتها الحرب.وبينما كانت دائرة القتال تتوسع على مدار عقد
من الزمان، كذلك اتسع نطاق المحكمة .
لكن لم يدر بخلد مؤسسي المحكمة انه بعد 13 عاما، سيظل ثلاثة اشخاص،
هم اكثر المسئولين عن الحروب، بمنأى من العدالة، الأمر الذي قوض
بشدة قدرة المحكمة على ردع مجرمي الحرب الجدد، وسبب خيبة أمل لاذعة
لالاف الضحايا.
فأما سلوبودان ميلوسيفيتش، الرئيس السابق ليوغسلافيا والرجل الذي
يعتبره الكثيرون المهندس الرئيسي للصراع، فقد توفي بعد أربع سنوات
قضاها في محاكمة بدت معقدة ومطولة.
وأما رادوفان كراديتش، زعيم صرب البوسنة السابق، وراتكو ميلاديتش،
قائد جيش صرب البوسنة أبان الحرب، فقد أدينا في عام 1995 لكنهما
مازالا طلقاء حتى اليوم.
وحيث ان المحكمة تقترب من موعدها النهائي الذي حددته لنفسها بحلول
عام 2008 لاستكمال محاكماتها كلها، و2010 لإنهاء جلسات استماع كافة
الالتماسات، من الواضح ان الهاربين الباقيين لن يحاكما أبدا.
ولقد سعت جماعات حقوق الانسان ومنظمات الدفاع عن الضحايا وممثلو
المحكمة للضغط في مجلس الأمن لتمديد تفويضها.
على ان مثل هذه الخطوة لن تأتي بلا ثمن، خاصة ان المحكمة تكلف الأمم
المتحدة حاليا 300 مليون دولار سنويا. كذلك لن تأتي بسهولة، اذ برغم
ان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا عبروا قبل أسابيع عن
رغبتهم في تمديد موعد المحكمة ريثما تتم محاكمة كافة المشتبهين،
فإن عضوا المجلس، روسيا والصين، تعارضان ذلك بشدة.
والحق انه حتى لو تم تمديد الموعد النهائي، فليس ثم ما يشير إلى
ان ايا من ملاديتش أو كراديتش سيتم اعتقاله واحضاره إلى لاهاي.
فثمة تقارير تفيد بأن ملاديتش ظل يتخفى في عدد من الشقق ببلغراد
على مدار السنوات الماضية، ولم يبد المسئولون في صربيا، برغم التعهدات
السابقة، اية بادرة على انهم سيسلمون بالفعل الجنرال السابق إلى
المحكمة .
في الوقت نفسه، هرب كراديتش من الاعتقال حين كان يعيش في جيب صربي
داخل البوسنة.
ولقد ناشد رئيس المحكمة والمدعي العام مجلس الأمن لتمديد مهلة المحكمة،
قائلين ان الفشل في ذلك من شأنه ان يقوض رسالة المحكمة بأن المجتمع
الدولي لن يتسامح مع الافلات من العقوبة عن الانتهاكات الخطيرة للقانون
الانساني الدولي.
على انه من غير الواضح ما إذا كان مجلس الأمن لديه القدرة على مواصلة
هذه المحاكمات إلى مالا نهاية، إلا ان القدر المتيقن ان المحاكمات
التي بدأت بأهداف نبيلة قد تنتهي بتذمر. والامر متروك لمجلس الأمن
لاتخاذ قرار ما حول المسألة هذا العام.
كارولين توش والكسندر روكينتش*
*صحفيان يعملان لحساب معهد تقارير الحرب والسلام ويقيمان في لاهاي
خدمة ام سي تي - خاص بالوطن
أعلى
أقول لكم
قيود العصافير
محمد
الماغوط أقام فترة داخل سكن منخفض السقف فكتب العصفور الأحدب ..
أضاف قيدا جديدا لجملة المحظورات التي تستلب حرية العصفور في الطيران
في سماوات مفتوحة .. يفكر في هذه الخاطرة ومياه الصنبور مفتوحة على
آخرها فوق رأسه في الصباح الباكر خلال محاولة فاشلة لطرد النعاس
والافاقة من حالة جمود شملت الجسد والحواس لماذا لا يغتنم فرصة البكور
وينطلق إلى الخلاء بعيدا عن التكتل السكني ليملأ رئتيه بهواء الصباح
الغني بالأكسوجين ؟ كسله واحباطه أعاقاه عن تنفيذ هذه الفكرة الطازجة
، فهل صار أحدب مثل عصفور الماغوط ؟
ضحك لهذه الفكرة العبثية وأدرك أنه في مستوى أدنى من العصفور الأحدب
أو حتى أحدب نوتردام .. الأول ملأ الدنيا صخبا وضجيجا ورفضا رغم
خوف دفين كان يسكن باطنه ، والاحدب الثاني وقع في غرام الراقصة الغجرية
وأنقذها من الاعدام حرقا بتهمة السحر والهرطقة ، وطار بها فوق سطح
كنيسة نوتردام دون أن يهتم بأحد هز رأسه عدة مرات فتناثرت قطرات
المياه في كل اتجاه ، وفكر أن الاحدبين كانا أفضل منه حالا لأنهما
امتلكا إرادة قوية للخروج عن النص والارتجال في فعل إنساني غير سابق
التجهيز ، يتصادم بشدة مع المألوفز
ابتلع كسرات من الخبز الأسمر اليابس وفتح المذياع.. محطة لا يعرفها
كانت تتحدث عن فن تنسيق الزهور وثانية أدركت طبيعة المرحلة فأخذت
تذيع (بوس الواوا) ومحمد عبدالوهاب كان يغني في محطة ثالثة لوردة
الحب الصافي .. ارتشف قهوته على مهل وأدرك أن العصافير هي التي تصنع
قيودها ، وهي التي ترسم خرائط مناطق حظر الطيران ، وهي التي - في
النهاية - تصبح حدباء لأنها اختارت أن تعتقل داخل أقفاص صغيرة ،
إلى أن يذبحها قناص يلبس قبعة مطرزة بالنجوم !
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى