رواية (سمرقند ) لأمين معلوف
أجمل وجه أدارته الدنيا يوما نحو الشمس ( 2 ـ 2 )
حسين عاتي
aati13114@yahoo.com
( 3 )
أما التحول الثاني في النموذج paradigm
shift الذي قام به الروائي (امين معلوف) وهو فيما يتعلق بـ(حسن
الصبّاح) مؤسس فرقة الحشّاشين العبقري الذي استولى على قلعة
( الموت ) ..( بفتح اللام وضم الميم ) , قلعة تقع شمال إيران,
عام 1090م والتي سوف تكون خلال مئة وستة وستين عاما مقرا لأخطر
طائفة عرفها التاريخ.ص135 .
من المعروف تماما في ادبيات الاستشراق
ان فرقة ( حسن الصبّاح ) , وهي فرقة اسماعيلية, يطلق عليها اسم
( الحشاشين ) ( assassin ) والتي اصبحت في عدة لغات اوروبية
تعني (القاتل) والذي اشاع هذه الفكرة هو الرحالة الايطالي (
ماركو بولو) Marco Polo في القرن الثالث عشر الميلادي , وأكد
هذه الفكرة الخاطئة المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي في دراسته
المشهورة عن هذه الفرقة, على اعتبار ان ( حسن الصبّاح ) كان
يقدم لمريديه عقارا مخدرا /الحشيش/ .
لكن واقع الحال ليس هذا اطلاقا.
يقول ( امين معلوف) : واما الحقيقة فكانت غير ذلك . فتبعا للنصوص
التي وردت الينا من ( الموت) ..(بفتح اللام وضم الميم ),.
فإن حسن الصبّاح كان يحلو له ان يدعو( مريديه الاساسيين fundamentals
, اي المتمسّكين بـ (الاساس) , اساس العقيدة).ص 150 , والذين
عانى منهم كثيرا السلاجقة والصليبيون, ملوكهم, وأمراؤهم ,وقواد
جيوشهم.
...(.ولم يكن للحشّاشّين من مخدّر سوى ايمان لا يتلوّن, ايمان
يعزّزه على الدوام احكم التعاليم وانجع التنظيمات) .ص150 .
( ولقد كان للاسماعيليين تاريخ طويل حافل بالاحداث امتد على
مدى اثني عشر قرنا, ...واسسوا لمرتين خلال العصور الوسطى دولة
خاصة بهم..ولهم مساهماتهم الخاصة في الفكر الاسلامي في العصور
الوسطى.7)
وترك ( حسن الصبّاح) مكتبة ظلت تحترق سبعة أيام بلياليها( دمرها
المغول على يد هولاكو ).. ويزعم انها تحتوي على افضل ما حفظ
من اسرار الكون .ص194 . وللعالم ( الجويني) فضل كبير في انقاذ
بعض المخطوطات المهمة من مكتبة ( الموت)..( بفتح اللام وضم الميم
). لكن ماذا عن موقف الخّيام من ( حسن الصبّاح) ,هناك تباين
كبير جدا بينهما:
...ما الذي بيني وبين هذا الرجل من أمور مشتركة ؟ أنا متعبّد
للحياة وهو عابد للموت. أنا أهتف..( ان كنت لا تعرف الحب فما
يجديك شروق الشمس أو
غروبها ؟ و(حسن) يطالب الناس بتجاهل الحبّ والموسيقى والشعر
والخمر والشمس. ص179 . بل ويؤكد اكثر....(لقد أقام حسن الصبّاح
) الموت..لمواجهة العالم, وأما أنا فلم أقم غير هذا القصر الصغير
من الورق. ص181 .
( 4 )
ان السمة الاساسية لرواية (سمرقند)
هو التداخل المذهل بين شخصية الرواية (بنجامين.عمر.لوسان) والذي
يروي رحلته ومغامرته في البحث عن المخطوط الاصلي لرباعيات الخيام
,والذي يسمى ( مخطوط سمرقند), والحصول عليه بمساعدة صديقته الاميرة
الايرانية (شيرين), وفقدانه في قاع المحيط في حادثة غرق الباخرة
(تيتانك).
وبين الروائي (امين معلوف) نفسه باعتباره هو كاتب الرواية والذي
روى لنا قصة عمر الخيام, وحسن الصباح , ونظام الملك, والسلاجقة
, وكل هذا باسلوب بلاغي محكم . لكن يبقى المحور المركزي في الرواية
هو عمر الخيام الذي قدمه ( معلوف) باعتباره حكيما, نبيلا, مؤمنا,عالما.
اما المترجم (د. عفيف دمشقية) ( فإن ترجمته للرواية بلغت حدا
جماليا رائعا وكأن (معلوف) كتبها بالعربية .
( 5 )
امين معلوف يكتب باللغة الفرنسية
, وسمات ادبه هي : ثنائية الشرق والغرب, التسامح, وشخصيات روايته
متمردة, وهو يمزج التاريخ بالادب , بل وأكد مقولة الفيلسوف الالماني
(هيغل) بأن الرواية هي (صراع بين شعر القلب ونثر العالم).
في رواية (سمرقند) توغل عميقا في فترة حرجة من التاريخ الاسلامي
اثناء إقامة السلاجقة دولتهم خلال الالف الميلادي الاول وانهيار
الدولة العباسية, وكانت هذه الفترة حافلة بأحداث تركت بصماتها
لوقتنا الحالي.
في رواية( سمرقند) قدم لنا الروائي المبدع امين معلوف والمرشح
لجائزة نوبل , تاريخ هذه الحقبة لا كأنها انعكاس تاريخي بسيط
, بل هي تعبير عن عالم ثقافي ,اجتماعي, سياسي, وتاريخي. وما(
سمرقند) سوى رمز لحدث مهم في تاريخ الشعر وهو ولادة ( رباعيات
الخيام), والتي ترجمها الشاعر الانكليزي فيتزجيرالد ( 1809-1883)
في عام 1859م, وقيل ان الاعداد الخيالية للنسخ المطبوعة تجاوزت
كل نسخ الكتب الاكثر شهرة باستثناء الانجيل. امين معلوف صنع
جدلية في هذة الرواية بين التاريخ والمدينة, الشعر والمستقبل,
السياسة والحكمة.
نماذج من الاسلوب البلاغي المحكم
والشاعري :
1. كان حول المسكين زهاء عشرين شخصا تهتز لحاهم في الهواء.ص14.
2. أخشى ما يخشاه هم عامة الناس وهدمهم جدار الوقار في ذات نفسه.ص15
3. إن للزمن لوجهين , ان له لبعدين فطوله بمعدل الشمس, وارتفاعه
بمعدل الاهواء والشهوات.ص41 .
4. وأما عمر فالحياة عنده , مختلفة, إنها لذة العلم وعلم اللذة.ص114
5. هي تتصرف بوحي فرط الطموح , وهو بوحي فرط الزهد.ص115 .
6. واخرون مثلي يبحثون عن ملاذ في الكتب.ص119 .
7. ولقد كتب عمر في تلك الحقبة يقول ( ما من سلطان اسعد حالا
مني , ولا سائل اشد بؤسا ).ص175.
هوامش.
1.عمر الخيام: 1048-1124 فيلسوف,
شاعر, عالم في الرياضيات والفلك و اللغة والتاريخ.
ولد في نيسابور من مدن ايران وتوفي فيها.
نبغ في الرياضيات حيث حل معادلات الدرجة الثانية, والتكعيبية,
واليه يرجع الفضل الان في استعمال الرمز اكس في الرياضيات.
اشتهر بالرباعيات في الشعر, وقد انشدت المرحومة ام كلثوم واحدة
من اجمل رباعيات الخيام .
2. أمين معلوف: ولد فى بيروت عام 1948 ودرس الاقتصاد والعلوم
الاجتماعية بمدرسة الاداب العليا بالجامعة اليسوعية في بيروت,
وعمل في جريدة " النهار" بعد تخرجه من الجامعة.
وفي عام 1976 هاجر الى فرنسا وعمل في مجلة " ايكونوميا".
في بداية الثمانينات تفرغ للادب, من اعماله:
- الحروب الصليبية كما رآها العرب.
-رواية ليون الافريقي
-حدائق النور
-القرن الاول بعد بياتريس
-الهويات القاتلة ..........
3. نظام الملك: هو الوزير( لملك شاه) امير السلاجقة والذي تولى
الامر بعد وفاة والده "ألب أرسلان" توفي 1072م.
وارتبط نجاح (ملك شاه) الذي بسط نفوذ دولة السلاجقة حتى تشمل
جميع العالم الاسلامي, بالوزير نظام الملك الذي كان له اثر فعّال
في ازدياد نفوذ السلاجقة, وقد وضع كتابا سماه (سياست ناه) ضمنه
اراءه في السياسة والحكم , واسس المدارس النظامية وكان من ابرز
مدرسيها ابي حامد الغزالي.
4. حسن الصباح: 1090-1124 م تذكر كتب التاريخ ان غرب علاقة في
تاريخ الفكر البشري والتي جمعت ثلاثة في بداية الاف الاولى ميلادية:
عمر الخيام / الذي رصد العالم.
نظام الملك/ الذي حكم العالم.
وحسن الصّباح/ الذي ارهب العالم.
وبحلول عام 1094 ظهر حسن الصباح الذي بشر بالدعوة داخل الاراضي
السلجوقية في فارس, وقد استولى على قلعة الموت الشهيرة, وسقطت
عام 1256م تحت ضربات جحافل المغول.
5. جمال الدين الافغاني: 1838-1896 مصلح إسلامي كبير, وقد تركزت
دعوة السيد جمال الدين الاصلاحية على بعدين اساسيين: الاول،
محاربة الاستعمار الذي كان متمثلا آنذاك ببريطانيا، والثاني
النهوض بالمسلمين من الانحطاط الذي يعيشونه، من خلال العودة
الى الاسلام واخذ الجوانب العقلانية من الحضارة الغربية الحديثة.
6.محي الدين صبحي :عوالم من التخيل. دمشق 1974
7.الحرف (ص) يشير الى رقم الصفحة من الرواية.
8-هي تتصرف بوحي فرط الطموح , وهو بوحي فرط الزهد.ص115 .
9-واخرون مثلي يبحثون عن ملاذ في الكتب.ص119 .
10- ولقد كتب عمر في تلك الحقبة يقول( ما من سلطان اسعد حالا
مني , ولا سائل اشد بؤسا ).ص175.
أعلى
الشاعر اليمني فؤاد المحنبي
لـ(أشرعة):
ما أجمل الحياة بالشعر وما أحوجها إلى الشعراء
البيئة تخلع ثوبها على الشاعر وتحاول أن تدخله في إهابها
حاوره ـ إيهاب مباشر:فؤاد عيسى أحمد المحنبي، رئيس المنتدى
التربوي الثقافي في الحديدة باليمن ، ورئيس منتدى المحنبي
للإبداع والثقافة بصنعاء ، صدر له ديوان بعنوان ( قل هو
الحب وطن ) وهناك مجموعة شعرية تحت الطبع اسمها (الوردة
السادسة) وعدة أعمال أخرى منها ، تشطير البردة النبوية
، ومجموعة شعرية ستحمل نفس عنوان الديوان الأول ( قل هو
الحب وطن ) لكنها ستأخذ ترتيبا تاليا، عرفه محبو الشعر
من خلال لقاء جمعه بالشاعر اللبناني عباس فتوني ، وكان
لقاء أقرب إلى المناظرة ، كلاهما ارتجل فيه الشعر ، أخذ
المحنبي درع الجامعة اللبنانية ، وشارك في مهرجانات شعرية
يمنية بموريتانيا والمغرب وسوريا ومصر والسودان وأخيرا
كانت مشاركته في الأيام الثقافية اليمنية بالسلطنة ..
التقته (أشرعة) فكان الحوار التالي :
* متى قرضت الشعر .. ولمن قرأت ؟
** أكتب الشعر صغيرا ، لأنني من أسرة تشتغل بالأدب والفقه
، فأبي الشيخ العلامة عيسى أحمد المحنبي ، كتبت الشعر
صغيرا تقريبا في سن الثالثة عشرة، بداية قراءاتي كانت
في الشعر الجاهلي، فتقعر النص لدي وأحببت العمود ثم بعد
ذلك لكثير من الشعراء ، كنت أحب المتنبي حبا شديدا ، ولا
زلت أحبه باعتباره علامة فارقة في الشعر العربي، ثم قرأت
للشعراء العرب المعاصرين وكثيرا ما قرأت لشاعر كبير ،
أقدر شعره وهو الشاعر عبدالله البرادوني، عندما أحب شاعرا
أقرأ له كثيرا، حتى آتي بما لم يأت به، بحيث أنني لم أتطابق
معه أبدا في أي صورة .
* هل من شكل شعري معين يستوقفك ويفرض عليك شروطه ؟
** أكتب الشعر بجميع أشكاله وأنماطه حتى أنني أكتب الشعر
الشعبي ، ولا يهمني هنا الإناء الذي يصب فيه الشعر، بقدر
ما يهمني الشعر نفسه ، والفكرة التي يريد أن يخرج بها
الشاعر ، فالفكرة هنا تحتم الإطار وتجعله حتميا ، فإذا
أحببت أن أخاطب العامة فإنني أظن أن الشعر الشعبي أنسب
هنا في لغة الخطاب ، الذي يصل إلى قلوبهم وأذهانهم ، هناك
الإنسان البسيط والمثقف وعالي الثقافة ، فأنا أخاطب العامة
بالشعر الشعبي فهو وعاء جميل ، وأتكلم مع الشريحة الخاصة
من المثقفين بشعر العمود وشعر التفعيلة وشعر النثر ، وعلى
العموم لا يوجد عندنا صراع خاص بالأشكال الشعرية عند مختلف
الأجيال ، كانت صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004 ميدانا
خصبا لكل هذه الأنماط الشعرية كلها ، وعندما عقد المؤتمر
الأول للشعراء الشباب العرب ، وكان موسما جميلا بلقاء
كل الأطياف الشعرية واستطاع شعراء الحداثة أن يثبتوا وجودهم
، وأن يقنعوا الرأي العام والنقاد بوجودهم ، وأن هناك
شيئا اسمه الشعر الحداثي أو شعر الومضة ، وكما أن هناك
عدة مستويات للشعر العمودي حيث يوجد الجيد والمتوسط والرديء
، فهناك أيضا يوجد شعر التفعيلة والنثر بكل مستوياته الفنية
، وما يستطيع أن يعبر عن النص للقارئ سيظل هو الأجمل .
* ما القصيدة التي تعتمل في نفسك وتؤثر فيك باستمرار لدرجة
التعايش ؟
** أول ما طبع لي من ديوان (قل هو الحب وطن) وهو من شعر
العمود ، توجد فيه قصيدة تحتل حوالي ثلاث أو أربع صفحات
في الديوان وهي القصيدة التي شاركت فيها بلبنان ، وفزت
وانتخبت على أساسها ممثلا لليمن في ملتقى للشباب العربي
بلبنان ، عندما شاركت عباس التوني بهذه القصيدة وهي بعنوان
(سنة من غبار الحب) وهي من قصائد التفعيلة وأقول فيها
: حدثت عنك وعن سنة .. حدثت عن مهر تقدس في كتاب الأزمنة
.. من قبل أن ترتد للإصطبل كل الأحصنة .. من قبلها حدثت
عنك وعن سنة .. حدثت عنك الصمت فاحتجب الهوى حتى أبوح
.. صارحت عن قبلاتك الأولى تجاويف الجروح .. ورأيت غيمات
تعانقها السفوح .. رأيت أحزانا عيونا أحرفا سوداء تبتلع
الوضوح .. تقلم الشطآن توجعها تحذرها امتطاء اللبننة ..
حدثت عن كأس بكف الليل تقرعها تموسقها أنامله ليصبح بالة
والخمر تصبح دندنة .. حدثت عنك عن التوهج عندما حدثت عنك
وعن سنة .. يا ماضغ الأوجاع سر لا تنكسر .. إن أجهد الدرب
المكهرب مرة أو أرهقت قدماك سر لا تنكسر .. إن حاولوا
أن يبعدوا قدميك عن جمر الطريق .. ورغما عنك سر .. فلتعلم
بأنك رغم هذا القيظ أول منتصر .
وكما رأيت فإنني أدرجت ضمن ديواني كثيرا من قصائد التفعيلة
، لكن غلب على الديوان قصائد العمود .
* ماذا تقول لمن لم يقبلوا بالحداثة ؟
** عدم قبول الحداثة لدى البعض أعتبره نوعا من التشبث
بالشكل ، وأنا لا أراه إنصافا ، فالشكل يهم البعض ، والجوهر
له شأنه الكبير لدى كثير من المتلقين ، ولكن الفكرة الشعرية
تقرر نفسها وتقرر جمالها ، يوجد مصطلح أستعيره من صديقي
خالد الرويشان وزير الثقافة والسياحة باليمن ، الذي يقول
(هناك شاعرية لكل شيء .. توجد شاعرية المكان وتوجد شاعرية
الجماد ، وشاعرية الزهرة ، كل شيء يلوح أمامنا قد يشكل
شعرا مكتوبا بشكل ما ، لا يهم أن تكون الأحرف موجودات
، يوجد نص شعري أمانا يرى ، فهذه الوردة كيف توزعت ألوانها
، كيف كانت المساحة الصفراء في المساحة البيضاء ، وهذا
يمثل شاعرية من نوع ما ، فالشكل الآن أصبح مجرد إطار والفكرة
هي الصورة ، والومضة والشعر ، حتى في الشعر العمودي ،
هناك أبيات هي قصيدة . الفكرة التي تخرج من الصدر وتهز
المسامع ، حتى في شعر الومضة ، أذكر أنني قرأت ذات مرة
في قصاصة ورق عثرت عليها في مطعم ، قرأت نصا عابرا للشاعرة
سوسن العريقي ، وقد هزني ما قرأته لهذه الشاعرة من بين
كل أشعار النثر ، يهزك أحيانا مقطع شعري في قصيدة نثر
، فتهتز له وتحتفظ به أيضا ، إنها فكرة جميلة أن تستخرج
شعرا مما يعرض عليك يوميا من الأشعار ، أقولها صراحة النثر
فيه غثاء كثير وفي شعر العمود أيضا وكذلك في شعر التفعيلة
كثير من الغثاء ولكن أين يوجد الشاعر ، هواة الشعر عموما
والقائمون على المدارس الشعرية لا يتصارعون إنما من يتصارع
هم المحتفظون بالهياكل ، بالأشكال فقط .
* بمن تأثرت ممن قرأت لهم من الشعراء .. وهل وصل بك الحال
حد التلبس ؟
** تأثرت بعدد كبير من الشعراء ، بالمنحى وتناص الصور
ولم أحاول أن أتلبس من أقرأ لهم ، وكما ذكرت لك في بداية
اللقاء أنني عندما أحب شاعرا أقرأ له كثيرا، حتى آتي بما
لم يأت به، بحيث أنني لم أتطابق معه أبدا في أي صورة .
* كيف تؤثر في شعرك مفردات البيئة من حولك ؟
* تؤثر مفردات البيئة على الشاعر بما يستقيه منها ، نلاحظ
مثلا شاعر الجبل الذي تربى في بيئة صخرية ، يميل إلى قوة
إيقاع الحروف كأنما هناك أحجار ، بينما نجد من تربى في
بيئة ساحلية إن كان إيقاع شعره قويا تلحظ اصتكاك الموج
، فالبيئة تخلع ثوبها على الفنان الشاعر وتحاول دائما
أن تدخله في إهابها ، تعيد إخراجه من جديد شكلا جميلا
بنفس إيقاع ووتيرة هذه البيئة .
* أتذكر لنا طبيعة العلاقة التي تربطك بقصائدك ؟
** لي علاقات حميمة بقصائدي ، ومررت بأطوار جديدة ، في
البداية مررت بطور محاولة التغير وإيجاد المتغاير عموما
مع البيئة ، وذات مرة وأنا أهرب من الشعر العمودي إلى
شكل جديد جميل ، حاولت أن أعمل انقلابا على الفراهيدي
، ثم مررت بفترة أصف فيها انخلاجة الروح من الجسد لحظة
الانفصال ، أحاول أن أقدمها للقارئ دون أن أمر بالتجربة
، فالطبيعي عندما يمر إنسان بهذه التجربة المحصلة أنه
لن يستطيع أن يشرحها للآخرين ، لأنه بطبيعة الحال سيكون
في عالم آخر ، ولكنني حاولت أن أعيش التجربة خيالا ، حتى
أستطيع أن أقدم أدنى جزء منها لتصور للقارئ كلحظة شعرية
، وتأكد لي ذلك في عدة نصوص من ديوان (قل هو الحب وطن)
ثم دعا ذلك إضافة إلى مفردات البيئة التي أعيشها ، دعا
إلى حب التصوف ، وكتبت عدة قصائد في المنهاج التصوفي،
واستطعت أن أثبت ، على قدر معرفتي وفهمي وتصوري وكما أزعم
، أن شعر العمود وشعر التفعيلة وشعر النثر يستطيع أن يكون
متصوفا وجميلا متساميا ، وفي درجة من سمو الروح إلى خالقها
مصدر قوتها ونورها وعزها وجمالها ، فكتبت ديواني (قل هو
الحب وطن) وجعلت معظم قصائدي يغلب عليها الجانب الصوفي
، وعلى رأسها القصيدة المعنون بها ديواني ، والتي أقول
فيها .. يا سيدي الحب ما أجلاك يا نور .. واسكب تجليك
هذا البحر مسجور .. يا سيدي أنت قبل المنتمى وطن .. في
حبه عن ذنوب الحب تكفير .. أقبلت من بين إيقاع يكونني
.. من واحديته والكون مشطور .. سبحت باسمك لا عمدا ولا
عرضا .. ففيك كل لسان فيّ مقهور .. هو ابتداني بنعماء
اللقاء ولم يحتج لقائي .. فأقصته المقادير والشوق للمنة
الأولى حدا سفري .. إلى جمال بسرب الشوق مبهور .. من خفقة
نحوه جاز المراحل كي يضمني .. وأنا في البهو عصفور .
* ذكرت لي ـ في سياق حديثك ـ أن ثمة قصائد تذكرك بأحداث
معينة في حياتك .. أتذكرها لنا ؟
** هناك قصيدة بعنوان (ملك الملوك) وقد وقعت لي حكاية
فيها ، حيث كنت في أزمة في مكان ما ، وضاقت السبل حولي
، كيف أخرج من هذه الأزمة والمشكلة ، فكتبت قصيدة للمولى
عز وجل ، وما أن بدأت في كتابة الشطر الأول من البيت الأول
، إلا والهاتف يرن معلنا انفراجة الأزمة ، كانت البداية
أنني أنشدت .. ملك الملوك وصاحب الفضل العلي ، وقتها رن
الهاتف وانفرجت الأزمة ، وقد حدثتني نفسي بالتوقف ، ولكنني
رددت على نفسي بأنني لابد وأن أكمل ولا أتوقف ، فحق لله
تعالى أن أشكره ، لابد وأن أكملها اعترافا بفضل الله تعالى
، في البداية عندما واجهتني المشكلة ، فقلت في نفسي الإنسان
عندما تواجهه مشكلة فيكتب لأولي الأمر طلبا للمساعدة ،
فكيف إذا كتبت لملك الملوك ، وما أن كتبت الشطر الأول
حتى جاء الفرج ، وقد قلت فيها .. ملك الملوك وصاحب الفضل
العلي .. أعصي علاك وتوسع النعماء لي .. سبحان صبرك يا
صبور عليّ إذ أدعو لضري دعوة المستعجل .. وأقول أدرك ضاق
بي رحب الفضا .. وتجيبني وتدك طود المعضل .. فأريح رأسي
في الوسادة ضاحكا .. لا حمد أرفعه وإن لم أجمل .. وكأن
لي حقا عليك أقمته .. غفرانك اللهم سوء تطفلي .. أنا أكفر
الثقلين إن لم أتئد .. وأمت ولاء تحت ظلك يا ولي .. يا
بادئي بالحب في فردوسه .. والنار أردع لو سواك المبتلي
.. نحن اغتربنا عنك فانحرفت بنا ظهرا رمال الأرض تحت الأرجل
.. قد كنت نور صباحنا وجلاله .. والجبن أخلدنا لليل أليل
.. أكلت بيارقنا الحداثة (لا أقصد هنا الحداثة الشعرية)
أكلت بيارقنا الحداثة وارتمت قهرا كرامتنا بأنتن جدول
.. وتراقص الشرف الرفيع تماشيا مع معطيات العصر يا لغة
اخجلي .
وهناك قصيدة أخرى لها ذكرى في نفسي وهي قصيدة (ما بي)
والتي يقول مطلعها .. أتقرأني لتدرك ما بي .. أنا صبوة
من كبرياء عذابي .. أنشودة الزمن الجديب إذا شكا .. ظمأ
الزهور لبارق وسراب .
* هل تجمل لنا نتاجك الأدبي خلال رحلتك مع الشعر .. وتذكر
ما آل إليه حال الشعر الآن ؟
** لي مجموعة شعرية واحدة طبعت ونفدت من السوق ، وأنا
الآن بصدد طباعتها للمرة الثانية ، ولي ديوان آخر بعنوان
(الوردة السادسة) تحت الطبع ،ومجموعتان أخريان تحت الطبع
أيضا ، حاولت أن أستنطق الحاسب الآلي ليقرض الشعر فأعطيته
المفردات والصور ومع ذلك لم يستطع ، أظن أنه لا يوجد برنامج
يجعل الحاسب الآلي شاعرا ، فالشعر مازال يحتفظ بكيانه
وجمالياته ، أرى الشعر مزدهرا في بلاد الغرب بشكل يدعو
إلى الدهشة ، أراهم يهتمون بالشعر والشعراء ، فأي شاعر
يقدر ويبجل ويحترم ، لأنهم ليسوا صناع كلام فقط ، وإنما
يستحثون مشاعر إنسانية ترتقي بالإنسان ، الشاعر ليس فقط
هو من يصنع كلاما ، وقد انتشرت مقولة خاطئة في هذا السياق
، وهي أن الشاعر العربي يصنع كلاما ، ويصاحبه إبهار بأنه
يصنع الكلام ، فالشاعر عندما يصنع الفكرة ويسبكها في قالب
وجداني ، يستحث عاطفة إنسانية ترتقي بالإنسان ، فيستطيع
هذا الإنسان أن يصبح في درجة من السمو ، التي تؤهله لبناء
المجتمع ، ولا ننسى أن أكثر المخترعات والابتكارات هي
كانت صورة في مخيلة شاعر ، ثم انتقلت هذه الصورة الشعرية
لتكون واقعا حقيقيا ، فما أجمل الحياة بالشعر وما أحوجها
إلى الشعراء .
* .. وماذا عن المشهد الثقافي اليمني في الوقت الراهن
؟
** المشهد الثقافي اليمني كان موجودا ولكنه لم يجد من
يبتعثه، أما الآن فالقائمون على الشأن الثقافي اليمني
لديهم الاهتمامات الثقافية والأدبية وعلى درجة عالية من
الوعي ، أهلتهم لأن يكونوا أدباء وشعراء من الدرجة الأولى
، وهو ما خدم المسيرة الثقافية باليمن ، ومن حظ المثقفين
اليمنيين أن القائمين على المنتج الثقافي اليمني اليوم
استطاعوا أن يعثروا على كثير من المفردات والإبداعات الشعرية
والفنية والتشكيلية ، وأصبحت اليمن ثقافيا لها بصمة معروفة
في الوطن العربي والكل يتحدث عنها .
* .. وهل اختلف المشهد الثقافي اليمني الآن عنه في (صنعاء
عاصمة الثقافة العربية 2004م) ؟
** المذهل أنه ما زالت الفعاليات والوتيرة الثقافية التي
كانت في صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004 مستمرة إلى
الآن ، ما زالت المعارض التشكيلية تقام ، والمنتديات الثقافية
تدعم ، وما زال الشعراء يعيشون عرسا ثقافيا مع نصوصهم
الشعرية ، والتكريم ما زال قائما لكبار الشعراء وأوائل
الفنانين التشكيليين ، وبيوت الفن ما زالت عامرة بلوحاتها
التشكيلية التي تباع بأسعار خيالية ، دعما ومساندة للمشاريع
الإنسانية ، فالمعارض تقام بشكل جميل جدا وبزخم أكثر مما
مضى ، وهو ما يوضح التقدم الذي حدث للحركة التشكيلية وهو
ما أكده نقاد الفن التشكيلي ، وكذلك ما قاله النقاد في
حق الحالة الشعرية الراهنة باليمن ، وقد راهن كثير من
النقاد العرب على الحالة الشعرية الراهنة باليمن ، حيث
قال الناقد الدكتور كمال أبو ديب ، عندما حضر ملتقى الشعر
الثامن ، صنعاء بصراحة أصبحت عاصمة للشعر الجديد .
* ماذا ينتظر المثقف من المؤسسات الثقافية العربية ؟
** ننتظر من المؤسسات الثقافية العربية أن تتيح المجال
لإبراز المواهب الشابة وإبداعاتها الشعرية والأدبية ،
بينما المؤسسات الثقافية الجماهيرية هي مؤسسات خاصة لدعم
المبدعين ، فهذه وفقا لبرامجها نحن نطالبها بتنفيذ هذه
البرامج المنوطة بها فقط هذا من جانب ، وإثبات مصداقيتها
في المجتمع .
* ما الانطباع الذي تولد عندك في زيارتك للسلطنة ؟
** البيئة العمانية ، بيئة حياة للمبدعين والشعراء بصراحة
، وأتمنى أن يتم التواصل على كل الأصعدة العربية بشكل
خاص وعلى المستوى الإنساني عموما ، على ثقافة الشعوب وإبداعاتها
، لأن هذا سيكون له انعكاساته على المستوى الجمعي الإنساني
، وإنني أسجل شكري هنا لجريدتكم بدأبها على البحث عن الإبداعات
الشبابية وبما تفرده لهم من صفحات أشرعتها .