قصة قصيرة
عشـق البـلاد البعيدة ..
في الزمن البعيد ، حملتنا الدواب
الهزيلة ، إلى المدينة الصغيرة ، التي تبتعد عدة أميال عن
بلدتنا الريفية الهادئة . لأول مرة في حياتي ، أغادر الديار
المحببة إلى قلبي ، وفي العين دمعة حزن على فراقها ، والبعد
عن الإخوة والأخوات ، والأهل والجيران .. وفي القلب لوعة
وأسى على الرفاق والديار والحقول الخضراء المترامية ، وكلبي
الصغير !!
نزلنا عند " المحطة " الصغيرة ، شبه الخالية من
المسافرين . امسكني أخي الأكبر المعمم من معصمي بشدة وحرص
، عندما شاهد القطار قادما من بعيد . ينفث الدخان الأسود
الكثيف ، يثير الغبار على الجانبين ، ويطلق صفيرا حادا متصلا
!!
في داخل العربة الكبيرة ، جلست بجوار أخي ، قرب النافذة
، ومتاعنا بجوار المقعد ، خشية عليه من الضياع أو النسيان
لو وضعناه فوق الأرفف العالية . وبدأت معالم الطريق تنسحب
بسرعة مذهلة إلى الوراء ، وتلاشت القرى والمزروعات وأعواد
القطن الخضراء التي ألفتها في سني الطفولة الأولى ، والعربة
تهتز ..وقلبي يهتز ، خوفا وهلعا من هذه الهزات القوية والأصوات
المزعجة والقطار ينهب الأرض متجها نحو المدينة البعيدة التي
سمعت عنها كثيرا من أحاديث أخي عندما يعود إلينا ، وهو يرتدي
الجبة والقفطان والعمامة . ومعه السلال التي حمل فيها "
الزوادة " .. يعود به شبه فارغ إلا بعض ثيابه وكتبه
الصفراء ، وفاكهة المدينة التي لا نتذوقها إلا في المناسبات
والأعياد !!
عندما عاد في المرة الأخيرة ، قرر أن يأخذني معه ، لأقيم
في " سريا المجاورين " بحي " الأنفوشي "
، وأتعلم هناك . وعندما أفضى بذلك إلى أبي الشيخ ، ظل صامتا
مدة ، كأنما يفكر في أشياء ..لم تكن تخطر لي على بال ، في
ذلك الوقت . وبعد مدة هز أبي رأسه بثقل ، ربما من كثرة الهموم
والتكاليف وزيادة المصروفات ، وقال بهدوء : على خيرة الله
... وصمت .
لم أكن راغبا فيما دار بينهما من حوار حول سفري إلى البلاد
البعيدة ، لم أكن راضيا تماما في مغادرة تراب قريتي ومزارعها
وأشجارها وطيورها وجداول المياه والسواقي التي تغني وهي
تدور لترفع الماء من البئر ، ولم أكن قادرا على إظهار رغبتي
، وعدم إطاعة أبي الشيخ . كنت حزينا وحائرا وقلقا ، أكاد
أبكي إن وافقت أمي هي الأخرى على الابتعاد عنها وفراقها
وأنا في هذه السن الصغيرة ، ولكن من يستطيع أن يخالف أوامر
الشيخ ؟!
في الليل سمعتها تلوم أبي لموافقته على سفري إلى البلاد
البعيدة ، حيث الزحام ، والبحر و" الترام " والناس
الأغراب ..لماذا وهو مازال صغيرا ؟! قال : ليتعلم . سألته
: ومن يساعدك هنا ،في الفلاحة والقلاعة ؟ أجاب : أنا لا
أحتاج إليه . عادت تسأل مرة ثانية : وهل أنت قادر على مصروفات
الكبير ، حتى تعلم الصغير ؟ قال أبي الشيخ في هدوء يخلو
من الغضب : رزقه ، ورزقنا على الله . عادت تقول كأنما تحدث
نفسها حتى لا يغضب : من في البلدة ، يعلم فردا واحدا ؟ وأنت
تعلم الاثنين معا !! . لم يجب ..
ضاعت الأفكار مع انطلاق الصفير الحاد من رأس القطار والاهتزازات
المستمرة لم تتوقف ، حتى أفرغنا في جوف محطة كبيرة تثير
الذهول والرهبة لمن يشاهدها للمرة الأولى . دارت العيون
الريفية البريئة في أنحاء المكان ، تتطلع إلى ضخامة العمد
الحديدية والسقف المرتفع والزجاج الملون ، والقضبان المتشابكة
، والقطارات المختلفة ، ورجال ونساء وأطفال ، كل في عجلة
من أمره !!
حملنا متاعنا ، ومشينا خارج بوابة المحطة الكبيرة . لفحتنا
نسمة هواء باردة منعشة تأتي من ميدان واسع منسق . سرنا في
شوارع طويلة نظيفة مكتظة بالمحلات فوقها سماء صافية زرقاء
. ركبنا " الترام " الصغير الذي أخذ يقعقع أثناء
سيره داخل المدينة الكبيرة . عندما وصلنا إلى بحري المدينة
، بدا لنا البحر الشاسع ، بلا نهاية . هناك قالوا عنه في
قريتنا الصغيرة ، سوف ترى البحر " أبو ضفة واحدة "
. ولم أكن أصدق ما يقولون ، كل المساقي والترع ومراوي المياه
في بلدتنا لها حافة ثانية ، حتى لاتضيع المياه هدرا ، فكيف
يوجد بحر له ضفة واحدة ؟! ولم أصدق ما سمعت ، إلا .. الآن
. عندما شاهدته بعيني الاثنتين !! وحاولت بكل جهدي مشاهدة
الشاطيء الآخر ، وتوقف نظري عند اللسان الصخري الممتد داخل
المياه الزرقاء والقلعة التي تقف صامدة تتحدى الزمن، وطيور
النورس تحلق في الفضاء فوقها ، ذكرتني بأسراب الحمام التي
تحوم حول قريتنا .
القوارب تنام على الشاطيء الرملي في أمان وهدوء ، رائحة
اليود تزكم الأنوف وشباك الصيد المفرودة لتجف تحت أشعة الشمس
. النخيل الملوكي يتراقص مع الهواء .. يا الله !! الأمواج
تعلو وتهبط في انسياب ورقة ، الهواء العليل يداعب شعري ،
الأطفال الصغار يهتفون علي من خارج " الترام "
: يا فلاح ، حاسب من هوى البحر يوقعك .. اسحب دماغك لجوه
يا جحش . عندما وصلنا قرب محطة النزول ، ارتفع نداء "
المحصل " : الأنفوشي ، النازل سريا المجاورين . امسكني
أخي في النزول ، مثلما فعل معي في الصعود . ونزلنا ومعنا
الزوادة ، معلقة في ذراع أخي اليسرى ، لأنه حرص ، حسب وصية
أمي " أن يأخذ باله مني " . ولم يتركني من قبضة
يده اليمنى حول معصمي . وتوقف بي عند مدخل الشارع ، وقال
لي ، في أول يوم في حياتي أمكث في البلاد البعيدة : لا تخرج
عن حدود مدخل الشارع وحيدا .. وأشار بيده وهو يستكمل : "
حتى لا تتوه في هذه المدينة . ومن ضاع هنا .. " وهز
رأسه المعمم في يأس واستطرد بكلمات ذات مغزى لم أفهمها إلا
بعد سنوات طويلة قال: " لن يعثر عليه أحد !! ولا أمل
في عودته مرة ثانية إلى دياره " .
هيه ..المدينة الساحرة الغامضة كالنداهة ، جذبتني إليها
بقوة منذ اليوم الأول، ولم استطع مقاومة ندائها . ففي حي
" الأنفوشي " ، شاهدت قاع المدينة ، قبل أن يبهرني
بريقها ، متنزهاتها ، قصورها الرائعة ، حلقة الأسماك المزدحمة
في الصباح الباكر ، رهبة جامع أبي العباس ، بهاء وزخارف
قصر رأس التين !! . أحببت الهواء المشبع برائحة اليود والقوارب
وهي مقبلة نحو الساحل الرملي ، قادمة من عرض البحر ، بعد
رحلة صيد طوال الليل ، حاملة الأسماك الحية المبللة بالمياه
المالحة وطحالب البحر . و " الترام " الذي نركبه
بلا تذاكر ونقول للمحصل : نازل المحطة القادمة .. ويبتسم
الرجل العجوز ، ويتركنا نحن الصغار بلا أجرة للركوب ، نقف
فقط ، على سلم النزول ، ونقفز عندما نرى " المفتش "
قادما ، قبل أن يتوقف " الترام " . في البداية
كنت أقفز بالعكس ، فأقع على الأسفلت ، على ظهري . ومع مرور
الأيام عرفت كيف أقفز دون أن أسقط على الأرض القاسية . ونسيت
نصائح أخي الأكبر التي تنهاني عن الخروج والابتعاد عن حدود
شارع سرايا المجاورين ، وأن من ضاع في هذه المدينة الكبيرة
، فلن يعثروا له على أثر !!
وتحقق كلام أخي ، كأنما كان في ذلك الزمن البعيد .. يتشوف
المستقبل ، ويخاف عليّ من الأيام القادمة .. لأنني عشقت
هذه البلاد البعيدة لدرجة الضياع والذوبان فيها . ولم أفكر
في العودة إلى قريتي ..
عبد السـتار خليف
قاص وروائي مصري
أعلى
صوت
الطفل المشوه ..لا يكون إلاَّ رجلاً مشوهاً !..
عندما نقول بالثقافة، تربية
وسلوكاً نفترض بها وعياً بالتواصل يشد ما بين مراحل سنيننا
المختلفة بحيث يكون الطفل الذي فينا هو الأب الشرعي لمرحلة
شبابنا وفُتوَتِنَا ومن ثم لقيام الواحد مِنا بشراً سوياً
وإنساناً اجتماعياً يعرف ما له من حقوق في المجتمع وما عليه
من واجبات ازاءه. غير ان مفهوم الثقافة في عالمنا : كثيراً
ما يرتبط اعتباطاً بمفهوم آخر عبر شعورنا بالدونية والتخلف
من ناحية، وبالانبهار الحضاري بالبلدان المتقدمة من ناحية
أخرى، فنقع الى سوء تقدير : يظن الثقافة جمعاً لمعلومات
وتكديساً لأرقام ورصاً لأخبار، لا نطمح منها الى اكثر من
أن نحفظها طوال سنة، لنتقيأها في نهايتها، مكتفين بها سُلماً
يوصلنا الى صف دراسي اعلى... ومن بعد الى وظيفة قد لا نكون
جديرين بها. لأن ما افترضنا تواصله عبر تربية ثقافية لم
يكن غير جمع معلومات لا ينتظمها هدف ولا ترتجى لغاية واضحة
اكثر من سمتها في الحشو والادعاء فننتهي بعد كل ذلك الجهد
المبذول بالاعتراف بنقص الكفاءات اللازمة لمسؤوليات التحول
والتغيير رغم طول الشهادات وعرضها المعلقة في صالونات بعض
من نسميهم بمثقفينا الواعين والمعوّل عليهم. إن التربية
الثقافية الحقة لا بد وأن تعني الوعي بالكيفية التي نستخدم
فيها ما اتسعت له مداركنا من معلومات وارقام وما هضمت عقولنا
من افكار واراء تصير عبر احتكاكها بالواقع المتحرك رؤية
على كثير من الوضوح ، وتطلعاً على كثير من الشمول تقوم به
جدلية ضرورية، ما بين كفاءة الايمان والتي هي دين وكفاءة
الاثبات، والتي هي علم، وكفاءة التأمل والتي هي فلسفة ..
وليس لأي منا ان يكون وعداً في المستقبل ما لم ينم نمواً
طبيعياً خلال صراع تلك الكفاءات في داخله، والتي لها ان
تهديك الى حسن التصرف، بما امتلكت يداك من المعرفة، والا
فما معنى ان ندرس الفنون والآداب والعلوم والتكنولوجيا،
ولا يكون للواحد من ابنائنا ان يعرف كيف ينظر الى الصورة،
وكيف يتذوق القصيدة، وكيف يفسر الوقائع على ضوء منهج علمي.
إن الدول المتقدمة اليوم تفرد لكل مرحلة من مراحل الدراسة
عالماً يصاقبه على مستواه .. فللاطفال الى جانب كتبهم المدرسية
عالم طفولي يمارسون ضمنه ما يعمَّق معلوماتهم . فثمة مكتبات
للاطفال ونواد للاطفال ، ومساع جادة لإيجاد هوايات اجتماعية،
كالمراسلة ما بين هواة قراءة الكتب، وحتى اللعب والدمى،
لم تعد كالأمس مجرد مجال لاستنزاف الوقت في العبث الذي لا
طائل تحته، بل اصبحت وسائل مدروسة على اساس من تنمية كفاءات
الطفل المختلفة ورفع مستوى حوافزه واستنتاجاته.
إن الطفل المشوه لا يكون إلاَّ رجلاً مشوهاً مهما حاولنا
أن نستر ضحالته بأوراق الشهادات .. وبرامج الحاسوب المتطورة
.. لأنه اقتصر منذ البدء إلى التربية الثقافية التي لها
وحدها ان تعزز كيانه وكيان الأمة فيه، وان مكافحة الامية
لا تنم بتعليم ناشئتنا القراءة والكتابة لكي يقرأوا ولا
يكتبوا، بل بتأكيد احساسهم بأنهم ما لم يقرأوا أو يكتبوا
يظلون أميين بمعنى جديد في الامية.
إن اطفالنا بحاجة الى دراسة واعية لأمور تربيتهم الثقافية
ينهض بها كل من يدرك مدى عظم مسؤوليتهم في بناء غد الامة
والذي هو ليس بناء مدرسة ولا كتاباً او قلما او دفتراً او
جهاز حاسوب محشو ببرامج مستوردة وفاسدة .. بل خلقاً في الدرس
والحكم والاستنتاج .
أحمد الأسعد
مراسل الوطن في بيروت
أعلى