المسرح الموازي والجدل الدائر حوله
رفيق الصبان : أساس انطلاق المسرح
محمد صبحي : لا يمكن منع فن أيا كان
أشرف زكي : موجود في جميع المسرحيات
جلال الشرقاوي : ليس شرطا أن يكون العرض به استعراضات
محمد هاني : الانحياز يجب أن يكون للمعيار الفني
القاهرة ـ(الوطن): بمسرح فيصل
ندا العريق ، قدم المخرج والمؤلف المسرحي أحمد أبو هيبة
عرضه (ارفع ايديك) ثالث أيام عيد الأضحى المبارك ، وهو العرض
الذي أثار جدلاً مبكراً بسبب ما أوردته بعض الصحف حول أنه
يعد بداية لما يسمى بمسرح إسلامي ملتزم ، يتوافق مع التعاليم
الدينية .. والبعض الآخر يطلق عليه المسرح الموازي على غرار
الاتحادات الطلابية الموازية ، وهو ما تأكد لهذا الفريق
، بتصريح الفنان عبد العزيز مخيون بطل العرض ( بالإضافة
إلى علاء خوخة ، وشخصية نسائية أيضاً الوجه الجديد مروة
فرج) على المسرحية ، لا داعي لإطلاق اسم مسرح اسلامي ولكن
سموه المسرح الموازي او البديل .
في نفس الوقت هناك تكتم شديد بين جميع العاملين بهذا العرض
المسرحي ، وعلى رأسهم مخرج ومؤلف العرض أحمد ابو هيبة ،
الذي رفض إجراء أية مقابلات إعلامية معلناً أنه لن يفيد
العرض الآن الإدلاء بأية تصريحات ، مؤكدا في الوقت نفسه
على انه مستعد لذلك ، ولكن بعد أن يتم العرض ، حتى يتم الحكم
عليه بشكل سليم .
والسؤال هنا لماذا يطرح مثل هذا النوع من المسرح هذه الأيام
؟ وهل تعتبر التجربة الأولى لمسرح إسلامي أو ديني ؟ وما
مدى استمراره ؟ ومن هو جمهوره ؟
شرعية المسرح
يقول رفيق الصبان الناقد السينمائي والسيناريست : لا ينبغي
أن نأخذ الأمور بالشكل الظاهري ، الغريب جدا إذا أخذنا تاريخ
المسرح من البدايات نجد أن الدين كان أساس انطلاق المسرح
، حتى في أيام اليونان ، ثم إذا نظرنا للمسرح الاوروبي ،
نجد أنه انطلق من الكنيسة وابتدأ بـ(الميستيريزم) وكانوا
يقدمون مشاهد في الاطار الكنسي ، عن حياة المسيح وتمثيل
صلبه ، وبعد ذلك انتشر المسرح لكنه كان نابعا من الكنيسة
، حتى الديانات البوذية في اليابان عندهم مسرح مقدس ديني
.
كذلك الإسلام عرف المسرح عن طريق ما يسمى التعازي ، وهي
مناسبة تقام في كربلاء ، تصور استشهاد الإمام الحسين ، وهو
شكل من اشكال المسرح الاسلامي ، الذي يمثل بمنظر شبه واقعي
حادثة كربلاء ، وقد ترجم النص الذي عثر عليه (نص التعازي)
وهو نص كما وصفه شديد الجمال شديد الروعة شديد الشاعرية.
إذا الدين كان ملتصقا بطقوسه بالمسرح ولا يستطيع فهم لماذا
فجأة اعتبر التمثيل حراما هذا شيء غريب جداً .
وأكد أنه لا تهمه الاسماء والمعتقدات ، إنما يهمه عندما
يقال مسرح إسلامي وتقوم جماعة إسلامية بتقديم هذا المسرح
، معناه اعتراف بشرعية المسرح ، معناه ان المسرح هو شيء
شرعي مثلما قال الراحل (حمدي غيث) ، اجعلهم يقولون في المسرح
اكثر مما يقولون في الشارع ، بعد ذلك يتم تطوير المسرح لديهم
.
وأضاف: في أعياد الميلاد ثلاثة ارباع الكنائس في العالم
تقدم مسرحيات دينية حول ولادة المسيح او صلب المسيح ، ولماذا
يقال هذا مسرح سياسي مع ان اي مسرح كائن ما كان مسرحا سياسيا.
وأوضح أن خطورة المسرح أن يكون هو المسرح الوحيد ، انما
وهو نوع من أنواع المسارح الموجودة الى جانب المسرح العادي
، لماذا يعطى له خطورة ؟!.
وتساءل مستغربا عندما قدمت مسرحية بلدي يا بلدي ، عن السيد
البدوي ألا تعتبر في أعماقها مسرحية دينية !.
مسرح ناقص
وتحدث الفنان محمد صبحي عن تلك القضية وأدلى برأيه عن وجود
هذه الفرقة حيث قال لا يمكن منع فن ايا كان ، وبما ان هناك
نصا مسفا لا يمكن منعه وهو موجود ، فهذا التيار ايضا يمكن
ان يكون موجودا ، لكن المفزع ان يتحول المسرح اليوم الى
مسرح ذكوري ليس فيه نساء تمثل ، فيصبح كله مسرح رجال لان
هذا ممنوع في عرفهم ،
أنواعه
اندهش د. أشرف زكي رئيس البيت الفني للمسرح من أن هذه القضية
تثار الآن ، وأشار هذه فرقة مسرحية تقدم عرضا وهو ليس أول
عرض لهم ، عملوا تجربة السنة الماضية والتي قبلها . اشتركوا
في المهرجان القومي للمسرح وما زالت تجربة عادية ، ولا يتصور
ان الموضوع يأخذ البعد الذي يتصوره بعض الناس ان هذا مسرح
ملتزم بالقواعد الاسلامية .
وأضاف: هذه فرقة يمثل فيها زملاء عاديون جدا ، المخرج زميل
عادي جدا ، الابطال كلهم زملاء . السنة الماضية عملوا تجربة
اسمها (فيتنام تو) ، كانوا يتحدثون عن قضية سياسية من وجهة
نظرهم ، لكن إذا كان بعض الممولين للتجربة لهم اتجاهات دينية
او اتجاهات حزبية هذا ليس معناه أن هناك ظاهرة جديدة اسمها
المسرح الإسلامي . فالمسرح المصري ايضا إسلامي وما معنى
ذلك هل هو غير إسلامي ؟! ، بالعكس مسارح الدولة ومسارح القطاع
الخاص الدين موجود في كل العروض التي تقدم بها والالتزام
بالقواعد الدينية ، بالتالي المسارح مسارح ملتزمة ولا يوجد
أساس للتصنيفات ، هذا أمر عادي جدا .
وأشار إلى أن هناك نوعين من المسرح مسرح الدولة أو مسرح
القطاع الخاص بالاضافة إلى مسارح الهواة وغير ذلك ، وهذا
المسرح يعتبر قطاعا خاصا ، ومنتجو القطاع الخاص أيضا معروفون
.
وقال: إنه لم يرَ كلمة المسرح الإسلامي ، بالإضافة لذلك
شباك التذاكر شباك حر ولا يوجد التمييز بين محجبة او غير
محجبة او مسلم او مسيحي ، لا حجر على الجمهور . وأوضح د.
زكى أن تجاربهم السابقة كانت عادية ، وما يخشى أن يعطى للموضوع
عمق ليس موجودا .
من ناحية أخرى قال: لما تقام مسرحية يتم إطلاق الشباك للجمهور
العادي ، وأحيانا يكون هناك تسويق على شركات النفط ومدارس
وجامعات إلى آخره ، أما هم فتسويقهم متجه الى الجمهور المتزمت
او المتشددين ، لكنه استدرك كلامه بأن الرواية التي قدمت
السنة الماضية كانت رواية عادية جدا وكل مقومات المسرح موجودة
بها وشملت استعراضات وتمثيلا وموسيقى وديكورا وكان علاء
قوقة أحد الزملاء الذين أخرجوها .
واعتبر د. زكي أنه لو افترض ان هذه اللافتة موجودة ، ويؤكد
أنها ليست موجودة ولن تكون موجودة ، وسئل هل العمل الدرامي
نفسه عمل يريد تعليم الديانة الإسلامية أو يقدم لفئة معينة
من الجمهور؟.
وأنهى كلامه مبينا أن الدين موجود في جميع المسرحيات ، وأنه
حضر عروضا قريبة جدا في الكنيسة دعي لها من قبل فرق مسرحية
، وكانت عروضا عادية لتوفيق الحكيم .
كما أن الفرقة المسرحية التي يتحدث عنها عادية جدا تقدم
فنا عاديا جدا مثل أي مسرح ولا يوجد المسرح الموازي أو المسرح
البديل وإذا كان أحد قال هذا فهذا رأي فردي شخصي لا يتجاوز
صاحبه .
بدايه دينية
أما جلال الشرقاوي فيبدأ تعقيبه بتساؤل عما هو المقصود بالمسرح
الإسلامي؟ ، ويجيب: إذا كان المقصود بالمسرح الإسلامي الحض
على مكارم الأخلاق ، فالمسرح الجاد كله يحض عليها إذاً فهو
مسرح إسلامي ، إذا كان يحض على الخير فالمسرح الجاد كله
يحض على الخير ، إذا كان المسرح الإسلامي يحارب الطاغوت
فالمسرح الجاد يحارب الطاغوت ، وإذا كان يدعو إلى الحرية
والديمقراطية فهكذا شأن المسرح الجاد . اذا يمكن القول إن
المسرح الجاد على إطلاقه هو مسرح إسلامي او ديني ، هذا إذا
كان المقصود باصطلاح المسرح الإسلامي ما قصد ، اما اذا كان
المقصود بالمسرح الاسلامي عذابات القبر وعذابات جهنم والثعابين
والعقارب والوحوش المتخيلة والتخويف من هذا ، اللهم الا
بعض المسرحيات قليلة العدد عن القديسين ، والمرايم الثلاثة
، عما وصل من المسرحيات التي لها قيمة في تلك الفترة ، وما
عدا ذلك هو مسرح مخوف ، وكان الغرض من انشائه أن تصبح السلطة
كلها ممثلة في الكنيسة ، الدنيوية والدينية .
إلى أن ظهر دعاة التنوير في بدايات عصر النهضة وبالذات في
فرنسا مثل راسبين وفولتير إلى آخره ، وحاربوا هذه النغمة
المرعبة ، التي تسلطت من خلالها الكنيسة على كل مقدرات الحياة
، وأوضح أن صكوك الغفران الشهيرة تذكر حتى الآن تريد غرفة
وصالة في الجنة يكون الثمن كذا تريد فيلا الثمن اكثر لو
قصر هذا شىء آخر ، وهكذا تسلطت الكنيسة على كل مقدرات الأمور
، وجاء عصر التنوير أو عصر النهضة وقاوم الفنانون التشكيليون
والمؤلفون الدراميون والفنانون الملتزمون هذا الاتجاه ،
وبدأوا في فصل الكنيسة عن الدنيا ، وقالوا ما لله لله ،
وما لقيصر لقيصر .
وأضاف: يجب ان يقول هؤلاء ماذا يقصدون بالمسرح الاسلامي
حتى يتم الرد عليهم ، فاذا كان ما وصف في الشطر الاول ،
يكون هو كل المسرح الجاد على عمومه اسلامي ، اما التصنيف
فهو مرفوض منذ القرون الوسطى المظلمة.
وأكمل جلال الشرقاوي : ليس شرطا ان يكون المسرح به استعراضات
، فهناك آلاف المسرحيات ليس فيها عنصرا الغناء والرقص انما
حوار فقط ، لكن المسارح العادية تقدم فنا ملتزما وافضل منهم
فنيا .
وأما عن مسألة مسرح ديني ، فالمسرح بدايته دينية بدأ بالاناشيد
الدينية وبالكورال ثم ظهر الصولو من الكورال ثم بدأ يظهر
الحوار .
تقسيم علمي
ويقول محمد هاني ، مدير تحرير روزا اليوسف المشكلة ليست
في المسرحية ولكن في الفكرة نفسها ، تصنيف المسرح إلى إسلامي
، هذا معناه أن يتوقع بعد قليل ان يكون هناك المسرح اللا
إسلامي ، ويجب ان ينتبه لخطورة الفكرة ، منذ سنين أصبح هناك
شيء اسمه سينما نظيفة بها مواصفات معينة والسينما غير النظيفة
وهذا ليس تقسيما فنيا ، انما المتعارف عليه مسرح كوميدي
واستعراضي إلى آخره . انما مسرح اسلامي معنى هذا أن يكون
هناك مسرح مسيحي ومسرح يهودي ، واذا كان هذا النوع من المسرحيات
موجودا ، فمن الممكن ان يكون مسرحا لجمهور خاص ، بمعنى مسرح
إسلامي داخل المراكز الاسلامية او داخل المساجد او مسرح
مسيحي داخل الكنائس ويناقش روايات دينية تعبر عن قيم معينة
، لكن الجمهور العام يطبق عليه معيار الفن ، المعايير المسرحية
وليس تصنيفا دينيا، فالآن اصبح هناك سينما نظيفة وغير نظيفة
وايضا أغاني إسلامية .
الا انه لا يمكن الحكم على عمل فني قبل ظهوره، ولكن مجرد
ظهور هذه اللافتة بحكم سوابق حدثت هذه هي الفكرة ، وتساءل
هل هناك تقسيم علمي يسمى مسرح إسلامي ومسرح مسيحي ، لذا
الانحياز هنا يجب أن يكون للمعيار الفني ، وأشار إلى أن
المسرح المصري ممتد بتراثه إلى اكثر من مائة سنة .
أعلى
بريد
سيدي الحاضر الغائب
لن أحدثك عن العيد فلا عيد بدونك
ولكني سأحدثك عن رحلتي إلى المملكة العربية السعودية سأحدثك
عن أسبوع ثقافي أقامته السلطنة في ربوع الرياض ولكني لا
أعلم من أين أبدأ .. ولكن درجت العادة أن نبدأ من البدايات
الطبيعية للأشياء .. غادرت برفقة مبدعتين من بلدي أصيلة
السهيلي ولمياء الحراصي فأما عن الأولى فهي شاعرة رقيقة
جناحها الكلمة في الشعر النبطي وأما الثانية فهي طفلة تلهو
بالضوء وتكتب الكلمات قصصا وروايات تفوق شهرزاد ولا أتخيل
أن الرحلة كانت لتكون ممتعة بدونهما فقد شكلنا معا ثلاثيا
متجانسا كل في مجاله حيث تركن لي الشعر الفصيح ليحلق بي
أو لأحلق به في سماء الرياض الحبيبة .
سيدي الحاضر الغائب
دخلت الرياض والمرأة السعودية تمثل بالنسبة لي الغموض كله
فعلى الرغم من أن الوطن واحد وكلنا في الهم نساء شرقيات
إلا أن الغموض كان يغلف كل شئ من حولي لم أكن أعرف أي شئ
عن السعوديات الحبيبات وغادرت الرياض بعد انتهاء الاسبوع
الثقافي وأنا ممتلئة إعجابا وتقديرا بإنجازات النساء العظيمات
هناك في مجتمع تنفصل فيه المرأة تماما عن الرجل في كل شئ
..
سيدي الحاضر الغائب
سأحدثك بداية عن مركز جميل هو المناهل حيث كانت أولى الزيارات
إليه وهو مكان بمثابة الجنة للمرأة في الرياض تشرف على هذا
المركز وتدعمه ماديا ومعنويا وترعاه بحب عظيم أميرة جميلة
هادئة كأنما غادرت أرض الحكايا لتستقر في واقع جميل بفضل
محبتها وحضورها تلك هي الأميرة مضاوي بنت مساعد بن عبدالعزيز
التي رحبت بنا وأخذتنا في جولة في أرجاء المناهل وشرحت لنا
بالتفصيل البديع كل أنشطة وفعاليات المركز الذي يعني بالمرأة
أكاديميا وجماليا فكما تجد مختلف الدورات وفرص التدريب في
مجالات عديدة تجد أيضا جناحا للتجميل والعناية بمظهرها وتدليلها
كطفل حبيب ، ثم جلسنا معا على فنجان من الشاي نتبادل أطراف
الحديث وسط جو حميمي ملئ بالحب والدفء الذي اشاعته روح الأميرة
مضاوي وتواضعها الجم ، وحين سألتني الأميرة عن واقع المرأة
في بلدي وجدتني بكل فخر انطلق في حديث شجي عن مكانة المرأة
في بلدي ووقوفها جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل في دفع عجلة
البناء والتطور في وطني عمان وجدتني أتحدث كطفلة فخورة بأمها
وبما أنجزته وبرغبة صادقة في إعطاء صورة مشرفة عن المرأة
في عمان وما حققته بفضل من صاحب الجلالة السلطان قابوس بن
سعيد المعظم يحفظه الله ويرعاه .
سيدي الحاضر الغائب
بعد مغادرة المناهل توجهنا إلى فعالية أخرى وهذه المرة برعاية
أميرة أخرى هي الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز تلك الرائعة
التي افتتحت معرضا للفنون التشكيلية في قاعة ألوان فكانت
الأميرة موضي بحد ذاتها لوحة بديعة صاغها فنان أعظم فلقد
أصرت أن تؤخر افتتاح المعرض لحين قدومنا حين علمت بوجودنا
في الرياض كوفد يمثل السلطنة وكم كان المكان دافئا بالرغم
من برودة الجو في الخارج التي تلسع العظام من شدتها إلا
أن المعرض كان دافئا كصدر الأم بترحيب السعوديات بنا وبابتسامة
الأميرة موضي التي أضاءت المكان وهي تتنقل بنا بين اللوحات
والمنحوتات وتستمع معنا إلى شرح التشكيليات المشاركات في
المعرض عن أعمالهن الرائعة لينتهي اليوم الأول لنا في الرياض
وقد التقينا نماذج رائعة للمرأة السعودية كما نشكر الله
أن قدمنا صورة رائعة عن المرأة في عمان ولا أكتمك سرا يا
سيدي أن المهمة كانت صعبة فلقد كنا على إدراك تام أننا نمثل
العمانيات في وطننا وعلينا أن نحرص على كل كلمة ولفتة ولقد
أدركت كم هي صعبة مهمة السفراء في أي بلد ولكنها مشوقة كذلك
فهي تتيح لك أن تتحدث عن وطنك الذي تحب بلا كلل أو ملل وكأنما
ترغب بشدة أن تحول كل شئ عنه إلى مطر ليهمي على العالم بأسره
معرفا به وبروعته وعظمته .
سيدي الحاضر الغائب
... للحديث بقية وفي الغد أحدثك عن تفاصيل أخرى في رحلتنا
.. وقبل الختام همسة في أذنك .. هناك بين السماء والأرض
.. والطائرة تحلق بنا فوق موج من الغيوم البيضاء ذكرتك ودعوت
الله لك .. ولي .
نورا البادي
فنانة و شاعرة عمانية
أعلى
صوت
بناء الطين
من منا لا يملك في ذاكرته مساحة
من الحنين من التذكر المشبوب للمكان الأول في قرانا وأريافنا،
حيث البيت التقليدي القديم المبني من الطين يؤثث هذا المكان
الأول والمرافق السكنية الأخرى ، ويحضر في الذاكرة المختزلة
الملمح الأبرز المعبر عن القيم الجميلة التي كانت سائدة
في القرية والريف والتي تتميز بها الحياة المعاشة هناك في
جوانبها الاجتماعية والاقتصادية ، فكان الطين الذي من لحم
الأرض هو المادة الأولية التي يبني بها الإنسان في المكان
مرافق معيشته على كيفية مستمدة من قيم تجربة المعيش والتجذر
في المكان، فكان لا يوجد ذلك التغييب الحاد لروح المكان
في هذه الأبنية والمرافق كما هو حاصل الآن في واقع البناء
المشوه، في القرية والمدينة معا المعمم عليهما بالقبح جميعا.
لقد كان الطين الأقرب إلى تناول يد الإنسان من بين مواد
الطبيعة الأولية كافة وقت أن شرع يحاول الإنسان بناء مسكن
له يستقر المقام به تحت سقفه وبين جدرانه بعد ردح من الزمن
عاش فيه البشر وجها لوجه أمام جبروتها مطاردين تحت نقمة
هذا الجبروت الذي ملك تأثيره على البشر في ذلك الزمن نحو
الاستسلام والخضوع له كمجموعة قوى لا ما ورائية حيث أخذ
تاليه هذه القوى وأسطرتها بتقديم القرابين وممارسة طقوس
العبادة لها وسيلة اعتقادية استقرت عليها العقلية البدائية
للإنسان الأول لاتقاء نقمتها وتحييد قوتها فكان الطين مادة
خصبة استعملت لبناء الهياكل والصروح التي كرست لعبادة هذه
القوى والعناصر الطبيعية المؤلهة .
فقد برز الطين عنصراً مهما للاستخدام في بناء المساكن منذ
بدء الإنسان محاولات استقراره واستيطانه في فجر التاريخ،
في مجتمعات سكنية تستجيب مرافقها العمرانية لمختلف حاجات
السكان الحياتية وتخدم كافة الأغراض الاجتماعية والدينية
والحربية وذلك للسهولة في تحضير هذه المادة وتوافر مصدرها
الأولي (التراب) في كثرة كاثرة مادامت عاصفات الرياح والزوابع
تدوم على وجه الأرض ناقلة تحت أجنحتها ذراته جاعلة منه مشاعا
بإسراف هنا وهناك في السبخات والمنبسطات الأرضية ولتوفره
كذلك بكثرة في محاذاة ضفاف الأنهار والأدوية والمجاري السيلية
نتيجة ما ترسب بفعل الفيضانات من طمي على ضفافها .
وبرغم استعانة الإنسان بعد ذلك بمواد أخرى مختلفة لاستعمالها
في إنشاء وتشييد مبانيه السكنية ومنشآته العمرانية في قراه
ومدنه، على ما توفر في هذه المواد الجديدة من صلابة وقوة
تحمل كاستعماله الصخور في بناء الأسوار التي تحيط بمدنه
والقلاع والحصون وحتى معابده وقصوره في فترة لاحقه من تاريخ
استقراره واعتماده اعتماداً كلياً في وقـتنا الحاضر على
استعمال الكنكريت والخرسانة في بناء منشآته، شكل الطين ومازال
يشكل واحدة من مواد البناء التي يعتمد عليها في إنشاء وتعمير
البيوت والمساكن خاصة في المناطق والقرى الريفية في العالم
الثالث نظرا لتراكم الخبرة المحلية في تقنيات البناء بهذه
المادة ولرخص التكلفة في استعمالها.
وفي تجربته الرائدة في استنباط أنماط من البناء سهلة التكلفة
تفي بتأدية أغراض السكن والمعيشة للشرائح الدنيا والفقيرة
في المجتمعات الريفية والقروية نجد أن المهندس حسن فتحي
قد طرح الطين حلا لمعالجة مشكلة إيواء المحتاجين في الوطن
العربي كما أظهرت بذلك تجربته في الريف المصري والتي يعبر
عنها في كتابه (عمارة الفقراء) وتبرز نموذجاً فريداً في
العالم للتقنية في البناء المعتمد على طوب الطين ، عمارة
الطين في منطقة حضرموت بجنوب اليمن، فالمدن والأحياء التي
بنيت منذ ثلاثمائة عام ما زالت قائمة ومأهولة إلى الآن فطوال
تلك المدة لم يتوقف البناء بمادة الطين ولا تقنيات البناء
المتبعة من قبل البنائين التي لم يطرأ عليها اختلاف يذكر
وما يؤكد غنى العمارة الحضرمية وتماشيها مع العصر هو استمرار
السكان في بناء بيوتهم حتى الآن على الطريقة التقليدية نفسها
في مثال ما زالت تقدمه هذه العمارة للمواءمة بين البناء
والساكنين مقارنة مع عمارة بلدان أخرى اجتثت تقاليد عمارتها
واستبدلت بطرق بناء مجلوبة وبمواد حديثة غير ملائمة غالبا
للمناخ وللظروف الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
حيث نجد ذلك مجسدا في الوضع العمراني للمدينة العربية نتيجة
أزمة تخطيط عمراني يمر بها العالم العربي تكمن عناصرها وأسبابها
في المستوى التنظيمي التقني كما في مجال التخطيط للتنمية
الاجتماعية والاقتصادية.
أحمد الرحبي
كاتب عماني
أعلى