ثَمِلٌ بالحياة:
مدخل إلى بيير باولو بازولين (1-3)
ستيفن سنايدر
ترجمة: عبدالله حبيب
(هذي هي الحلقة الأولى من ترجمة الفصل
الافتتاحي في مشروع كتابي الأنثولوجي المؤلَّف والمترجَم
من عدة مصادر "خلف حدود المدينة أو بازوليني".
والفصل التعريفي هذا هو مقدمة كتاب "بيير باولو بازوليني"
للناقد السينمائي الأميركي ستيفن سنايدر الذي صدر في 1980،
والذي ارتأيتُ انه يفي بغرض التقديم المبدئي والعام لحياة
وأعمال بازوليني، علماً بأن مسار مشروعي نقديٌّ ونظريٌّ
في الغالب وليس بيوغرافي. وربما يجدر بمن أراد أن يقدِّم
للقارىء العربيِّ سيرة مفصَّلة عن حياة بازوليني المسارعة
إلى ترجمة الكتاب البيوغرافي الضخم "قُدَّاس الموتى
لبازوليني" الذي أصدره بارث ديفيد سكوارتز في 1992
عن منشورات "بانثيون" المعروفة، والذي أشادت به
جمعية دراسات بازوليني الإيطالية إشادة خاصة).
كتب بازوليني في عام 1960: "لقد قضيتُ الجزء الأكبر
من حياتي خلف حدود المدينة... إنني أحب الحياة بعنفٍ وحدَّة
هائلين إلى حدِّ أن لا خير يرجى منها. إنني أتحدث عن الجانب
الفيزيقي للشباب: الشمس، والعشب، والشباب. إن الأمر لإدمانٌ
أكثر فظاعة من إدمان الكوكائيين، وهو إدمان لا يكلف شيئاً
ومتوفر بكميَّات لا حدَّ لها. إنني أَلْتَهِمُ الحياة بِنَهَمٍ...
إلى مَ سينتهي كل هذا؟. لا أدري" (1). لقد تقاربت ملابسات
موته (جريمة قتل) وفضيحة فيلمه الأخير "سالو"
(1975) لتكوِّن نهاية عجيبة بقدر ما كانت مُظلمة. فبينما
انتهى في الحياة جوعه لـ "المقايضة الخشنة" لأحياء
روما الفقيرة بموتٍ عنيف، فإن مَجَازَهُ للحياة بوصفها تناولاً
للطعام ("أَلْتَهِمُ") قد اتخذَّ، في الفيلم،
الدرجات البشعة لعَشَاءٍ أخيرٍ من البُراز. إن مشاهداً يأتي
إلى هذا العمل الأخير بعد أن كان قد شاهد قبلاً "أكتوني"
(1961) (2)، و"لاريكوتا" (1963) (3)، و"حظيرة
الخنازير" (1969) فحسب-وتلك أفلامٌ الأَكْلُ فيها حَدَثٌ
مركزيٌّ-سَيَحارُ بلا شك متعجبَّاً للاستحواذ الفَمِّيِّ
الغريبِ للفنَّان (ناهيك عن الفَتَشَ الشَّرْجِيِّ إن كان
المشاهد قد رأى "حكايات كانتربري" (1971) من قبل)،
وسيفكُّر في الطريقة غير المعتادة التي جُسِّدَ بها جوع
الفنَّان للحياة في رؤيا "غاسترونوميَّة" (4)
من الشَّرَهِ، وأكل لحوم البشر، والاقتيات بالغائط. إن البروز
القوي لصُوَرِ العَشاء في تناسخها العنيد والمُرَقَّش سيوحي
بأنه سيطر على موقعٍ هام في مخيلة مخرج الفيلم. لقد كتب
بازوليني في موضعٍ آخر: "كنت دوماً مُتَأنِّقَ طعامٍ
وشراب سعيداً في حديقة فواكه". "لقد خَبِرْتُ
الواقع بالأخذ منه". وفي الحقيقة فإن مجاز وجبة الطعام
في شغل بازوليني يتكرر في عدة سياقات، فهو تعبير عن الجوع
الروحي (فيلمه "الإنجيل وفقاً لِمَتَّى" (1964))،
وهو فِعْلُ تَمَثُّلٍ ومشاركة (فيلمه "الصقور والعصافير"
(1966))، وهو تعبيرٌ عن الجوع الجسدي للفَقْرِ (فيلمه "لاريكوتا")،
أو هو مجازٌ طبيعي لحيوانيَّة المجتمع الاستهلاكي (فيلماه
"سالو" و"حظيرة الخنازير").
بَيْدَ ان ما أجده شائقاً في الصورة ليس وعدها المغري بحل
تَعَقُّد الأفلام، وليس البَيِّنَة الممتعة التي تقدمها
للقيام بـ"سَكْلَجَةٍ" (نسبة إلى السايكولوجيا)
تأمليَّة ("إستغراقٌ فَمِّيٌّ"، إلخ)، بل ان ما
أجده شائقاً بالأحرى هو عرضها الحي للطريقة العضويَّة، غير
الواضحة، التي عملتْ بها مخيلة بازوليني. فالمَسْخُ الفيلمي
لمجازِهِ المِعَدِّيِّ (نسبة إلى المعدة) يأسُرُ العمليَّة
التي تبدو بها أفلامه وقد نَمَت من بعضها البعض بطريقةِ
شرنقةٍ تنفتح على مخلوقات أكبر وأكثر تلوناً، وكل منها موحَّدٌ
بموروث جينيٍّ مشتَرَك، ومع ذلك فإنها مُشَرَّبَة بالجِدَّة
والفرادة. ويجد المرء في أعماله تطوراً بيولوجيَّاً، فالأعمال
الأخيرة لا تزال توسع الإقليم الذي فتحته الأعمال المبكرة.
إن فرز الجدائل الجينيَّة المعنيَّة بالأمر عَمَلٌ تُعَقِّدهُ
بصورة ميئوس منها عين بازوليني النهمة وطاقاته الإبداعية
التي سعت لاستيعاب كل أسئلة الحياة التي أتت في طريقها.
وفي أوقاتٍ بدا مُقَدَّرَاً على هيام بازوليني بالحياة أن
يحتضن كامل ميدان المسعى الفني. فعلى الرغم من ان الأمريكيين
الجنوبيين يعرفونه أساساً باعتباره مخرجاً سينمائياً ميَّالاً
للغريب والمدهش، إلا ان الإيطاليين يعتبرونه بصورةٍ مُساويَة
شاعراً وكاتباً مهماً. لقد كان مفكِّراً ذا شهادة أكاديمية
(حازها بإنجاز رسالة عن الشاعر جيوفاني باسكولي)، وعالِماً
لغوياًَّ، وشاعراً مُكرَّماً على الصعيد الوطني (5)، وكاتب
عدة روايات (تتمتع اثنتان منهما بشهرة عالمية وهما "أولاد
الحياة" (1955) و"حياة عنيفة" (1959) (6)،
وقد كان رسَّاماً في شبابه (7) (وكانت رغبته الأصل أن يكتب
أطروحة عن الفنون الجميلة في جامعة بولونيا)، وقد اهتم بالموسيقى،
وكتب نقداً سينمائياً وأدبياً، وأطلق وابلاً من تعليقات
اجتماعية أسبوعية في عمود بالصحيفة الميلانيَّة "بريد
المساء"، وأسهم في تأسيس الدورية النقدية "ورشة"
(8)، وكان داعية مبكراً للنظرية السيميولوجية للسينما، وقد
فعل ذلك بإسراف.
ومع ذلك ففي غمرة هذا النشاط المذهل يبدو ان بازوليني قد
بقي حسب تعبيره "خلف حدود المدينة"، خارج المؤسسات
التي سانَدَها؛ وبَعْدُ فقد كان على حَدِّ الحياة تماماً،
غير مملوك لأي أحد أو أي نظام: رَجُلٌ ذو نفاذ بصيرة وإدراك
روحيين من دون كنيسة؛ ماركسيٌّ غير أرثودوكسي من دون حزب.
لقد فاجأ الكثيرين بانتقاده حركات الطلبة الماركسية لعام
1968 (كان الطلبة هم البورجوازية، وكان رجال الشرطة هم الضحايا
البروليتاريين الحقيقيين (9)). وقد رفض رؤيا الطلبة الداعية
إلى سينما سياسية. وفي أوقات متعددة تكبَّدَ الآلام إما
كي يتبرأ من وسطٍ فكريٍّ يربطه المرء به بصورة طبيعية أو
كي يفصل نفسه من ذلك الوسط (الهيكل المقدَّس لماركس، وفرويد،
وليفي شتراوس، وميتز) (10). لقد أثار عدداً كبيراً من الحملات
العنيفة ضده بسبب مِثلِيَّتِهِ الجنسيَّة العلنيَّة، صادماً
الكثيرين بما يؤثَر عن رغبة لا تقاوَم تتلبَّسه للبحث عن
عاهرين في أوساط الجماعات الفرعية في روما (11). وجريمة
قتله التي ارتكبت كما يبدو بيدي واحد منهم (بينو بيلوزي)
قد ألقى عليها عتمات كبيرة ادعاء بيلوزي الجدير بالتصديق
ظاهرياً ان بازوليني كان قد هاجمه (12)، ذلك ان بيير باولو
كان قد أدين من قبل ضمن ملابسات غريبة هدَّد فيها عامل محطة
وقود بسكِّين (13).
السنوات المبكِّرة
رغم ان عبقريته الفريدة يجب أن تُعتبر فطريَّة وأصيلة، إلا
ان بإمكاننا رؤية ان ظروف نشأته قد ألهبتها وشكَّلتها، خاصة
إجلاؤه خلال الحرب العالمية الثانية إلى كاسارسا (في فريولي)
على الحدود اليوغسلافية (14)، حيث عاش بين فلاحين انحدرت
أمُّه من صفوفهم. إن ما يبدو ان بازوليني قد وحَّدَ هويَّته
به في هؤلاء الفلاحين هو حِسُّهم العميق جداً والصوفيِّ
بالدِّين، والذي كان جزئياً قبل-مسيحي وغير مرتبط بأي مؤسسات.
وفي الحديث عن أُمِّه يصف بازوليني هذه الروحيَّة بأنها
"شِعريَّة وطبيعيَّة على نحوٍ صِرف" (15).
لقد كان من خلال هذا الحسِّ الصوفيِّ المشترَك، أو الشمولي،
بالإدراك الروحي ان انجذب بازوليني ليحارِب مع الفلاحين
في نضالهم ضد مُلاَّك الأرض الأغنياء، وأن يصبح في آخر الأمر
شيوعيَّاً وهو غير واعٍ في ذلك الحين للصراع الأساس في الكوزمولوجيا
بين الماديَّة الجدليَّة (الماركسية) وإحساسه الأكثر روحية
بالأشياء. وإلى درجةٍ ما وجد بازوليني حلاً للتَّوتِّر المحتوم
بين هذين المنظورين في كتابات أنطونيو غرامشي، وهو ماركسيٌّ
حَلَّل القوى الثقافية بالإضافة إلى القوى الإقتصادية للتاريخ.
ومع ذلك فإن ماركسيَّة بازوليني، على الرغم من أهميتها،
ظلَّت وجهاً واحداً فقط من "غيشتالتِهِ" (أي موقفه
الشامل من العالم) الإنساني، ووظيفةً لموقفه الفنيِّ والروحيِّ،
وليست مُحِرِّكه الأساس. ولذلك فإنه في رد على سؤال يقول:
"أَمِنَ الضروري استخدام الفن لبناء الإشتراكية أم
بناء الإشتراكية ليكون الناس أحراراً وقابلين أخيراً لإنتاج
الفن؟"، أجاب بازوليني بلا تردد: "إن البديل الثاني
هو ما أهدف إليه. وهكذا فإنه ينبغي ألأ تكون هناك أية شكوك
حول الأمر".
لقد منح حب الحياة الذي لا يمكن إخماده لدى بازوليني لطبيعته
المبدعة أن تزدهر في ظروف صعبة أدانها وعيه الاجتماعي. فإقامته
المؤقتة في أحياء روما الفقيرة في مطلع الخمسينيات، وهي
إقامة استوجبها الأجر البخس الذي كان يتقاضاه من عمله في
التدريس، جُسِّدَت في روايتين ومجموعة شعرية جلبت له اهتمام
المفكرين الأدبيين والمخرجين السينمائيين. وقد كانت رغبته
في التعبير بأكمل ما يمكن عن هذا الشغف بالحياة هي ما دفعه
ليصنع أفلاماً، لأن الأفلام جاءت لتجسد له ليس مجرد تقنية
جديدة، ولكن أداة تعبِّر فيها الحياة عن نفسها بنفسها.
هوامش:
(1). وثَّقت في النسخة الأكاديمية من هذه الترجمة كافة الاقتباسات
المأخوذة عن بازوليني أو غيره بلغتها الأصل مع ترجمة المصادر
إلى العربية وذلك خدمة لقارىء العربية الذي يجيد لغات أجنبية
ويريد تتبع الموضوع في مصادره الأصلية (وهذا للأسف الشديد
ما لا يفعله المترجمون العرب الذين يغضون النظر عن انه يمكن
لقراء العربية الذين يجيدون لغة أو لغات أجنبيَّة، والذين
يزداد عددهم في الواقع، أن يتعرفوا إلى موضوع معيَّن بلغتهم
الأمّ ثم يواصلوا استكشافه، إن راق الأمر لهم وعناهم واستأثر
على اهتمامهم، في المصادر المتوفرة بلغة أو لغات أجنبيَّة).
كذلك فإني أدرجت أسماء العَلم وعناوين الأعمال بالحروف الرومانيّة
مقابل الترجمة والنقحرة العربيَّتين (بالنسبة إلى الأولى)
لنفس السبب. غير اني، في النسخة الصحفية هذي من الترجمة،
آثرت عدم إثقال القارىء وإرهاقه وتشتيته بالتوثيق المصدري
الأجنبي والتعليق عليه أو رَمَْنَنَة حروف الاسم أو العنوان
إلا في ما كان ضرورياً حسب اجتهادي. علماً بأن الهوامش التي
قد تبدو كثيرة في هذه الحلقة تقلُّ بصورة ملحوظة في الحلقتين
القادمتين من هذه النسخة الصحفيَّة. وعلماً بأن جميع العناوين
الفرعيَّة الواردة في هذه الحلقة والحلقتين القادمتين من
وضع المؤلف-المترجم.
(2). "أكَتوني" (Accattone) هو عنوان الفيلم الأول
من إخراج بازوليني واسم شخصيته الرئيسة وهي من نوع "البَطَل
الضِّد". وإضافة إلى كونها اسم عَلَم تعني الكلمة في
الإيطالية كذلك "شَحَّاذ"-المترجم.
(3). مع انه يمكن التعامل مع "لاريكوتا" La Ricotta
(والكلمة تعني نوع من الجبنة الإيطالية البيضاء) باعتباره
وحدة مستقلة، إلا انه أُنتج باعتباره واحداً من مقاطع أربعة
في فيلم أطول أطول لأربعة مخرجين. وقد عُرف ذلك الفيلم،
وهو من سيناريو بازوليني، بعنوان "روغوباغ" (Rogopag)
حيث تكونت الكلمة (التي لا تعني شيئاً محدداً في الإيطالية)
من الحرفين الأولين من أسماء ثلاثة من مخرجي الفيلم والحرف
الأول من اسم المخرج الرابع. والمخرجون، حسب ترتيب استعارة
الحروف من أسمائهم، هم: روسوليني، وغودار، وبازوليني، وغريغوريتي-المترجم.
(4). "غاسترونوميَّة" أي متعلِّقة بالأكل بوصفه
فنَّاً أو عِلماً-المترجم.
(5). في 1957 قُدِّمَت له جائزة فياريجو الوطنية عن مجموعته
الشعريَّة "رماد غرامشي"-الكاتب.
(6). في 1992 صدرت لبازوليني رواية لم تنشر في حياته بعنوان
"بيتروليو"-المترجم.
(7). لم يكفَّ بازوليني عن رسم الاسكتشات والبورتريهات من
حين لآخر حتى مصرعه-المترجم.
(8). أسهم بازوليني في تأسيس هذه الفصلية النقدية في أوج
مرحلته الغرامشيَّة، وهكذا كان خطها الفكري قبل أن تتوقف
عن الصدور-المترجم.
(9). يوضح بازوليني موقفه من ذلك على أساس ان الطلبة اليساريين
المتظاهرين تحة راية شعارات تقدميَّة هم، في الحقيقة، أبناء
الفئات الإجتماعية المسيطِرة اقتصادياً واجتماعيَّاً، حيث
تتيح لهم امكاناتهم الطبقية دخول الجامعات وقراءة ماركس
والأدبيات الثورية من باب فضول الشباب ونَزَقِهِ. أما رجال
الشرطة فهم، في الحقيقة، أبناء الطبقات المضطهَدة-خاصة أبناء
الريف الفقير منهم (وهم الفلاحون الذين ارتبط بهم بازوليني
منذ طفولته)-فهولاء الكادحون الفعليون لم يتسنَّ لهم إكمال
تعليمهم الأساسي فما بالك بالعالي، ولا خيار معيشياً أمامهم
سوى تعطيل أو تفريغ طاقاتهم الانتاجية، ثم استقطابهم من
قِبل السلطات للعمل في أجهزة القمع كالشرطة والجيش. ولا
يبدو الأمر بالنسبة إلى هؤلاء مختلفاً عما يحدث في كثير
من بلداننا العربيَّة-المترجم.
(10). المقصود بالرابع هو كريستيان ميتز الذي يُعرَف بأنه
أهم مُنَظِّر سينماسيميولوجي على الإطلاق. بينه وبين بازوليني
مجادلاتٌ تأسيسيَّة بدأت بتحاورهما في مناقشات مؤتمر عقد
ضمن فعاليات مهرجان بيسارو السينمائي في 1965. ويعرف ذلك
المؤتمر الآن بأنه نقطة تدشينيَّة في تاريخ النظرية السينماسيميولوجية-المترجم.
(11). "الجماعة الفرعية: جماعة عرقية أو إقليمية أو
اقتصادية أو اجتماعية ذات أنماط من السلوك متميزة إلى حد
يجعلها مختلفة عن الجماعات الأخرى التي تشكل بالإضافة إليها
مجتمعاً أوسع أو أشمل"-"المورد الأكبر".
(12). أرجو انتباه القارئ إلى ان كتاب سنايدر قد صدر في
1980، أي بعد خمس سنوات فقط من مصرع بازوليني. ومنذ ذلك
الحين تكشفت تفاصيل تجعل من المؤكد ان جريمة قتل بازوليني
كانت اغتيالاً سياسياً مخططاً له بالتعاون بين الفاشيين
الجدد والكنيسة، وقد نفَّذ ذلك الاغتيال أكثر من شخص على
عكس الرواية الرسمية القائلة بقاتلٍ واحدٍ فقط. وكان الحزب
الشيوعي الإيطالي الذي أشرف على تنظيم جنازة بازوليني الحاشدة
(والذي وسم علاقته به توتر ومرارة على إثر طرده منه) قد
رفض نتائج التحقيق جملة وتفصيلاً. وقد تزايدت الدعوات التي
أطلقها كثير من المفكرين والمثقفين والفنانين السياسيين
الإيطاليين لإعادة فتح ملف القضية وإعادة المحاكمة وكشف
تورط الشرطة والمحققين وتواطؤ القضاء في إخفاء كثير من تفاصيل
الجريمة وحيثياتها والتلاعب بالبعض الآخر؛ ومنها على سبيل
المثال لا الحصر قيام المحققين بغسل بقع الدماء التي وجدوها
على سيارة بازوليني وفي داخلها من دون تحليلها للتأكد مما
اذا كانت تلك دماء بازوليني أو دماء شخص غيره قد يكون أحد
القتلة ممن تمكن بازوليني ذو الصحة المعافاة والبنية الجسدية
الرياضية القوية من جرحهم أثناء دفاعه عن حياته -المترجم.
(13). بلغ عدد الإجراءات القضائية بحق بازوليني في إيطاليا
وحدها ما بين 1949 ومصرعه في 1975 أكثر من 365 إجراء. وقد
أدين بازوليني وسجن خارج بلاده عدة مرات بما في ذلك واقعتي
توقيفه في المملكة المغربية وشجاره مع الشرطة في إيران.
والتفاصيل حول الأخير موجودة في مقالة جيدين باخمان "بازوليني
في بلاد فارس: تصوير فيلم "ألف ليلة وليلة""
المتَرجَم ضمن مشروع كتابي-المترجم.
(14). كان غويدالبيرتو بازوليني، أُخُ بازوليني، قد قُتل
وهو يحارب ضد الفاشيين في تلك الحرب، وقد ترك الأمر أثَرَاً
ذا شأن كبير في ذاكرة بازوليني وحساسيَّته-المترجم.
(15). جدير بالذكر هنا ان بازوليني كتب ونشر أول مجموعة
شعرية له باللغة الفريوليَّة التي يتكلمها الفلاحون الإيطاليون
الأكثر فقراً، والذين ارتبط بهم منذ بداياته. كذلك أسهم
في 1945 في تأسيس جمعية لغويَّة مُكرَّسة لدراسة اللغة الفريوليَّة-المترجم.
*أديب عماني
أعلى
(الربابة) تعزف الحزن على أرصفة شوارع فلسطين الباردة
رام الله (الضفة الغربية) ـ رويترز:
يجلس المواطن الفلسطيني راسم مصطفى الذي قارب على الستين
من عمره في الجو البارد جدا على رصيف شارع وسط مدينة رام
الله في الاراضي الفلسطينية المحتلة يعزف على آلة موسيقية
شرقية (الربابة) صنعها بيده بانتظار من يشتري منه هذه الآلة
اما ليعلقها على جدار منزله أو ليتعلم العزف عليها.
وقال مصطفى لرويترز انه تمكن من اعادة آلة الربابة الموسيقية
الى التراث الفلسطيني بعد أن اختفت لأكثر من ثلاثين عاما
قبل أن يعود لصناعتها قبل عشر سنوات بطريقة يدوية.. ولا
يوجد نوتات موسيقية للربابة بل هي آلة موسيقية سماعية. والربابة
عبارة عن جلد غزال أو جدي يرطب ثم يلف على هيكل خشبي مستطيل
الشكل له ذراع خشبي ويشد الوتر من بداية الصندوق الخشبي
الى نهاية الذراع كما يوجد للربابة قوس خشبي يصل بين طرفيه
وتر من شعر الحصان وعند تمرير القوس على الوتر واستخدام
اصابع اليد تصدر الربابة نغمات موسيقية يشكلها العازف كيف
يشاء.
وقال مصطفى إنه استبدل شعر الحصان في صناعة الوتر وخيط القوس
بخيوط بلاستيكية رفيعة وقوية ويعتبرها أفضل دون الاخلال
بتركيبة هذه الآلة التراثية التي يستغرق في صناعتها يومين.
وتابع مصطفى: إن زبائنه هم من الاجانب والفلسطينيين المقيمين
خارج الاراضي الفلسطينية المحتلة اضافة الى عدد من الهواة
الذين يحبون تعلم العزف على هذه الآلة الموسيقية القديمة
ويبلغ سعرها ما يقارب عشرين دولارا.
وتشهد الاراضي الفلسطينية المحتلة تراجعا كبيرا في الحركة
السياحية بسبب التوتر الذي تشهده على الصيعد الامني وتصاعد
الاقتتال الفلسطيني الداخلي اضافة الى العراقيل التي يضعها
الجانب الاسرائيلي امام دخول الاجانب الى الاراضي الفلسطينية
المحتلة. كما شهدت الاوضاع الاقتصادية الفلسطينية تدهورا
كبيرا خلال العام الماضي تراجع فيه اجمالي الناتج المحلي
الى النصف كما ارتفعت معدلات الفقر وعدد الباحثين عن عمل
الى نسب لم يسبق لها مثيل أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين
بعد أن فرضت الدول الغربية واسرائيل حصارا ماديا على السلطة
الفلسطينينة بعد تسلم حركة حماس الاسلامية الحكم في الاراضي
الفلسطينية
مارس الماضي.
وقال مصطفى إنه كان خلال السنوات السابقة يبيع العشرات من
آلته الموسيقية (الربابة) ولكن تمر في هذه الاوقات أيام
دون أن يبيع آلة واحدة ويرجع ذلك الى انعدام الحركة السياحية
وكذلك الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون.
وشكلت الربابة مظهرا مهما في الحياة الثقافية الفلسطينية
وخصوصا
البدوية منها وكان الشعراء يتنقلون من عشيرة الى أخرى يقيمون
حفلات السمر (في بيوت الشعر) وكانت المسابقات الشعرية وحل
الالغاز يتم على انغام الربابة. وقال عبدالرؤوف يونس (60
عاما) لرويترز ان الربابة بقيت الى فترة الستينات في الاراضي
الفلسطينية شيئا اساسيا في الحياة الثقافية البدوية عند
الفلسطينيين الذين كانوا يجتمعون حول عازف الربابة في بيت
شيخ العشيرة. وتابع أنه بعد حرب عام 1967 حيث احتلت اسرائيل
الضفة الغربية وقطاع غزة تشتت الناس ورحل عدد كبير منهم
عن أماكن سكناهم ولم تعد حفلات السمر تجمعهم في بيوت الشعر.
أعلى
صوت
كم ساعة تقرأ؟
قلت
لصديقي مازحاً بعد ان تذمر من كثرة رسائل التهنئة بالسنة
الميلادية الجديدة التي وصلته عبر نقاله والتي دمجها البعض
مع رسائل عيد الاضحى المبارك للتوفير، قلت له: لماذا نحتفل
بدخول سنة جديدة بدلاً من الحزن عليها؟!، فرد عليّ: ولم
كل هذا التشاؤم، دع الأمل يتسرب الى اعماقك.
ورغم اني قصدت المزاح بعبارتي إلا ان هذا التساؤل دائما
ما يشغلني فالسنة التي تمضي هي بلا شك محسوبة من عمرنا الذي
ينقص مع مرور كل يوم ورغم ذلك نحتفل بها، كما اننا نصر عند
الاحتفال على القول اننا نحتفل بمرور سنة ودخول سنة جديدة
بدلاً من القول ان سنة ماتت وبدأ العد التنازلي لموت سنة
جديدة. ورغم ان تساؤلي يشوبه الكثير من التشاؤم إلا اني
اراه منطقياً اذا قسناه بالعمر الذي تتزايد ارقامه مع مرور
كل سنة والذي يمضي مسرعاً خصوصاً معنا في الشرق الاوسط أكثر
من غيرنا، وانا لا اقصد ان الزمن لدينا اسرع من باقي المناطق
الاخرى من العالم، وانما اقصد ان نمط حياتنا يحتم علينا
روتيناً، أو ربما نحن من صنع هذا الروتين، الذي نصر على
المحافظة عليه دون الالتفات لما نهدره من وقت أو اعطاء ذواتنا
فرصة للمحاسبة والمراجعة.
البعض ممن التقيتهم لديهم يقين داخلي انهم ولدوا للدراسة
والتخصص والبحث عن وظيفة تستر الحال ثم الزاوج فالبيت، وتبدأ
بعدها مرحلة التفقيس التي تملأ البيت اطفالاً، وينتهي المطاف
في محطة التذمر من كل شيء في الحياة.
سألت احد الاصدقاء ذات مرة: كم ساعة تقرأ في اليوم؟، فأجابني:
احرص على أن أوفر سبع ساعات يومياً للقراءة كما احرص على
ان تكون متتابعة، إلا اذا حالت الظروف دون ذلك فإني اجزأها
الى فترتين او ثلاث.
لنقف قليلاً ونحاول ان نسأل انفسنا: ماذا قدمنا لذواتنا
وماذا قدمنا لعقولنا التي اعتلاها الصدأ، ألم يقل جل وعلا
(قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق) وهي آية صريحة
تدعو الى التفكر والتدبر والتأمل ودعوة ايضاً للعلم والبحث
عن المعرفة، ادعوكم ايها القراء الاعزاء ان يسأل كل واحد
منكم نفسه: كم كتابا قرأت في السنة الماضية؟، وليشاهد النتيجة.
حتماً سيكون الرقم مخجلاً.
اذكر في مشاركتي باحدى الندوات الثقافية التي احتضنتها احدى
العواصم الاوروبية اننا خرجنا نتسوق انا وأحد الدكاترة الذين
تعرفت عليهم هناك، دخلنا احد محلات الاحذية فوجدت طفلة لا
يتجاوز عمرها العاشرة تمسك بكتاب سمكه (شبر ونص) وتقرأه
في اريحية تامة وكأن ضجيج العالم الذي حولها لا يعنيها في
شيء، بعدها غادرت احدى الزبونات المتجر بعد ان تفحصت البضاعة
ولم تجد ما يرضيها فقامت تلك الفتاة وتبعتها، والتي اكتشفت
فيما بعد انها ابنتها. بعد خروجنا من ذلك المتجر مررنا امام
متجر آخر لأجد الأم تتبضع والبنت منكبة على القراءة. فحزنت
على كل يوم مر عليّ لم افكر فيه بزيادة محصلتي القرائية.....!!!
سالم الرحبي
al_rahby@hotmail.com
أعلى