ثَمِلٌ بالحياة:
مدخل إلى بيير باولو بازوليني (2-3)
بقلم: ستيفن سنايدر
ترجمة: عبدالله حبيب
الحساسيَّة الروحيَّة
كنتيجة لذلك فإنه في محاولة فهم أفلام بازوليني لا يمكن
التغاضي أبداً عن حسّاسيته الروحيَّة' فهي تسبِقُ وتُغَلِّف
صِلاته الماركسيَّة بنتيجة ان أفلامه لا يمكن أن تُعامل
بالافتراض الساذج انها - او انها ينبغي أن تكون - تصريحات
سياسيَّة عُنِيَ بها إيضاح الأيديولوجيا الماركسيَّة. ففي
معظم الحالات تُغْمَرُ الأبعاد السياسيَّة لأفلامه في القلب
الدرامي للسرد . إن ما يأخذه بازوليني من ماركس هو نقده
للعقلية الرأسماليَّة ، وتحديداً تنقيصها الإنسان إلى نتاجٍ
، سلعة ما . ويشاطره كذلك في ان درجة الحريَّة في مجتمعٍ
ما هي على نحوٍ كبير مقياس لحرية نسائه. وهكذا فإن في كل
موضع من آثار بازوليني هنالك حس قوي بأن استغلال الإنسان
للإنسان المتأصل في الاقتصاد الرأسمالي ( على الأقل بالنسبة
إلى بازوليني ) يبدأ باستغلال الرجال للنساء . إن علاقة
عاهرة بقَوَّاد تصبح نموذجاً محدِّدَاً للعلاقات الجنسية
عموماً ؛ فالنساء في كل من " أكتوني " و"
ماما روما " ( 1962 ) مستَغَلات باعتبارهن وسيلة لإعالة
الرجال. إن من الصعب على بازوليني أن يتصور قصة تحرير ذاتي
ناجحة لا تكون كذلك قصة لتحرير المرأة . وهكذا فإن فيلمه
الأكثر إيجابية، " الليالي العربيَّة " ( 1974
) ( 1 ) ، هو من الناحية السياسية قصة عبدة تنتصر على عالم
يهيمن عليه الذكور. أما استثنائي القاعدة فهما "نظرية"
(1968) و"الإنجيل وفقاً لمتَّى" (1964). ولكن
حتى مسيح بازوليني قد مُنِحَ خاصيَّات أنثوية بما يكفي لتشجيع
ناقدة هي سوزان ماكدونالد على الجزم بأن بازوليني رَسَمَ
المسيح ليكون مثليَّاً جنسيَّاً بيِّناً . وبالإضافة إلى
ذلك فإن بازوليني وصف بطل "نظرية" الغريب بكونه
فعلياً ثنائي الجنسانيَّة (2).
إن هذه الثنائية الجنسيَّة الخاصة بالشخصية كما أعلنتها
هذه الشخصيات تشي بِبُعْدٍ سايكولوجي مهم في شغل بازوليني
. فمع ان النقاد يفترضون عموماً انه فرويدي بسبب فيلمه "
أوديب مَلِكَاً " ( 1967 ) في الأصل ، إلا ان مفاهيم
بازوليني للسايكولوجيا تنطوي على صلة قوية بمفاهيم يونغ
( الذي يبرز اسمه إيجابيَّاً على نحو غير متوقَّع بكثرة
ما يبرز اسم فرويد سلبيَّاً ) ( 3 ) ؛ ذلك ان بازوليني يطوِّر
في كل موضع من أفلامه حسَّاً للشخصية الإنسانيَّة باعتبارهاً
تفاعلاً ديناميكيَّاً بين المبادئ الذكورية والأنثويَّة
، منسجماً مع أفكار يونغ وإن لم يكن بالضرورة متأثراً بها
. فعلى سبيل المثال يحتوي فيلمه " الصقور والعصافير
" على توتُّر رمزي مستتر بين الذكر والأنثى في تضادِّ
الغراب ( الذكورة ، وضوء الشمس ، والعقل ، والوعي ) مع الفتاة
لونا ( الأنوثة ، والحيوية ، وضوء القمر ، والغموض ) ( 4
) . ويؤجج توتو ونينو تَثَقُّفَهُما بأكل الغراب ومضاجعة
لونا في أفعال رمزية بطريقة عضاليَّة لتمثُّل القوى الذكورية
والأنثوية. أو تأمَّلوا "أكتوني" ؛ فاكتساب البطل
التدريجي للحنان ، وهو عاطفة لم تعبِّر عنها سابقاً إلا
محبوبته ستيلا فقط، يتخذ درجة نشوء لقوى أنثوية، وفعل نمو
وراء نطاق دناءة عقليته الذكورية الشوفينية السابقة. لقد
منح بازوليني اتخاذ أكتوني للأنوثة تأكيداً قوياً عندما
عيَّن عليه أن يرتدي لا واعياً قبعة امرأة قبل ملاقاته الحاسمة
لستيلا. إن المثال الأكثر وضوحاً لهذا التلاقي الجنسي للشخصية
هو شخصية زُمُرُّد في " الليالي العربية " ، إذ
لا تكسو زمرد نفسها بـ"لِباس ذَكَرٍ" (مجاز لرؤية
بازوليني لنفسه كما رأى صديق) فحسب، ولكنها توظِّف كلا "العدوان
الذكوري" و"الغواية الأنثوية" في سباقها
السريع نحو المَلَكِيَّة والحب. وتوفر زمرد في أفلام بازوليني
الصورة الأوضح والأكثر أسراً للتحرير الذاتي باعتباره اتحاداً
لسمات الشخصية المتعارضة جنسياً.
الأيديولوجيا السياسية
كما دلَّت عليه هذه الأمثلة فإن فنيَّة بازوليني قد عمَّقتها
وأثرتها روافد غير الأيديولوجيا السياسية. وفي الحقيقة يستطيع
المرء أن يتتبع سير تطوُّر من خلال مواقفه المتغيرة حول
وظيفة الأيديولوجيا في الفن بدءاً بـ"بيانه" المبكر
حول حاجة الفنَّان للعمل على هكذا أساس؛ ففي محاججة أدلى
بها في 1961 وهي كثيراً ما تقتبَس أكد على ان " الفنان
يجب أن يطبِّق على عمله تلك الأيديولوجيا النقدية وواعية
التفكير التي ستمكنه من اختراق واقع زمنه ، مترجماً إياه
عبر الإيديولوجيا التي يؤمن بها . في إيطاليا ، وفي هذه
المرحلة ، أتمسك بأن الأيديولوجيا الوحيدة الممكنة هي الفلسفة
الاشتراكية ، الماركسية ".
وفي السنوات التي تلت هذا التصريح مباشرة تعرضت ماركسيّة
بازوليني لأزمةٍ تركت عليها بعض الآثار التي لا يمكن محوها.
وكما توحي تصريحاته بنفسه ، فالمرجح ان الماديَّة المطردة
والعقلانيَّة البورجوازية لكثير من الماركسيين قد خيبتا
آماله . ومن ثَمَّ فإنه يلاحظ بحلول عام 1964 " ان
سر الحياة والموت والعذاب - وعلى وجه التحديد سر الدين -
شيء لا يريد الماركسيون أن يفكروا فيه ". ويضيف في
مقابلة مع جون براجن ان فيلمه " الصقور والعصافير "
يجعل بين المسيحية والماركسية علاقة جليَّة ، وعلى وجه التحدي
العلاقة بين الغموض والعقل . إن العقل يفي بالغرض إلى نقطة
معينة لا يستطيع بعدها أن يستجيب ، فيأتي الغموض "
. وبحلول عام 1967 ها هو بازوليني يصرِّح بفظاظة: "
أريد أن أؤكد حقيقة انني الآن ، وفي الخامسة والأربعين من
العمر ، قد غادرت قفار الدوغما الفرويدية والماركسية "
. ولا يوقف بازوليني هجومه على القيم الرأسماليَّة ، ولكن
الشجب السياسي في فنِّه ( وهو شجب نستطيع أن نسميه شبه ماركسي
) مغمور أعمق وأعمق نحو حياة الفيلم؛ فالأيديولوجيا "مُذابة
في الكائن" كما يقول في حوار مع جيدين باخمان أجري
في 1973. وعلى الرغم من وصيته حول الحاجة إلى اختراق الواقع
بالأيديولوجيا فإن المرء يطوِّف عبثاً في أفلامه بحثاً عن
تخطيط فعليٍّ لنموذج مجتمعات ماركسية . ولا يستطيع المرء
أن يجد فيلماً من أفلامه تُسْتَشْرَفُ فيه الأيديولوجيا
أو الجماعة الماركسية بصورة لا لبس فيها كما في الارتقاء
بوعي أي فرد . إن الغراب في " الصقور والعصافير "
يبذل المحاولة الأفضل في ذلك الاتجاه ، مع ان جمهوراً من
المتعاطفين الماركسيين يتنفس الصعداء حين يغادر الغراب الفيلم
حيث يصبح عَشاء لتوتو . إنه لواضح ان إحساسات بازوليني بمحدوديات
الفكر الماركسي هي ما بنت ، في الفيلم ، كَدَّ الغراب البغيض
ذي الحماس المتَّقد .
إن العمل الفني الوحيد الذي يقدم فيه بازوليني جماعة ماركسية
في ضوءٍ مُطْرٍ على نحو لا لبس فيه هو روايته " حياة
عنيفة " ( 1959 ) ، فتوماسو بوتسيلي يبدأ الحياة طفلاً
لا وجه له ( ولأغراض عملية، بلا أبوين ) من أحياء روما الفقيرة
حيث يبدو كل الحياة منقوعاً إلى الأبد برائحة البراز والبول
. وفي الحقيقة فإن إحدى الدعابات المؤذية التي يخرجها توماسو
وأصدقاؤه للفاشيين هي طلاء مبنى تابع للاشتراكيين بالغائط
. وحياة توماسو متناسقة بالدرجة الأولى بعقلية القطيع لعصابته
التي لا يبدو أن أياً من أعضائها يحب الآخر ، ومع ذلك فإن
كلاً منهم يعتمد ، من أجل الهوية ، على التظاهر الاجماعي
بشجاعة المجموعة . وبمشاهدة التصفية البطيئة للمجموعة بالحوادث
والاعتقالات يبدأ توماسو في تطوير حسِّه بالوِجهة ( وإن
يَكُ ذاك بورجوازياً صغيراً ) من خلال علاقة حب غير هامة.
كذلك فإن زمناً قضاه في السجن يحثُّه على حسٍّ بالأخلاقيَّة
أكثر تعقيداً. لكنه في آخر الأمر يصاب بالسُّلِّ ويدخل المستشفى.
ولأن طاقاته المتنامية على الحُنو والمسؤولية تحفزه فإنه
يبدأ في التعاطف مع المُثُل الشيوعية، ويساعد المرضى في
تنظيم تمرد ضد ظروفهم البائسة. لقد جذبته غرائزه الخيِّرة
التي شكَّلها وأخصبها الحزب الشيوعي نحو اهتمام أعمق بمشاكل
الاستغلال البشري . ويموت توماسو أثناء مد يد العون لقاطني
حيٍّ فقير نكبهم فيضان ، لكن حياته نقشت صورة من التجدد
والخلاص واضحة .
بين نشر " حياة عنيفة " (1959) وعرض "أكتوني"
(1961) كان "العالم الأيديولوجي" لبازوليني واقعاً
تحت تأثير "بعض أزمة"؛ فشخصية أكتوني، وهي ليست
مختلفة جذرياً عن توماسو، لا تحرز نفس الخلاص الذي أحرزه
توماسو، ولكنها تجد نوعاً آخر من الخلاص الشخصي الذي أعتقد
انه أكثر أهمية؛ فأكتوني يموت باعتباره لِصَّاً، ولكن كذلك
بوصفه شخصاً نمَّى طاقة على الحب. وبينما يبدو خلاصه صغيراً
وفق مفهوم العصا اليارديَّة الماركسية، فإنه كبيرٌ بفضل
انبثاقه من باطن روحه - موضوعاً مقابل كونه مُكَيَّفاً بنظام
خارجي كما في حالة توماسو . بهذا المعنى يبرهن أكتوني على
تعبير بالإيمان بالإنسان أعمق من من سلفه الأدبي. إن التغير
الذي طرأ على آراء بازوليني بين العملين ليس تبرؤاً من الماركسية،
ولكنه فقدان جزئي للثقة بالحزب الشيوعي ، وبفعاليَّة الانبعاث
المفروض على الفرد من مصدر خارجي؛ فالمجتمع الماركسي ينبغي
أن يوجَد بوصفه عَرَضَاً ، وليس علاجاً شاملاً ، من أجل
العافية. وبدون الطاقة الداخلية والفطرية للفرد على الوعي
الروحي فإن التغيير الاجتماعي سيظل نصف مؤثر فحسب .
مع " الإنجيل وفقاً لمتَّى " يغدو جليَّاً ان
التزام بازوليني الطبيعي بوصفه فنَّاناً يصبح أقل نحو التجريدات
الفكرية عبر الأيديولوجيا منه للتجسيد البشري لروحية الحياة
نفسها . يقول بازوليني : " لكن باطنيَّاً لا شيء أبداً
كان لائقاً لي أكثر من " الإنجيل وفقاً لمَتَّى "...
إن نزعتي هي أن أرى شيئاً ما مقدَّساً وأسطوريَّاً وملحميَّاً
في كل شيء... لقد كان " الإنجيل وفقاً لمتَّى "
مناسباً لي رغم اني لا أؤمن بألوهية المسيح ، لأن رؤيتي
للعالم رؤية دينية (!)". وبأحد المعاني فإن إنجاز بازوليني
في هذا الفيلم هو إطلاق طاقة الفرد لرؤيا روحيَّة ( ليست
مؤسساتيَّة ولا إفلاطونيَّة ) من باطن نفسه. وبهذه الرؤيا
فإنه يحتفظ بالإيمان بحياة هذا العالم بدلاً من المجاهدة
للانفصال عنه . إن مسيح بازوليني شخص يعلن الألوهة في ذات
لحمه ودمه . يقول بازوليني: " لقد تبعتُ مسيح متَّى
... وهو صورة كانت الإنسان والله في الوقت نفسه " .
وفي حين ان لمسيحه اتقادُ ثوريٍّ فإن خلاصه لا يتم عبر نظام
(كما خُلِّصَ توماسو)، ولا تعمل روحيَّته باعتبارها ردة
فعل ضد قذارة العالم من حيث كونها دافعاً مُلِحَّاً للهروب
منه ( كما في حال أكتوني ) . إنه متكامل كليَّاً ، وهذا
إجراء من لَدُن طاقة بازوليني ، تماماً للقبض على هكذا رؤيا.
-----------------
هوامش:
(1). تجدر الإشارة إلى ان العنوان الإيطالي للفيلم ، والذي
وضعه بازوليني ، هو "وردة ألف ليلة وليلة" (Il
fiore delle mille e una notte) ، ولكن الموزعين في البلدان
الناطقة بالانكليزية، وبتصرف واضح من اللاوعي الاستشراقي
والوعي التسويقي، حوَّروا ذلك إلى "الليالي العربيَّة"
(The Arabian Nights)، تماماً كما تصرف الوعي واللاوعي المسيحيين
في تحوير عنوان فيلم آخر لبازوليني هو "الإنجيل وفقاً
لمتَّى" (Il Vangelo secondo Matteo) والذي أصبح لدى
أولئك الموزعين "الإنجيل وفقاً للقديس متَّى"
(The Gospel According to St. Matthew)، الأمر الذي أغضب
بازوليني كثيراً من حيث انه أراد أنسنة متَّى بنزع صفة القداسة
عنه . وفيلم بازوليني هذا المقتبس عن " ألف ليلة وليلة
" له فصلان في مشروع كتابي : الأول مترجَم من الكتاب
الثريِّ الذي ألَّفته نايومي غرين " بيير باولو بازوليني
أو السينما بوصفها هرطقة" ؛ والثاني مؤلَّف أحاول فيه
إجراء مقارنة بين اقتباس بازوليني للعمل الأدبي العربي الشهير
( باعتباره شرفة نحو العدالة الاجتماعية والتحرر الأيروسي
) والكُمّ الغثائي لاقتباس هذا العمل في السينما الأميركية
( باعتباره صوراً نمطية واستشراقاً وغرائبية ) - المترجم
.
( 2 ) . في ما يخص شخصية الزائر في " نظرية "
يقول بازوليني في حوار مع ليونارد بيري " ان الشاب
يفعل كل شيء بمقدار معين من التهكم الأبوي المر . ومع ذلك
فإن لديه حنان أمومي تقريباً " - الكاتب.
(3). يقول بازوليني " إن للأكل مغزى أعمق غير الهدم
، فهناك أيضاً المعنى اليونغي". إنني بالطبع إنما أبدي
للعيان مألوفيَّة شغل يونغ لدى بازوليني فحسب ، وليس حَواريَّته
له . وفي مقالات أخرى يوظف بازوليني تعبير يونغ " اللاوعي
الجمعي " ، وكذلك خطاب الحلم في بحثه " سينما
الشِّعر " - الكاتب .
( 4 ) . إضافة إلى كونها اسما عَلما ، تعني "لونا"
Luna في الإيطالية "قمر". ولونا أصلاً هي آلهة
القمر في الميثولوجيا الرومانيَّة. وفي معظم الأساطير الغربية
يذهب القول إلى ان المرأة ( الحامل خصوصاً ) التي تعرض نفسها
كثيراً لضوء القمر تصاب بالجنون ؛ ومن هنا جاءت المفردتان
الانكليزية lunatic والإيطالية lunatico لتعنيا "مجنون"
- المترجم .
أعلى
الزمن الشفيف
قضية الحجاب
قضية الحجاب ما زالت تتسع وتكبر، وقد
اتخذ من قضية الحجاب وكأنهما جريمة شنعاء يجب أن تحاكم ويصدر
بها حكم بالإعدام، وتناسى هؤلاء العلمانيون ان الحجاب التزام
ديني يحمي المرأة ويصونها ويرفعها الى اعلى مراتب المجد
ويحميها أيضاً من تسول له نفسه الاقتراب منها، ألا يكفينا
ما نشاهده على الشاشات التليفزيونية من سفور فاضح وعري للمرأة
حيث جعلوها مادة دسمة لغرائزهم ومحرك لهذه الغرائز، وقللوا
من شأنهم بأن جعلوها في الحضيض.. نحن الآن أمام خوف على
بناتنا وأيدينا على قلوبنا من هذا الصمت العربي من المسؤولين
على الإعلام الذين يقفون متفرجين وكأن الأمر لا يعنيهم،
تعالوا نرى ما يقوله عالم الاجتماع البريطاني جودي مابرو،
الذي لخص النظرة الغربية لظاهرة الحجاب وفق قراءة فيها شيء
من الموضوعية في كتابه (تصورات الرحالة الغربيين عن النساء
في الشرق الأوسط)، يقول مابرو: شكلت النساء المسلمات أخيراً
موضوع نقاش كثيف في الصحافة الغربية خصوصاً حين طالبت قلة
قليلة من الفتيات في فرنسا وإنكلترا بحقهن في إرتداء غطاء
الرأس في المدرسة، ولقد عكس السجال الطويل والآخر المقتضب
الذي دار في انكلترا، تلك النظرة الغربية المتأصلة التي
ترى أن السبب الأوحد لاضطهاد النساء المسلمات هو دينهن،
إذ إنها يضيف مابرو طالما اعتقدت أوروبا بأن النساء المسلمات
يعانين من الاضطهاد ما لا تعانيه غيرهن من النساء، فهذا
ما وصفته كتب الرحلات الغربية والأدب الغربي، لذا فقد أخذ
الأمر أنه واقعة لا شك فيها ويمكن للجميع أن يروها متجلية
في الحجاب، يرى مابرو أن الحجاب هو الذي يطلقه الغرب على
كل وشاح يغطى به رأس المرأة وهو تعبير يمكن أن يضلل ويسوق
إلى تعميمات زائفة ومغلوطة، لذا سرعان ما طفت على السطح
مجموعة من الأفكار الخاطئة عن الإسلام والنساء المسلمات.
ومن الأمثلة التي يوردها مابرو على ذلك أن مراسل (الغارديان)
قام بتحقيق عن حال تلميذتين في (أولتر بخشام) ارتدتا غطاء
الرأس فطلب والدهما لإقتناعه بأن الإسلام دين يهيمن فيه
الرجال وأن النساء المسلمات كائنات سلبية لا حول لها ولا
قوة، غير أن احدى الفتاتين قالت له ان والدها مشغول وعرضت
عليه أن تساعده هي نفسها ويقول هذا المراسل من ثم فقد ساعدتني
فاطمة لمدة 40 دقيقة ومع أنها لم تتجاوز الخامسة عشرة من
عمرها، فإن طلاقتها وثقتها بنفسها لو وجدتا في أي شخص في
ضعف سنها لكانتا لافتتين للإنتباه، فهي امرأة تعرف نفسها
وتعرف ما تريد..
مثال آخر يضيفه مابرو موضحاً الرؤية الغربية لموضوع الحجاب
والمرأة المسلمة عموماً، يقول نشرت مجلة (ماري كلير) وهي
مجلة للأزياء في بريطانيا مقالاً بعنوان (جزيرة العرب خلف
الحجاب) في سبتمبر عام 1988، يصفه مابرو بأنه يعزف على وتر
إفتراضات بالية ورثها عن الرحالة الغربيين بخصوص النساء
الشرقيات.
تركية البوسعيدي*
* شاعرة وكاتبة عمانية
أعلى
صوت
عبير أم آدم الدنيا وحواء الآخرة؟
في سيارتها وحيدة، تفكر في لحظة الموت،
ورأته يقتحم عزلتها المسائية، كانت ثمة مساحة صغيرة في النافذة،
كاد الموت أن يدخل على حين غرة من إنصاتها لصوت فيروز، أسرعت
وأحكمت إغلاق النافذة.
في يوم الاثنين سمعتني أردد صوت (جيمس بروان) في إذاعة الـ(إف
إم)، وأنزلت النافذة، ورفعت صوت (جيمس بروان) ووجدتني في
(جبروه) نافشا شعري، مرتديا بدلة جينز كنت قد اشتريتها من
(بانكوك) وسلمت على (الشلة)، ورأيت أضواء الشارع وأشجار
نخيل البستان تتمايل فرحة بصوت المغني الأميركي المشهور،
ورحنا نردد أغانيه معا، رددوا معي: يا الله يا شباب، مسقط
فرحة هذا المساء، يا الله يا شباب ما اسمع.
فجأة تذكرت أني لا أجيد الإنجليزية، ولا أعرف صديقكم (جيمس
بروان)، وشتمت نفسي لأن هويشل حميد وحافظ محمد لم يعلماني
الإنجليزية جيدا، وانتقلت إلى الـ(إف إم 100) وتابعت حفلة
يوم الإعلاميين، استمتعت بالحفل، وغير الحلم وظيفتي إلى
إعلامي، واستلمت هدية الفوز، وباركتني الأرض كلها، والسماء
هي الأخرى لم تنس تهنئتي، وخرجت وجلست مع أصدقائي الإعلاميين
أمام بركة السباحة، نشرب قهوة ونمضغ تبغا وقالوا افتح نرى
هديتك، واعتذرت لهم (من في البيت لهم الحق في فتح الهدية).
وفي آخر الليل. أقسم لكِ لم أكن أعلم ذلك، متى حدث هذا؟!
مستحيل كيف ماتت عبير، أنتِ تمزحين، أنا الآن خارج من الحفل،
ولم يعلمني أحد عن هذا الأمر، لو كنت أعلم ذلك ما استلمت
هديتي، لكن ما زلت غير مقتنع، كيف تموت في يوم حفلنا، لو
حدث هذا كانوا قد قدموا نعيا، لا كانوا قد ألغوا الحفل كاملا،
لأنها عزيزة عليهم جميعا، يحبونها، كما تحب هي مسقط، أتركينا
من هذه المزحة، لن يموت أي أعلامي في بلدنا، حتى إذا غافله
الموت، سوف تخلده الأقلام، نحن كلنا أسرة واحدة، هدفنا ارضاء
المستمع والمشاهد والقارئ، لا عليك سأتأكد من ذلك، المهم
متى نلتقي واتركينا من أخبار الموت. (مكالمة هاتفية مزعجة
من صديقة تحبني، لم ولن أصدق خبرها المزعج).
خزينة امرأة عجوز، جارات أمي يحببنها كثيرا، وأمي ترى قلبها
أطيب قلب خلقه الله، عندما تسمع نبأ وفاة أي كائن حي تحزن،
وعندما علمت عن وفاة عبير تنير حزنت وقالت الله يرحمها (بو
نعرفه هنبكي عليه، وبو عمرنا ما شفناه هنترحمله)
أرسلتُ رسالة إلى صديق وأخبرته عن نبأ وفاتها، وقال لي:
تصدق أن هذه المرأة هي أول مذيعة عملت معي مقابلة على الهواء،
بعدها طلبت منها سماع أغنية فيروز (أنا شو بدي في البلاد،
الله يخلي الولاد)، وهكذا تركت عبير تنير صوتا ملائكيا يشبه
كثيرا صوت المكان الذي أحبته، وصوت المكان الذي خدمته برموش
عينيها الخالدتين.
حمود بن حمد الشكيلي*
* كاتب عماني
أعلى