|
فتاوى وأحكام
*من وصل وقت صلاة الظهر وهو في سفر وليس معه من يمكن أن يصلي معه جماعة
، فهل الأولى أن يؤخر الظهر إلى العصر لأنه سيجد الجماعة وبهذا سيجمع
الصلاتين أو الأولى أن يصلي منفرداً ؟
** أما إن كان يؤخر الظهر إلى العصر من أجل الحرص على الجماعة فالحرص
على الجماعة أولى . لأن صلاة الإنسان مع الجماعة تعدل صلاته منفرداً
بخمس وعشرين درجة ، وفي رواية أخرى تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة
، فمعنى ذلك هذا فضل عظيم لا ينبغي للإنسان أن يفوّته ، فمن الذي يرضى
بدينار أو ريال أو درهم بدلاً من سبعة وعشرين ، كل عاقل يدرك أن السبعة
والعشرين هي أولى بأن يُحرص عليها من الواحد ، فكذلك هذا الفضل العظيم
، التجار الذين يحرصون على كسب الخيرات والمسارعة إلى الطاعات والرقي
في أوج الدرجات العلا هؤلاء يحرصون على الخير ، فصلاة الجماعة مما
ينبغي أن يُحرص عليه وأن لا تُفوّت بحال .
*من ابتلي بسلس البول وهذا البول قد يكون في ملابسه أثناء السجود فبماذا
يؤمر أثناء الصلاة ؟
**من كان في مثل هذه الحالة يؤمر بأن يتخذ عازلاً يساعده على توقي
النجاسة ، فيؤمر أن يُدخل قضيبه في كيس عازل يمنع وصول البول إلى ثيابه
ووصوله إلى جسده ، ولا حرج في مثل هذه الحالة فليصلي كيف شاء لأن هذا
هو الذي بإمكانه والله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، ( لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا)(البقرة: من الآية286) ، ( لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا )(الطلاق: من الآية7) ،( فَاتَّقُوا
اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن: من الآية16) ، والنبي صلى الله
عليه وسلّم يقول ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) . وهذا
هو منتهى ما يمكن أن يستطيعه ، فلا يكلف ما لا يستطيع .
*شخص دفع زكاة الفطر لخدمة مصالح المسجد فأمسكها القيّم على ذلك المسجد
، فهل تجوز هذه الزكاة لذلك المسجد ؟ وإذا كانت لا تجوز فماذا يفعل
؟
*الزكاة ليست هي للمساجد لا سيما زكاة الفطر إنما هي لأجل إشباع الجياع
من المسلمين في ذلك اليوم وإغنائهم عن التسول ، إغناء الفقراء عن الوقوف
على الأبواب وإراقة ماء الوجه ، فلذلك يؤمر الصائم أن يدفع هذه الزكاة
، ولا تُصرف في بناء المساجد .
فيجب أن تُصرف هذه الزكاة في فقراء المسلمين ، وليس بناء المسجد محلاً
لها .
*من أراد أن يصلي بزوجته وأمه فكيف يصفون للصلاة ؟
**إن زوجة الرجل ليس بينه وبينها حاجز وكذلك أمه لأنها في مقدمة محارمه
فلذلك تصفان خلفه كما يصف الرجلان عندما يصليان وراء الإمام .
أما لو كانت المرأتان أجنبيتين فإنهما تؤمران أن تقفا وراء محارم الرجل
، فإن لم يكن له محارم فلا بد من أن يكون بينه وبينهما من الوسع مقدار
ما يمكن أن يتسع لصف من المصلين لأن النساء الأجنبيات يؤمرن بالابتعاد
من الرجال .
وإن كان هنالك رجل يصلي خلف هذا الإمام فإن الرجل يصف عن يمينه والنساء
يكن بعد ذلك في الخلف كما هو الشأن عندما يصف المصلون وراء الإمام
، والله تعالى أعلم.
*إذا صلى بأمه أو زوجته لوحده ؟
**إن كان في مكان لا يدخل عليهما فيه أحد بحيث لا يمكن أن يدخل رجل
أجنبي ففي هذه الحالة تصف المرأة كما يصف الرجل عن يمين الإمام لأنها
هي امرأته وهي إن كانت غير امرأته فذات محرم منه فلذلك تصف المرأة
في هذه الحالة عن يمين زوجها الذي يصلي بها أو عن يمين المحرم الذي
يصلي بها.
أما إن كان الأمر بعكس ذلك بحيث إنه يُتوقع أن يدخل عليهما رجل ففي
هذه الحالة تصف عن يساره فإذا دخل الرجل صف عن يمينه وتأخرت هي إلى
الخلف .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
مصعب بن عمير ..أول سفير في الإسلام
القاهرة ـ الوطن*:وصفه المؤرخون بأنه كان أعطر
أهل مكة، لأنه إذا مشى في الشارع شم الناس في بيوتهم رائحة طيبة، وسماه
المسلمون "مصعب الخير"، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم" لقد رأيت مصعبا هذا وما بمكة فتى أنْعَم عند أبويه منه،
ثم ترك ذلك كله حبا في الله ورسوله ".
نشأته وإسلامه
هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب
بن مرة القرشي، كنيته أبو عبد الله، وُلد في الجاهلية، كان شابًّا
جميلاً عطراً، حسن الكسوة، وكان أبواه ينعمانه، ولكن فجأة تغير مجرى
حياته رأسا على عقب، فما أن سمع مصعب بـ "محمد بن عبد الله"
صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله سبحانه وتعالى بشيرا ونذيرا يدعو
الناس إلى الإسلام حتى سبق ريح الصحراء وزوابعها وذهب إلى دار "الأرقم
بن أبي الأرقم" وشهد شهادة الحق، وهو يعلم أنه بذلك يتحدى طغيان
وجبروت قريش، التي أخذت تصب نيران غضبها على محمد وأتباعه، وتنزل العذاب
والأذى كعاصفة هوجاء على كل من يدخل الإسلام، وكأنها تريد أن تقتلع
الدعوة المحمدية من صدور المؤمنين.
وعندما علمت قريش أن فتاها المدلل آمن وأسلم جن جنونها، أما "خناس
بنت مالك" والدة مصعب والتي كانت صاحبة شخصية قوية تهاب إلى حد
الرهبة فقد طار صوابها وما كانت أبدا ترضى بأن يترك ابنها دين الآباء
والأجداد، وبعدما فشلت محاولاتها وذهبت أدراج الرياح قررت أن يسجن
ويحرم من كل ما كان يتمتع به، ومع ذلك فإن مصعب وقف كجبل شامخ وأصر
على أن يتحمل خصومة أمه، بل كان على استعداد لأن يقارع ويصارع قوة
قريش الجبارة، وهذا لا بد أن يكون شأن المسلم الصادق الذي لا يضعف
أمام الإغراء ويصمد ويصبر عند المحن والشدائد، وهكذا بدأت الآلام والمعاناة
تتسرب إلى حياة مصعب الذي ظل سجينا حتى تمكن من اغفال حراسه فهرب من
محبسه وفر مع مجموعة من المسلمين إلى الحبشة، لأن بيئة مكة لم تعد
صالحة وغير مستعدة لتقبل الإسلام ، فرمالها الناعمة تحولت إلى لاهبة
تحرق أجساد المؤمنين مثل "بلال بن رباح" و"عمار بن
ياسر"، وقلوب أهلها أصبحت جامدة وقاسية مثل جبالها، مثل قلب أبي
جهل وغيره من زعماء مكة، وبعد أن مكث مصعب في الحبشة عاد إلى مكة،
ليكون ذلك الوداع الأخير والحزين بينه وبين أمه، التي قالت له"
أذهب لشأنك لم أعد لك أما، قسما بـ "الثواقب" لا أدخل في
دينك فيضعف عقلي، فإذا به يترك أمه وقلبه يعتصر من الألم ويتمزق من
الحزن.
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة،
وأصبح الفتى المتأنق المعطّر، لا يرى إلا مرتديا أخشن الثياب، يأكل
يوما، ويجوع أياما ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور
الله، كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة.
وقد خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما أن بصروا
به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا، ذلك
أنهم رأوه يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه،
حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وتملى رسول الله مشهده بنظرات
حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال"
لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك
كله حبا لله ورسوله !!
سفير الإسلام
واختاره الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأعظم مهمة وهي أن يكون سفيره
إلى المدينة، يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول (صلى الله
عليه وسلم) عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله، ويعدّ المدينة ليوم
الهجرة العظيم، وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة
العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه،
فدخلوا في دين الله أفواجا، وهناك نهض في ضيافة (أسعد بن زرارة) يغشيان
معا القبائل والبيوت والمجالس، تاليا على الناس ما كان معه من كتاب
ربه، هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (إنما الله إله واحد)، ولقد
تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا فطنة
عقله، وعظمة روحه، وذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس "أسيد بن خضير"
سيد بني عبد الأشهل بالمدينة، فاجأه شاهرا حربته ويتوهج غضبا وحنقا
على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم ويدعوهم لهجر آلهتهم، ويحدثهم
عن إله واحد لم يعرفوه من قبل، ولم يألفوه من قبل.
إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها وإذا احتاجها أحد عرف مكانها وولى
وجهه ساعيا إليها، فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه.. هكذا يتصورون ويتوهمون..أما
إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد اليهم، فما أحد
يعرف مكانه، ولا أحد يستطيع أن يراه !.
وما أن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم "أسيد بن
حضير" متوشحا غضبه المتلظي، وثورته المتحفزة، حتى وجلوا.. ولكن
مصعب الخير ظل ثابتا وديعا، متهللا، وقف أسيد أمامه مهتاجا، وقال يخاطبه
هو وأسعد بن زرارة:(ما جاء بكما إلى حيّنا، تسهفان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا،
إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة)!
وفي مثل هدوء البحر وقوته انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث
الطيب لسانه فقال:(أولا تجلس فتستمع..؟! فإن رضيت أمرنا قبلته.. وإن
كرهته كففنا عنك ما تكره)، كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وها هو ذا
يرى مصعبا يحتكم معه إلى ضميره، فيدعوه أن يسمع لا غير.. فان اقتنع،
تركه لاقتناعهم وإن لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم، وتحول إلى حي
آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ، هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت،
وألقى حربته إلى الأرض وجلس يصغي، ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر
الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، حتى أخذت
أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله !.
ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به "أسيد بن حضير" وبمن
معه قائلا:(ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في
هذا الدين)، وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا، ثم قال له مصعب:(يطهر
ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)، فغاب
أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه، ووقف يعلن
أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وسرى الخبر كالضوء.. وجاء
"سعد بن معاذ" فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم ثم تلاه "سعد
بن عبادة"، وتمت بإسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم على
بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير، وسعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة
قد أسلموا، ففيم تخلفنا..؟ هيا إلى مصعب، فلنؤمن معه، فإنهم يتحدثون
أن الحق يخرج من بين ثناياه!.
حامل لواء الإسلام
وتتواصل جهود مصعب بن عمير في خدمة الإسلام، ففي غزوة أحد اختار رسول
الله صلى الله عليه وسلم مصعباً لحمل راية الجيش الإسلامي، ولما خالف
الرماة أوامر رسول الله وتركوا مواقعهم بالجبل وانكشف المسلمون وحلت
بهم الهزيمة ثبت مصعب باللواء، وكان يحمله في يد ويقاتل المشركين باليد
الأخرى، وتكالب كفار قريش على حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقد روى "إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري" هذا الموقف
عن أبيه فقال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون
ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضربه على يده اليمنى فقطعها
ومصعب يقول "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، وأخذ
مصعب اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على
اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: "وما محمد إلا رسول قد
خلت من قبله الرسل"، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق
الرمح في جسده وسقط اللواء، واستشهد مصعب، وبعد وفاته تحولت مقولته
"وما محمد إلا رسول" إلى قرآن يتلى، فقد نزل قوله تعالى
: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم
على أعقابكم"
ويروي خباب بن الأرت جانبا مما حدث بعد وفاة مصعب فيقول: هاجرنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا
على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، ومنهم مصعب
بن عمير الذي قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا
إذا وضعناها على رأسه تعرت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه،
فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا
على رجليه من نبات الأذخر.
وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه فقدان الرسول صلى الله
عليه وسلم عمه حمزة، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول
عليه السلام، وأوجع فؤاده ،وعلى الرغم مما امتلأت به أرض المعركة بجثث
أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق
والطهر والنور ، على الرغم من كل هذا، فقد وقف على
جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما
ووفائهما " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"،
ثم ألقى نظره على كفنه وهو ببردته التي كفن فيها وقال " لقد رأيتك
بمكة وما بها أرق حلة ، ولا أحسن لمة منك، ثم هاأنتذا أشعث الرأس في
بردة"
وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة
بكل من عليها من رفاق مصعب وقال " إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء
عند الله يوم القيامة".
وكالة الأنباء العربية
أعلى
الــزكـاة
مبارك بن عبدالله العامري
إن الله تبارك وتعالى قسم بين الناس معيشتهم في الحياة الدنيا ورفع
بعضهم فوق بعض درجات وأقتضت حكمته سبحانه أن يكون من بين الناس الغني
والفقير والشقي والسعيد والسخي والبخيل والجواد والشحيح ، ومن هنا
نجد الشريعة الإسلامية حريصة كل الحرص على سلامة المجتمع المسلم ووقايته
من الأمراض والعلل الاجتماعية التي تفتك به ومن الأدواء العاتية التي
تزلزل كيانه وتودي بحياته قال تعالى ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ) الآية 103 من سورة
التوبة .
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع
فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم ألا
وإن الله يحاسبهم حساباً شديدا ويعذبهم عذابا أليما ).
أي يا ابن آدم يا من جلبت على الإمساك خشية الإملاق يا من طبعت على
الحرص والتقتير لا تكن بخيلا بما أعطاك الله ولا تكن منوعاً للخير
الذي أمتحنك به ربك ، ولا تكنز فيحبس عنك بل أنفق على الفقراء والمساكين
وتصدق على البؤساء والمحرومين وأقرض الله قرضاً حسناً يضاعفه لك ولا
تحصي ما أنفقت فيحصى عليك ولا تستكثر ما أعطيت فيستكثر عليك ولكن أنفق
مطمئنا لكرم ربك وأثقا من عطائه وجوده مؤمنا بامتلاء خزائنه فإن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : يمين الله ملآى سحاء لا يغيضها شيء
الليل والنهار . فيمين الله ملأى على الدوام مبسوطة بالعطاء سيالة
بالإنعام لم ينقص ما فيها كثرة ما أعطى منذ خلق الخلق ولن ينقص فيها
ما بسط الرزق لجميع العباد فلو أن أهل السماوات وأهل الأرض قاموا في
صعيد واحد فسألوه سبحانه وتعالى وطلب كل منهم ما يحب ويبتغي فأعطى
كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكه شيئا إلا كما ينقص المخيط
إذا غمس في البحر والقرآن الكريم يوضح لنا ذلك قال تعالى ( ما عندكم
ينفدُ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا
يعملون ) الآية 96 من سورة النحل وقال تعالى ( قل إن ربي يبسط الرزق
لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين
) الآية 39 من سورة سبأ .
إن للفقر مرارة لا يدركها سوى الفقراء وأي شيء أشد إيلاما لنفس الفقير
من أن يرى أمامه الأغنياء غارقين في ألوان الترف والملذات متقلبين
في أحضان النعيم ورغد العيش .
من أجل هذه الأخطار ولعلاج تلك الأمراض فرض الله تعالى في أموال الأغنياء
حقا معلوماً للفقراء ورغبهم في إخراجه وبذله وإيتائه لمستحقيه ليطهر
نفوسهم من دنس الحرص ويشفي قلوبهم من داء البخل والشح و ليعودهم الجود
والكرم والسخاء فقال سبحانه ( فأما من أعطى وأتقى ، وصدق بالحسنى ،
فسنيسره لليسرى ، وأما من بخل واستغنى ، وكذب بالحسنى ، فسنيسره للعسرى
، وما يغنى عنه ماله إذا تردى ) الآيات من 5-10 من سورة الليل .
حض النبي صلى الله عليه وسلم الأغنياء على أخراج زكاة أموالهم قبل
أن يدركهم وقد حبسوا المال ومنعوا حق الله فيه فيكون المال سبباً شقائهم
وفزعهم يوم القيامة.
عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ترك
بعده كنزاً مثل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان يتبعه فيقول :
من أنت ؟ فيقول أنا كنزك الذي خلفت فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها
ثم يتبعه سائر جسده .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من
آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان
يطوقه يوم القيامة ، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ، ثم يقول : أنا
مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتاهم
الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة
ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) الآية 180 من
سورة آل عمران .
أن ما كنزه أصحاب الثراء والأموال ولم يؤدوا زكاتهم التي فرض الله
عليهم سيطوقون ما كنزوه يوم القيامة نارا ، فقد جاءوا إلى هذه الحياة
لا يملكون شيئا فآتاهم الله من فضله فأغناهم حتى إذا طلب إليهم أن
ينفقوا من فضله شيئا لم يذكروا فضل الله عليهم وبخلوا بالقليل وحسبوا
أن في كنزه خيرا لهم وهو شر فظيع وهم بعد ذلك كله ذاهبون وتاركوه وراءهم
فالله هو الوارث ولله ميراث السموات والأرض فهذا الكنز إلى أمد قصير
، ثم يعود كله إلى الله ولا يبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء
مرضاته فيبقى مدخرا لهم عنده بدلا أن يطوقهم إياه يوم القيامة .
قال تعالى ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله
فبشرهم بعذاب أليم ،يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم
وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) الآيات 34 ،
35 من سورة التوبة .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة
صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه
وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى
بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .
فيا أيها الأغنياء سارعوا بإخراج زكاة أموالكم ليذهب عنكم شرها وبادروا
بإعطاء الفقير حقه قبل أن لا تجدوا من يقبلها منكم فتكون عليكم حسرة
وندامة وخزيا يوم القيامة عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان
يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها منه يقول الرجل : لو جئت بالأمس
لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم
أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفاً .
المرجع : زاد الصالحين تأليف : الشيخ إبراهيم محمد مصطفى
أعلى
لحظات مع الحياة
حقيقة الإخلاص
النفس بطبيعتها التي جبلت عليها تحب الظهور والمدح
والرياسة وتميل إلى الركون والكسل وزينت لها الشهوات من النساء والبنين
والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث
فأشد شيء على النفس هو إخلاص النية في الأعمال لله عز وجل .
فالإخلاص تنقية القلب عن الشوائب كلها قليلها وكثيرها حتى يتجرد فيه
قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه ، وقد أمر الله عز وجل بالإخلاص
فقال تعالى ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) وقال
تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه
أحدا ) فينبغي لمن أراد الإخلاص أن يقطع محبة الشهوات من قلبه ويملأ
قلبه بحب الله جل وعلا وليستغرق الهم بالآخرة فمثل هذا لو أكل أو شرب
أو قضى حاجته كان خالص العمل صحيح النية ومن ليس كذلك فباب الإخلاص
مسدود عليه إلا على النذر القليل .
فالذي يغلب على قلبه حب الله عز وجل وحب الآخرة تكتسب حركاته الاعتيادية
صفة همه وتصير إخلاصا والذي يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرياسة
فيها وبالجملة غير الله تكتسب جميع حركاته تلك الصفة فلا تسلم له عبادة
من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا .
فإذن الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة
بحيث يغلب ذلك على القلب فإذا كان ذاك يتيسر الإخلاص وكم من أعمال
يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها من المغرورين
وهذا أمر دقيق غامض قلما يتسلم الأعمال من أمثاله وقل من يتنبه له
إلا من وفقه الله تعالى .
والغافلون عن الإخلاص يرون حسناتهم يوم القيامة سيئات وهم المقصودون
بقوله عز وجل : (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في
الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) .
وقد ظهر بالأدلة والعيان أنه لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة
فالعمل بغير نية عناء والنية بغير إخلاص رياء وهو للنفاق كفاء ومع
العصيان سواء والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء وقد قال الله تعالى
: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا).
ناصر بن عبدالله الناعبي
أعلى
|