تراجع الإنتاج الفكري العربى أمام الثقافات الغربية .. الأسباب
والتداعيات
جابر عصفور : التحديات التي تواجه الأمة
أدت لتراجع إنتاجها الأدبي واندثار مواهبها
أحمد عبد المعطي حجازي : البحث عن الذات العربية في مرآة الأدب
والفكر والإبداع يدفع الإنتاج الأدبي
محمد سلماوي : ضرورة البحث عن مجالات الثقافة المشتركة بين العرب
والغرب
محمد عفيفى مطر : الأمل مازال معقودا على الأجيال الشابة في
تقفي آثار الرواد من المبدعين والأدباء العرب
فاروق شوشة: الفراغ الروحي والمادية وراء تراجع مستوى الأدب
العربي
أحمد فؤاد نجم : العولمة الثقافية وثقافة العنف طمست إبداعات
الرواد وحجبت المواهب العربية
القاهرة ـ (الوطن)*كشفت فعاليات معرض القاهرة
الدولي للكتاب عن تراجع حاد وهائل فى أسهم الإنتاج الكمي والنوعي
للأدباء والشعراء والمفكرين العرب من المحيط الى الخليج , ولم
يصمد أمام رياح العولمة والإسفاف سوى القليل من المواهب , التي
للأسف اعترضتها مصاعب النشر وآليات التجديد للتسويق , وأصبحت
لغة السوق والعرض والطلب والتوزيع تتحكم في النشر مهما كانت
موهبة الأديب , وبالتالي فإن اسم الشاعر والروائي والكاتب هو
المحك للتسويق وليس المادة والعمل الثقافي , فتراجع الإنتاج
للأدباء الشبان , وتراجعت أدوات التجديد على الساحة الفنية الثقافية
، وصارت الحركة الأدبية العربية بوجه عام تعاني من حالة كساد
وفقدان للهدف وفقدان للحافز وضياع للمعاني .
مناسبة طيبة
الأديب والشاعر فاروق شوشة حرص على متابعة معرض القاهرة الدولي
للكتاب والمشاركة في فعالياته وندواته وقد اكد ان المعرض يعد
مناسبة طيبة لتذكير المجتمعات العربية بأن هناك أدبا وثقافة
وتنويرا تروى بها العقول وتحيا بها القلوب وتتحرك نحوها المشاعر
لانه بدون محبة الادب لا يمكن للانسان ان يتذوقه او يسمو به
فوق الأحداث خاصة في هذا العصر, كما ان الانغماس في الغوغائية
والجري وراء المتع اللحظية والشهوانية هي آفات تعاني منها المجتمعات
النامية .
وأضاف : نحن نريد ان نبني أجيالا تحب الثقافة وتسعى لتلقيها
وان ترث ما يجلي العقول بنور الفكر الخلاق لان هذا يرفع من شأن
الأمة في كل المجالات ، فالسمو بالمشاعر والأحاسيس يقود الى
الابداع ليس في مجال الادب فحسب بل في كافة صور الحياة .
والعرب منذ القدم عرفوا بالفصاحة والنبل وكريم الاخلاق ولمعوا
في الخطابة والشعر ونقلوا الأدب ونسجوا آبيات الشعر في قصائدهم
وكان الشعراء عند الخلفاء في أعلى المنازل وكان يشار لهم بالبنان
وتقام من أجلهم المجالس بحضور الأمراء والملوك, وفي الحقب الزمنية
التالية نبغ العرب في الأدب الروائي والقصصي التي استلهمت من
المجتمعات فرأينا نجيب محفوظ يبدع في روايات الثلاثية وميرامار
وأولاد حارتنا حتى حاز على جائزة نوبل في الأدب, وكان قد سبقه
في الإبداع العقاد وطه حسين لكنهما لم يحرزا نفس التتويج.
إلا أن إنتاجهم الأدبي الغزير بقي الى يومنا هذا شاهدا على حقبة
مهمة من الإبداع العربي في فن الرواية والقصه والأدب , أما المراحل
الشعرية العربية فتنوعت منذ عصر المتنبي وامرئ القيس والجاحظ
وصولا الى شوقي والبارودي وحافظ ابراهيم ومحمد ابراهيم ابوسنة
وكلها شخصيات اثرت وابدعت وانتجت وجددت في معالم وملاحم الادب
والشعر والقصائد العربية عبر عدة عقود .
ويرى شوشة أن ادب الحاضر ليس كنبوغ رواد الماضي، وأنه ليس أمام
محبي الادب العربي الاصيل سوى الإطلال على قيثارة الماضي التي
أوشكت على الانطفاء برياح الغوغائية في كل شيء .
ويتساءل لماذا المتاجرة بكل شيء في هذا العصر الذي أطاح فيه
الأحفاد بما صنعه الأجداد وتحولت إنجازات الماضي إلى إرث ثقيل
لا يريد الشباب حمله بل يطلقون العنان لأفكارهم الهدامة نحو
سحق رموز الابداع ؟ .
ويصل إلى أن الفراغ الكبير وبعض الفضائيات الماجنة وتزييف المعاني
وخلط الاوراق, كلها جعلت الإنتاج العربي الأدبي في العصر الحديث
يتراجع كثيرا, وربما يتوه في بحور عصر السرعة الذي نعيشه حاليا
, بعد أن سيطر الغرب للأسف على الإعلام والثقافة والفكر السياسي
والاقتصادي والأدبي على الساحة الدولية ويالها من طامة كبرى
ان يقتل الادب العربي في اوطانه, وان تشوه صورته وتحل محلها
صور ملطخة بالاكاذيب في الخارج , لتمحو حضارات العرب الثقافية
أمام العالم .
سلبيات التنظيم
ومن جانبه يقول الشاعر احمد عبد المعطي حجازي ، إن تنظيم معرض
القاهرة الدولي للكتاب جيد ، ولكن هناك بعض السلبيات التي تتمثل
في عدم التنسيق السليم للاجنحة وحالة الهرج والمرج احيانا في
الندوات واللقاءات الادبية ، فلا يمكن اجراء حوارات ثقافية مثمرة
في أسواق حتى لو كانت تحت مسمى معرض دولي للكتاب يكتظ بالرواد
وكأنه ميدان في قلب العاصمة وليس ملتقى فكريا وثقافيا لإشباع
العقول التي لا يمكن اثراؤها في خضم الاقبال من الجميع ، صحيح
ان البعض له هدف الا ان الغالبية للاسف تسعى نحو التجول والزيارة
لحب الاستطلاع وربما كفسحة .
ويؤكد حجازي أن السبب الرئيسي في الركود الثقافي العربي هو نحن
الشعوب والأفراد ولن يتم دفع الانتاج الادبي الا بالبحث عن الذات
العربية في مرآة الادب والفكر والابداع ، ولن نستطيع منافسة
الغرب في انتاجهم وحضارتهم ونحن نفقد القدرة على التمييز الفكري
بين المعايير المادية والأدبية .
أضف إلى ذلك سيطرة مجموعة من دور النشر الخاصة التي تسعى وراء
الربح على ما ينتج من إبداع عربي , وبالتالي فهي لا تقبل إلا
بالأسماء اللامعة ، أما المبدعون الشباب فهي منهم براء . وذلك
على عكس حال صناعة الأدب في الغرب ، حيث تتم صناعة المبدعين
الذين اصبحوا رواد عصرهم .
ويتساءل حجازي أين الإنتاج الإبداعي العربي وكيف ذهبت الثقافة
العربية مع رياح العولمة نحو السقوط والتراجع بل واحيانا الانحدار
فيما نراه من تجاوزات مسفة بالفضائيات التي تدعى أنها تعبر عن
اشكال من الفنون والأدب والتمثيل والغناء ؟!.
تغيير مستفز
ويرى الشاعر أحمد فؤاد نجم أن الأدب العربي اصبح تراثا منثورا
تتناقله الأجيال بشيء من التغيير المستفز, وبالرغم من تواجد
هذا التراث في الكتب إلا أن التناول له قد أدى إلى تشويهه, فتحول
من هدف الى صورة للكسب البسيط بدلا من البحث عن عمل , لمن فشلوا
احيانا في العثور على فرص افضل للشهرة ، بينما ضعف مجال اكتشاف
المواهب الجيدة .
ومن ناحيه اخرى فإن ما رأيته من تراجع أدبي عربي لم يكن نتيجة
لعدم وجود شباب لديهم الموهبة في الوطن العربي المليء بالموارد
البشرية والثقافية ولكن هذا نتيجة الفشل في فتح الابواب لهم
كي يدخلوا في دائرة الاضواء للابداع والتنوير والانتاج الثقافي
المتعدد الجوانب، ورغم ان افضل فرسان الأدب اليوم ليسوا بقوة
الأمس، إلا انهم لم يأخذوا أصلا الفرصة الكاملة للظهور الذي
اقتصر على من لديه وساطة ومحسوبية وتربيطات مع دور نشر واحيانا
من يدفع الاموال , ليظهر على السطح من هو قادر وليس من هو الأحسن
والافضل على الصناعة الادبية والشعرية والقصصية, ورغم كل العراقيل
المعاصرة فقد لاحظت وجود اشكال إيجابية من العمل الادبي المفيد
ومن بين هؤلاء المبدعين الشاعر الفلسطيني احمد دحبور ودواوينه
عيون الاطفال وطائر الوحدات والضواري وحكاية الولد الفلسطيني,
والكاتب الروائي الليبي امين مازن , والشاعر الجزائري سمير سطوف
.
ويؤكد نجم ان تراجع الانتاج مسئولية كافة اطراف الحركة الادبية
في وطننا العربي, حيث ان ما صنعه المبدعون العرب خلال الحقب
الماضية من انجازات يحتاج الى مجهود كبير كي يعاد البناء فوق
اسسه ودعائمه، لان اللبنات المكونة للثقافات الحاضرة تختلف كليا
عما كان عليه الادباء الكبار, وبالتالي فان الصعوبة تكمن في
الهوة السحيقة بين ابداع الماضي وانحدار الحاضر وكيفية اصلاح
الخلل كي لا تتوه الاجيال الشابة في دوامات النشر والتسويق والتقليد
والاقتباس وغيرها من القضايا التي تعبنا من المناقشة فيها .
ويصل نجم إلى ان التراجع الادبي العربي ليس نتاج الفشل والاخفاق
العربي في اللحاق بالركب الغربي فحسب بل نتاج ما يضعه الغرب
من عراقيل ومؤامرات ووشايا في طريق العرب، وتلك حقيقة يجب ان
ندركها ونقف امامها وندرك حجم المسئولية الملقاة على كتف المثقفين
والادباء والمتعلمين بوجه عام للتصدي للمؤامرات الغربية ضد العرب
في كافة المحافل والمجالات .
مجالات مشتركة
الاديب محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب العرب يقول انه يحب دائما
ان يبحث عن مجالات مشتركة للثقافات العربية والغربية، لان هذا
التلاقي يعني الكثير ويتيح الصعود بالأدب والحضارة العربية نحو
الإبداع في كل شيء وجمع إنجازات الماضي العربي مع إنجازات الحضارة
الغربية في بوتقة واحده تثري الإبداع الثقافي ككل لدى الدارس
والباحث فليس من الممكن ان نبني جسورا بيننا وبين الغرب ونحن
لا نريد الانتفاع بما لديهم من تفوق وإبداع وإنجازات بنوها على
نفائس ما ترك اجدادنا العرب .
وأضاف أن اقتباس الوان التفوق العلمي والثقافي والحضاري ضروري
وحث عليه الإسلام بشرط تجنب البدع والتجاوزات والإسفافات, إن
تراث الحضارة العربية في اسبانيا مثلا يدل على تفوق رائع رغم
ان تلك الحضارة كانت في اوروبا وسط ظلمات الجهل والتخلف في كل
شيء، اي ان البناء قد يتم في ارض جرداء من كافة الوان الثقافة
والعلم والادب الا ان التنوير العربي حينئذ والنبوغ المعرفي
والعلمي جعل بلاد الاندلس شاهدة حتى الان على ما تركه العرب
من انجازات هائلة .
وفي رأيه لكي تعود الحركة الادبية العربية إلى سابق عهدها من
الضروري ان تتسم بالحداثة والتنوير والابتعاد عن التطرف والتشدد
ليس الديني فحسب بل حتى الفلسفي والفكري في اوجه الحياة المختلفة
.
واذا كنا نعيش فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب فإن الشعوب
العربية في حاجة الى العديد من المعارض والمحافل والندوات والمناسبات
الثقافية والادبية لتفعيل ولتحفيز الادباء على الانتاج واكتشاف
المواهب والتواصل بين ثقافات الاوطان , من خلال وضع اجنحة مختلفة
لها تعبر عن التوجهات والتيارات والقضايا المعاصرة , وتناقش
ابعادها كي تتوصل الى حلول لها, في اطار من البحث عن مكان للعرب
في عالم متغير لا مكان فيه لتخلف امة او تراجع شعب عن نافذة
الحضارة .
أجيال مبدعة
الشاعر محمد عفيفي مطر يقول : الانتاج الادبي العربي لم يكن
على المستوى المطلوب ليس هذا العام فقط في معرض الكتاب بالقاهرة,
بل انه كان كذلك منذ عدة سنوات في ظل التراجع الروائي والقصصي
والشعري بالأدب العربي, وهذا تراجع وليس غيابا او نهاية فالأمل
ما زال معقودا على الأجيال الشابة في القيام بخطوات واتباع آثار
المحدثين والمجددين وتقفي اثار الرواد من المبدعين والأدباء
العرب الأوائل والنقل والترجمة والتعلم والاستفادة من الغرب
في تجاوزه لمراحل البناء الادبي والفكري والثقافي منذ قرون كان
للعرب فيها السبق ودخوله حاليا في دوائر النضج الحضاري والمعرفي
والتفوق الروائي خاصة الادب الانكليزي .
وفي وسط ما يجري على الساحة الادبية من تناقضات يرى عفيفي ان
جهودا تبذل لإنقاذ قيثارة الأدب العربي من الغرق في طوفان ما
يدعى بالحداثة الهوجاء على أنماط غربية فاشلة وفضائيات متآمرة
ومفسدة, وتلك الجهود تجلت في بناء صرح مكتبة الاسكندرية مرة
اخرى في مصر, ونجاح فعاليات مهرجانات قرطاج بتونس ومهرجان دبي
بالامارات والنجاح الباهر لمسقط في احتضان بؤرة الثقافة العربية
والادب والابداع العربي بعد اختيارها العام الماضي كعاصمة للثقافة
العربية, مما جعلها تساهم بجهود مشكورة ومثمرة في احياء تراث
الادب والإبداع العربي .
وقفات ضرورية
يؤكد الأديب جابر عصفور ان ما يقال عن ضرورة اللحاق بركب الغرب
الحضاري في الثقافة والمعرفة والأدب , يحتاج من الأمة الى وقفات
وخطوات تصحيحية, فالتنمية الفكرية للاجيال الشابة تحتاج الى
مثل واولويات وادوات ثقافية, ومن ثم فان اللحاق بالثقافات الغربية
يبدأ من الاقتباس والترجمة والتطوير ثم الابتكار كي نرقى على
ما وصل له الغرب, ولما لا ، وقد كان العرب سابقين ومبدعين ومفكرين
طيلة قرون بلغت فيها الدولة العربية الاسلامية الصين وبلاد ما
وراء النهر وجنوب فرنسا والبدايه هي البناء المعرفي وازالة غشاوة
المادية الهوجاء عن العيون وتحقيق المعادلة الصعبة للرقي والنهوض
تعليميا ومهنيا وثقافيا لان الادب هو مرآة الحضارة وجوهر الرقي
بالشعوب والحفاظ على التراث الانساني والمعرفي. وان التراجع
الذي نحن بصدد الحديث عنه بالنسبة للساحة الادبية العربية, وضآلة
الناتج الثقافي والمعرفي للاجيال العربية الحالية هو للاسف وليد
الاوضاع السياسية والاقتصادية والانسانية التي تعيشها الشعوب
العربية, فليس هناك من يعقل الحديث عن الثقافة والفكر والابداع
مع وجود جوع او مرض او فقر او اضطهاد او حروب وكلها احداث صبغت
العديد من اوجه حياة الشعوب العربية لتدخلها انفاقا مظلمة من
نسيان معاني واهداف ونماذج الحضارة والثقافة والفكر المستنير
عبر السنوات القليلة الماضية .
النهج الصحيح
من خلال هذا العرض نخلص الى ان ما يجري على الساحة الثقافية
العربية يدعو الى التأمل للبحث عن طريق لإنقاذ تراث رواد الادب
ورسم خطا المستقبل كي لا تضيع الهوية الحقيقية للمبدعين من المثقفين
العرب , اما وسائل هذا البحث فتشمل طرح ارهاصات فكرية لتذكير
العقول بمعاني الحضارات وكيفية الانتفاع بالمواهب واصلاح السلبيات
التي تعتري المراحل الانتقالية للادب العربي, والسمو بالمجتمعات
العربية فكريا واخلاقيا وسلوكيا كي لا يحمل على الاكتاف من يتشدقون
بالشعارات الجوفاء وبالاغاني الماجنة والتمثيل المسف ببعض الفضائيات
، فليس كل ما يلمع ذهبا, والانتفاع بالمواهب العربية في كافة
المجالات هو حل أمثل للعديد من المشكلات التي تعترض تقدم الأمة,
كما ان حل الازمات الاقتصادية والسياسية والانسانية التي تتعرض
لها الشعوب والمجتمعات العربية يمثل احد جوانب النهج الصحيح
لإحياء الحركات الثقافية الواعدة وبناء مجتمعات تجمع بين الاصالة
والمعاصرة والتحلي بأنوار المعرفة وحمل مشاعل التنوير الثقافي
للأجيال العربية القادمة وغرس مكارم الاخلاق وحب الثقافة والادب
وتشجيع الابداع وصقل المواهب بدلا من وأدها في مهدها بالاستخفاف
بها وحرمانها من قيمتها الحقيقية, واعطاء تلك المواهب الفرصة
كي ترقى وتصعد بنفسها وبأمتها العربية لتلحق وتسبق الامم الاخرى.
أعلى
مسلمو صقلية والإسهام في تاريخ
الحضارة الإسلامية
الكويت - الوطن:أكد الأستاذ
في كلية الألسن في جامعة عين شمس الدكتور محب إبراهيم
أهمية كتاب (تاريخ مسلمي صقلية) في تأريخ حقبة مهمة من
تاريخ الحضارة الإسلامية وأثرها على القارة الأوروبية.
وقال الدكتور إبراهيم في محاضرة ألقاها ضمن الموسم الثقافي
لـ (دار الآثار الإسلامية) في الكويت، ان كتاب (تاريخ
مسلمي صقلية) الذي كتبه الايطالي ميكيلي أماري في القرن
الـ19 "ليس كتاب تاريخ وحسب بل كتاب حضارة المسلمين
في صقلية". وأضاف إن هذا الكتاب لم يسبق أن ترجم
كاملا وما وصل منه لا يزيد على شذرات، موضحا أن ما وصل
إلى اللغة العربية من هذا الكتاب كان منقولا من كتب أخرى
ولغات متعددة غير اللغة الأصلية للكتاب وهي اللغة الايطالية.
وأوضح أن الكتاب يتناول فترة مهمة من تاريخ المسلمين في
جزيرة صقلية لاسيما الفترة الممتدة من القرن التاسع الميلادي
وحتى القرن الحادي عشر موضحا ان الكتاب يعتبر سجلا شاملا
لصقلية اذ يستعرض مختلف ظروف الحياة قبل الفتح الإسلامي
وبعده ومدى تأثير حياة الإسلام على تلك الجزيرة. وأشار
إبراهيم إلى مؤلف الكتاب أماري الذي توفي سنة 1889 بالقول
انه بدأ بنشر كتابه بين عامي 1845 و1874، وهي الطبعة الأولى
التي اعتمدت عليها الترجمة إلى اللغة العربية، اذ يتكون
الكتاب من ثلاثة أجزاء، كما أنه اعتمد على ما يقارب 70
مخطوطا من المخطوطات العربية الإسلامية. وأضاف ان أماري
ترجم وحقق في العديد من الكتب ونقلها من اللغة الايطالية
إلى العربية والعكس كذلك كما أنه قام بتأليف عدد من الكتب
باللغة العربية مشيرا في هذا السياق إلى اهتمام أماري
بالبحث التاريخي لاسيما في تاريخ جزيرة صقلية وعلاقتها
بالمسلمين. وفي شأن الكتاب ذاته قال الدكتور إبراهيم انه
تميز بأمور عدة أهمها أن لغته رصينة قديمة في تراكيبها
ومفرداتها كما تميز بالإيجاز حينا وبالإطناب حينا آخر
إضافة إلى انتهاج السرد القصصي في بعض فصوله والأسلوب
العلمي في فصول أخرى. وأشار إلى بعض الصعوبات التي واجهت
فريق الترجمة لاسيما في ترجمة بعض الأسماء عربية الأصل
إلى اللغة العربية مرة أخرى موضحا ان هذه الأسماء هي في
الأصل عربية فلا يمكن نقلها عن طريق الترجمة إلى العربية.
وقال إن هذه العملية تطلبت جهدا في التحقق من تلك الأسماء
المنقولة من الايطالية إلى العربية إضافة إلى بعض أبيات
الشعر التي ترجمت من العربية إلى الايطالية "فقد
حاولنا كتابة الأشعار كما كتبت وليس ترجمتها".
وأنهى الأستاذ الدكتور محب إبراهيم محاضرته مؤكدا على
أهمية كتاب أماري فقال: نخلص من تقديمنا للكتاب إلى انه
كتاب موسوعي يتناول الجوانب التاريخية والحضارية وابرز
العلاقات بين الجانبين التي لم تكن دائما علاقات عداء
وإنما كثيرا ما سادها الوئام والتعايش والتواصل، والكتاب
ذو أهمية كبيرة بالنسبة لدارسي التاريخ ولدارسي اثر العرب
على أوروبا ولمن يدعو إلى التواصل وليس فقط إلى الحوار
بين بني البشر.