في الصورة البيانية لشعر هلال العامري
احتفاء بالليل وأجوائه حتى يكون مهادا لتداعي الذكريات (
1 ـ 2 )
شغلَ الليلُ حيّزاً بارزاً في
ديوان الشعر قديماً وحديثاً ، فقد اتجهت عيون الشعراء إلى
عباءته السوداء الداكنة الموشاة بنجومه المتألقة وبدره المنير
كي ينسجوا من خلاله لوحاتهم الشعرية المعبرة عن تجاربهم
الوجدانية وعن رؤاهم إزاء الكون والحياة وكثيراً ما حلقت
أخيلة الشعراء المجنحة في أفق الليل فكان الليل إطاراً لتجاربهم
تارة والدواة التي يغمسون بها ريشة الإبداع كي يستمدوا منها
ظلال صورهم الشعرية تارة أخرى ويظل الليل معين إحساسات وأفكار
تصل حد التضاد والتناقض فهو قرين الأجواء الساحرة الأليفة
ونبع للألوان السود الداكنة المنعكسة على لوحة الحبيبة والمطلة
عبر عينيها وشعرها بيد أنّ عتمة الليل قد ترتبط بإحساسات
الحزن واليأس المريرين وأجواء الحداد القاتمة ويمكن أن يَعْكِسَ
ظَلامُهُ إيحاءات الظلم والشر وفي كل الأحوال فإن الشاعر
يخلق ليله الخاص ، ليله النفسي المفصح عن رؤيته الخاصة لليل
النابع من توهج ذكرياته وتجربته في الحياة .
وفي مجموعة ( الكتابة على جدار الصمت ) للشاعر العُماني
هلال العامري ثمة احتفاء بالليل وأجوائه ولوازمه مما يُشكّل
لوحة كبيرة ترفدها صور جزئية مبثوثة في غضون مجموعته الشعرية
واداة الشاعر في رسم لوحة الليل هي الصورة البيانية بأنماطها
الثلاثة (الصورة التشبيهية، والصورة الاستعارية ، والصورة
الكنائية ) (1)
ومنذ عنوانات القصائد نلمس ذلك الحضور البيّن لليل أو لبعض
لوازمه ومن ذلك قصائده : ( جدل تحت سدول الليل ) و ( رجفة
في الشفة السفلى للقمر ) و ( يرتعش الليل ) ، ( في ليلة
ضعف وجداني ) ، و ( أحلام ليل بائس ) ، و ( يكفي انتحال
الليل ) ، و ( هدهده عبر سدول الليل) ، و ( دمعة على خد
الليل ) (2)
يشاطر الليل إحساس الشاعر بالنشوة حين يكون هذا الليل أفقاً
زمانياً تحتضن بردته القاتمة لقاء الشاعر بمن يحب إذ يقول
:
هُنالِكَ بَعْدَ الْهَجيعِ التَقَيْنا
أذَبْنا مَعَ اللّيْلِ شوقَاً يَدَيْنا
وَضاعَ الكَلامُ ... وَضاعَ المكانُ
هُنالِكَ ضاعَتْ حُدودُ الظّلامِ
تلاشَتْ بِعَيْنَيْكِ عيني
تلاشى الزّمان (3)
يصدّر الشاعر هذا المقطع الشعري باسم الإشارة ( هنالك )
كي يغيب تحت إهابه طبيعة المكان الذي ضم حدث اللقاء رغبة
منه في إطلاق تجربته الشعورية من قيود المكان كما يشي قوله
( بعد الهجيع ) بزمن ذلك اللقاء الذي غدا محوراً للنص وركيزته
التي يستند إليها إن الشاعر وبوعي منهُ يستهل هذا المقطع
بتحديد الفضاء الشعري الذي ضم الشاعر ومن يحب مستثمراً قدرة
الليل على تغليف ذلك اللقاء بهالة من الغموض الشفاف الذي
يشد انتباه القارئ ويشوقه لمعرفة تفاصيل هذا الحدث . ويكشف
الفعل المستعار ( أذبنا ) عن صيرورة الليل - تحت الأفق الاستعاري-
بحراً (المستعار منه ) يروق للشاعر أن ( يذوب ) هو ومن يحب
في أعماقهِ كناية تومئ إلى الرغبة في الاحتجاب عن الأنظار
.
ويفيد الشاعر في السطر الشعري الثالث من إيقاعية التكرار
إذ يكرر الفعل المستعار (ضاع) تكريساً للأجواء التي كشفت
بحضورها عن عجز الكلام في التعبير عنها أو الاحتفاء بها
كما أنها أشارت إلى انتفاء الإحساس بالمكان حيث تحلق القلوب
بعيداً عن حدوده الضيقة وأقفاصه البليدة ويورد الشاعر في
السطر الشعري الرابع لفظة(هنالك) مرة أخرى إذ يكشف حضورها
عن مكان اللقاء الذي يغيبهُ أيضاً حين يشفعها بالفعل المستعار
( ضاعت ) تعزيزاً لاختفاء ملامح المكان وكناية عن أن حضور
الحبيبة قد محق الظلام المطبق على ذلك المكان وتتلبث الصورة
البيانية في السطر الشعري الخامس عند ( عيون ) تلك المرأة
، فتكون تلك العيون - تحت ظلال الاستعارة المكنية - بحراً
يرفد الشاعر بالحياة والتوهج وبدلالة الفعل المستعار ( تلاشت
) وحرف الجر ( الباء ) ويكشف السطر الشعري السادس عن قدرة
تلك الحبيبة على أن تهب الشاعر زمناً جديداً يبتعد عن الرتابة
والملل ولكن هذا الزمن لن يتحقق إلا حين ( يتلاشى ) زمنه
التقويمي لينبثق زمن نفسي خاص مترع بالعنفوان والغبطة .
ويمتد الليل حتى يستوعب زمن الشاعر الخاص الذي يحيا معهُ
وبه إذ يتجلّى هذا الليل نديماً يرهف السمع لمناجاة الشاعر
حين يقول :
أراني مَعَ اللّيْلِ أحيا
ألَمْلِمُ بَعْضَ وُعودي
وَأسْمَعُ قَيْثارة اللّيلِ تَشْدو
فَأسْمعُها لَحْنَ عودي
وَيَنْتَظِرُ اللّيْلُ أنْ تُسكِنيهِ
وَيَنْتَظِرُ اللّحنُ أن تَسْمَعيهْ (4)
يكون الليل وهدوؤه مهادين لتداعي الذكريات حيث تمثل الحبيبة
بملامحها الغضة أمام ناظري الشاعر ، فيبث حضورها الحياة
في الوعود التي تناثرت هنا وهناك في أرجاء الذاكرة والأيام
الفارطة ويأتي السطران الشعريان الثالث والرابع كي يفصحا
عن حميمية الصلة بين الشاعـر والليل فحين يحس الشاعر بالنشوة
لانهمار فيض الذكريات فإن العدوى تسري إلى الليل (المستعار
له ) الذي يسبق الشاعر في التعبير عن هذا الفرح ، وذلك بأن
( تشدو ) قيثارته صادحة- تحت خيمة الاستعارة المكنية - حينذاك
يسعى الشاعر إلى أن ( يسمعها ) عصارة إبداعه الذي يغدو تحت
ظلال الاستعارة التصريحية لحناً تتسق نغماته مع أجواء الليل
الحالمة وحين تنغمر ذات الشاعر في عبير الذكريات ونشوتها
فإنه يصبو إلى حضور الحبيبة الغائبة إذ يصرح بهذه الرغبة
ناسجاً صورتين استعاريتين مكنيتين أنسنتا الليل واللحن وفي
إطار موازنة (5) تنتظم السطرين الشعريين الأخريين حيث يشكل
طرفها الأول ( وينتظر الليل أن تسكنيه) وينطوي طرفها الآخر
على ( وينتظر اللحن أن تسمعيه ) حيث تقابل هذه الموازنة
بين الفعلين المستعارين (وينتظر، وينتظر ) تكريساً لدلالات
الأمل المرتكزة إلى اللحظة الحاضرة والمتحركة باتجاه المستقبل
. كما يتقابل ( الليل ، اللحن ) اللذان يتوحد معهما الشاعر
ويمزجهما إطارا لحضور الحبيبة البهي . وقد وضعت هذه الإيقاعية
ذهن المتلقي في موازنة بين ( تسكينه ، تسمعيه ) حيث واشجت
بين قدرة الحبيبة على أن تمد الليل ( المستعار له ) بأجواء
الهدوء - وفي ذلك تعليل فني (6) لظاهرة سكون الليل - من
جانب . وبين دور تلك المرأة المميز في تحفيز اللحن ( موهبة
الشاعر ) على مواصلة التحليق في رحاب الإبداع من الجانب
الآخر .
وتنهل لوحة الليل من إيقاعية التكرار في ( أسمع ، أسمعها
، تسمعيه ) و ( ينتظر ، ينتظر) ( لحن ، اللحن ) و ( الليل
، الليل ، الليل ) ومن إيقاعية الجناس الناقص في ( وعودي
، عودي ) حيث تسبغان تصعيداً نغمياً يتسق ولهفة الشاعر وهو
يرهف السمع في هدأة الليل إلى رنين الذكريات .
ويشي طغيان حاسة السمع المستقاة من ( قيثارة ، تشدو ، عودي
، اللحن ، اسمع،...) على حاسة البصر المستمدة من الليل وألوانه
الداكنة برغبة الشاعر في أن يملأ لوحة الليل بالأصوات الأثيرة
إلى ذاته .
ويروق الشاعر أن يؤطر قصيدته ( من غيرك كنت أبكي ) (7) بإطار
تنهل فيه صوره البيانية من الليل وإيحاءاته حين يستهل قصيدته
ويختمها بقوله :
أشْتاقُ عِطْرَكِ عِنْدَما
يَلِدُ الظّلامَ اللّيلُ
وَتخْتَفي كُلُّ الصّورْ
... ... ... ...
أشْتاقُ صَمْتَكِ
عِنْدَما تَشْتاقُ روحي غُرْبَتي
وَيَلُوحُ في أُفُقِ الظّلامِ
سَنا الْقَمَرْ
حين يجد الشاعر ذاته محاصرةً بحندس الليل وظلامه فإنه يتوق
لانثيال فيض لذكريات التي كنى عنها بـ ( عطرك ) كي تضيء
المكان الذي انغمر بظلمة تتكاثف تحت أفق استعاري يغدق على
الليل والظلام ( المستعار لهما ) سمة الانتماء والبنوة .
كما يشي الفعل المستعـار ( يلد ) ببدء رحلة الشاعر مع الليل
( الوليد ) الذي سيطوي تحت إهابهِ ملامح الأشياء (الصور
) حين ( تختفي) فلا تدركها الأبصار . وتتواصل ريشة الشاعر
في إضفاء الظلال المعتمة على لوحة الليل - في الأسطر الشعرية
الأربعة الأخيرة - حين تبرز ملامحه الكابية من خلال تشبيه
تمثيلي يقرن بين قتامة الغربة ( غربتي ) التي تتجلى قسيماً
تشبيهياً لذلك الليل البهيم الذي لا يبدد ظلامه إلا الحضور
المتألق لذات الحبيبة وهو القسيم التشبيهي الآخر لبزوغ القمر
.
وتتفنن مخيلة الشاعر في استثمار طاقة التكرار التي تشع في
أكثر من اتجاه أحدهما يستقى من لهفة الشاعر للحبيبة وقد
أكدها عبر اللازمة ( أشتاق ... عندما ) التي شكلت رباطاً
نغمياً شد مستهل القصيدة بخاتمتها وقد عززها من خلال تكرار
الفعل
( اشتاق ، اشتاق ، تشتاق ) وثمة اتجاه آخر مستمد من التجمع
الصوتي لحرف التاء المتكرر ست مرات في السطرين الشعريين
الرابع والخامس رافداً لوحة الليل بطاقة إيقاعية مضافة .
يستثمر الشاعر عبقرية التجسيم الاستعاري (8) وهو ينسج مقطعاً
شعرياً يجلّي بعداً آخر من أبعاد لوحة الليل حين يخاطب الحبيبة
قائلاً :
ارْتَعي في داخلي
فَالْهَوى فيهِ ثُرَيَّا
رَفْرفي في داخلي
طَيْراً شجيّا
أخرجي من أُفُقٍ أنتِ بهِ
وَاعْشَقي اللّيلَ صباحاً سرمديّا (9)
يستهل الشاعر هذا المقطع بدعوة تلك الحسناء إلى أن تتوغل
في ذاته إذ تجسمها الاستعارة المكنية غزالة ( المستعار منه
) وينم الفعل المستعار ( ارتعي ) عن طبيعة الوشيجة التي
تربط بين هذه الفاتنة وذات الشاعر حيث تغدو هذهِ الذات تحت
خيمة التجسيم الاستعاري كوناً جديداً ذا أرض خضراء يظلَلها
الليل الموشى بألق الثريا التي جاءت قسيماً تشبيهياً للهوى
في قوله ( الهوى فيه ثريا ) - تحت ظلال التشبيه البليغ -
حيث تهب الثريا ( المشبه به المحسوس ) الهوى ( المشبه المعنوي
) إيحاءات جديدة حين يبدو الهوى مناراً سامياً يضيء أفق
الليل ومثلما تجلت الحبيبة الحسناء غزالةً ، فإنها تحل هذه
المرة في إهاب طير غرّيد يثير النشوة والطرب فيمن حوله .
ويسبغ الفعل المستعار ( رفرفي ) على الصورة الاستعارية المكنية
حيوية تتسق ورغبة الشاعر في كسر القيود والتحليق بعيداً
عن إسارها .
وتعزز الصورة الكنائية التي انتظمت السطر الشعري الخامس
هذهِ الرغبة في الانعتاق الذي يرهص بدخول الحبيبة إلى أفق
جديد يواشج بين الليل والصباح من خلال تشبيه بليغ يجمع بين
طرفين متضادين هما الليل ( المشبه ) والصباح ( المشبه به
) إفصاحا عن غياب ملامح الليل المألوفة وانبثاق سمات جديدة
له حين تطل تلك المرأة فيتجلّى الليل مترعاً بالنور والضياء
الأزليين وليس من الغريب هنا أن تتناغم الأضداد في هذه الصورة
التشبيهية إذ ينسج الشاعر هلال العامري من معطيات ما وراء
اللفظة ما يلغي التضاد الشكلي بين طرفي التشبيه (الليل)
و(الصباح) لذلك عُدَّ
" الجمع بين الأضداد من أهم أركان الجمال في الشعر
والأدب" (10)
ويتوغل الليل إلى نسيج عنقود من الصور البيانية تتألق عبر
حوار الشاعر مع المرأة التي أحب :
هَمْسُكِ كَغُروبٍ مَجْروحِ
يَحْبِسُ دَمْعَ الْحُزْنِ بِعَيْني
الظَمَأُ الْقابِعُ في أَزْمِنَتي
كَثُمالَةِ لَيْلِ الصّيْفِ
لَنْ يَرْويهِ دَمْعُ نَواكِ (11)
تنهل الصورة التشبيهية المرسلة - التي انطوى عليها السطر
الشعري الأول - من لون الغروب وشفقه(12) الأحمر ، حيث تعقد
أداة التشبيه (الكاف) الصلة بين الهمس (المشبه) والغروب
(المشبه به) وينتقي الشاعر الاستعارة المكنية كي يبث الحياة
في الغروب فيتجلى مثقلاً بالجراح (مجروح ) . وبذلك يلون
هذا الصوت الخافت همسك أفق الشاعر باللون الأحمر الذي هو
مزيج من جمال الغروب (13) وألق حمرته وبين قسوة الجراح والمها
كناية عن أن ذلك الهمس يذكي في داخله صراعاً بين نشوة الحضور
وانكسارات الغياب الوشيك . وترتكز هذه الصور البيانية المتلاحمة
إلى مهاد تراسلي ينم عن أن الشاعر يرى همس الحبيبة كما يسمعه
.
ويستحيل همس الحبيبة في السطر الشعري الثاني - وتحت ظلال
الاستعارة المكنية - (سجاناً) يمعن في تعذيب ذات الشاعر
إذ يحول بين الشاعر وبين الإفصاح عن آهاته التي كنى عنها
بـ ( دمع الحزن ) . كما يسبغ الفعل المستعار ( يحبس ) على
السياق الشعري إيحاءاته المقترنة بالقهر والقسوة .
ويصوغ الشاعر تشبيهاً تمثيلياً ينتظم السطرين الثالث والرابع
حيث يكون الظمأ المتوغل في أزمنة الشاعر قسيماً تشبيهياً
لـ ( ثمالة ليل الصيف ) ويشع تضاد من طرفي التشبيه إذ يقرن
خيال الشاعر بين الظمأ وبقايا الماء (ثمالة) (14) تكريساً
لأجواء الجفاف والعطش لاسيما أنهُ قرن تلك الثمالة بليل
الصيف القائظ إذ تعزز حرارة الصيف أجواء الظمأ وسرعة تلاشي
تلك الثمالة .
ويلملم الشاعر في خاتمة هذا المقطع الشعري شتات أحاسيسه
الحزينة كي يزيح النقاب عن بؤرة النص ومحوره مستثمراً فاعلية
الاستعارة المكنية في بث الحياة الإنسانية بالظمأ (المستعار
له) ويشي نفي الفعل المستعار بالحرف لن ( لن يرويه ) بنفي
احساسات الارتواء وإعمام هذا النفي على مدارات الماضي والحاضر
والمستقبل وتنبثق من هذهِ الصورة البيانية كناية تنم عن
جزع الشاعر وتهافت صبره حد البكاء . وتقف الصورتان البيانيتان
على مهاد ذوقي مستمد من اللفظين (ظمأ ، يرويه ) يؤكد حاجة
الشاعر لوصال تلك الحبيبة الغائبة (نواك) ماءً يبل بهِ العروق
العطشى فيغدو جزءًا من كيانه إذ يمدهُ بأسباب الحياة والتجدد
.
وقد يضجر الشاعر من الألوان السود التي تتشبث بها تلك المرأة
في قصيدته (يكفي انتحال الليل) وهي تكشف منذ عنوانها عن
دعوته لها كي تهجر الألوان المعتمة في قوله :
يَكْفي انْتِحالُ اللَيْلِ
في لِبْسِ السّوادِ
يَكْفي مُعانَقَةُ المَساءِ (15)
تفصح الصورة الكنائية المستقاة من ( انتحال الليل ) عن ولع
هذهِ المرأة بالأردية السود الموحية بيأسها المطبق وانسجامها
مع الجانب المعتم من الحياة وعزوفها عن أضواء الأمل الزاهية
وتعزز الصورة الاستعارية المكنية التي انسنت المساء (المستعار
له) وبدلالة القرينة الاستعارية (معانقة) هذا اللون القاتم
الذي سجل الشاعر رفضهُ إياه عبر تكراره قوله (يكفي،يكفي)(16)
وربما يغمس الشاعر ريشته بدواة الليل السوداء كي يظلل لون
عيني المرأة التي يحبّ في موضعين من مجموعته الشعرية وتحت
ظلال صورتين استعاريتين مكنيتين يخاطب في الأولى حبيبته
بقوله (الليل بعينيكِ يعذبني ) (17) مكثفاً إشارته إلى اللون
الأسود الساحر الذي يطل عليه فيذكرهُ بحاجته إلى تلك الإنسانة
. ويقول في الأخرى : ( الصمت فيك معذب / والليل محزون العيون
)(18) حيث يفيض الليل (المستعار له) على العيون السود بإيحاءات
الفتنة والعمق والامتداد المؤطرة بهالة من الحزن .
تتلبث الصورة البيانية عند الإيحاءات الحزينة التي يستثيرها
الليل حين يناجي الشاعر أمه قائلاً :
شُجُونُ الأمْسِ يا أمّاه
تُثْقِلُ كاهلي
صَدى الأحداثِ وَ الْغُرْبهْ
وَلَيْلٌ ما لَهُ آخِرْ
... ... ... ...
وَحُلْمُ اللّيلِ كابوس
يُغَلَفُ أمْسي الغابِرْ
وَحيداً صِرْتُ يا أمّاه
... ... ... ...
غَريباً صِرْتُ يا أمّي
ظَلامٌ كُلُّهُ دَرْبي (19)
يحيل التجسيم الاستعاري الشجون (المستعار له) إصراً ( ثقيلاً
) يرهق ( كاهل الشاعر) لاسيما أن ما يستثير أساه يفصح عنه
في غضون السطر الشعري الثالث وهنا نفهم لماذا لاذ الشاعر
بحضن أمه إذ أن مشاعر الغربة لايمكن تخطيها إلا تحت ظلال
الألفة والحنان اللذين تعكسهما صورة الأم المشرقة . ولكي
يصف الشاعر حلكة تلك الاحساسات المريرة فإنه يستعين بالليل
ناسجاً صورة كنائية انتظمت السطر الشعري الرابع أومأت إلى
عتمة ليل الشاعر وهو ليلٌ خاص إذ لا يتعاقب معهُ النهار
كما هو شأن الليل التقويمي بل يطبق عليه فيبدو وكأنه ليلٌ
سرمدي لا فكاك منه. ويكون الحلم قرينة استعارية يتشخص من
خلالها الليل (المستعار له) فيتجلّى - في السطر الشعري الخامس
- كائناً يعي ذاته بيد أن تلك القرينة تفقد دلالاتها المقترنة
بالوعد والغبطة لتصطبغ بصبغة السياق الشعري الحزين ويكرس
هذه العتمة لتطبع الحلم ( المشبه) بطابعها وتمعن في خنق
كل دلالاته البهيجة .
ويتسلل الليل وأحلامه - التي غدت مصدر حزن دائم وترقب طويل
- بظلاله الداكنة إلى السطر الشعري السادس إذ تحيط تلك الظلال
بذكريات الشاعر التي كنى عنها بـ (أمسي) وهي تثير بحضورها
الأسى والشجن . ويمنح اللفظ (غابر) (20) دلالاتهِ المتضادة
بين مكوث تلك الذكريات وانحسارها مشكلة حلقة مفرغة يتعذر
على ذات الشاعر الخلاص من إسارها . ذلك أن روحه تأبى أن
تعد تلك الأيام الخالية محطات قد مضت . ويصل النص إلى ذروته
حين يناجي الشاعر أمه - في السطر الشعري السابع - كاشفاً
الحجب عما يشجيه وهو اغتراب الشاعر ومكوثه على أعتاب الذكرى
التي تشعل فتيل الوحشة في روحه . ويحلو للشاعر في قوله (غريباً
صرت يا أمي ) أن يكرر أصداء السطر الشعري السابق إمعانا
منه في التوغل إلى أجواء الاغتراب والوحشة وتمهيداً للكناية
التي يختم بها مقطعه الشعري وقد شعت من قوله (ظلام كله دربي)
حيث يسحب الشاعر أشجانه من عمق الماضي إلى رحاب الحاضر والمستقبل
مفيداً من إيحاءات اللفظ ( دربي ) الذي ينم عن مجمل حياته
المصطبغة بدجنة الليل وحلكة ظلامه . ويعزز لفظ (كله) أجواء
الاشتمال والإحاطة التي تنفي وجود بارقة أمل تضيء حندس غربته
وإذا كان الشاعر قد كرر نداء الأم ومناجاتها عبر أكثر من
صيغة ( يا أماه ، يا أماه ، يا أمي ) فلأنها تخفف من غلواء
احساساته الممضة ويفرغ من خلال حرف المد الألف والهاء في
آخرها أو حرف المد الياء آهاته الساخنة .
د. وجدان الصائغ
أعلى
في أحدث روايات الليبي خليفة حسين مصطفى
( متاهة الجسد ) .. معانقة الواقع بلغة شعرية وأسلوب سردي
مكثف
طرابلس - أ ش أ : فى روايته
السابعة (متاهة الجسد) الصادرة حديثا عن مجلس الثقافة العام
بليبيا يبدو الكاتب الروائي الليبي خليفة حسين مصطفى أكثر
تحررا من أسر التاريخ واهتماما بالواقع المعاصر بكل إيقاعاته
ومعطياته ومتطلباته الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.
وهذا التوجه الجديد من الكاتب لمعانقة الواقع وسعيه الجاد
لتصوير التغييرات والتطورات المتلاحقة التي شهدها المجتمع
الليبي في العقود الأخيرة والذي يأتي بعد انشغاله لفترة
طويلة في أعماله الأدبية الروائية السابقة بتسجيل ورصد مراحل
زمنية معينة وقديمة من التاريخ الليبى شملت فترتى الهيمنة
التركية والاستعمار الإيطالي وما أعقبه من تداعيات سلبية
شكل النفوذ والسيطرة الأجنبية أبرز ملامحها ع يظهر بوضوح
فى أسلوب معالجته للمضامين وللقضايا الاجتماعية في روايته
كما في تناوله لشخوصها الإنسانية المختلفة والتي تبدو أكثر
تحررا في التعبير عن نفسها بعيدا عن التدخل المباشر للمؤلف.
الرواية التى تتمحور فى مجملها حول علاقة حب قد تبدو غريبة
فى أجوائها وأسبابها كما فى نتائجها و تربط بين موظف بسيط
فى إحدى الدوائر العامة وبين زميلته الرائعة الجمال و تبرز
بعمق خفايا النفس البشرية بكل ما يعتمل فيها من مشاعر وأحاسيس
متناقضة إلى جانب اهتمامها بتصوير حياة المدينة وإظهار ما
تتسم به من صراع وتنافس من خلال المقارنة ولو جزئيا بينها
وبين القرية الوادعة التي يولد ويعيش فيها بطل الرواية قبل
انتقاله لاستكمال دراسته الجامعية بالمدينة الكبيرة.
الرواية والتى اتسمت بلغتها الشعرية وأسلوبها السردى المكثف
وتنوع شخصياتها شكلت وبغض النظر عن نهايتها التى تبدو شديدة
الغموض نقطة تحول مهمة فى مسيرة خليفة حسين مصطفى على مستوى
الأسلوب والتقنية الأدبية كما على مستوى التوجه نحو تناول
قضايا الحياة المعاصرة بكل جوانبها الإيجابية والسلبية.
أعلى
حدث بجوار البحر
مزرعة ولد السيح
1 ـ أشجار الليمون
من أتوا بعدنا أخذوا بالريح
التي هبت في غير وقتها دليلا ليفسروا ما حدث على أنه لعنة
تكاثفت علينا من الذنوب التي اقترفت ذلك العام إذ لا يعقل
أن تتحول الأوراق الخضراء إلى زريبة للحشرات السوداء دون
أن يكون هناك ذنب هز عرش الرحمن وقالوا في أكثر من مجلس
الذنوب أحرقت الليمون في مزرعة " ولد السيح "
.
وحدنا نحن من عايشنا في صبانا الباكر كل ما حدث في هذه المزرعة
لم نلاحظ تغييرا كبيرا لنفسر به ما حل بأشجار الليمون في
المزرعة ورأينا في الريح التي هبت ذلك المساء وما صادفها
من سقوط أمطار غزيرة في غير موسمها قدر وتقلب من السماء
وأخبرنا من حضر مجلس " جدي عبدالله " بأصوات متقاربة
أنها لم تغير شيئا على موسم الليمون فعندما أزهر قمر السماء
تلك الليلة رأينا أزهار الليمون تزهر ، بدت كوجوه الحور
بشعاعها في ذلك الليل رونقا وجمالا فيما كانت رائحتها تشبه
الماء المعطر المعتاد الذي طافت به " أمي شيخه "
على كل شجرة ومن خلفها سار " أبو سالم " بمجمر
اللبان المقروء عليه بالمعوذتين لإبعاد الحاسدين والعيون
التي لا تشبع حتى من التراب.
وعندما سألنا أكثر من صوت
- لماذا احترقت أشجار الليمون هذا العام بالذات ؟
بقينا نحوم حول احتمالات لا نستطيع أن نرجح أيامها أيا منها
كان السبب الحقيقي وإن كانت صورة " ولد السيح "
وفطامي " وأم سالم " أصبحت أشد وضوحا في أذهننا
.
أمران بقيا راسخين في أذهاننا في تلك الفترة من الطفولة
، شخصية أبو سالم التي ربطتنا بالمزرعة في المواسم المختلفة
وخاصة في موسم أثمار أشجار الليمون الذي يبدأه أبو سالم
باستعداد محموم فيأخذنا لجمع السماد للأشجار المورقة ، وتكون
مرابض الإبل هي الأماكن المعهودة لنا عندها فقط يطيب"
لأبي سالم" أن يجرب معنا كل ما يعرفه من حيل"
البيادير" فإذا حدث وانقطع نعل أحدنا قام بجدل حبل
من ليف النخل وربط النعل أو صنع لنا نعلا من " كرب
النخيل " وإذا حدث ووخزته شوكة يأخذ قبضة من الهرم
ويفرك مكان الجرح دون أي مبالاة تذكر بالدم النازف .
أربعون غرسه من الليمون العماني غرسه "أبو سالم "
منذ أصبح " بيدارا" في أرض " ولد السيح "
قبل عشرين عاما أحبها كحبه لابنه سالم الذي دفنه قبل أن
يكمل عامه الأول ووصف لنا يوما معلقة عيناه على الزهر الأبيض
: هذا اللومي شقيق الروح .
بقي الأمر الثاني معلقا دائما على لسان أهل القرية كل يصيغه
كيف يشاء لو ما الحاجة ما اشتغل أولادنا في هذي المزرعة
.. الشيفة شيفة والمعاني ضعيفة . من يشوف أبو سالم في بيته
ما يصدق انه هو اللي في المزرعة فوق هذا كله بخيل عن اليوم
بالنص ريال فيه ناس ما يعرفوا حق النعمة .
2ـ ولد السيح
الرجل صاحب العمامة الحمراء
والذي رأينا " أبو سالم " يرحب به بشكل مبالغ
فيه ونحن صغار تحت شجرة الليمون كان ولد السيح ذاك اليوم
انتظرنا فوق المنامة"1" إلى أنهى " سعيد
" ضرب الليمون بالعصا المأخوذة من شجرة الزيتون والخاصة
بهذا الغرض واستمع إلى تعليمات " أبو سالم " لنا
في تصنيف ثمار الليمون الذي انتهينا من جمعه دون أن نرى
تغييرا كبيرا على قسمات وجهه اللومي الناضج خلوه في جانب
وهذا يوصل اليوم السوق العصر واللي ما نضج يكون في جانب
والمشقوق خلوه في الشمس.
لاحظنا دائما أن ابتهاج " أبو سالم " بقدوم "
ولد السيح " كان مشوبا باصفرار يعلو وجهه ونراه في
حركاته التي تبدو مضطربة وان كانت كلمات الترحيب وشرح التطورات
في المزرعة تكون غطاء لذلك كله .
يعرف من يحفظ قلبه أول زيارة " لولد السيح " إلى
البحر أنها تبدأ بتذوق أول ثمار أشجار الليمون تنتهي بأسبوع
يقضيه في بيت " أبو سالم " ، ويتكلمون دائما بشبه
تأكيد عنه ما كان من أهل البحر ، بس البحر كان دوا له .
ويضيفون أن الرجل كان صاحب مال وجاه ، جاء إليهم من الصحراء
البعيدة وطلب منهم العلاج عن مرض لم يعرفوه ولكن "
أمي شيخة" نظرت إليه وقالت" لأبي سالم "
الذي كان صاحب بحر في تلك الأيام دوا الرجل بلحم" الغيلم
" وخبز " بيض سمك البربر . (2)
ويقولون إنه اشترى هذه المزرعة حتى تكون له سببا لزيارة
أهل البحر وأنه أكرم " أبو سالم " الذي استضافه
في بيته فترة علاجه بخيراتها ولم يرجع إلي
" السيح " إلا عندما قال له " جدي عبدالله
" المولود في السيح يغرق في البحر . فرد عليه "
ولد السيح " في فهم كامل لقصده وراعي البحر يضيع في
السيح . بس يا " عبدالله " من عاش قريبا من البحر
صار في روحه شئ منه ولم يعرف عنه أهل القرية بعد ذلك منه
إلا هذه الزيارات السنوية في موسم الليمون والتي أكملها
ابنه من بعده في ذلك الموسم الذي يسمونه هنا ( موسم احتراق
مزرعة ولد السيح )
3 ـ الِمنامة
من على "المنامة "
الكبيرة التي صنعها من "الدعون" وجعلها مكان استراحته
ومراقبة نضج ثمار الليمون يصبح " أبو سالم "في
ليلة قطف الليمون إنسانا آخر ، حيث يكون السهر ثالثنا معه
يبدأ حديثه مشيرا طويلا إلى شجرة الليمون الكبيرة مكان شجرة
الليمون هذي كانت نخلة من " الخنيزي" ثمارها من
الذهب . نطالعه جميعا والارتياح باد على وجهه بعد موسم سيختتم
غدا بجني الثمار . يسند رأسه للوسادة التي تكون الشاهد الوحيد
على استخدامه " المنامة " للنوم بينما تبقى اللبان
المعطر وأكياس الملح التي ينثر منها قريبا من أشجار الليمون
مستعيذا " برب الفلق من شر ما خلق " دليل على
توجسه الدائم على الثمار . ويكمل لنا طاويا ظلام الليل منتظرا
الصبح بأنفاس قريبة تحرس الثمار الناضجة أن صرمه الخنيزي
تلك أخذها " الهام ""3" ونزل بها سابع
أرض ولم يبق منها غير شجرة اللومي كبيرة هذي وتزيد حدة نظرته
وكأن الهام أمامه والله ما يقدر أبدا يلمس شجرة االلومي
.
قبيل شروق الشمس يخيل إلينا أن أبو سالم يقيس بنظراته حتى
حبات الندى المتبقية على ثمار الليمون ويبقى في ذهابه وإيابه
من شجرة لأخرى إلى أن يرفع يده إلى سعيد الممسك بعصاه الغليظة
ألحين اضرب يا سعيد ويضرب
" سعيد " بابتسامة " أبو سالم " التي
تعلن عن انقضاء موسم موفق جدا .
أعلى

صوت
يموت الفنان .. ويبقى فنه
"75" عاما من العطاء
في ميدان الفن التشكيلي .. "80" معرضا شخصيا ..
"67 " معرضا جماعيا .. "18 ألف" لوحة
تشكيلية .. واسطة العقد "الأعجوبة" التي قدرت
بمليون دولار .
.. الحقيقة أنه ليس من المنطقي التعامل بلغة الأرقام مع
دفقات شعورية نسجتها الخطوط والألوان ، لكن الأمر يختلف
مع فنان عربي امتلك ناصية الإبداع بـ"ثالوثه"
الطلاقة والمرونة والأصالة فاستحق أن نتعامل مع عبقرية انتاجه
وغزارة فنه بكافة اللغات الحية وغير الحية ، وأن نرثي برحيله
عن عالمنا ـ الأسبوع الماضي ـ عصرا من الاشعاع الثقافي والفني
والتوهج الفكري .
كان التشكيلي المصري الراحل صلاح طاهر ومضة من ومضات حقبة
فكرية وثقافية وفنية في مصر المحروسة أنارت بشعاعها العالم
العربي بأكمله في بداية القرن المنصرم ووجدت لها تصنيفا
زمنيا لدى المؤرخين باسم "عصر التنوير" . ففي
هذا العصر الخصيب كـ"نيل المحروسة" كان مخاض الابداعات
الفكرية والأدبية لطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم
، والابداعات التمثيلية والغنائية ليوسف بك وهبي وأنور وجدي
وليلى مراد وأم كلثوم وعبد الوهاب وأسمهان والابداعات العلمية
للدكتور علي مصطفى مشرفة "شارح نسبية أينشتين"
و الابداعات التشكيلية لمحمود مختار ومحمود سعيد ويوسف كامل
.... ووسط هذا المناخ الصحي ارتوى بستان التشكيلي لصلاح
طاهر بعبق هذا الزمن الجميل وترعرع في النصف الثاني من القرن
العشرين فأنبت زهرات من التجديد دخلت بالفن التشكيلي العربي
من مرحلة الكلاسيكية الى التجريد .
بين أصالة البيئة والرغبة الجامحة في التحديث ،عزف فناننا
الراحل بريشته سيمفونيات حولت افكاره بنت بيئته الأصيلة
الى شخوص من دم ولحم وأعصاب بلمسة صوفية تنأى عن تفاصيل
الجسد.. إنه درب الأصالة الذي سار عليه ببراعة رغم تعليمه
في الولايات المتحدة فنجح في أن يحلق بالفن العربي عاليا
ليعانق به أفلاك العالمية بجائزة "جوجنهايم"الرفيعة
للإبداع الفني ، حتى قال عن أعماله الفنان النحات العالمي
هنري مور إنها تمثل روح مصر .
.. ومن أحق بأن يكون روح مصر "قلب العالم العربي"
من فنان لم ينغلق على فنه ، وأبى إلا أن ينال حظا من الثقافة
والعلوم الإنسانية ، وأن يتتلمذ على يد عملاق الفكر العربي
عباس محمود العقاد ـ الذي لم يكن يعجبه العجب ـ وطلب منه
أن يرسم لوحة تجسد خيانة حبيبته فأبدع له لوحة تعبيرية تصور
كوبا من العسل وقد تساقطت به الصراصير.
.. ومن أحق بأن يكون روح مصر"قلب العالم العربي"
من فنان تمرد على شريحة الألوان وفرشاة الرسم ، وجعل من
تفجير الصخور لبناء السد العالي قبلته ومصدر إلهامه لتمتعنا
تجربته الابداعية بـ"تجريدية" من نوع خاص .. هي
في واقع الأمر بنت مرحلة مد ثوري تفاعل فيها التجديد الفني
مع المد الثوري لتتجسد منظومة الفن للمجتمع في أعماله .
.. ومن أحق بأن يكون روح مصر"قلب العالم العربي"
من فنان رفض احتكار التلفاز للوقت والسمع والبصر وتعطيله
لتلك الحواس ، وسار على درب العطاء الفني بعيدا عن أضواء
الكاميرات ومكبرات الصوت ، وأبى إلا أن يخاطب الروح الوجدان
بـ500 لوحة سافرت بين الهاء والواو حروف كلمة (هو) بما رأى
فيها من موسيقى روحانية تخلب القلوب والألباب .
.. ومن أحق بأن يكون روح مصر"قلب العالم العربي"
من فنان قال : " لا أخاف الموت .. إنه ينهي الحياة
لكنه يخلد المبادئ ، فالموت يمكن تجاوزه ما دمنا
قد حققنا أنفسنا ، وأعترف أن الصعود كثيرا جدا لا يقدم أجمل
المناظر ولكن رؤية العالم من وسط الارتفاعات يكون أكثر بهاء
وأوضح رؤية " .
مات الفنان الذي لم يخف الموت لأنه أيقن بأن الفنان يموت
وفنه يبقى .. مات صلاح طاهر بعد أن كتب اسمه بحروف من نور
في كتاب الخالدين كأحد رواد للنهضة التشكيلية العربية المعاصرة
ورمز من رموزها قلما تجود مسيرة الإبداع التشكيلي بمثله
.
علاء حموده
alaahomouda@yahoo.com
أعلى