كلمة ونصف
رد وزارة الإسكان والكهرباء والمياه على مقال (فواتير المياه نار)
بداية نشكر جريدة الوطن على جهودها في تسليط
الضوء على كل ما يخدم مصلحة هذا البلد المعطاء في ظل القيادة الحكيمة
لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه
ـ ومن هذه المواضيع مقال بعمود كلمة ونصف للكاتب علي بن راشد المطاعني
بعنوان (فواتير المياه نار) وذلك يوم الثلاثاء بتاريخ 19/9/2006م
الموافق 26 شعبان 1427 هـ عدد (8459) والوزارة تشكر صاحب المقال
وتود أن توضح الحقائق التالية:
1 ـ إن خدمات المياه تديرها الوزارة مباشرة وليس هناك شركات خاصة
تقوم ببيع المياه .
2 ـ تقوم الوزارة بالتعاقد مع الشركات الخاصة لأعمال التشغيل والصيانة
وقراءة العدادات وإعداد الفواتير فقط وهذه الشركات تخضع للإشراف
اليومي المباشر من قبل المتخصصين بالوزارة .
3 ـ الضغط التشغيلي في شبكات توزيع المياه بالخوض والحيل حسب المواصفات
التي تمليها طبيعة المنطقة الجغرافية علما بأن المياه تنساب إلى
شبكة التوزيع عن طريق الجاذبية من خزانات التوزيع الموضوعة في مواقع
مناسبة في كل منطقة ولا يوجد ضخ مباشر يؤدي إلى ارتفاع الضغط في
المنطقتين المذكورتين أما شبكة الموالح التي أشير إليها في المقال
كذلك، فهي ما زالت قيد التنفيذ.
4 ـ سعر جالون المياه 2 بيسة للجالون حتى 5000 جالون في الشهر وما
زاد على ذلك فيحسب بقيمة 20 بيسة للجالون كما ورد في المقال .
5 ـ نتفق مع كاتب المقال بأن المياه خدمة أساسية للجميع ومن المهم
توفيرها بسعر مناسب لكل فئات المجتمع وعليه فهي مدعومة من قبل الدولة.
وبناء على ما جاء أعلاه فإن هذه الوزارة تعزي أسباب ارتفاع فواتير
المياه إلى ثلاثة أسباب رئيسية كما يلي :
1 ـ تسرب المياه من التوصيلات الداخلية بالمنزل نتيجة عدم الصيانة
والحرص على استخدامها في الوقت المناسب .
2 ـ عدم الترشيد والحد من الاستهلاك غير الضروري وتوجيه الأطفال
بالمنزل إلى عدم هدر المياه .
3 ـ القراءة الخاطئة لعداد المياه .
ولحل هذه المشكلة، نرى أن تتضافر جهود المشترك مع جهود الوزارة للحد
من ارتفاع فواتير الاستهلاك، فالوزارة سوف تقوم بمتابعة دقيقة لشركة
قراءة العدادات وإعداد الفواتير وعلى المشترك أن يولي عناية خاصة
لصيانة التوصيلات المنزلية ومراقبة الاستهلاك.
هذا ولا بد من الإشارة إلى أن هنالك قسما لخدمات المراجعين بالمديرية
العامة للمياه يعنى بجميع شكاوى المواطنين المشتركين وعلى المشتركين
الذين يعانون من ارتفاع استهلاك المياه التوجه إلى هذا القسم ودفع
الرسوم المحددة لفحص العداد ومن ثم سوف يتم فحص العداد وإعادة محاسبة
المشترك وإرجاع الرسوم التي دفعها في حالة ثبوت صحة شكواه .
ختاما نشكر جريدة (الوطن) وكاتب المقال على اهتمامهم بقضايا المواطنين
ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لخدمة هذا الوطن العزيز تحت القيادة
الرشيدة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه
الله ورعاه ـ .
المحرر
نشكر وزارة الإسكان والكهرباء والمياه على تواصلهم مع ما ينشر في
الجريدة، والتفاعل مع هموم المواطنين، وإيمانا منا بدور الصحافة
في احترام الرأي والرأي الآخر، ننشر هذا الرد وإن كان جاء متأخرا
فرغم أن المقال نشر في 19/9/2006 م إلا أن الرد جاء متأخرا والذي
تجاوز الفترة المحددة للرد وهي في قانون المطبوعات والنشر أسبوعان
من تاريخ النشر .
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

اصداف
المعتقلون في العراق ـ 9 ـ
عندما نتحدث عن هذا السلوك الشاذ والغريب،
الذي تمارسه الاجهزة الامنية العراقية بحق العراقيين، فإن ذلك لا
يعني توقف قوات الاحتلال، عن ممارساتها البشعة بحق العراقيين، فالطرفان
يواصلان حملات الاعتقال والتعذيب والقتل، ولا بد من الحديث عن ازدياد
اعداد المعتقلين الذين يقعون فريسة القوات الاميركية والبريطانية
وغيرها، ومع ان الرأي العام العراقي اتجه الى الحديث وعلى نطاق واسع
عن ممارسات الاجهزة الامنية العراقية، إلا ان الواقع يتحدث عن اعتقالات
كثيرة، تحصل بصورة يومية، في مناطق كثيرة من العراق، وعندما تنفذ
القوات الاميركية عمليات امنية شبه يومية، مثل (المطرقة الحديدية)
و(بوابة النهر) و(لدغة الافعى) و(الغصن المتسلق) وغيرها، فإن المئات
من الشباب العراقيين، يقعون تحت سطوة الاعتقال العشوائي، اذ تقتاد
قوات الاحتلال الشباب والرجال واحيانا حتى الاطفال والشيوخ، من داخل
بيوتهم وتضع الكيس الاسود على الرؤوس وتقيد الايدي، ومنذ الدقائق
الاولى يبدأ مسلسل الاهانة والضرب والاذلال، ثم تتواصل عمليات التعذيب
والاستجواب، التي تبدأ مراحلها داخل المعسكرات الاميركية وفي القواعد
التي تتخذ منها هذه القوات مقرات لها.
يتحدث الكثير من المعتقلين، الذين امضوا سنوات او اشهرا في الاعتقال،
عن ابشع ممارسات التعذيب في المعسكرات الاميركية، وبينما يتمحور
التحقيق مع الكثيرين منهم حول معلومات المعتقلين عن رجال المقاومة
العراقية، ويحاول المحققون الحصول على اية معلومة، تقود الى اعتقال
المقاومين، فإن هناك الكثير من الشباب، يتعرضون الى الاهانة والتعذيب،
دون ان توجه إليهم اية تهمة.
لذلك فإن هؤلاء يخرجون بقناعة ثابتة، مفادها ان الاميركيين يريدون
ممارسة اوسع وابشع انواع الاذلال والاهانة بحق العراقيين، ما يعني
ان مشروع الاحتلال الاميركي للعراق، لا يتوقف عند حدود الوجود العسكري
من خلال الدبابات والقواعد والحشد الكبير لجنود المارينز، وانما
يذهب الى ما هو ابعد من ذلك بكثير والمتمثل بتدمير الروح الانسانية
والاجتماعية والدينية عند العراقيين، تأسيسا لتشكيل بنية اجتماعية
وحياتية جديدة، تتساوق واهداف المشروع الاميركي، وتختلف تماما عن
تلك التي يعيشها العراقيون.
ان الحقيقة الثابتة، تذهب باتجاه آخر، وهو ما أثبتته الايام، اذ
ان العراقيين، الذين يخرجون من المعتقلات الاميركية، يزدادون تمسكا
بعاداتهم وتقاليدهم ودينهم وارضهم، ويزدادون حقدا على المحتل وارادته،
وهناك آلاف القصص التي تؤكد ذلك بالادلة والبراهين.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب ـ جدار بغداد
wzbidy@yahoo.com
أعلى

في الموضوع
حتى تبقى مهيمنة
تصنع الدول الكبرى سياساتها على النحو الذي
ترى أنه يحقق مصالحها، ولا يهمها أن تكون هناك أسباب حقيقية لتبرير
إجراءات سياسية معينة، فكل ما يهم هو وجود المصالح، والمصالح تستدعي
التحرك بشكل معين، ومن ثم تبدأ عملية البحث عن مبررات مقبولة، ويكفي
ذلك لتحقيق الغرض المطلوب في الأمد القصير، لكي يبدأ التحرك السياسي
لحماية المصالح، ويخلق ذلك التحرك أمرا واقعا جديدا، لا يهم أن يظل
حاكم معين في السلطة لمتابعته، فالمصالح الدائمة تفرض على أي حاكم
رعايتها، ويتضمن ذلك ـ بواقعية السياسة ـ الانطلاق من نقطة الأمر
الواقع الموجود، والاستمرار فيما بدا، حتى تنشأ ظروف أخرى تفرض تغيير
المسار، لكن ذلك يظل في حدود الحفاظ على المصالح الدائمة للدول.
وفي الوقت الذي تستمر فيه سياسات معينة، بغرض الحفاظ على مصالح محددة،
تعمل مراكز الدراسات في تلك الدول الكبرى على طرح خيارات عديدة من
السياسات البديلة، تصب كلها في خانة الحفاظ على المصالح، يأخذ منها
الحاكم ما يراه متفقا مع رؤيته لمتابعة مهمة الحفاظ على مصالح بلاده
وتطويرها.
هذا هو ما يحدث، بالتحديد، في الولايات المتحدة الأميركية، فهناك
مصالح ثابتة تتمثل في الحفاظ على زعامة واشنطن للعالم الغربي، وتحقيق
توازن لمصلحة واشنطن والغرب في مواجهة أي قوة عالمية أخرى ـ على
النحو الذي ساد في وجود الاتحاد السوفييتي ـ والهيمنة على الشؤون
العالمية في غياب مثل هذه القوة ـ على النحو الذي يجري الآن ـ مع
العمل على إعاقة حصول أي دولة كبرى ـ أو أي تجمع دولي ـ على قدرات
تمكنها من تحدي الزعامة الأميركية، على النحو الذي يحدث الآن في
مواجهة كل من روسيا الاتحادية والصين، وكذلك الاتحاد الأوروبي المنضوي
في إطار التحالف الغربي. وتختلف أساليب التعامل مع كل طرف ـ حسب
وضعه في المعادلة الدولية ـ فالمواجهة مع روسيا ربما تأخذ صورة أكثر
حدة، بسبب الخلفية التاريخية للحرب الباردة، وإحساس موسكو في عهد
بوتين بضرورة استعادة جزء من وضعها السابق. وفي حالة الصين يتم اتباع
النهج الاقتصادي والاستفادة من اجراءات الانفتاح هناك، مع العمل
على احتواء زخم الميزات التجارية، وتشجيع توجهات تخفيف القبضة السياسية
الشمولية على شؤون الصين. ومع الاتحاد الأوروبي يجري استخدام الترغيب
بالشراكة في الغنيمة، اعتمادا على تقاليد الروابط التاريخية والممارسات
الاستعمارية المشتركة، وكذلك على الواقعية السياسية لدى الدول الأوروبية،
التي تفرض احترام القوي والحرص على التقارب معه، باعتبار أن ذلك
من أسس تحقيق المصالح الجزئية في الإطار الكلي، حتى يحفظ ذلك لحمة
التحالف الغربي في مواجهة الآخرين.
على صعيد المصالح تظل هناك أهداف ثابتة، فهناك حاجة للسيطرة على
نفط منطقة الخليج ما دام يتدفق من أرضها. ولا ترجع ضرورة هذه السيطرة
للحاجة إلى النفط كمصدر للطاقة فقط، وإنما أيضا لتأمين عدم الاستفادة
بعائداته كأساس لبناء قدرات عربية جماعية، تحشد قدرات المنطقة بطريقة
تحميها من الهيمنة الغربية، أو تمكنها من تحقيق توازن يحتوي التهديد
الإقليمي الإسرائيلي ـ الذي يعتبر إحدى القواعد الغربية المتقدمة
في المنطقة ـ ومن ثم تنشأ المصلحة الثانية في حماية وجود إسرائيل
واستمرارها، والضغط على العرب، وغيرهم، للاعتراف بها، وإقامة علاقات
طبيعية معها. ويستدعي تحقيق هاتين المصلحتين، تحجيم أي دور دولي
خارجي آخر، يمكن أن يؤثر على الرؤية الغربية للمصالح في المنطقة.
ويعني ذلك مقاومة نفوذ كل من روسيا والصين في المنطقة العربية وما
يجاورها، وإثارة شعوب المنطقة ضدها بصور مباشرة وغير مباشرة، حتى
تظل العلاقات معها في الحدود المقبولة، التي لا تمثل خطرا على المصالح
الغربية. ويلزم في هذا السياق، توزيع الأدوار على دول التحالف الغربي،
لكي تضطلع كل منها بمهام محددة، تصب كلها ـ من خلال تعاون دقيق ـ
في مسار تحقيق مصالح الجميع، على أساس مبدإ "اقتسام الغنائم".
ويتطلب ذلك من دول التحالف الغربي، الاجتهاد في إثارة الفرقة والخلاف
بين الدول العربية، والإساءة للعلاقات بينها وبين جيرانها القريبين
منها، ابتداء من تعزيز مفهوم الدولة "القطرية" وسيادتها،
وإثارة الحساسيات تجاه الدول العربية الكبرى، وتوريط هذه الدول في
أخطاء تخلق سوابق تاريخية تؤكد هذه الحساسيات؛ مثل غزو العراق للكويت.
أو توعز لإيران بأهمية الاحتفاظ بالجزر الإماراتية الثلاث، في الوقت
الذي تتدخل فيه الدول الغربية ـ من خلال أوسع تحالف دولي ممكن ـ
لتحرير الكويت، أو بعقد اتفاقات دفاع مشترك مع الدول الصغيرة لتأمين
حمايتها من خطر تهديد استقلالها وسيادتها، حتى تظل الدول الغربية
ـ البعيدة جغرافيا، وصاحبة الذراع القوية الطويلة ـ هي الأقرب لهذه
الدول، فلا تثير حساسيات مثل تخوف من اقتحام حدودها، وتتمكن من السيطرة
عليها من داخل عقل الحكم فيها، وتحصل على حق الاحتفاظ بقوات عسكرية
على أراضيها، وبذلك يتحقق لها الاحتلال باسم توفير الحماية.
ولكي تتحقق أهداف الدول الكبرى، يجب أن يظل الإحساس بالتهديد مسيطرا
على الدول التي لها مصالح في أراضيها، ولا يهم أن يكون مصدر هذا
التهديد داخليا أو خارجيا، ولذلك يجب إثارة المشكلات لها في الداخل،
حتى يتفاعل ذلك مع التهديدات الخارجية، ويضمن خضوعها بشكل كامل.
وفي الوقت نفسه، فإن الدول الكبرى هذه، تفتح خطوط اتصال مع مصادر
التهديد في الداخل والخارج، يكون الهدف الحقيقي منها اختبار مدى
قوة وفعالية كل منها، وتحديد درجة خطرها على مصالحها، أو إمكانية
عقد صفقات مع بعضها، واستخدامها أدوات للضغط على نظم الحكم التي
تزعم صداقتها وتوفير الحماية لها، حتى تظل تلك النظم تحت هيمنتها
الكاملة، وكذلك تعد بعض هذه القوى ـ إذا أمكن ذلك ـ لتكون بديلا
لبعض نظم الحكم الضعيفة التي لا تحظى بتأييد شعبي في بلادها، لأن
استمرار دعمها يصبح عبئا عليها وخطرا على مصالحها.
المشكلة هنا، هي أن كثيرين من "أصدقاء" الدول الكبرى،
أو "صنائعها" و"أتباعها" لا يفهمون هذه الحقائق
الواضحة، ويتجاهلون كيف تعاملت الولايات المتحدة الأميركية، مع كل
من شاه إيران محمد رضا بهلوي، ومع الديكتاتور الفلبيني السابق فرديناند
ماركوس، بعد خلعهما من السلطة. فلم تقبل لجوءهما إلى أراضيها، وتركتهما
طريدين.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى

اقول لكم
طعام لكل فم
ضفاف الأنهار كانت موطن الحضارات الانسانية
الأولى لارتباطها بالزراعة وانتاج المحاصيل الضرورية للغذاء، والزراعة
تقترن دائما بتوفر كميات المياه اللازمة للري، وفي القرآن الكريم
كثيرا ما توصف المزرعة بالجنة، بدلالة واضحة على معاني الخير والوفرة،
وحياة العمانيين ترتبط تاريخيا بالزراعة وبنظام الأفلاج الفريد للشرب
وري المزروعات، ورغم تنوع مصادر الدخل الوطني وكون النفط مصدره الأساسي،
تبقى الزراعة بمعناها الواسع مصدرا حقيقيا متجددا لا ينضب للثروة،
والطعام المنتج محليا يكفي كل الأفواه ويمثل خط دفاع غذائي لا ترتهن
فيه اللقمة بتقلبات الأسعار العالمية أو بأهواء السياسة.
ولكل هذا تنعقد ندوة التنمية المستدامة للقطاع الزراعي في رحاب المخيم
السلطاني السامي بسيح الراسيات، تنفيذا للأوامر السامية لحضرة صاحب
الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بهدف
تعزيز مساهمة القطاع الزراعي في الدخل الوطني، وتوفير مختلف حاصلاته
ومنتجاته لتغطية احتياجات السوق المحلي، وتصدير فوائض بعض المحاصيل
العمانية ذات الميزة النسبية مثل التمور وغيرها، واستيعاب أعداد
أكبر من الأيدي العاملة الوطنية في مختلف المجالات الانتاجية والتسويقية
في هذا القطاع الحيوي، وترشيد استخدام موارد المياه المتاحة.
وأهمية هذا الموضوع هي ما أهلته للرعاية السامية، فالأرض والفلج
هما مصدر الأمن الغذائي في جميع الأوقات، والأنشطة المكملة كالرعي
وصيد الأسماك تضاعف من الشعور بالأمان والاكتفاء الذاتي خصوصا في
أوقات الطوارئ، وثمار نخلة عمانية مع كوب حليب محلي يمثلان وجبة
غذائية مكتملة العناصر، ولأن الأرض العمانية ـ أخيرا ـ لا ترتوي
إلا من عرق جباه وسواعد أبنائها .. هؤلاء الذين يدركون قيمتها الحقيقية
في الحاضر ولأجيال المستقبل، فيتعاملون معها برفق .. وحب!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

3 أبعاد
رعاة البقر
قبل حفنة من السنين كانت المساعدات الأميركية
للبنان تقاس بعدد الأبقار التي ترسلها الولايات المتحدة للمزارعين
اللبنيانين لاستحلابها. وكانت الأبقار جزءا من برنامج مساعدات اميركي
رسمي يقوم على اللحم واللبن والحليب. اليوم تبلغ المساعدات الأميركية
للبنان ملايين الدولارات فضلا عن المساعدات العسكرية التي تستهدف
دعم حكومة ترى واشنطن انها تتعرض للتهديد من بعض جارات لبنان وبالتحديد
سوريا وايران.
مؤخرا تعهدت الحكومة الأميركية بحوالي 770 مليون دولار للبنان في
مؤتمر الدول المانحة في باريس والذي جمع للحكومة اللبنانية اكثر
من سبعة بلايين دولار. هذه الأموال تأتي اضافة الى 230 مليون دولار
تعهدت بها واشنطن في اعقاب الحرب بين اسرائيل وحزب الله في الصيف
الماضي.
وفي الأسابيع الأخيرة قدمت واشنطن لحكومة فؤاد السنيورة معدات عسكرية
منها مركبات همفي. وفي مجال التحريات ينشط مكتب الـ(اف بي آي) الأميركي
او مكتب التحريات الفيدرالية في مساعدة الحكومة اللبنانية في التحقيق
في اعمال العنف والاغتيالات في لبنان.
قارن هذه المساعدات والأموال بما كانت الولايات المتحدة تقدمه للبنان
حتى العام 2005. في ذلك العام لم تتجاوز قسمة هذه المساعدات 35 مليون
دولار سنويا كانت تخصص في معظمها لمشروعات تنموية فضلا عن بعض انواع
التدريب العسكري وطبعا لا ننس ابقار الحليب.
الولايات المتحدة تتهم كلا من سوريا وحزب الله بمحاولة الاطاحة بحكومة
السنيورة التي تواجه بدورها اتهامات بأنها ربيبة واشنطن. وفي الوقت
نفسه تخشى الحكومة الأميركية توسع النفوذ الإيراني في المنطقة وخصوصا
في العراق حيث تتواجد القوات الأميركية بأعداد كبيرة. لكن واشنطن
تتجاهل حقيقة ان حرب الصيف الماضي في لبنان والتي ايدتها الحكومة
الأميركية بقوة في بادئ الأمر، هي التي اسهمت فيما يواجهه لبنان
اليوم من صعود نفوذ حزب الله واندلاع مؤشرات حرب اهلية جديدة في
لبنان. تماما على نحو تجاهل واشنطن لحقيقة ان غزوها العراق بالصورة
التي تم بها الغزو اسهم ايضا في تصاعد النفوذ الإيراني بمعونة من
الولايات المتحدة. حزب الله يسعى الى نفوذ اكبر في لبنان بزيادة
عدد مقاعده في الحكومة الى اكثر من الثلث بمقعد واحد مما سيعطيه
حق الفيتو ضد القرارات الرئيسية التي تتخذها الحكومة اللبنانية.
والسؤال الآن هو هل ستتمكن الولايات المتحدة بهذه المساعدات المتزايدة
من تصحيح اخطاء السياسة الأميركية التي جلبت على لبنان ما يواجهه
اليوم. هذه القفزة الكبيرة في المعونة الأميركية تمثل تحولا كبيرا
في السياسة الأميركية ازاء لبنان. وبدأ هذا التحول في اعقاب اغتيال
رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. لقد خرجت اميركا من
لبنان قسرا عام 1983 بعد هجوم انتحاري ضد ثكنات المارينز في بيروت
مما ادى الى قتل 270 جنديا اميركيا. وايدت الولايات المتحدة اتفاق
الطائف الذي توصل إليه العرب لإنهاء الحرب الأهلية التي دامت من
1975 الى 1990. واليوم تحتاج الولايات المتحدة الى عمل لتحاشي اندلاع
حرب اهلية جديدة في لبنان ناهيك عن الوضع في العراق. المساعدات الأميركية
للبنان امر طيب ويحتاجه الشعب اللبناني ولكن لا بد ان يكون صاحب
القرار في استخدام هذه المساعدات هو فؤاد السنيورة وحكومته وليس
السفير الأميركي في بيروت جفري فيلتمان. واذا كانت واشنطن ستبدأ
حوارا مع دمشق بشأن عشرات الآلاف من اللاجئين العراقيين فلعلها فكرة
طيبة ان يتوسع هذا الحوار لكي يشمل لبنان والعراق والحيلولة دون
اندلاع حرب اهلية في البلدين.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى

باختصار
تفاهم إسرائيلي ـ حزب الله على الحرب
هل هو التزامن ان تسخن جبهة جنوب لبنان مع
وضع يد الدولة اللبنانية على شاحنة اسلحة عائدة لحزب الله؟ .. وهل
هذا التزامن يتجاوز قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني التي
جاءت لمنع تدفق الاسلحة الى ما وراء نهر الليطاني اي تلك المنطقة
بمحاذاة اسرائيل؟ .. هل ان هذه الصور بمجموعها تؤشر الى بعد آخر
يؤشر بناء قاعدته حتى لحظة اكتماله ليبدأ بعدها العد العكسي لحرب
لن يتراجع عنها الاسرائيلي تحت اي ظرف كان، ويتمنى حزب الله وقوعها
في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به الساحة الداخلية كي ينسحب من معركة
سياسية ما زال يراها حتى الآن خاسرة وغير مأمولة النتائج.
خلص الاسرائيليون بشكل نهائي الى مفهوم قدسية الحرب المقبلة اثر
الهزيمة النكراء التي سقط فيها جيشهم خلال حرب يوليو من العام الفائت
ضد حزب الله. يريد الاسرائيلي مداواة جروح تلك الحرب بحرب أخرى يعتقد
انها ستتجاوز حالة النكوص السياسية والشعبية والعسكرية الى: ان يغير
من المعادلة التي انتجتها تلك الحرب فيعيد جيشه الى قاعدته السابقة
التي تقول بعدم هزيمته المطلقة ولو لمرة واحدة امام اي كان في المنطقة
العربية .. ثم يعمد بالتالي الى كسر ارادة حزب الله ان هو هزمه بوضعه
امام نقلة شبيهة بما حدث للفلسطينيين عام 1982 حين اجتاحت اسرائيل
لبنان ووصلت الى بيروت وكان قرارها النهائي اخراج المقاومة الفلسطينية
نهائيا من لبنان، فالاسرائيلي اذن يسعى لانهاء سلاح حزب الله ولن
يتوانى عن قتل قياديي الحزب او ملاحقتهم لاعتقالهم من اجل نقلهم
الى غوانتانامو.
اما حزب الله الذي ارتضى الاعتراف بالقرار 1701 من اجل ضبط وقف النار
كي يخرج سليما منتصرا، فهو الآن امام خيار اصعب من ايام تلك الحرب.
انه يواجه في الداخل حالة كيميائية سوف لا تنتج خليطها سوى المزيد
من التعب له، وكلما تحدث قادته عن لا امكانية لحرب اهلية او فتنة
طائفية تراه يغرق في ملامحها، فليس الدفاع عن الذات سوى جزء من الهجوم
على الآخر، ولكن هذا الدفاع لا يسلم دوما من الغرق في اتون ما يهرب
منه. اذا كان لا بد من الحرب الاهلية كما يتصورها الاميركي والاسرائيلي
وكما خطط لها فمن المعتقد ان حزب الله لن يتمكن من الهروب منها،
وان هي وقعت فسيكون فيها الخاسر الاكبر مهما كانت قدراته القتالية
في الداخل. ففي الحروب الداخلية لا ينجح احد ولا يحسم احد، خصوصا
عندما تكون الحالة فسيفسائية شعبية كتلك الواقعة في لبنان وخاصة
في عاصمته بيروت التي تتداخل فيها الطوائف الى حد بعيد وتكاد ان
تشاهدها حتى في العمارة الواحدة فكيف في الحي والشارع والمنطقة ....
اسرائيل اذن تريد الحرب وتسعى لتقريبها حرصا على ان لا يسقط الثنائي
اولمرت بيريتس من جهة وخوفا من تصاعد الاحساس لدى الجيش بالاحباط
الذي وقع فيه والآخذ بالاتساع والتحول الى نظرية جديدة تلاحقه وتهدد
كيانه واسلوبه الذي اعتمده على مدى اكثر من خمسين عاما وشكل حالة
استراتيجية يصعب التراجع عنها لأكثر من سبب وسبب. اما حزب الله فقد
عكس ميوله الحالية بموجة اقتحام الحدود مع اسرائيل حين فاجأ الاسرائيليين
وقوات الطوارئ بصور شهدائه واعلامه الحزبية اضافة للعلم الفلسطيني
وهي ترفرف في الاعالي في محاولة تحدٍّ وضوحها كامن في التوقيت الملائم
له.
اذن، الطرفان الاسرائيلي وحزب الله يشهران ميولهما حول "اقتراح"
حرب لكل منهما اهدافه الخاصة بها. ولهذا لا تعوز تجديد الحرب سوى
شرارة صغيرة يمكن لها ان تبدأ دوما من مفاجأة او خطوة بسيطة سرعان
ما تكبر مثل بقعة الزيت .. والطرفان على ما يبدو يعيشان حالة تعبئة
لهذه الساعة الآتية كما يصر محللون وعارفون.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

أطياف
هكذا التعامل مع حاسدك (2ـ2)
تكملة لموضوع أمس الذي بدأنا الحديث فيه حول
كيفية التعامل مع من يكرهك ويحسدك ودون أن تضره بشيء يوما أو ربما
لا تعرفه ولم تلقه يوماً في حياتك، ولكن مع ذلك يكرهك ويعاديك..
وتكملة للحديث أقول وأطلب منك أن تتخيل الموقف الآتي وتصور أن الذي
تهاجمه قام يوماً بذكر مساوئ ومعايب عنك أمام الناس وفي حضورك، ولكن
من دون أن يشير إليك أو يذكر اسمك، فماذا أنت فاعل في تلك اللحظة؟
أظن أن الأمر فيه من الصعوبة الشيء الكثير لو قلت لك اصبر وتريث
ولا تهاجمه، أليس للتطبيق. قبل أن تفكر في التصرف، تابع الذي أقوله
لك ثم انظر إن كان منطقياً وقابلاً للتطبيق...
في مثل ذاك الموقف عليك أولاً بالصبر فعلاً وألا تقاومه وتدافع عن
نفسك، بل قم أنت بعمل لا يمكن أن يتصوره معاديك مطلقاً وهو أن تقوم
بتأييده وانتقادك لكل من به تلك المساوئ أيضاً وكأنك لا تعلم أبداً
أنك المقصود، وهو ما سيثير استغرابه. حاول أن تجيب على تساؤلاته
بالتطرق إلى موضوعات أخرى بعيدة عن الموضوع، فإن أصر على الموضوع
وقام بتسميتك هذه المرة وأنك المقصود، فأظهر له استغرابك وأنك كنت
تتوقع أن يكون ذلك مزحاً .. فإن رأيت إصرارا منه، قم بتلطيف الأجواء
عن طريق إجابات طريفة وسرد بعض النكات. وهذا ما سيعمل على إغاظته
وإثارته أكثر فأكثر، فتكون نتيجة ذلك ظهوره بمظهر غير لائق وهو ثائر
غضبان، في حين تكون أنت كقطعة ثلج في صحراء سيبيريا الباردة لا تذوب
أبداً.
في ذلك الوقت سيبدأ الشخص بملاحظة نفسه وأنه ثائر على لا شيء وأن
مظهره بالفعل غير لائق أمام الناس فيبدأ بالميل نحو التهدئة التلقائية،
ومن ثم الوقوع تدريجياً في دائرة الإحراج، بدءاً من الناس الحاضرين
أو منك أنت المكروه.. وموقفك ذلك وطريقة تعاملك معه ستجعله يفكر
مستقبلاً ألف مرة قبل أن يهاجمك أمام الآخرين، وسيدرك أنه ما كان
يجب عليه القيام بذلك منذ البداية، فتراه وقد تركك نهائياً، بل قد
يترك معاداتك وكراهيتك أيضاً، ومن يدري فربما تتحول كراهيته بسبب
موقفك وتعاملك معه إلى صداقة وحب وأخوة لم تكن تتوقعها منه ..
من هنا يتبين أن القوة في المرء هي في كتم الغيظ وضبط النفس، وليست
في الرد بالمثل. فإن الذي يهاجم غيره، يترك دائماً ثغرات كثيرة دون
أن يدرك ذلك، فتكون تلك الثغرات هي منطلقات للهجوم المضاد من الطرف
الآخر إن أراد، ويكون ذلك الهجوم بالضرورة مؤثراً .. ومن ذلك يتعين
على أي فرد منا الابتعاد عن تلك التفاهات وصغائر الأمور، ولا يدع
مجالاً أو مساحة في القلب لكره أحد أو معاداته، فالحياة قصيرة جداً
وأقصر مما يمكن أن تتسع أوقاتها لمثل تلك الأمور .. أليس كذلك يا
سادة وكذلك يا سيدات وآنسات؟
عبدالله العمادي
atyaf_emadi@hotmail.com
أعلى

كل يوم
اتفاق مكة واللغة السياسية الجديدة
لقي اتفاق مكة بين حركتي حماس وفتح ترحيبا
واسعا على الصعيد العربي الرسمي والشعبي ، مثلما أدى إلى أن يتنفس
الناس في الشارع الفلسطيني الصعداء بعد أن حبسوا أنفاسهم لأيام طويلة
خوفا وقلقا من تطورات الاقتتال الداخلي وآثاره الخطيرة .
ولا شك أن الاتفاق هو إنجاز يسجل بالتقدير للعاهل السعودي ولبلاده
بشكل أساسي ، مثلما يسجل للقيادات الفلسطينية التي انحازت إلى ضميرها
الوطني في النهاية واختارت طريق الوفاق والاتفاق على طريق الاقتتال
والسلاح والدم .
لقد دفع الشعب الفلسطيني الكثير من الثمن الباهظ في كفاحه من أجل
حقوقه الوطنية المشروعة واستقلاله وحريته ووحدته . وهو لا يقبل من
قياداته أن تهدر هذه التضحيات في خلافات لا طائل منها ، بل تضر بالمصلحة
الوطنية العليا . غير أن الظروف السياسية والعسكرية والأمنية المعقدة
في الساحة الفلسطينية وأولها وجود الاحتلال واستمراره على مدى يزيد
على نصف قرن وما ترتب عليه من التزامات ونتائج كان بعضها مدمرا للبنية
الأساسية وذهب ضحيتها آلاف الشهداء إلى جانب آلاف المصابين والجرحى
والأسرى .
الأمر الذي يجعل من المستنكر على الفصائل الفلسطينية أن توجه سلاحها
إلى بعضها حتى وإن بلغ الخلاف السياسي بينها مداه ، فيجب أن تبقى
طريق العودة مفتوحة . وما يكشفه هذا الاتفاق الجديد الذي تم في رحاب
الحرم المكي وبرعاية سعودية كريمة ، هو أن الخلافات لم تكن مستعصية
ولم تكن عميقة ، وكان من الممكن لها أن تحل على الارض الفلسطينية
لو أن الطرفين تجاوزا عصبيتهما التنظيمية وردود أفعالهما المبالغ
فيها ، أو فكرا قليلا في الحسابات ربحا وخسارة . كما أن اللغة التي
صاغت الحركتان اتفاقهما بها هي لغة سياسية جديدة ، تجعلهما - معا
- أمام استحقاقات لا يمكن لأي منهما أن يتنصل منها أو يتجاوزها وهي
متصلة بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعب الفلسطيني الذي
يعاني مرارة الاحتلال وقسوة الحصار وللقضية الفلسطينية التي تآكلت
القوى الداعمة لها والمؤيدة لضرورة حلها حلا عادلا وشاملا بفضل ما
أنتجه التعنت الاسرائيلي وغياب الفعل الفلسطيني وانقسام المواقف
الفلسطينية والعربية والدعم الاميركي الدائم والانحياز غير المسبوق
إلى الجانب الاسرائيلي . وإذا كنا نرحب بالاتفاق الذي أعلن في مكة
فان المعول عليه هو تنفيذه والعمل به وسرعة الانجاز المنوط بالجانبين
والمعتمد على الارادة والرغبة وحسن النوايا في الممارسة والتطبيق
.
ولا نظن إلا أن القيادات الفلسطينية أخذت دروسا وعبرا من الاشتباكات
الاخيرة وأنها ستكون قادرة على تجاوز الذات من أجل مصلحة الوطن والأمة
.
ليس الوقت وقت مزايدات كلامية ، ولا استقراءات خارجية ، ولا بحث
عن أدوار سياسية لهذا الجانب أو ذاك ، ولكن الوقت يجب أن يكرس للعمل
، وطي صفحة الشهور الأخيرة المؤلمة ، باتجاه استعادة الدور الفلسطيني
السياسي الفاعل والمؤثر بتشكيل الحكومة الوطنية المنتظرة ، وهذا
ما سيجعل الأطراف الدولية تتراجع عن قراراتها المتصلة بالحصار ،
لتكون على قناعة بأن الفلسطينيين هم كتلة واحدة ، وأنه لا يمكن لأحد
أن يتجاوز دورهم ، أو أن يلغي هذا الدور أو يتصرف من موقف أحادي
بدعوى غياب الشريك الفلسطيني في المفاوضات .
لاشك أن هناك حاجة الى اعادة النظر في سبل الحفاظ على الثوابت وفي
فهمها او تسويقها وطرحها ، وهذه هي اللغة الجديدة المنتظرة في سبيل
إيجاد الحل النهائي للقضية الفلسطينية.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

التربية الصالحة تؤسس لعملية بناء شاملة
جميعنا يعي أهمية التربية الصالحة من حيث كونها
قاعدة لا غنى عنها لضمان نشوء جيل صالح، فالتربية الصالحة للنشء
كالتربة الصالحة للزرع فبدون الأولى يفسد النشء كما يفسد الزرع لافتقاره
إلى تربة صالحة، وجميعنا يعي كذلك دور التربية في تماسك المجتمعات
وحصنها الحصين ضد عمليات الاختراق والتأثيرات الهدامة وقيمتها الحقيقية
في الارتقاء بإنسانية الإنسان، بفضلها تتفتح مداركه وتنمو درجة الوعي
لديه، الوعي بالعناصر والأدوات والأشياء والمفردات وأسمائها، أهدافها،
اختصاصاتها، نهج التعامل معها تعاملا صحيحا راشدا يفضي إلى المصلحة،
وبفضل التربية الجيدة تحافظ المجتمعات على قيمها وتقاليدها وتراثها
التي تشكل جميعها جزءا أساسيا من ثقافة المجتمع ومكونا رئيسيا من
مكونات تشكله السلوكي والثقافي والمعرفي وعاملا مؤثرا في تكوين بنيته
العقلية، فالتربية المدروسة المبنية على أسس تربوية سليمة تؤدي إلى
نشوء جيل واع بمسئولياته مدرك لجوهر الحكمة من خلقه قادر على التمييز
ما بين النافع والضار، يحسن التصرف مع الآخر، يكتمل أدبه، يحلو خلقه
وتتهذب ألفاظه، من التربية الواعية يكتسب الإنسان الرزانة والحنكة
والمهارة والواقعية في الطرح والموضوعية في التعامل مع المشكلات،
ينبذ سفاسف الأمور وصغائرها وشكلياتها ويبتعد عن كل ما من شأنه الإضرار
بسمعته وسمعة مجتمعه من ألفاظ نابية وسلوكيات مشينة وتصرفات معيبة
وأفكار وآراء مسيئة .... وقد عرف عن المجتمع العماني اهتمامه بالتربية
وحرص أفراده على تنشئة الأبناء على أسس تربوية تقوم على مبادئ العقيدة
الإسلامية وعلى أخلاق المجتمع وتقاليده المتعارف عليها وعلى القيم
الإنسانية وقد اكتسبت الشخصية العمانية الاحترام والتقدير بفضل تلك
التربية المتسمة بالتوازن المراعية لمصلحة المجتمع وصالح الفرد،
وقام الفرد في المجتمع مقام المجموع في التوجيه والتلقين والإبلاغ
إذ لا يكتفي الفرد بتربية وإصلاح أبنائه بل يتعدى ذلك الإصلاح إلى
أبناء الأقارب والجيران والأصدقاء كلما اكتشف هذا الفرد حاجة هؤلاء
الأبناء إلى التوجيه الذي يصل أحيانا درجة التأنيب والشدة إذا تطلب
الأمر واقتضت المصلحة دون أن يثير ذلك ضغينة وحفيظة الآباء الذين
تنتابهم الغبطة والشعور بالاطمئنان، تحصل أبناؤهم على التوجيه المطلوب
والأدب الذي يستحقونه حتى وإن جاء من خارج الأسرة عكس ما هو حادث
الآن.
هذا الحرص على التربية التي أخذت سلم الأولويات في اهتمام الإنسان
العماني وهذه السمات التي تميز بها العماني بفضل التربية الجيدة
والتي أكسبته احترام الآخر وتقديره بدأت بالتراجع حتى وصلت حد الخطر،
وهو ما حدا به لزيارتي في مكتبي وقد بدت عليه علامات الانزعاج والأسى
من الصورة التي نقلها لي من داخل مجتمع (الشلة) التي يتكاثر عددها
في الحلل والمناطق السكنية والأماكن العامة، والتي مثل هو وفي مرحلة
من المراحل أحد أعضائها مقدما أمثلة جديرة بأن يتوقف المرء إزاءها،
كيف لا وهي تدل على إهمال تربوي حاد أدى إلى فراغ فكري وتسطيح ثقافي
وانحدار سلوكي تمثلت صوره في عدد من المشاهد منها على سبيل المثال:
* الجنوح إلى الشغب والانغماس في مظاهر الفوضى والقيام بممارسات
لا مسئولة كلما أتيحت الفرصة للقيام بذلك، وما المظاهر المصاحبة
لتألق المنتخب العماني في كأس خليجي 18 وما شاهدناه ونقل إلينا من
صور إلا شواهد على ذلك، وما بيانات أجهزة الأمن والشرطة المصاحبة
للحدث التي بثت ونشرت في وسائل الإعلام إلا تأكيد على ذلك.
* العبث بالممتلكات العامة والخاصة، وقد نشرت (الوطن) في أعداد سابقة
عدة تحقيقات بينت الخراب المتعمد الذي أتى على تلك الممتلكات الدالة
على سلوكيات لا مسئولة، والإساءة للآخرين والسخرية منهم والتنكيت
عليهم غمزا ولمزا في المواقع العامة، والقيادة المتهورة للمركبات،
والاهتمام المبالغ فيه بالشكليات المنافية للآداب والتقاليد والقيم
في الملبس وفي الهيئة العامة وفي الاستخدام السييء للوسائل والتقنيات
الحديثة في عمومها والتي شكلت مسخا للشخصية العمانية المألوفة .
* الحضور الكثيف والمبالغ للفعاليات والمظاهر المرتبطة بالترفيه
المبتذل، والمتع الحياتية المتعددة، والمظاهر والشكليات المتسمة
بالتميع والتحلل، والحرية المنفلتة التي تضر بالإنسان تربية وفكرا
وثقافة المفضية إلى التسطيح والتهميش، في مقابل خلو القاعات والأماكن
التي تنتظم فيها المحافل والفعاليات الثقافية: الفكرية والأدبية
والدينية وما في حكمها من أنشطة تصقل المواهب وتنمي الإبداع وتعزز
قيم الوعي والثقافة والعمل الجاد وروح المشاركة لدى الإنسان .
* جريان الدلالات اللفظية المنحطة على اللسان دون وعي لمخاطرها وما
تسببه من إساءة على الإنسان المخاطب والمخاطب على السواء وعلى العقيدة
وعلى الموروث الحضاري وعلى المجتمع ... وإطلاق المسميات والألقاب
الدخيلة على اللسان والعادات، وتداول قصص وعبارات الجنس التي تفتقر
لأدنى قدر من الاحترام والآداب العامة، والإيغال في وصف العلاقات
الجنسية التي تسيء أيما إساءة إلى الأسرة بمختلف مراحلها العمرية.
وقد جاء في هذا السياق التحقيق الذي نشرته جريدة (فتون) في عددها
الأخير تحت عنوان (أخلاق الاستهتار .. تجابه) إذ تضمن مجموعة من
المشاهد السلبية والممارسات غير المسئولة التي تتطلب أكثر من وقفة
وتحتاج إلى أكثر من تحقيق ومقال وتطرح أكثر من سؤال حول واقع التربية
ودورها في تصحيح الكثير من السلوكيات.
إننا أمام إشكالية خطيرة تتعلق بالتربية وبالتقصير في ممارسة واجبات
التوجيه، وعندما يتعلق الأمر بالتربية، وعندما تطرح التساؤلات المشككة
حول واقع التربية، وعندما تظهر مثل هذه السلوكيات وتتكرر أمام أنظارنا
وأمام بصر المربين من أولياء الأمور، ويتم التعامل معها بأسلوب تظهر
معه وكأنها مسائل طبيعية وسلوكيات اعتيادية، فإننا لا بد من أن ندق
ناقوس الخطر لندرك بأن التربية تمر بمرحلة خطيرة تستوجب من أبناء
المجتمع من مربين ومعلمين ومثقفين وكتاب وغيورين على النشء أن يعملوا
جميعا من أجل تشخيص هذا الواقع وفهم أسبابه وتحديد العلاج المناسب
لإصلاح الأبناء وتربيتهم التربية الصالحة فهم عماد المجتمع وثروة
الأوطان، والمعول عليهم في قيادة المجتمعات وبناء الحضارات، وحيث
إن التربية والاهتمام بها يجب أن يبدأ من القاعدة فإنه لا بد من
إعداد وتصميم وتكثيف البرامج التوعوية التي تدعو إلى أهمية الاهتمام
والإصلاح وتنشئة الأجيال، وضرورة تكاتف الأيدي والتعاون من أجل ذلك
.
مسك الختام قول الحبيب صلى الله عليه وسلم (لأن يؤدب الرجل ولده
خير من أن يتصدق بصاع).
سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com
أعلى

مؤتمر هرتسيليا... هاجس تآكل المناعة... قلق عقدة الزوال!
مر أواخر الشهر المنصرم حدث إسرائيلي مروراً
أقل ما يقال عنه إن لم يحظ بالاهتمام الكافي من المتابعة الاعلامية
العربية. إنه ما يعرف بمؤتمر هرتسيليا الدوري الذي يعقد سنوياً منذ
العام ألفين. وفيه، كالعادة، قُدّمت أوراق عمل، وطُرحت أفكار، واقترحت
توصيات، تم إجمالها وتلخيصها في وثائق ستصدر عنه، لتضاف إلى ما راكمته
المؤتمرات الهرتسيلية التي سبقته من وثائق، والتي توصف عادة بأنها
ثمرة جهود تنصب في مجملها على مواضيع التفكير الآني والاستراتيجي
لقادة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والأكاديمية الاسرائيلية.
أو هي كما يتفق المراقبون تعكس اتجاهات التفكير المختلفة المعبرة
عن رأي تلك النخبة، أو فيها، وفق تعبير البعض، يلتئم شمل العقل الجمعي
الإسرائيلي المفكر...
لعل ما يؤشر على أهمية هذا المؤتمر هو ملاحظة ما تضمنه الشعار الذي
انعقد تحت لافتته، وتخصص الجهات التي رعته أو نظمته، ثم نوعية ومستوى
حضوره من الإسرائيليين، وكذا ضيوفهم المنتقين أو المستقدمين من الخارج
للمساهمة فيه، ثم المحاور التي ناقشها هؤلاء طيلة أيام انعقاده،
الذي استغرق ما بين الواحد إلى الرابع والعشرين من الشهر الأول من
عامنا هذا، حيث اُختتم، كما هو معروف، بخطاب لرئيس الوزراء ايهود
أولمرت.
كان شعار المؤتمر هو "ميزان المناعة والأمن القومي"، أما
من نظّمه فهما جهتان هما: "معهد السياسة والاستراتيجية"،
و"مدرسة لاودر للحكم والدبلوماسية والاستراتيجية". وفيما
يختص بالحضور، فهم خليط من الوزراء والجنرالات، ورؤساء الأحزاب،
والأكاديميين من أساتذة الجامعات المختصين بكافة المجالات، ومثلهم
من الإعلاميين. إلى جانب ضيوف أجانب، من بينهم كان السياسيون والعسكريون،
وأكثرهم أميركان، وفي مقدمة هؤلاء قادة "سي آي إيه" سابقون...
ومن بين العرب كان الدكتور سلام فياض وزير مالية سلطة الحكم الذاتي
الإداري الفلسطينية السابق.
كانت المحاور عديدة تنسجم جميعها مع شعار المؤتمر المشار إليه، ومع
السياسات والاستراتيجيات التي تهم منظمي المؤتمر ومن بينها، على
سبيل المثال لا الحصر: تحديات السياسة الخارجية الإسرائيلية، والحوار
الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي، إلى جانب السياسة الخارجية الأميركية
على ضوء الانتخابات الأميركية النصفية الأخيرة، والعلاقة مع الاتحاد
الأوروبي، وحلف الناتو، وصولاً إلى البدائل الجيواستراتيجية الدولية،
ثم ما يسمى بالخطر الإيراني. هذا على الصعيد الخارجي، أما الداخلي،
فكان من موضوعاته ما دُعي بتجديد الجيش وتعزيز قوته، التفوق العلمي،
أمن الطاقة، المناعة المالية، نظام الحكم، العلاقة مع يهود العالم،
الجيل القادم أو القيادات المقبلة أو الشابة، فالهوية اليهودية ومناعتها،
وطبعاً المناعة الإسرائيلية بعد الحرب الأخيرة على لبنان... وكان
من بين الموضوعات التي تم بحثها موضوع "اعرف عدوك"، وهذا
ما يذكرنا بشعار عربي سابق تم إهماله، لكن الإسرائيليين الذين يذكروننا
اليوم به قد درجوا على تطبيقه دائماً في مواجهة من أهملوه.
مؤتمر هرتسيليا هذا العام اختلف عن سابقيه في كونه ينعقد في ظل أزمة
قيادة تعيشها إسرائيل، وبالتالي كانت هذه الأزمة محوراً رئيساً من
محاور البحث، حيث يعيش كيانها الهش سلسلة من التحقيقات العسكرية
والجنائية تطول رؤوساً عديدة من المستويين العسكري والسياسي. فبالإضافة
إلى لجنة "فينوغراد" التي تحقق في القصور وأسباب الفشل
الذي وسم الحرب على لبنان. هناك العديد من النماذج التي تشي باهتراء
طبقة سياسية تقود كيانا عدوانيا متوحشا، مثل، ما يعرف بمحنة كتساف،
رئيس اسرائيل المتهم بارتكاب جرائم اغتصاب وتحرش، وصولاً إلى ما
يعرف بقبلة الوزير رامون، فالتحقيقات مع رئيس الوزراء في تهمة فساد
وقبله مع وزير المالية الخ. وتكتمل المسألة بالجدل الدائر راهناً
في الشارع حول صورة إسرائيل السيئة بين يهودها بعد صورتها الخطرة
في العالم. ولنأخذ مثالاً هو ما نشرته صحيفة "يديعوت احرونوت"
تحت عنوان "من العار أن تكون إسرائيلياً"، والذي كان لمقال
كتبه المعلق الاقتصادي للصحيفة، ومبعوثها إلى ملتقى دافوس الأخير،
نجتزئ منه ما يلي:
"لم تعد لإسرائيل صورة القوة العظمى التكنولوجية المزدهرة،
ولا حتى قوة عظمى لاحتلال وحشي، إنها تتخذ صورة شيء آخر تماماً:
دولة غارقة لا تؤدي وظائفها، رئيسها يقدم إلى المحكمة بتهمة الاغتصاب.
رئيس وزرائها يحقق معه للاشتباه بخدمة مصالح مقربيه. وزير ماليتها
سيطير مع وزارته بسبب قضية أموال وجمعيات. رئيس أركانها استقال بسبب
حرب فاشلة. وزير دفاعها سيضطر قريباً إلى السير في أعقابه. هكذا
هي إسرائيل كما تظهر في شتاء 2007 أمام العيون المتفاجئة لأبناء
النخبة الاقتصادية السياسية الأكاديمية في العالم".
وإذا كان الجيش أو المؤسسة الأمنية، وبالتالي ما يمكن اختصاره بالبعد
الأمني، الذي هو تقليدياً في نظر الإسرائيليين حجر الرحى والركيزة
الأهم بالنسبة لوجودهم أو ما يتصورونه ضمانة استمرارية كيانهم برمته،
فإن الجدل الدائر حول أداء هذا الجيش إبان الحرب على لبنان يظهر
مدى اهتزاز صورته لديهم، وهنا تكثر الأمثلة، التي نختارها مما طرحته
بعض الرموز الأمنية ذاتها في هرتسيليا، ومنها... يقول وزير الحرب
السابق موشيه ارينز:
"في حرب لبنان الثانية منيت إسرائيل بهزيمة للمرة الأولى في
تاريخها، ومن يتشكك بأنها قد هزمت بسبب انجازات عديدة حصلت عليها،
فإن النتيجة النهائية هي إطلاق 250 صاروخاً عليها في اليوم الأخير"
من الحرب.
ويقول الجنرال يعلون رئيس الأركان السابق: "إن الإخفاقات في
هذه الحرب هي "ثمرة قيادة عسكرية وسياسية فاشلة... وما يجري
الآن هو الحرب العالمية الثالثة"!
أما الجنرال حالوتس رئيس الأركان الذي أطيح به جراء فشل هذه التي
يعتبرها يعلون "الحرب العالمية الثالثة"، فدافع عن نفسه
قائلاً: "لم أثق في قدرات الجيش... والمستوى السياسي اتخذ قرار
الحرب دون أن يدري مغزى ما اتخذ"!
ونختم ببعض ما جاء في تقرير "لجنة الموغ" التي عالجت مسألة
أسر الجنديين الاسرائيليين من قبل المقاومة اللبنانية، التي اتُخذت،
كما هو معروف، ذريعةً للحرب، إذ يقول دان كوهن عضو الكنيست عن حزب
ميرتس: إن "الخلل كان على مستوى الكتيبة، اللواء، الفرقة، هيئة
الأركان، ورئيس الأركان"...
هذا بعض مما هو المقلق لمؤتمري هرتسيليا داخلياً، فماذا عن ما هو
المقلق لهم خارجياً؟!
لعل الجدل حول صورة إسرائيل السيئة الدائر راهناً بين الإسرائيليين
يلهبه ويزيد من أواره صدى صورة إسرائيل الخطرة، وحتى الفاقدة لمبرر
وجودها، لدى أصدقائها الغربيين، وكل ذلك يعكس قلقاً مصيرياً مزمناً،
أو عدم ثقة دائم باستمرارية مثل هذا الوجود المفتعل أصلاً، بل ما
يمكن تسميته بعقدة الزوال. تقول صحيفة "هارتس" في تقرير
نشرته يعالج هذه المسألة من زاوية نظرة الخارج لها، إنه لم تعد مسألة
زوال إسرائيل حكراً على ما تصفه بـ"الجهات المتطرفة"،
بل غدت جزءاً من السجال الأكاديمي الواسع في أوروبا وأميركا، وتستوحب
أسئلة تطرح هناك مثل: "هل كان من الخطأ أصلاً إقامة الدولة
اليهودية؟" أو "هل ينبغي العمل من أجل إلغاء وجود إسرائيل؟"
... وهنا تستشهد الصحيفة، أولاً، ببعض من مقالة للمورخ اليهودي الأميركي
إلهام طوني جادت تتحدث عن البديل لإسرائيل، ومن ذلك قوله: إنها "جاءت
إلى العالم متأخراً جداً... ففكرة (الدولة اليهودية) ذاتها، فكرة
دولة يكون فيها لليهود وللدين اليهودي حقوق مميزة لن تمنح أبداً
لغير اليهود، هي فكرة مصدرها مكان آخر وزمان آخر".
وثانياً، ببعض ما يقوله من كانوا من الأصدقاء سابقاً لإسرائيل مثل
المفكر النرويجي يوستين غاردر مثل:
"لم نعد نعترف بدولة إسرائيل. لقد حان الوقت لكي نتعود على
أن دولة إسرائيل بصيغتها الحالية باتت من التاريخ"... إنها
"بفنون الحرب عديمة الضمير التي تمارسها وبالأسلحة المقرفة
التي تمتلكها، ذبحت شرعيتها. لقد استخفت بشكل منهجي بالقانون الدولي،
بالمعاهدات الدولية، وبعدد لا نهائي من قرارات الأمم المتحدة. لقد
قضت على اعتراف العالم، ولن تنال الهدوء قبل أن تلقي سلاحها".
وتوقع غاردر لها "أنه إذا ما غرقت في خطاياها فلسوف يضطر جزء
منها للهرب للمنافي".
قد يكون علينا كعرب أن ندرك سلفاً أن مؤتمر هرتسيليا بما طرح، كان
أولاً وقبل كل شيء، يشكل علامة تدل على حيوية، وفيه أيضاً ما يعكس
ارادة تريد تلافي قصور ومعالجة مآخذ وتوخي إيجاد حلول لمشاكل، وهو
كُرّس أصلاً لكي يتدارس قضية القضايا بالنسبة لمؤتمريه، التي لخصها
شعاره، أي: "ميزان المناعة والأمن القومي".
وثانياً، هو في ذات الوقت يعكس قلقاً مصيرياً مزمناً، أو عقدة زوال،
لن تبرح مجتمعا عنصريا استعماريا استيطانيا إحلاليا يدرك نقاط ضعفه
القاتلة... لكنه ومع ذلك، لا يعني تراجعاً دراماتيكياً في إحساسه
بقدرته أو تصوره لهذه القدرة، أو تبديلاً مستقبلياً في طبيعة هذا
المجتمع، ولا ينبئ باقتراب موعد زوال كيانه، إذ لا يجد وزير الحرب
بيريتس، مثلا، ما يدفع به في مواجهة ما يدور من جدل حول الحرب الأخيرة
على لبنان، سوى قوله إننا نشهد "حرب ما بعد الحرب" جراء
ما يعتبره المخاطر الداخلية والخارجية...
... إذن، ستظل إسرائيل القلقة على وجودها المفتعل، والتي يصفها إلهام
طوني جادت بالفكرة التي مصدرها مكان آخر وزمان آحر، في حالة حرب
ما بعد الحرب هذه... إن هذا ما يقوله بيريتس، ولعل ما يقول كان بمثابة
خلاصة ما رشح عن مؤتمر هرتسيليا... وعليه، فالسؤال المطروح على العرب
في مثل هذه الحالة:
ومتى يكون لنا نحن بالمقابل مؤتمرنا الباحث في ميزان المناعة والأمن
القومي؟!!
عبد اللطيف مهنا
كاتب فلسطيني
أعلى
بعد اتفاق مكة المكرمة.. النار تطلب المزيد !
سينتظر الفلسطينيون اياما عدة قبل ان تبصر
الحكومة الجديدة (حكومة الوحدة الوطنية) النور. لكنهم سينتظرون ربما
اكثر بكثير من الايام والاشهر والسنوات قبل ان يشهدوا الانفراج الحقيقي
المؤدي الى نيلهم (بعض) حقوقهم المشروعة في الدولة المستقلة وعاصمتها
القدس الشريف وفي تنفيذ حق العودة والتعويض للاجئين منهم. اتفاق
مكة ليس اكثر من خطوة فلسطينية برعاية عربية، كانت ضرورة ملحة جدا
لوقف نزيف الدم الفلسطيني في اقتتال الاخوة. اسرائيل لم تفوت الفرصة
فتقدمت اكثر من خطوة نحو هدف تهويد القدس، والسير حثيثا لتهديم الاقصى
المبارك. ورد الفعل الفلسطيني الشعبي والفصائلي كان التمهيد العملي
للانتفاضة رقم ثلاثة، بعد انتفاضتي 1987 و2000.
لكن قراءة موضوعية لردود الفعل العربية والدولية حيال الحدثين: اتفاق
مكة المكرمة والحفريات الصهيونية لصق الاقصى المبارك ترينا ان الضغط
على الفلسطينيين لم ينته بعد، لا من قبل ادارة المحافظين الجدد في
الولايات المتحدة، ولا من حكومة اولمرت. اما الموقف حيال المسلك
الصهيوني الجنوني باستهداف الاقصى فتميز (بالعتب الودي) من اوروبا
وبشيء من الصمت من جانب الادارة الاميركية. يجري التركيز من الادارة
الاميركية على ضرورة ان يحصل اعتراف فلسطيني علني وواضح وصريح بشروط
(الرباعية الدولية). الكيان الاحتلالي طليق حتى من مؤاخذة علنية
من الرباعية على رفضه المعلن خطة ـ خارطة الطريق ـ ورغم ذلك مطلوب
من الفلسطينيين الالتزام بما يرفض الطرف الآخر الالتزام به. اما
القرارات الدولية بشأن رفض تغيير أي طابع للاراضي المحتلة فهو ليس
على الرف فقط، بل ربما (اكلت الجرذان اوراقه واوراق سواه من القرارات
كلها) كذلك.
ليس من شك ان وقف اراقة الدم الفلسطيني بالسلاح وباليد والايعاز
الفلسطيني يعتبر اهم انجازات اتفاق مكة المكرمة، بشرط ان ينفذ تماما.
اما الاتفاق على الحكومة وبرنامجها فمسألة في حاجة الى مزيد من الايضاح،
وذاك لن يتوفر قبل ولادة الحكومة وقراءة ردود الافعال العربية والدولية
عليها. سوى ذلك ستكون ردود افعال الطرف المحتل واضحة منذ الآن ومنذ
سنوات وتظل كذلك الى امد لا يعرفه إلا الباري عز وجل.
يطرح السؤال التالي نفسه في الخضم الراهن :
ما المعروض على الفلسطينيين؟ هل سيتم تقديم العرض في اثناء لقاء
اولمرت ورايس وعباس؟ وما المتوقع عرضه؟ الدولة الفلسطينية ام مجرد
قراءة سريعة لوجهات نظر الطرفين؟ أي هل في الجعبة الاميركية ـ الصهيونية
(ومن ضمن ذلك الرباعية الدولية) ما يفيد بوجود خطة متكاملة تقوم
على (الدولتين) وباعتراف من اسرائيل بحدود معترف بها للدولة الفلسطينية
وعاصمتها القدس الشريف وبإقرار حق العودة والتعويضات للاجئين الفلسطينيين
واطلاق سراح نحو احد عشر ألف اسير فلسطيني وفلسطينية؟
اذا كانت الطلبات تنهال على الطرف الفلسطيني ـ وبتجاهل مقصود للمبادرة
العربية للسلام ـ فما الطلبات التي يجب على الطرف المحتل المعتدي
الغاصب ان يتلقاها من هذا المسمى (المجتمع الدولي) ـ وهو الخاضع
حاليا للادارة الاميركية في ظل زمن (الاحادية القطبية)؟
اسرائيل مثل النار تطلب المزيد لكي تتقد اكثر وكلما تنازل العرب
او الفلسطينيون انفتحت لديها شهية الطلبات، خاصة تلك التي لا التزام
اسرائيليا في مقابلها ان لبيت عربيا او فلسطينيا. عليه لا بد ان
نتوقع محاولات لوأد الاتفاق وعرقلة الوفاق الفلسطيني وافراغ اتفاق
مكة من أي محتوى ايجابي للقضية الوطنية الفلسطينية والقومية العربية
الكبرى والمصيرية على ارض فلسطين. من هنا يتوجب ان يكون اتفاق مكة
محميا بساتر عربي واسلامي ودولي ينأى عن اشتراطات اسرائيل ومن يسندها
في السراء وفي الضراء. ان الجدار الحامي العربي ضرورة اساس للصمود
الفلسطيني واعادة سليمة لمسار الصراع كونه عربيا وفلسطينيا بامتياز
مع المشروع الصهيوني التوسعي العدواني.
ومن المؤكد ان الصمت الدولي على ممارسات دولة الاحتلال حيال الشعب
الفلسطيني وحيال الاقصى وحيال استمرار بناء الجدار والمستعمرات سيكون
احد عوامل الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي بدأت نذرها الاولى
بردود الفعل الفلسطينية في (كل فلسطين) على محاولة هدم المسجد الاقصى.
من هنا يتوجب اتخاذ موقف عربي حازم وفاعل، وعلى الاقل من منطلق الدفاع
المشروع عن النفس ذلك ان دولة الاحتلال في فعلها المرسوم تشكل خطرا
داهما على المصير العربي عموما.
هل نشهد مواقف تخرس طلبات النار وتوقف (المزيد من التنازلات) الفلسطينية
والعربية امام عدوانية المحتل وامام مكابرة ودعم من يسنده؟.
ان القدرة التي استصدرت قرارا امميا ضد كل من يقترب (بالمناقشة)
من (الهولوكوست) لا يمكن ان تنتصر للحق الفلسطيني بالقوة نفسها وبالاصرار
ذاته وما لم ينصر العربي والمسلم قضيته في فلسطين فإن النار ستبقى
تطلب المزيد .
نواف أبو الهيجاء
nawafabulhaija@yahoo.com
أعلى
ما وراء بغداد
منذ ان اعلن الرئيس بوش انه يمكن ان يرسل مزيدا
من القوات الاميركية الى العراق وقد وصل الجدل بشأن سياسة العراق
مستويات جديدة من الحدة. فالمعارضون للحرب احتشدوا خلف ما ينظرون
إليه على انه تصعيد غير مبرر في الوقت الذي ترفض فيه الادارة المعارضة
وتنعتها بالانهزامية. وذهب نائب الرئيس ديك تشيني الى ما هو ابعد
من ذلك الى القول ان الانسحاب يمكن ان يظهر ان الاميركيين ليس لديهم
الرغبة في القتال.
ومع ذلك فإن العمل العسكري في العراق يتحدى المفاهيم المتشددة للنصر
والهزيمة، حيث اننا لسنا في العراق من اجل الدفاع عن اراض او حتى
تدمير عدو. بل اننا نقوم بمهمة غير منظمة من اجل المساعدة على ارساء
قواعد اتخاذ القرارات السياسية للشعب والحكومة العراقية والتي يمكن
ان تنتج مجتمعا ديمقراطيا تعدديا يفضي الى استقرار اقليمي.
في الوقت الذي لا تزال نشأة هذه الحكومة والمجتمع تستحق الجهد المبذول
من اجلها, يتعين علينا ان نعترف انها هدف مثالي. ولا يجب ان تكون
الموضوع المحوري لسياستنا الشرق اوسطية او المقياس الوحيد للنجاح
في العراق.
اننا بحاجة الى اعادة صياغة النقاط المتعلقة بالوضع الجيوـ استراتيجي
لسياستنا في العراق. ويحاول بعض المعلقين ان يقارن خطة بوش بتمريرة
هيل ماري في كرة القدم غير ان الامر ليس بهذه السهولة.
ان خطة الرئيس هي جزء او حلقة اولى في اعادة تشكيل شرق اوسط كبير
بدا بغزونا للعراق والذي ربما لا ينتهي خلال سنوات. وتصارع الدول
في انحاء الشرق الاوسط من اجل ايجاد موضع قدم لها في الوقت الذي
تتغير فيه توازنات القوة الاقليمية بطرق من الصعب التنبؤ بها.
ويقع في محور اعادة التشكيل هذه ايران التي ينظر إليها على انها
بدت من تدخلنا في العراق على انها الرابح الاكبر. فقد مهدنا الطريق
امام حكومة شيعية في العراق اكثر صداقة لايران عما كان عليه صدام
حسين. وتدفع العائدات النفطية الهائلة ايران الى التدخل في العراق
وتطور برنامجها النووي وتمول حزب الله وحماس.
غير ان بندول سياسة الشرق الاوسط ربما يعود في التأرجح ضد التأكيد
الايراني، حيث باتت المملكة العربية السعودية ومصر والاردن وبلدان
خليجية وبلدان اخرى منزعجة بشكل متزايد من التصرفات الايرانية ومن
الانقسامات الطائفية الاقليمية التي تتسع هوتها. وبسبب هذا التغير
القوي تتزايد القوة الاميركية في الشرق الاوسط. وتدرك الدول العربية
المعتدلة ان الولايات المتحدة هي ثقل مواز لا غنى عنه في مواجهة
ايران.
ويفتح ذلك فرصا لتعزيز أهدافنا الاستراتيجية الأكبر ويوفر خيارا
بديلا في العراق. فمع مضي استراتيجية الرئيس بشأن بغداد قدما فإننا
نحتاج إلى خطة من اجل إعادة انتشار فعالة للقوات الأميركية في المنطقة
بغية الدفاع عن الأصول النفطية واستهداف ملاجئ الإرهابيين وردع روح
المغامرة لدى إيران وتوفير سياج عازل ضد صراع طائفي إقليمي. وفي
أحسن الأحوال فإننا نستطيع أن نضيف قواعد في الشرق الأوسط مع قوات
متمركزة خارج المناطق الحضرية في العراق. ومن شأن إعادة الانتشار
هذه أن تسمح لنا بمواصلة تدريب القوات العراقية وتقديم المساعدة
الاقتصادية في الوقت الذي لن تفرض علينا أن نضع أنفسنا في الوسط
بين الفصائل الطائفية العراقية.
وقد أظهرت الجولة الاخيرة لوزيرة الخارجية الاميركية للشرق الاوسط
وارسال حاملة طائرات اضافية الى الخليج العربي ان الادارة تدرك ضخامة
ما يجري في المنطقة. ويجب ان توضح الولايات المتحدة لاصدقائنا العرب
ان لهم دورا في تشجيع المصالحة داخل العراق ومنع القفزات في اسعار
النفط وفصل سوريا عن ايران واظهار جبهة اكثر توحدا في مواجهة الارهاب.
يتعين على الادارة ان تتجنب ان تغدو غير عملية في محاولتها لتحقيق
النتيجة المثالية في العراق درجة تجعلها تفشل عن التوافق مع التحولات
في المنطقة او الحقائق السياسية في العراق. وعلى الرغم من ان أي
ادارة يمكن ان ترفض الحديث عن الخطة (ب) عندما تكون خطتها الاصلية
لا تزال عاملة فإنه يتعين على الرئيس والكونغرس التوصل الى اجماع
على كيفية حماية مصالحنا الاستراتيجية الاكبر بغض النظر عما يجري
في احياء بغداد او في قاعة مجلس الشيوخ الاميركي. وإلا فإن التعب
والاحباط من سياستنا في العراق اللذين يبدوان واضحين في القرارات
المرفوضة امام مجلس الشيوخ يمكن ان يؤديا ليس فقط الى رفض خطة بوش
بل ايضا الى التخلي عن الادوات والعلاقات التي نحتاجها من اجل الدفاع
عن مصالحنا الحيوية في الشرق الاوسط.
ريتشارد لوغار
عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي. خدمة
لوس انجلوس تايمز ـ واشنطن بوست خاص بـ(الوطن).
أعلى
اتفاق مكة..وحقائق
مرحلة
اتفاق مكة الذي جرى التوصل اليه بين كل من
حركتي فتح وحماس يعطي مساحة للتفاؤل..ولكن الحذر! ونرجو هذه المرة
ان يتم التنفيذ بلا عقبات..وهذا ما تأمله جماهيرنا التي استقبلته
بالترحاب.
كان يسترعي الانتباه، الخبر الذي ذكرته احدى الفضائيات العربية والمتلخص
في ان اسرائيل قامت بتسهيل بيع السلاح الاسرائيلي للفلسطينيين اثناء
اقتتالهم بما يؤكد الحقيقة المعروفة والتي يجب ان تظل في الأذهان،
وهي ان المستفيد الحقيقي من الصراع الداخلي الفلسطيني هي اولا واخيرا
اسرائيل.
من زاوية ثانية، ليس صدفة ان تقوم اسرائيل بإزالة تلة باب المغاربة
بالاضافة الى استمرارها في اعمال الحفر تحت المسجد الاقصى بهدف تقويضه،
على طريق محاولاتها الجادة لاقامة هيكلها المزعوم على انقاضه، وذلك
في الوقت الذي بدأت فيه اجتماعات مكة الفلسطينية، فاسرائيل من خلال
تمسكها بخطوتها هذه ترسل اشارات للفلسطينيين ولعموم العرب والمسلمين
بأنها ماضية في تهويد القدس لاعتبارها ان المدينة المقدسة ستظل موحدة
كعاصمة ابدية لاسرائيل، وانها تقع خارج نطاق التسويات!.
لكن ، لربما كانت هذه الخطوة الاسرائيلية بمثابة الناقوس الذي يدق
اجراس الخطر، لتعود الى الاذهان الحقائق الاساسية للمرحلة، وبالتالي
كان لها دور في انجاح الحوار الذي دار في مكة، اضافة بالطبع الى
كل العوامل الضاغطة الاخرى.
ايضا ، ليس صدفة ان يسارع ايهود اولمرت الى الاعلان بنفسه عن موعد
الاجتماع المرتقب بينه وبين الرئيس عباس، ووزيرة الخارجية الاميركية
في التاسع عشر من الشهر الجاري، وكذلك كل الاعلانات الغربية، الداعية
الى عدم تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حماس، لأن الحصار على الشعب الفلسطيني
سيظل قائما! .
كان الهدف من كل هذه الاعلانات هو محاولة الضغط لعدم انجاح الحوار
الدائر بين كل من حركتي حماس وفتح في مكة، والذي توج باعلان اتفاق
مكة.
ولكن ولكي ينجح الاتفاق فعليا وما سيترتب عنه من خطوات عملية على
الارض، يتوجب ان نعود الى الحقائق الاساسية لمرحلة تعتبر من اهم
المراحل في النضال الوطني الفلسطيني ولعل من ابرزها.
اولا: لا شيء حقيقيا من الحقوق الوطنية الفلسطينية مطروح على الشعب
الفلسطيني، ولعل اجتماع الرباعية الدولية، الذي انعقد في واشنطن،
كان خير شاهد على ذلك فالتصريحات المتفائلة ما قبل الاجتماع، والتي
وصفته بكونه نقطة تحول في الجهود السلمية بين الفلسطينيين واسرائيل،
اثبتت بطلانها فالنتائج جاءت مخيبة للآمال، والولايات المتحدة هي
التي افرغته من مضامينه، بحيث جاء لقاء بروتوكوليا بنفس العبارات
والصيغ الماضية، وهذا يؤشر الى ما سيترتب عن اللقاء الثلاثي المرتقب،
المزمع عقده..فلا تغيير حقيقيا في الموقف الاميركي من التسوية. والمطروح
هو فقط دولة الكانتونات المؤقتة التي سبق لرايس ان تحدثت عنها واقترحتها
في جولتها الاخيرة، والتي رفضها الرئيس عباس وكافة فصائل النضال
الوطني الفلسطيني.
ثانيا: ان المرحلة التي يمر بها النضال الفلسطيني هي مرحلة التحرر
الوطني ، اي اننا نحتاج الى كفاح طويل من اجل انجاز الحقوق الوطنية
في العودة، وتقرير المصير واقامة الدولة المستقلة على كامل الاراضي
التي احتلت عام 67 وعاصمتها القدس الشريف.
نقول ذلك ، لان البعض في الساحة الفلسطينية، اعتقد انه وبعد انشاء
السلطة الفلسطينية فقد تم انجاز هذه المرحلة والانتقال الى الاخرى
التالية هي: التحرر الوطني الديموقراطي، وهذا ما يتجافى مع الواقع.
بالتالي فان احدى اهم سمات هذه المرحلة هي تعزيز الوحدة الوطنية
الفلسطينية، باعتبارها شرطا مهما لانتزاع الحقوق.
وفي الحالة المعنية، فان تعزيز هذا التلاحم الوطني لن يتحقق الا
بحضور كافة الفصائل الفلسطينية في أية حوارات على صعيد الشأن الفلسطيني،
لذا، كان من الضروري مشاركة الفصائل في المباحثات من اجل إيجاد الحلول
للساحة الفلسطينية دون اقتصار ذلك على فتح وحماس ومع الاقرار بانهما
التنظيمان الاكبران .. لكن كان من الاولى والاجدر لو شاركت كل الفصائل
الفلسطينية في المباحثات التي دارت في مكة المكرمة، فهي من جهة معنية
بما يجري في ساحتها، ومن جهة ثانية فإن حضورها والذي هو مسألة إيجابية
بحد ذاتها نظرا لما ستعكسه من تقريب ايضا في وجهات النظر بين كل
من فتح وحماس.
لقد انتقدت التنظيمات الفلسطينية الاخرى في وقت سابق اقتصار المباحثات
المتعلقة بالشأن الفلسطيني على التنظيمين الاكبرين فقط! واصدرت بيانا
اعلاميا بهذا الشأن .. ووجهة نظر هذه التنظيمات يجب ان تحترم وان
تؤخذ بعين الاعتبار.
ثالثا: إن إحدى اهم سمات المرحلة وحقائقها هي: أهمية اعادة الاعتبار
لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني،
والاطار الجامع لكل الفلسطينيين في الوطن وفي الشتات وهذا ما جرى
تأكيده في الاتفاق. لقد جرت وعود كثيرة من قبل حول هذه المسألة،
ولكن للاسف لم يجر تنفيذ أي منها ... بل يمكن القول انه جرى تهميش
مقصود لها ! وهذه المسألة الهامة، ونعني بها اعادة الاعتبار على
قاعدة التفعيل والاصلاح لكل هيئاتها المركزية ولكل المؤسسات والمنظمات
الجماهيرية، التابعة لها إن بجدولة زمنية لإجراء الانتخابات فيها،
ونفض الغبار عن ترهلها او باعتماده الصيغ الجديدة الكفيلة بدخول
كافة التنظيمات الفلسطينية فيها، بما في ذلك تنظيما حركتي حماس والجهاد
الاسلامي، على أسس ديموقراطية ووفقا لقواعد التمثيل النسبي .. بعيدا
عن الهيمنة والاستئثار وكل السياسات السابقة السلبية التي مورست
عليها وعلى كافة مؤسساتها.
رابعا: لعل أحد اهم حقائق المرحلة ايضا هو، امكانية الاختلاف في
وجهات النظر، هذه المسألة الطبيعية التي رافقت المقاومة الفلسطينية
على مدى تاريخها ولكن مثلما هو الاختلاف حق مشروع.. فإن هذه المشروعية
مرتبطة بكيفية إيجاد الحلول الناجعة له، والتي تتمثل في الاطار السياسي
والسياسي فقط، بعيدا عن الاقتتال الدامي، الذي يضيّع الشعب وقضيته
معا.
ما جرى من اقتتال دام مؤسف، يتوجب ان لا يتكرر، لانه لو ـ لا سمح
الله ـ لو جرى هذه الامر مرة اخرى .. فإن ذلك سيقود بالضرورة الى
حرب اهلية لن تبقي ولن تذر.
ومن المفيد في هذا المجال .. إنشاء المرجعية الوطنية الفلسطينية،
من كافة التنظيمات والفصائل، وبالاتفاق فيما بينها، وان تعطى هذه
المرجعية حق التقرير في فض ما قد ينشأ من خلافات على قاعدة الالتزام
الوطني ببرنامج القواسم المشتركة، ووثيقة الحوار التي جرى الاتفاق
عليها في جولات من المباحثات الفلسطينية... سابقة، هذه الوثيقة التي
اعتمدت بشكل اساسي وثيقة الاسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون
الاسرائيلية، والتي قدمت كبرنامج متكامل الى كافة فصائل النضال الوطني
الفلسطيني.
يبقى التأكيد على ان الاقتتال الداخلي الفلسطيني هو خط احمر، وهو
(مثلما قال د. عزمي بشارة عنه) عبارة عن صراع المساجين واقتتالهم
على من سيملك مفتاح السجن!
يبقى القول .. ان على الجميع الاستفادة من تجربة الاقتتال الدامية،
ولتتوجه كل الجهود نحو التناقض الرئيسي التناحري مع العدو الصهيوني
.. فكافة الخلافات بين فصائل النضال الوطني الفلسطيني هي تناقضات
ثانوية ... ويجري حلها من خلال الحوار السياسي .. فقط الحوار السياسي.
د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني
أعلى