|
فتاوى وأحكام
السؤال : رجل ترك الصلاة زمناً طويلاً تكاسلاً منه لا إنكاراً لها
، والآن رجع إلى الله فما هي أفضل الطرق لاستدراك ما فرّط فيه ، نرجو
الإفادة ؟
الجواب :
عليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحا ، وذهب كثير من العلماء إلى أنه
عليه مع ذلك أن يقضي هذه الصلوات التي فاتته وعليه أن يُكفّر ، أما
القضاء فقد أخذه العلماء من قضاء النبي صلى الله عليه وسلّم للصلوات
التي فاتته اضطرارا ، فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قضى يوم الخندق
صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب في وقت العشاء بسبب أن المشركين
شغلوه عن هذه الصلوات فقام بقضائها في وقت العشاء حيث أمر بلالاً أن
يؤذن فأذّن ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا الظهر ، ثم أمره أن يقيم فأقام
وصلوا العصر ، ثم أمره أن يقيم فأقام وصلوا المغرب ، ثم أمره أن يقيم
فأقام وصلوا العشاء ، ولئن كان ساغ أن يقضي الإنسان بل وجب عليه أن
يقضي ما تركه اضطرار فأحرى أن يكون واجباً عليه أن يقضي ما تركه اختيارا
، فلذلك حمل العلماء حكم من ترك الصلاة اضطراراً تهاوناً بها على حكم
من تركها وهو غير مضطر .
وأما الكفارة فقد قيست على كفارة الصيام ، إذ لم يرد نص قط بوجوب الكفارة
في الصلاة ، ولكنهم قاسوا ذلك على كفارة الصيام نظراً إلى أن كل واحدة
من العبادتين عبادة موقوتة بوقت وتفوت بفوات ذلك الوقت ، والصلاة ليست
بأقل من الصيام من حيث التشدد فيها ، بل هي أولى أن يتشدد فيها لأنها
الركن الثاني من أركان الإسلام ، والركن الأول من أركانه العملية ،
فلذلك كانت حرية بهذا التشدد .
وهناك من العلماء من قال بأنه نظراً إلى أنه لم يأت نص عن النبي صلى
الله عليه وسلّم يفيد وجوب قضاء الصلاة على من تركها اختياراً قالوا
: إن ذلك لا يحمل على ما إذا تركها اضطرارا لأنه في حال تركها اضطراراً
معذور وفي حال تركها اختياراً غير معذور فكأنما يوصد الباب أمامه بحيث
يغلق عليه الباب فلا يمكنه أن يتدارك تلك الصلاة ، وبناء على هذا قالوا
: إنه أيضاً الكفارة في هذا لم تثبت ولا يؤخذ بحكم الكفارة فيما لم
تثبت فيه الكفارة لأن الكفارة من الأمور التوقيفية التي لا تقاس نظراً
إلى أنها شبيهة بالحدود .
والذي نأخذ نحن به أن القضاء لا بد منه ولكن الكفارة لا تلزم إلا أن
أرادها احتياطا ، إن أراد أن يحتاط لنفسه فيكفّر ففي ذلك خير كثير
بمشيئة الله ، ولكن لا نقول بوجوب هذه الكفارة عليه ، ومع هذا أيضاً
لا نقول بسقوط القضاء عنه لأنه يجب أن يتشدد في حق من ترك الصلاة تهاوناً
أكثر مما يتشدد في حق من تركها اضطرارا لأن ذلك له عذر وهذا ليس له
عذر فأولى بهذا أن يشدّد عليه ويلزم أن يتدارك ما فاته من هذه الصلاة
، والله تعالى أعلم .
رجل له زوجتان أصابه العجز عن معاشرة الزوجات وحاول العلاج فلم يفد
فماذا يلزمه تجاه زوجتيه ؟
ـ يخيرهن بين الصبر والطلاق والله أعلم
رجل ابتلي بزوجة لا تراعي حقوقه وتكلفه ما لا يطيق من مظاهر الترف
والكماليات وكثيرا ما تنشأ الخلافات بسبب ذلك فتقوم بشتمه وشتم أهله
وتتكلم بكلام غير لائق وكثيرا ما ينصحها عن التبرج والتزين لغير محارمها
وهي مع ذلك غير ملتفتة إلى نصحه فهل ترون من الافضل له الصبر على ما
يلاقيه منها أم يطلقها ؟
ـ إن وجد قدرة على الصبر واحتمال الأذى منها فليصبر وإن لم يطق ذلك
فليطلقها على أن يكون الطلاق موافقا لما يقتضيه حكم الله ورسوله من
حيث وقته ونوعه فمن حيث نوعه فليكن الطلاق طلقة واحدة فقط بحيث يقول
لها : أنت طالق أو فلانة طالق من غير أن يضيف إلى ذلك أي شيء مما يقوله
الجهلة وقد يفضي بهم إلى الكفر والعياذ بالله - كالتحليل والتحريم
- بغير بينة من الحق واما من حيث الوقت فليطلقها في طهر لم يباشرها
فيه دون سائر الاوقات والله اعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
دلالات تربوية في نماذج قرآنية 4
حوار ابن آدم مع أخيه الذي يريد قتله
ـ المرء مطالب بدراسة أي أمر قبل الإقدام عليه
ـ تدارك قابيل نفسه في الحياة بفعل الصالحات، والكف عن الشر المذموم
والمنهي عنه بشتى صوره
ـ هابيل يخوف قابيل من مغبة الإقدام على ما ينوي فعله.
ـ قابيل قتل هابيل بغيا عليه وحسدا له فيما وهبه الله من النعمة
الشيخ الدكتور/ مبارك بن مسلم بن مسعود الشعبني
نبأ ابني آدم
قال الله سبحانه في محكم التنزيل: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ
آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ
يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ
إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ
جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ (30)?1.
يحكي ابن كثير في تفسيره: أن الله ( في هذه الآيات الكريمة يبين وخيم
عاقبة البغي والحسد والظلم ؛ فقد قتل قابيل هابيل بغيا عليه وحسدا
له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله (ففاز
المقتول بعدم ارتكاب الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة
الخاسرة في الدارين، ثم يبين قصة ما حدث، فقال: إن الله تعالى شرع
لآدم أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، إذ كان يزوج أنثى هذا البطن
لذكر البطن الآخر؛ وكانت أخت هابيل قبيحة المنظر، وأخت قابيل وضيئة
، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا،
فمن تقبل منه فهي له فتقبل من هابيل، فكانت له؛ ولم يتقبل من قابيل،
فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه).
دواعي الحذر في هذا الحوار (أي الضرر المتوقع)
في هذا الحوار الذي يحكيه لنا رب العزة، نرى أن مكمن الضرر يكمن في
رغبة قابيل الاعتداء على نفس أخيه هابيل، وذلك عندما هدده قائلا(لأَقْتُلَنَّكَ)
وقد دفع الحسد ووساوس الشيطان(قابيل) إلى فعل ذلك؛ والذي كان سببه
عدم قبول الله قربانه الذي قدمه، وعدم رغبته في تشريع الله القاضي
بزواجه من أخت هابيل، إذ أنه يرغب الزواج من أخته التي ولدت في وقت
واحد معه .
أسلوب توقي الضرر(أي كيفية توقي ما يحذر وقوعه))
لقد حاول ابن آدم التقي درء هذا الاعتداء قبل وقوعه بعدة وسائل، يجمعها
أسلوب الميل إلى التهدئة؛ ولكنها جميعها لم تنجح، وذلك لاستشراء طابع
العدوان في قلب أخيه، ومن هذه الوسائل التي يمكن استخلاصها من الحوار،
والتي اتبعها هابيل لتجنيب نفسه الهلاك على يد أخيه؛ الآتي:
1ـ تذكيره بأهمية التقوى؛ في إشارة إلى ضرورة تدارك قابيل نفسه في
الحياة بفعل الصالحات، والكف عن الشر المذموم والمنهي عنه بشتى صوره
قال سبحانه على لسانه وهو ينصح أخاه: (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ) .
2 ـ إعلامه أنه لا يضمر له العداء؛ وعلى ذلك لن يرفع له يد البغي والعدوان
أبدا؛ وعزا هذا التصرف إلى مبدأ الخوف من الله، وفي هذا تنبيه لأخيه
إلى ضرورة الخوف من الله، وعدم البغي، قال الله على لسانه في ذلك:
( لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ
يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِين)
.
3 ـ تخويفه من مغبة الإقدام على ما ينوي فعله من إزهاق لنفس بريئة؛
ملفتا نظره إلى أنه سيحمل إثم من يقتله يوم القيامة، وأنه سيكون من
الظالمين معروفي الجزاء، وهو النار والعياذ بالله يقول سبحانه على
لسانه في ذلك: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ
مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِين)َ .
في هذا النموذج يلحظ عدم تحقق النتيجة المتوقعة، وهي النجاة من القتل
بالرغم من اتخاذ الأسباب، وذلك لأحد أمرين:
1 ـ تحقق مبدأ "لا ينفع حذر من قدر"، فقدر الله سبحانه غالب،
ووسائل توقي الضرر لا تضمن دائما السلامة، والمرء متعبد بالأخذ بها
كأسباب مع التوكل على الله سبحانه، وتفويض الأمر إليه.
2 ـ عدم كمال حذر هابيل من أخيه، إذ ربما تردُّدُ قابيل في قتله بعد
سماعه النصح هو ما طمأن هابيل، وظن هابيل أن أخيه قابيل قد تراجع عن
قراره في القتل ويلحظ ذلك من خلال التعبير القرآني في لفظة فَطَوَّعَتْ
، يقول صاحب روح المعاني: التطويع دلالة على التردد في قدرته على القتل،
ويستدل بقراءة وردت عن الحسن : "فطوعت له نفسه قتل أخيه"،
ومن أوجه معانيها أن القتل يدعو النفس إلى الإقدام، ولكن النفس تأباه
ويقول الشوكاني أن لفظة (فَطَوَّعَتْ) تدل على أن هذه التطويع لم يكن
وقت تحاورهما ولكن بعد مدة .
دلالات تربوية لهذا الحوار
إن من الدلالات التربوية التي يلحظ فيها إشارات تحذيرية التي يمكن
استخلاصها من حوار ابني آدم؛ الآتي:
1 ـ غياب الوازع الديني من النفوس يؤدي إلى الضرر والهلاك، والمرء
مطالب بغرسه في نفسه والآخرين حتى يأمن الشرور والمكاره فالوازع الديني
هو خير ما يروض النفس ويهذبها مما جبلت عليه من حرص وطمع وأنانية وحب
للخير ؛ يقول سبحانه واصفا النفس البشرية: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ
لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ
الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8). ومن هنا فلا بد من أن يهتم المربون بذلك
فبالوازع الديني وتربية الضمير بالإيمان، يستتب الأمن وتستقر الحياة
ومن هنا نجد جل شأنه يشيد بتربية النفس ويعد صاحبها الجزاء الأوفى
في الآخرة، يقول سبحانه:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى
النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
(41) ومن خلال الحوار تبين مدى أهمية هذا المبدأ ؛ والذي تمثل في النفس
الأبية عن دنايا الأمور، في هابيل، الذي نجده هادئا في مواجهة هجمة
أخيه الحاقد عليه علنا فهو لم يبادله الحدة نفسها في اللهجة بل كان
شأنه تهدئة ثورة أخيه؛ والذي تمثل في تذكيره بربه، والخوف منه سبحانه.
كما أن هذا المبدأ- أي الوازع الديني- نجد أهميته في ضياع من فقده،
وهو قابيل، الذي زادت عليه الهواجس الشيطانية ، فجعلته صريع هواها
- والعياذ بالله - ؛ فبرغم الذكرى التي يلين لها القلب، والتي قالها
له أخوه، إلا أن النفس التي تمثل موت الضمير وغياب الوازع الديني نجدها
لا تهتم لتلك الذكرى، ولا للمعاني السماوية السامية .
2 ـ الحرص على معالجة الأمراض الخلقية كالحسد - مثلا- من الأمور التي
تعين في دفع شرور الآخرين وأذاهم إذ الحسد داء خطير، وشر مستطير؛ فإنه
إذا ما استحوذ على النفس أعماها عن الصواب، وانحرف بها عن الجادة؛
وهو سبب كل قطيعة، ومفرق كل جماعة، وقد يدفع الإنسان إلى المكايدة
في الحق، وسلوك سبيل الضلال وهو عالم بذلك - والعياذ بالله-. وهذا
ما يلحظ في هذا الحوار، فعدم قبول قربان قابيل ، وعدم رضاه بقسمة المشرع
في الزواج،كل ذلك دفعه إلى ما دفعه من إجرام يقول اللحام صاحب كتاب
قصص القرآن الكريم:"ورغم العظة البالغة من أخيه له فما زال الوسواس
في صدره، وتتفاعل في قلبه أحقاده، وحسده لأخيه، على ما ناله من حظوة
عند رب العالمين، في قبوله قربانه، وفيما ترتب على هذا القبول من زواج،
حتى قتله" . ولذلك نجد أن الشريعة الغراء تنهى عن الحسد أيما
نهي، معزية وجوده في النفس إلى نقص الإيمان عند المرء، وعدم الرضا
بقسمة الله في عباده في هذه الحياة يقول سبحانه مخبرا عباده أنه وحده
مقدر الأرزاق بين عباده: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ
يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ
مِنْ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ
هُمْ يَكْفُرُونَ (72) ؛ ويقول سبحانه مذكرا الناس أن النعم التي يتمتعون
بها إنما هي في حقيقتها من الله وحده: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ
فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ).
ويقول الرسول (: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا
عباد الله إخوانا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".
3 ـ مقابلة الإساءة بالإحسان مبدأ يوقي المرء-عادة- من الضرر، فعند
إظهار شخص ما العداء، لا يمنع من تقديم المعادي كل ما يسعد معاديه
في دنياه وأخراه، لعله يكف شره عنه-على الأقل- ويرتدع؛ إذ ما يقوله
المرء من نصح وتوعية سيعود عليه بالنفع دنيا وآخرة وهذا ما فعله هابيل
مع أخيه قابيل ؛ فبرغم تهديده له، يلحظ المتأمل مدى إخلاص النصح له،
فقد ذكره بتقوى الله والمخافة منه سبحانه، وأن عليه أن يخلص النية
في تقربه لخالقه إن منهج مقابلة الإساءة بالإحسان منهج يحث عليه الشرع
الحنيف في تعاليمه، ففي القرآن الكريم نجد الحث صراحة على ذلك في قوله
سبحانه: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ
مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ (36) يقول السيوطي: "أخرج عبد بن حميد عن الحسن (
، وما يلقاها إلا الذين صبروا، قال: والله لا يصيبها صاحبها، حتى يكظم
غيظا، ويصفح عن بعض ما يكره ؛ وأخرج ابن المنذر عن أنس -رضي الله-
عنه في قوله : وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم،
قال: الرجل يشتمه أخوه، فيقول : إن كنت صادقا يغفر الله لي، وإن كنت
كاذبا يغفر الله لك" .
4 ـ إن النفس البشرية ينازعها الشيطان في كل لحظة لينزغها؛ ويدعوها
لإيقاع الضرر بالآخرين وبتوقف دعوة الحق تظهر دعوة الباطل، وقد أخبرنا
جل شأنه على لسان الشيطان نفسه بأنه داعية إلى الشر، في اعتراف منه
صريح لأعوانه في يوم لا ينفع فيه الندم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا
قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا
أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وهذا ما يستشفه العلماء من قصة ابني آدم؛
فتعبير "فطوعت له نفسه" يدل على المنازعة النفسية الداخلية
بين الإقبال على القتل، والإحجام عنه، حتى استقر على الإقدام عليه
ومن هنا فلا بد من تكاتف الأفراد المصلحين في إصلاح من يريد الشيطان
اختطافه، وعدم اليأس من ذلك فإنهم بتركهم إياه تهاونا ستظهر فيه نزعة
الشيطان، وحينها يصعب العلاج إن نزعة الخير في النفس البشرية بحاجة
إلى إثارة حتى تنمو ويظهر نتاجها وأثرها، وإلا فهي موجودة، ولكن لا
يذكي جذوتها إلا المصلحون وكذلك يستشف من هذا الحوار أن للشيطان خطوات،
الثانية أقوى من سابقتها في الخطورة، فهو يستدرج المرء في الخطيئة،
فقد كان ابن آدم يكن الحقد في قلبه على أخيه، ثم ما لبث أن تطور إلى
تهديد، ثم تطور إلى تخطيط، ثم قتل متعمد، وهي الجريمة التي يكون الشيطان
قد كسب بها فردا في حزبه الجهنمي، إذ جريمة القتل المتعمد من الجرائم
التي تورث الخلود في جنهم- والعياذ بالله - بصريح الآية: (وَمَنْ يَقْتُلْ
مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93)
، فضلا عما "تورثه من ذل للقاتل في هذه الحياة" ، ويستشف
ذلك مما حدث لهابيل من ذل وندم وهوان.
5 ـ ضرورة التعايش السلمي للإنسان مع الإنسان مهما كانت التوجهات؛
فسياق الآية يحكي إنكار الله سبحانه على اليهود فعلهم، وما يفعلونه
في البشرية من عدوان وتنكيل، حتى طال عدوانهم الأنبياء والمصلحين،
وهاهم قد هموا بالنبي ( وصحبه ويعزز ذلك القول تعقيب الله على القصة
بعد نهايتها ،إذ قال سبحانه:(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ
فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا
بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي
الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) .
6 ـ المرء مطالب بدراسة أي أمر قبل الإقدام عليه؛ وذلك عن طريق النظر
في جدواه وأبعاده، حتى لا يقع فيما لا يرتضيه من خسارة وندم وحتى تكون
النظرة المستقبلية لأي أمر سديدة، أرشدنا الشرع الحنيف إلى التأني
وإعادة النظر، والاستشارة ومن ثم الاستخارة وفي هذا النموذج من الحوار
نجد أن ندم ابن آدم إنما نتج عن خطأ في تقدير الحسابات والنتائج، ولم
يتبين له حقيقة النتاج إلا من بعد ما وقع في الإشكال .
7 ـ الفعل الحسن يجعل صاحبه مضرب المثل في الخير، والفعل السيئ يجعل
صاحبه مضرب المثل في السوء، وشتان بين المثلين وفي هذا النموذج نجد
أن الله سبحانه يضرب لنا المثل الأعلى مجسدا في سلوك ابن آدم التقي
، ويجعله مثالا لمن أراد الفضيلة والنزاهة، وقدوة لمن أراد الخير والصلاح
والإصلاح فقد رفع الله ذكره بأن جعله في كتابه إلى يوم الدين، من خلال
تبجيل موقفه الذي وقفه ؛ وهو مثل تبجيله سبحانه الرسول محمدا ( حين
وصفه بأسمى الصفات وأعظم الأوصاف: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
(4) . وقد أخبر الله سبحانه نبيه محمدا بامتنانه عليه برفع ذكره، وذلك
في قوله:(وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ؛ وهو ثمرة إخلاصه ( لم يردها
لذاتها، وإنما جاء ذلك إكراما من الله سبحانه له، ولمن يخلص في هذه
الحياة يقول الطبري في تفسيره للآية {ورفعنا لك ذكرك}: "أي رفع
الله ذكرك في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا مستشهد، ولا صاحب صلاة،
إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"
في المقابل أن القاتل لأخيه من ابن آدم جعل مثل سوء في الشر، كما جعل
الوليد بن المغيرة وأبو لهب، وهكذا من يسير على شاكلتهما.
8 ـ يحسن عدم تفصيل عملية الإجرام، عند إخبار الناس بوقوعها، خاصة
في ذكر كيفية وقوعها، وأفرادها، إلا مع الخاصة ممن يعنيهم أمر التفاصيل،
كالقضاء والباحثين الجنائين وغيرهم يستشف ذلك من خلال إجمال القرآن
للحدث في هذا الحوار؛ فلم يبين كيفية القتل، ولا مكان حدوثه، كما لم
يصرح باسم القاتل والمقتول ولكن طوى صفحة الحدث بمجرد ذكره وقوع الفعل
فاكتفى بالقول: (فقتله) دون تفصيل ، فالمرء عند ذكره عيب ما لا يذكره
إلا بقدر ما يؤدي الغرض من وعظ وتحذير وما شابهه يقول سبحانه ناهيا
عن القول القبيح في الناس: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ
مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً(148)
؛ يقول البغوي في تفسيره:" يعني لا يحب الله الجهر بالقبح من
القول إلا من ظلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن الظالم، وأن يدعو عليه
ويقول في دعائه: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي منه" ويقول
جل شأنه ناهيا عن إشاعة الفحشاء في المجتمع: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ
أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(19)
؛ يقول السيوطي معقبا على تفسير الآية: "في هذه الآية عبرة عظيمة
لجميع المسلمين، أنه إذا كانت فيهم خطيئة، فمن أعان عليها بفعل أو
كلام أو عرض لها أو أعجبه ذلك أو رضي فهو في تلك الخطيئة على قدر ما
كان منه؛ وإذا كانت الخطيئة بين المسلمين، فإنه من شهد وكره فهو مثل
الغائب في الحكم، ومن غاب ورضي فهو مثل الشاهد" .
9 ـ عدم الاستعداد لمواجهة أي اعتداء متوقع أمر نتيجته ضارة وخطيرة،
وهذا لا يتنافى ومبدأ ضبط النفس، فضبط النفس في مواجهة الخصم ليس معناه
عدم الاستعداد لصد أي اعتداء، وعدم اتخاذ أسباب الحذر؛ بل معناه الترفع
عن مقابلة الشدة بالشدة، ومحاولة تهدئة الوضع؛ وهي معاني عظيمة أرشدنا
إليها شرعنا الحنيف، وعد المتصف بها من العظماء والأقوياء؛ وهو ما
يلحظ من فعل ابن آدم التقي-هابيل-، فهو عندما قال: (لَئِنْ بَسَطتَ
إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ
لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ، لم
يعن أنه لن يبسط إليه يديه ليدافع عن نفسه، بل لن يبسط يداه إليه ليقتله
خاصة وكما يقول الثعالبي في تفسيره واصفا حسب الروايات هابيل:"
قال عبد الله بن عمر وجمهور الناس: كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه
تحرج القتل" فالفطرة السوية لا محالة تأبى الخنوع للاعتداء، والاستكانة؛
هذا فضلا عن أمر الله لها بمواجهة أي اعتداء، بإعداد القوة للمواجهة
وما شابهه مما يردع المعتدي فابنا آدم يمثلان هنا نوعين من التوجهات،
توجه مجرم؛ لا يؤمن إلا بمنطق القوة والقسر لتحقيق مآربه وطموحاته
الظالمة، وتوجه مسالم؛ يحكم العقل والمنطق والدين فيما يقوم به، وما
يرغبه من طموحات .
10 ـ إن الدين والاستقامة عليه أمر يثير حفيظة فاقديه، فينبغي الحذر
منهم، والتنبه لهم ومكائدهم وتزداد إثارتهم تلك لما يرون ثمار الاستقامة
على الدين بارزة في أصحابه، من نصر وتوفيق وخير مادي وغيره؛ فيدفعهم
كل ذلك إلى العدوان، حسدا من عند أنفسهم وهذا مما دفع ابن آدم في الحوار؛
فهو لما لم يقبل قربانه، أحس في نفسه النقص والقصور، وبالرغم من تبين
سبب هذا النقص، والذي قد ذكره له أخوه في أنه يكمن في فقده التقوى
من قلبه، إلا أن ذلك لم يمنعه من استئصال أخيه من الوجود للتفرد بالخير،
الذي لم ير وسيلة في أخذه إلا بسلب الآخر حياته، ومن ثم الاستيلاء
على ما يملك وعلى ذلك يحسن الحذر والتحذير من الأعداء فهم مهما أبدوا
حسن التعامل، فإنهم لا محالة بمجرد ما تتيح لهم الفرصة للاعتداء اعتدوا.
11 ـ إضمار العداء قد يكون من أقرب المقربين؛ وحتى يتجنب الضرر من
القريب يحسن أن تكون العلاقة مبنية على الحب في الله، حاله حال غيره
ومن مقتضيات الحب في الله دعوته إلى الخير والنصح له، حتى لا يشذ؛
إذ أن شر الشاذ لا يقتصر على الغريب، فقد يبدأ بقريبه.
أعلى
الحياة أوقات يجب إستغلالها 1
سيف بن عبدالله الناعبي
اعلم عزيزي القارىء غفر الله لي ولك إنك مساءل عن الوقت , فإن لم يكن
لك فهو عليك !!! وأن المغزى من خلق الخلق هو عبادة الله ,وهذا هو الهدف
الحقيقي والرئيس الذي يجب أن يكون في حياتك , وعلى جوارحك أن تتحرك
وتعمل لتحقيق هذا الهدف وأن باقي الأعمال يفترض أن تصب في صالح هذا
الأمر. قال أحد العلماء: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير
هذا. أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى لا يمازجه نفسٌ
ولا هوىً ولا دنيا. ووقت الإنسان هو عمره في الحقيقة, وهو مادة حياته
الأبدية في النعيم المقيم, ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم, وهو
يمر مرَّ السحاب, فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره, وغير ذلك
ليس محسوباً من حياته... . فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني
الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة, فموت هذا خير من حياته،
وينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته, فلا يضيع منه لحظة في
غير قربة, ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل, ولتكن نيته في
الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل " .
فلا يشك أحد بأن الوقت هو الحياة , فعمر الإنسان عبارة عن أيــام ,
كما قال الحسن البصري : "يا ابن آدم, إنما أنت أيام, إذا ذهب
يوم ذهب بعضك". والأيام ما هي إلا ساعات ودقائق لهذا على المرء
أن يتفكر أين يذهب يومه , والإسلام اهتم بإدارة الوقت الخاص إضافة
إلى إدارة وقت العمل, ذلك أن الإسلام اهتم بوقت المسلم بصفة عامّة
وحثه على اغتنامه وعدم إضاعته فهو من الأمور التي يُسأل عنها يوم القيامة
يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا تزول قدم عبد يوم القيامة
حتى يُسأل عن أربع خصال : عن عمره فيم أفناه, وعن شبابه فيم أبلاه,
وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وعن علمه ماذا عمل فيه "
, والإسلام نظم حياة المسلم ووقته فقد نظم نومه واستيقاظه, وأداءه
للشعائر, وانطلاقه إلى ميدان الحياة, ليجعل عمله كله عبادة لله عز
وجل يقوم على أساس الشعائر كلها وعلى أساس من ذكر الله الملازم له..
وإذا أردنا أن نقدر أعمار هذه الأمة فقد روي عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَليْهِ وسَلَّم:" أعمارُ
أمَّتي ما بينَ السِّتِّينِ إلى السّبعِينِ وأقَلُّهُم مَنْ يَجُوزُ
ذَلِكَ " , فإذا أخذنا بفرضية أن العمر سبعين سنة , اعلم رحمك
الله بأن كل خمس دقائق تقضيها يومياً تقدر من إجمالي عمرك بـ ثلاثة
أشهر تقريباً , وأن كل ساعة تقضيها يومياً تقدر بــ ثلاث سنوات من
إجمالي عمرك.
إذا علمت ذلك فعليك استثمار وقتك الاستثمار الأمثل بحيث لا تضيعه وحاول
أن تقدر الأمر كما ينبغي فتسأل نفسك لم ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ وأين ؟ ونظم
وقتك لكي لا تفقد الكثير منه بدون فائدة ويأتي يوم لا ينفع مال ولا
بنون وتقول ليتني فعلت وليتني قلت !!!
أعلى
النيرات المنيرات
أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية رضي الله عنها
من آل البيــــت
لقد منح الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم الصحبة للنبي المصطفى
ومكانة عظيمة منه, فنزلت آيات القرآن الكريم والذكر الحكيم في حقهن
فهن لسن كأحد من النساء في الفضيلة والفضل والشرف والتقوى قال تعالى
في كتابه العزيز ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيرا).
قال الزجاج : يراد به نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يراد به
نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته .
وقال القرطبي في تفسيره الذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل
البيت من الأزواج وغيرهم وإنما قال : ( ويطهركم ) لأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم وعليا وحسنا وحسينا كان فيهن وإذا اجتمع المذكر والمؤنث
غلب المذكر فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة
لهن يدل سياق الكلام كما وافقه الإمام فخر الدين الرازي في هذا المفهوم
وأم سلمة بالطبع رضي الله عنها واحدة من أمهات المؤمنين حيث قال تعالى:
( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) وقال تعالى :
( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع
الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا* وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج
الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فآل بيت النبي
صلى الله عليه وسلم أزواجه وذريته الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس
وطهرهم تطهيرا .
وقد نزلت هذه الآية المباركة في بيت أم سلمة- رضي الله تعالىعنها -
تفخر بنزول هذه الآية في بيتها , فضاهت بذلك أم المؤمنين عائشة ابنة
الصديق- رضي الله عنهما- بأن الوحي نزل في بيتها كما نزل في بيت عائشة
رضي الله عنها.
رجاحة عقلها في كل موقف
كانت أم سلمة رضي الله عنها راجحة العقل في كل موقف من مواقف الحياة
الخاصة والعامة من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان غاضبا على
الفتية من أقرباء أم سلمة يوم فتح مكة وهما أبو سفيان بن الحارث بن
عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة فظلت بالنبي صلى الله
عليه وسلم حتي رضي الله عنهما وأعلنا إسلامهما كما كان صلى الله عليه
وسلم غاضبا على أخيها المهاجر بن أبى أمية الذي كان النبي الكريم صلى
الله عليه وسلم استعمله على كندة وكان قد تخلف عن تبوك فرجع النبي
وهو عاتب عليه فظلت به أم سلمة حتي رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم.
جمال أم سلمة ومكانتها عند رسول الله
كانت أم سلمة على قدر كبير من الجمال حتى أن عائشة كانت تغار منها
وقد روي عن هند بنت الحارث الفراسية قالت : ( قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: إن لعائشة مني شعبة ما نزلها مني أحد. فلما تزوج أم سلمة
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقيل: يا رسول الله ما فعلت الشعبة
؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده
). كما أن أم سلمة كانت تسعى لمرضاة الله - جل وعلا - ومرضاة النبي
صلى الله عليه وسلم فنالت مكانة رفيعة عنده صلى الله عليه وسلم .
زينب بنت أم سلمة - رضي الله عنها
جاءت أم سلمة بابنتها زينب صغيرة إلى بيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فكان يدللها ويعتبرها من أهل البيت وقد شبت زينب بنت أم سلمة
في رعاية النبي صلى الله عليه وسلم واستمدت منه العلم والفقة فكانت
أفقة نساء عصرها ويروى أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو
يغتسل فنضح في وجهها الماء فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت وأسنت
.
إعداد / أم الزبرجد الشيبانية.
أعلى
من الإصدارات العُمانية
إليك لمسات من فن التعامل مع الآخرين
عرض : مبارك بن عبدالله العامري
التعامل مع الآخرين أسلوب ينتهجه كل إنسان بأسلوب ينمي عن المحبة والآلفة
بين أفراد المجتمع فمن خلال التعامل مع أفراد المجتمع يكسب محبة وتقدير
يجمعه معهم يعيش معهم أفراحهم وأحزانهم وجاء كتيب إليك لمسات من فن
التعامل مع الآخرين لزيانة بنت خلفان الحارثية يحمل بين أوراقه العديد
من اللمسات الكتيب صدر عن مكتبة الجيل الواعد ويقع في 51صفحة .
في اللمسة الأولى أصول التحية والمصافحة تقول المؤلفة : السلام أول
أسباب التآلف ومفتاح استجلاب المودة ، وفي إفشائه تحقيق للألفة بين
المسلمين وإظهار شعارهم الذي يميزهم عن غيرهم فعن أبي هريرة رضي الله
عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا
، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم)وَإِذَا
حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) (النساء:86)
؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : أفشوا السلام بينكم ـ رواه مسلم
عند إلقاء السلام يستحب أن تأتي بصيغته كاملة وهي : السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته أما رد السلام فهو واجب يتعين على المسلم الرد وإلا أثم
، وتكون صفة الرد بمثل السلام أو أحسن منها .
كلما تجدد اللقاء بينك وبين صديقتك ابدئيها بالسلام والمصافحة مع بشاشة
الوجه ، وطيب الكلام ، فهذا سلوك يدل على الحب والمودة ، واتركي المعانقة
إلا عند قدوم من السفر أو عدم رؤيتها منذ فترة طويلة فعن أنس رضي عنه
قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إذا تلاقوا تصافحوا وإذا
قدموا من السفر تعانقوا ( رواه الطبراني ) وعن أنس بن مالك قال قال
رجل : يا رسول الله ، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال
: لا قال : فيلتزمه ويقبله ، قال : لا قال : فيأخذ بيده ويصافحه قال
نعم ( رواه الترمذي ) .
وتحدثت في هذا الكتيب عن فضل الهدية وقالت : تعتبر الهدية رسالة رقيقة
تحمل بين طياتها الكثير من المعاني والمودة والألفة ، وتساعد على تعميق
الروابط الاجتماعية بين الأهل والأصدقاء وقد أكد على ذلك المصطفى صلى
الله عليه وسلم فقال : تهادوا تحابوا ( أخرجه البخاري ) وتترك المهادة
انطباعا محببا في النفس وتسهل فتح القلوب المغلقة ، فإذا أردت أن تشعري
المحيطين بك بمدى اهتمامك بهم قدمي لهم هدية بسيطة وفي هذه اللمسة
أعدت المؤلفة كيفية مهاداة الآخرين وكيفية استقبال هداياهم .
وأشارت المؤلفة عن التقيد بآداب الزيارة فقالت : نحن نتزاور ونحتاج
إلى قضاء وقت ممتع ولطيف مع من نحبهم وتربطنا بهم صداقة أو قرابة ،
فتثمر هذه الزيارة المودة والمحبة والألفة بيننا ، لذا ينبغي أن تكون
النية من الزيارة الحب في الله واحتساب الأجر العظيم وليس لمصلحة شخصية
أو التطفل فعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً زار أخا له في قرية
أخرى فأرسل الله له على مدرجته ( أي طريقه ) ملكاً قال أين تريد ؟
قال أريد أخاً لي في هذه القرية قال : هل لك عليه من نعمة تربها قال
: لا غير أنني أحببته في الله قال : فإني رسول الله إليك بأن الله
قد أحبك كما أحببته فيه رواه مسلم .
وتحدثت في اللمسة الرابعة فن الحديث مع الآخرين : الحديث فن وأسلوب
عليك إتقانه ، وقد أصبحت المحادثة بين الناس تفتقر في الكثير من الأحيان
إلى اللباقة والذوق ، فإذا تأملنا أحاديثنا نرى فيها خللاً كبيراً
حيث تعمر غالباً بالضجيج والصوت العالي والمشاركة في الكلام وكأن كل
واحدة من الحاضرات تريد أن تتحدث وتتحدث دون أن تترك فرصة لغيرها ،
ومن قواعد وآداب المهمة للمحادثة : حديثك دليل شخصيتك فلا تتحدثي بصوت
مرتفع فهذه عادة سيئة في المحادثات والحوارات ، فالصوت العالي يسبب
الإزعاج ويفقد المتحدثة رغبة الآخرين في الاستماع إليها ويظهرك كأنك
تفرضين رأيك على الآخرين ، بل تحدثي بصوت هادىء رقيق فهو محبب للسمع
فقد قال الله تعالى (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان:19)
وأضافت عبر هذا الكتيب المؤلفة عن لمسة التعامل مع الهاتف قائلة :
الهاتف نعمة عظيمة ومنحة جليلة سخرها الخالق للإنسان ليطوي المسافات
البعيدة ، ويعينه على تبادل الأخبار والمعلومات ، وللهاتف آداب عند
استحدامه يجب أن نلتزم بها بالأصول اللائقة سواء كان محدثين أو متحدثين
وتطرقت المؤلفة عن هذه الآداب عبر هذه اللمسة .
وصلة الرحم جعلها الله سبحانه وتعالى صلة تقرب الأرحام بعضهم ليتوصلوا
دائما وفي هذه اللمسة أوضحت المؤلفة عن خصلة صلة الرحم : إن صلة الأرحام
من أعظم القربات إلى الله وأجلها ، وبصلتك لرحمك تكوني قد أدخلت السرور
والفرح عليهم ، وتزيدي في رزقك وتبارك في عمرك ، فقد قال الرسول صلى
الله عليه وسلم : من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ، ويدفع
عن ميتة السوء ، فليتق الله ، وليصل رحمه ( رواه البزار ) صلي رحمك
وابقي على الود واحفظي العهد وانثري المحبة والسعادة والسلام ، وصلي
من قطعك وأعطي من حرمك واعفي عن من ظلمك.
أعلى
شؤون نسائية
هل المرأة ناقصة عقل ودين؟!
يشيع في المجتمعات الاسلامية وخصوصا بين الرجال
بعض المفاهيم المغلوطة عن المرأة ويشتط أحدهم تأكيدا بذلك بذكر حديث
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:(لا أرى من ناقصات عقل ودين أذهب
للب المرء منكن) ويؤكد قوله هذا بحديث آخر له ـ صلى الله عليه وسلم
ـ يقول فيه:(استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج
شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج،
فاستوصوا بالنساء خيرا).
وتجري على ألسنة غير العالمين بمعناه ألفاظ لا تليق بالمرأة المسلمة
حتى ان بعضهم ليتندر بقوله: أنت عوجاء في كل شيء، او انت ضلع اعوج،
ويعد هذا الحديث انتقاصا لشأن المرأة وإهانة لها. والحقيقة أن ثمة
أمورا فهمت على غير حقيقتها في شريعة الله السمحاء منها تفسيرهم لهذين
الحديثين ونحاول هنا ان نبين وجه الحق بكل موضوعية وإنصاف، فقوله ـ
صلى الله عليه وسلم ـ:(ناقصات عقل ودين) جاء في معرض مزاحه الصادق
في يوم العيد وبعد أن انتهى من خطبته وهو عائد فرأى بعض النساء اللواتي
يشهدن الخطبة ويعتزلن المصلى لعذر شرعي، فأراد ان يخفف عنهن بمزحه
الشريف وتلطفه الرقيق الذي لم يخرج عن حد الصواب، وذلك أن المرأة يتضح
نقصان دينها في الايام التي تكون فيها في حيض أو نفاس ولا تصوم او
تصلي ولا تمسك كتاب الله ولا تطوف بالبيت الحرام ولا تمكث في المسجد
إلى غير ذلك من احكام شرعية تخص المرأة في هذه الفترة فتمنعها عن أداء
العبادات، وهذا خارج عن ارادتها وموافق لفطرتها وطبيعتها، ويتناغم
مع نفسياتها في هذه الفترة الحرجة.
فهي بذلك تقل او تنقص عن الرجل فيما يتعلق بقضية العبادات صوما وصلاة
وطوافا بالبيت ومكثا في المسجد، ومسّاأة للمصحف ونحو ذلك بما يبدو
معه للرجال أنها اقل طاعة وهو فهم مغلوط فليس انتقاصا في أصل دينها
او خدشا لجدار عقيدتها، وانما هو امر خارج عن ارادتها وقانون يسري
على جميع بنات حواء، وليس فيه انتقاص من قريب او بعيد، او امتهان في
فتيل او قطمير.
واما نقصان عقلها فعائد الى فطرتها التي فطرها الله عليها من طغيان
الجانب العاطفي على الجانب العقلي الذي يتناسب ومهمتها التي خلقت من
أجلها فهي مخلوق يملؤه الحنان لكي يحافظ على أثمن شيء في هذا الوجود
وهو الاولاد ورعاية الازواج وإضفاء لمسات الحب ومعاني الحنان على أجواء
البيت ولو أنها حكمت عقلها فقط دون ان تحيطه بعواطفها النبيلة واحاسيسها
المرهفة لكان جوّا جافا لا يطاق، فعلى سبيل المثال اذا بكى طفلها بليل
في حضور زوجها وازداد بكاؤه فإن الأب سرعان ما يأخذ وسادته ويخرج من
هذه الحجرة التي تغص ببكاء الطفل غير أن الأم تأخذه وتضمه إلى صدرها
وتسكب عليه من حنانها وودّها مالا يتحمله الرجل مع أنها طوال يومها
مجهدة في بيتها سواء من عمل بيتها او من عملها في مؤسستها، غير انها
تغلب فيها جانب العاطفة وعادت إلى فطرتها في الرقة والحنان، وكذلك
يتضح نقصان عقلها في انها لكثرة أعمالها البيتية من تنظيف لأثاث البيت
وترتيب للأسّرة وتطهير لمرافقه وإعداد للطعام ورعاية للاولاد مستمرة
تكون في شغل شاغل عن ان تتذكر كثيرا من الامور، وقد تنسى بعضها جراء
شواغلها وتعبها، فإذا طلبت للشهادة في امور القضاء فقد يعتريها النسيان
ولا تتذكر شيئا مما حدث بدقة فتحتاج إلى ان تذكّر بامرأة أخرى تشهد
معها لتذكّرها بما نسيته ومن ثم قال الله تعالى:(واستشهدوا شهيدين
من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء
أن تضل احداهما فتذكر إحداهما الاخرى ..) البقرة 282.
ومن ثم كان شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد من اجل هذا السبب الفطري
الذي خلقت عليه المرأة ولذلك فإنها ساعة النقاش والجدال والتعمق في
القضايا العلمية تكون أقل من الرجال وذلك عائد كما قلنا سلفا إلى استفراغ
طاقاتها في بيتها ومع اولادها وزوجها فلا يمكن ان تكلفها فوق طاقتها
قال تعالى:(او من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) الزخرف 18.
ومن هنا يتضح اهتراء ذلك الفهم وان اصحابه يهرفون بما لا يعرفون، ويجهلون
مقاصد هذا الدين وغاياته الكبرى فيسارعون باتهامه وان المرأة فيه لا
تعدوا ان تكون ناقصة في اخص ما تملك: عقلها ودينها وهذا ما لا ينبغي
ان نسير إليه، او نمضي ساكتين عليه.
اما فيما يتعلق بالحديث الآخر وانها خلقت من ضلع اعوج فيلزمنا كذلك
توضيح ما فيه حيث إنه امتداح للمرأة وتوسيد لمكانتها وإعلاء من كرامتها
وتبيين لمهمتها فإن الضلع في الاصل مخلوق في صورة مقوسة وذلك ليؤدي
مهمته في الحياة لأنه لو استقام لما أدى مهمته في حماية الصدور، فاعوجاجه
استقامة لمهمته، واعوجاجه كذلك يعني انه خلق صالحا لأن يؤدي وظيفته
في الحياة وان يحافظ على الصدر وان يحميه من ان يصاب بسوء، ونضرب مثلا
آخر يوضح ذلك، فإننا نرى الكرسي في كثير من ثناياه وتعرجاته مؤديا
لوظيفته في الجلوس عليه، فلو أننا صنعناه خشبة مستقيمة لما امكننا
ان نستفيد منه ولأضحى خشبة ملقاة لا قيمة لها، فاعوجاجه لا يسمى اعوجاجا
وانما هو عين الاستقامة، فالمرأة عندما يقال: انها خلقت من ضلع اعوج
فهو اعتراف بقدرها واقرار بسمو مهمتها وجليل قدرها، فإنها بتثنيها
ودلالها على زوجها تؤنسه وتحقق له معنى السكن المنشود والراحة المطلوبة
حتى يجد في بيته السعادة والهناء ويخرج إلى الناس اسدا، ويمضي في حياته
رجلا.
فالرجل والمرأة متشابهان ولكنهما مختلفان عند توزيع الطاقات، الرجل
محتاج الى عقل لا يتأثر بالعاطفة، والمرأة محتاجة الى عاطفة لا يقتلها
العقل، فمن تمام خلق المرأة انها خلقت من ضلع اعوج، والاعوجاج هنا
ميزة حتى تظل تحنو على اطفالها وزوجها العمر الطويل دون ملل ودون ضيق
او كلل وبنفس سوية راضية.
اردت بذلك ان اوضح بعض هذه المفاهيم غير الصحيحة، والتي أسيء فيها
فهم كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه لا ينطق عن هوى، ولا
يصدر الا عن وحي وهدى ولا تخرج الإساءة من فيه الشريف، وهو الذي جاء
على لسانه:(الجنة تحت اقدام الامهات) (خيركم خيركم لأهله ..) ، (ما
اكرمهن الا كريم وما اهانهن الا لئيم)، (خيركم من بكّر بأنثى)، إلى
غير ذلك من احاديث تعلي من قدر المرأة حتى قال في آخر لحظة من حياته
ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي ذهب بعدها إلى الرفيق الاعلى:(استوصوا
بالنساء خيرا)، صلى الله وسلم وبارك عليه في كل وقت وحين، والحمد لله
رب العالمين.
مها محمد البشير حسين نافع
ماجستير من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة ـ قسم الشريعة الاسلامية
أعلى
(المرء مع من أحب)
ربما يكون هذا العنوان أصبح مألوفاً عند الكثير
من الناس, ولكنه في الحقيقة له منزلة عند الله عظيمة, ويبدأ عنوان
المحبة, أو يتأصل أولاً في تقديم أحب الأشياء للنفس إلى الله تعالى,
ومن أحب الأشياء إلى ابن آدم المال, فلقد جُبلت النفس على حب المال
من قديم الزمن, فتعرف العبد إن كان محباً لله تعالى, من عدمه عند الإنفاق
في سبيل الله تعالى (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ) آل عمران (92) فعندما يتبرع العبد المسلم من ماله, ونفسه
راضية بذلك, فاعلم أنه من المحبين في الله تعالى واعلم أخا الإسلام:
أن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان, روى الإمام أحمد في مسنده
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (المتحابون في جلالي
في ظل عرشي يوم القيامة, يوم لا ظل إلا ظلي) وروى الطبراني (إذا زار
المسلم أخاه المسلم شيعه سبعون ألف ملك يُصلًون عليه يقولون: اللهم
كما وصله فيك فصله) وقال أبو مسلم الخولاني, لمعاذ بن جبل: إني أحبك
في الله, فقال له: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
(يُنصب لطائفة من أمتي كراسي حول العرش يوم القيامة, وجوههم كالقمر
ليلة البدر, يفزع الناس ولا يفزعون, ويخاف الناس ولا يخافون وهم أولياء
الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: المتحابون في الله) قال العلماء (المحبة تكون مباحة بأن يُحب
عامة الناس ومكروهة: وهي محبة الدنيا, ونافلة وهي محبة الأهل والولد,
وفرضاً وهي محبة الله ورسوله, ومحبة الرسول مستلزمة لمحبة الله تعالى,
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ومن علامة المحبة: اتباع
المحبوب في الأمر والنهي وإلا فليست بمحبة تامة كما قيل في هذا المعنى:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه
هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لم يحب مطيع
وما أجمل هذه الكلمات التي ذكرها لنا علماء السلف ممن سبقونا, في الإسلام
وهذه الكلمات وردت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلقد روي
عن رسول الله أنه قال (حُبب إلي من دنياكم ثلاث, الطيب, والنساء, وجُعلت
قُرة عيني في الصلاة) وقال أبو بكر رضي الله عنه وأنا حُبب إلي من
دنياكم ثلاث النظر إلي عينيك يا رسول الله, والجلوس بين يديك, وإنفاق
مالي عليك) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وأنا أحب من الدنيا ثلاثا,
الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وإقامة الحدود) وقال سيدنا عثمان
بن عفان رضي الله عنه وأنا أحب من الدنيا ثلاثا: إطعام الطعام, وإفشاء
السلام, والصلاة بالليل والناس نيام. وقال سيدنا علي كرًم الله وجهه:
وأنا أحب من الدنيا ثلاثا, الصوم في الصيف, وإكرام الضيف, وضرب أعناق
المشركين بالسيف) ولما سمع سيدنا جبريل عليه السلام هذا قال: وأنا
أحب ثلاثة, تبليغ الرسالة, وأداء الأمانة, وحب المساكين, وفي رواية,
والحمد لله رب العالمين: وربُ العالمين سبحانه وتعالى يحب ثلاثة (لساناً
ذاكراً, وقلباً شاكراً, وبدناً على البلاء صابراً).
أخي المسلم: العمل بكل هذه المعاني من علامات الحب في الله تعالى.
فمن أراد مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة فليعمل بهذا.
ولما وصل الحديث إلى الأئمة الأربعة فقال الإمام أبو حنيفة رضي الله
عنه: وأنا أحب من دنياكم ثلاثا: تحصيل العلم طول الليالي, وترك الترفع
والتعالى, وقلب من حب الدنيا خالِ. وقال الإمام مالك رضي الله عنه:
وأنا حُبب إلي من دنياكم ثلاث مجاورة روضته صلى الله عليه وسلم, وملازمة
تربته, وتعظيم أهل بيته. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وأنا حُبب
إلي من دنياكم ثلاث: الخلق بالتلطف, وترك ما يؤدي إلى التكلف, والاقتداء
بطريق التصوف. وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: وأنا أحب من
دنياكم ثلاثا: متابعة النبي في أخباره والتبرك بأنواره وسلوك طريق
آثاره. فمن كل ما ذكرناه نقول من باب التذكرة والعظة علينا مراجعة
أنفسنا, ونسأل أنفسنا: ما الذي نحبه من هذه الدنيا؟ وهل بالفعل أننا
نحب الله ورسوله؟ فالأمر ليس بالكلام فقط بل لابد من أن يتطابق القول
مع العمل, فنسأل الله تعالى, أن يجعلنا ممن يقولون فيعملون ويعملون
فيخلصون, ويخلصون فيقبلون, اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
(وقل اعملوا)
الطبيـعة
أيها القراء الأكارم:
إن الطبيعة هي المصدر المادي الأول للإنتاج في الاقتصاد وهي منحة الله
عز وجل لعباده يستثمرون ما فيها من الموارد التي تشبع حاجاتهم وعناية
الفكر الإسلامي بالطبيعة ليس لكونها إحدى وأعظم نعم الله عز وجل لعباده
فحسب بل باعتبارها الركن الأساسي للإنتاج ولذلك أحاطتها الشريعة الإسلامية
بأحكام خاصة تتفق والمكانة الحيوية التي تتربع عليها في مجال الإنتاج
حيث جعلتها موضوع لملكيات متعددة .
ولم تقتصر هذه الملكية على الفرد - كما هو الحال في النظام الرأسمالي
- ولم تجعلها ملكا للجماعة - كما هو الحال في النظام الاشتراكي - إنما
وزعت ملكية عنصر الطبيعة تبعا للحاجة والفطرة الإنسانية ، وقد خلق
الله عز وجل الطبيعة وجعلها بمواردها الطبيعية صالحة لقيام الحياة
وقد وزع الله سبحانه وتعالى هذه الموارد على ظهر الأرض وفي جوفها ومن
حولها .
يقصد بالطبيعة ما خلقه الله تعالى في هذا الكون من موارد ولم يتدخل
أحد في إيجادها وينقسم عنصر الطبيعة إلى فروع عديدة تسمى بالموارد
الطبيعة وهذه الموارد ليس للإنسان دخل في وجودها بصفة عامة ويمكن تحويلها
إلى موارد اقتصادية إذا امتدت يد الإنسان إليها وتناولتها بالاستغلال
والاستثمار ويمكن تحديد الموارد الطبيعة التي تشملها الطبيعة فيها
يلي :
مواد نباتية طبيعية : تتمثل في الغابات والحشائش .
1- موارد مائية : تشمل المياه الطبيعية مثل مياه الأنهار والبحار والبحيرات
التي تعد شرطا ضروريا لقيام حياة الكائنات الحية ووسيلة سهلة للمواصلات
.
2- موارد معدنية : وهي الموارد الأولية الموجود ة في باطن الأرض كالحديد
والفحم والنفط والنحاس.
3- موارد حيوانية : كالحيوانات التي توجد على سطح الأرض والطيور التي
توجد في الأجواء .
4- القوى الطبيعية : كقوة انحدار الماء التي يمكن أن تستخدم كمصدر
للطاقة الكهربائية . وقوة الرياح وغيرها من القوى التي يمكن أن تتحول
إلى طاقة .
5- موارد طبيعية أخرى : كالشمس والقمر والنجوم والرياح والثروات التي
توجد في أعماق البحار ، وتعد الأرض من أهم عناصر الطبيعة ومواردها
التي لا يكاد الإنسان يتصور قيام نشاط إنتاجي بدونها لذلك يطلق بعضهم
على عنصر الطبيعة اسم (الأرض) .
وينظر الإسلام إلى الطبيعة والموارد الطبيعية على أنها هبة من الله
تعالى لعباده ليستفيدوا منها بالقدر الذي يحتاجونه وتشكل الموارد الطبيعية
الجانب الأساسي للمشكلة الاقتصادية لذلك فإن الاهتمام بها والمحافظة
عليها يعني الحد من تفاقم المشكلة الاقتصادية إن لم يكن حلها بشكل
قاطع . وللأرض أهمية ظاهرة في الاقتصاد الذي يمثل العمود الفقري في
حياة الأمم والشعوب ويقوم الاقتصاد على ثلاث دعائم رئيسية وهي : الزراعة
والصناعة والتجارة ، وتتبوأ الأرض مكانا هاما في كل منها فهي ذات صلة
عظيمة بالتجارة حيث تتبلور جميع النشاطات الاقتصادية على الأرض ، وتعتمد
الصناعة على الأرض في بناء المصانع والمعامل واستخراج مواد البناء
واستمداد المعادن والثروات منها. أما الزراعة فترتكز أساسا على الأرض
، وقد اهتم الإسلام بالأرض وأعطاها حقها من الرعاية والعناية ووجه
الأنظار إليها وأمر بالسعي في أطرافها والاستفادة منها وقد تكرر لفظ
(الأرض ) في القرآن الكريم(451) أربعمائة وإحدى وخمسين مرة ,مما يؤكد
لنا مدى اهتمام الإسلام بالأرض وجعلها من أهم عناصر الإنتاج .
هذا وسنفصل الكلام عن الطبيعة ومواردها في الحلقة القادمة إن شاء الله
تعالى .
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|