كلمة ونصف
المسئولون غير المسئولين!!
في الوقت الذي يمضي فيه العالم بتسارع، وتتزايد
فيه المسئوليات لكل فرد تجاه العديد من الأمور ومنها الوظيفة، نجد
بعض المسئولين غير قادرين على ممارسة صلاحياتهم، واختصاصاتهم الوظيفية،
وتجد كل مسئول يرحل المعاملة لمسئول آخر أعلى منه مرتبة وهكذا دواليك،
وتتأخر العديد من المشاريع والمعاملات الخاصة بعضها بالغ الأهمية،
وبعضها للمواطنين هم في حاجة ملحة لها وكل ذلك ناتج عن عدم المسئولية
أو القدرة على ممارستها.
فبلا شك أن هذه الظاهرة أصبحت السمة الغالبة في التعاملات الحكومية،
نتيجة عدم تحمل المسئولية في اتخاذ القرار، أو الخوف من الأخطاء،
أو إلقاء المسئولية على الآخرين إلى غير ذلك من ممارسات أصبحت معروفة،
وتلتصق بالعديد من المسئولين على اختلاف مستوياتهم الإدارية والوظيفية
للأسف.
وتنعكس مثل هذه الظواهر على الأداء وكيفية تطويره، وأساليب العمل
الجديدة في الإدارة والتي تمنح الصلاحيات الواسعة للعاملين على اختلاف
مستوياتهم، للعمل وفق رؤى واضحة بعيدا عن البيروقراطية المتهالكة،
واللا مسئولة في التعاطي مع الأمور العامة.
كما تظهر هذه الممارسات الخاطئة عدم الثقة بالنفس والخوف من تحمل
المسئولية في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته سلبا أو إيجابا، وبدون الخوف
والجزع من أي فرد كان، فبيئة العمل في هذا المناخ تصبح غير مواتية
بالطبع، يسودها اللا قرار واللا مسئولية، وإضاعة الجهد والوقت سدى،
بدون أي فائدة وانعكاسات ذلك على العمل وتطوير آلياته واستشراف المستقبل
إلى غير ذلك من بديهيات أصبحت معروفة من الجميع لا تحتاج إلى المزيد
من الإيضاح.
وإذا كان التدرج في اتخاذ القرار مطلوبا في بعض الأعمال والمسئوليات
للعديد من الدواعي والمهام الصعبة، والقرارات الاستراتيجية والخطط
الكبيرة، إلا أن تعميم عدم المسئولية لا يجب أن يكون ظاهرة ترحل
فيها المعاملات من مسئول إلى آخر بدون أي نتيجة.
فتطوير العمل يتطلب صلاحيات واضحة وممارسة واثقة وواعية لمعنى المسئولية
ومتطلباتها.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

اصداف
القائد الذي اختار نهايته
تواجه القائد الاميركي الجديد الكثير من الصعوبات،
وتقف في مقدمة ذلك، قدرات المقاومين العراقيين، التي تزداد وتبرز
امكاناتها في مختلف الميادين، فهناك عدد الهجمات التي تستهدف قواعد
ومقرات ودوريات الجيش الاميركي، ففي كل يوم تتعرض هذه القواعد الى
الكثير من الهجمات، وتلحق بها المزيد من الخسائر، كما ان الاخبار
تتحدث عن استهداف الدوريات الاميركية في الكثير من الطرقات سواء
داخل المدن او في المناطق الزراعية.
كما ان هناك الهجمات النوعية، التي تثير الخوف داخل نفوس الجنود
وتنعكس سلبا على نفسية القادة الميدانيين، فالصواريخ تسقط في اوقات
حرجة داخل القواعد الاميركية، اي اثناء التجمع او بداية التحرك،
ما يثير المخاوف ويطرح اسئلة حرجة عن تلك التوقيتات.
اما الدوريات التي تتعرض للهجمات، فإن الهدف الذي يختاره المقاومون
في تلك الهجمات غالبا ما يكون من الصيد السمين، وهذا تطور كبير في
عمل المقاومة العراقية.
هناك جوانب اخرى تقف بوجه القائد الجديد، فهو لا يستطيع اضافة اية
قدرات بنوعية جديدة الى القطعات الموجودة حاليا في الميدان، لان
القيادة الاميركية زجت بأفضل ما لديها من قطعات في حرب العراق، لكنها
فشلت وتراجعت، ولم تتمكن من تحقيق اي من اهدافها العسكرية او السياسية.
كما ان الاسلحة التي استخدمتها هذه القوات، كانت الاقوى والاحدث
والاكثر فتكا، ورغم ذلك فإنها لم تؤثر على عمل المقاومين العراقيين،
بل في كل مرة، يكتشف الاميركيون، ان سلاح المقاومة هو الاكثر فتكا
بقواتهم.
وعلى مستوى الشارع العراقي، فإن الحشد العراقي الآن اصبح اوسع واقوى
واشد ضد قوات الاحتلال، بعد ان ادرك العراقيون، ان الاحتلال قد فشل
في كل شيء، واكتشف الكثير من العراقيين زيف وادعاءات وكذب وغطرسة
واجرام المحتل، كما تأكد لهم ان الحل للمأزق العراقي، لا يتم إلا
على ايدي المقاومين، الذين يواصلون حربهم ضد قوات الاحتلال.
لذلك فإن القائد الاميركي الجديد، اذا ما دقق في تفاصيل المشهد الحالي
في العراق، سيكتشف بسرعة وبدون الكثير من العناء، انه انما يضع نفسه
على طريق مسلسل الذين سقطوا من قبله ابتداء من بول وولفوتير نائب
وزير الدفاع السابق والوزير نفسه دونالد رامسفيلد والجنرال كيسي
وغيرهم من الذين سقطوا بسبب نجاحات المقاومة العراقية وما يلحقونه
من هزائم كبيرة بقوات الاحتلال.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب ـ جدار بغداد
wzbidy@yahoo.com
أعلى

كل يوم
الدور الانفرادي والدور القومي
يصطدم دور جامعة الدول العربية في الأزمة اللبنانية
بعوائق وعقبات عديدة تحول دون تحقيق الوفاق الوطني والوصول الى حلول
ترضي الطرفين.
وفي حين نفترض أن يتكامل الدور العربي مع الأدوار الخارجية الأخرى
في العمل على إنهاء الأزمة وتجنيب لبنان مخاطر الانقسام ومغبات الاقتتال
الطائفي والحرب الأهلية فإن بعض الأدوار الخارجية تؤدي الى عكس ذلك
بممارسة ضغوطها على احد الطرفين للحيلولة دون الوصول الى الاتفاق
المنشود.
هذا ما يفسر ظهور شروط ومطالب جديدة لواحد من الطرفين كلما اقتربت
الجهود من الوصول الى ثمراتها وانجاز أهدافها، كما يعلل وقوع المزيد
من الاغتيالات والتفجيرات في مناطق مختلفة في المراحل المفصلية.
والى جانب ذلك تتداخل قضايا المنطقة وتتقاطع التأثيرات الداخلية
والخارجية فيها، مما يعكس بوضوح القول إنها جميعا تتصل بجهود التسوية
السياسية للقضية الفلسطينية، على الرغم من أن هذه القضية باتت متأخرة
جدا في أولويات القطب الأعظم الولايات المتحدة وحلفائها، مما يعرقل
سائر الجهود الأخرى على صعيد القضايا الشائكة في لبنان والعراق،
مرورا بالملفات الساخنة في المنطقة والمتصلة بالأمن والاستقرار في
الخليج، والملف النووي الإيراني، واحتياجات دول المنطقة الى ما يطمئنها
من غلواء التسلح النووي والاضطرابات المقلقة في الحرب على العراق
وحتى أفغانستان والصومال.
ويبدو أن الأطراف العربية ذات التأثير باتت تعمل بانفراد بدلا من
تجميع جهودها ودعم جهود جامعة الدول العربية في المسألتين اللبنانية
والعراقية، على الأقل، وفي المسائل الأخرى المتصلة بالأمن القومي
العربي كله.
وهذا الانفراد قد يساهم في إيجاد حلول آنية لبعض المشكلات الطافية
على السطح، ولكنه لا يؤدي الى "حلحلة" عقد المشكلات المستعصية
في العمق، الأمر الذي يجعل المخاطر والتحديات تزداد وتتفاقم.
وإذا أحسنا الظن، فإن الجهود الأحادية الجانب أو الثنائية، ينبغي
أن توظف لخدمة الجهد الجماعي عبر المؤسسة القومية الكبيرة، جامعة
الدول العربية وليس بالتقاطع معها أو إفشالها أو تجميدها، وإلا فإن
تجاهل دورها أو القفز عنه يؤدي إلى شللها، ويستدعي إلغاءها.
وهذا ما تتطلع إليه الجماهير العربية التي باتت تفتقر إلى سياسة
قومية جامعة وقيادية قومية متقدمة تنهض بمسؤولياتها وتتمسك بثوابت
الأمة بواقعية وتصميم وإرادة ثابتة.
محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى

اقول لكم
تقدم .. تخلف
بطل رواية (الحب في زمن الكوليرا) للكاتب الكولومبي
غابرييل غارسيا ماركيز قسّم العالم إلى قسمين أو معسكرين لا ثالث
لهما: الأول متقدم ناهض متمتع بجميع الحريات يشمل كل البشر الذين
يستطيعون التخلص من فضلاتهم بسهولة، والثاني متخلف فقير يضم جميع
من يواجهون مشاكل في تصريف مخلفاتهم الغازية والسائلة والرخوة! أتأمل
هذا التعريف ـ التصنيف الساخر وأجد فيه بعض المصداقية: فأصحاب القسم
الأول لديهم أجهزة هضم عالية الكفاءة تستطيع إتمام عملية التمثيل
الغذائي (الميتابوليزم) بقدرة كبيرة تسمح بسهولة الاستفادة من الغذاء
ويسر التخلص من فضلاته، أما من ينتمون إلى القسم الثاني فمن أصحاب
المصارين الناشفة المتقرحة التي تسبب عسرا في أي خروج قد يتماثل
مع صعوبات الولادة!
هناك فرق آخر، فأصحاب المعسكر الأول لابد انهم يحصلون على طعام جيد
متوازن في مكوناته، وبرعاية صحية ممتازة، ويلتزمون بنمط حياة صحي
يحافظ على كفاءتهم البدنية، ويتمتعون بحريات عامة تحول دون إصابتهم
بالكبت والاحباط والهم والغم .. تلك التي تؤدي إلى الاصابة بما يسمى
(سايكو سوماتيك) وهي الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي، وأولها
وأشهرها قرحة المعدة والامساك المزمن الذي يحوّل المخلفات الرخوة
إلى شيء شديد الصلابة، يمكن لمحاولات التخلص منها أن تصيب صاحبها
بفتق أو بالبواسير! وطبعا من ينتمون إلى القسم الثاني يتمتعون بكل
هذه المصائب!
ومزيدا من التأمل في هذا التصنيف الساخر، ربما يدفعنا إلى البحث
عن ارتباط ما بين الديموقراطية وكيفية التخلص من فضلات البشر، كما
انه يفسح مجالا واسعا لمحاولة وضع مفاهيم جديدة للتقدم والتأخر،
وللتحالفات الدولية التي تتم بين أصحاب الفسطاط الأول لإحداث مزيد
من الامساك في المصارين الغليظة لأهل الفسطاط الثاني، وقد يتطلب
الأمر طرح هذه المفاهيم على مجلس الأمن الدولي لإقرارها في أقرب
اجتماع له، سيكون مناسبا أن يتم في دورة مياه عامة!
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

باختصار
خطة بغداد الفاشلة
لم توقف خطة بغداد التي ينفذها الجيش الاميركي
بمرافقة الجيش العراقي التفجيرات المتنقلة داخل العاصمة العراقية،
وبات من الواضح صعوبة تحقيق أمن في تلك المدينة الصعبة المراس، لا
بل صعوبة نجاح خطط من هذا النوع يود منفذوها نقل بغداد من حالة الفوضى
الضاربة الى الهدوء الممكن.
اعداد هائلة من جنود الطرفين العراقي والاميركي تجوب الشارع وتقيم
الحواجز الثابتة والمتنقلة، والذين وضعوا الخطة اخذوا على عاتقهم
عدم فشلها تحت الظن القائل بأنها ناجحة وقادرة على ضبط الحركة. لكن
من يعرف العاصمة العراقية يمكنه ببساطة توقع الفشل لاية خطة عسكرية
ما لم يسبقها اتفاق سياسي. فبغداد تعتبر من حيث مساحتها من كبريات
عواصم العالم واكثرها امتدادا بشكل افقي .. وهذه العاصمة على اتساعها
يصبح من المتعذر ايجاد ضابط لحالتها الامنية، فإمكانية تخزين المتفجرات
والعبوات ووجود المنفذين متوفرة بكثرة وتكاد ان تصل الى كل بيت وحارة
وشارع.
حتى الآن ما زالت الخطة متنقلة من فشل الى آخر فيما لم يتناقص عدد
التفجيرات التي ازداد عدد ضحاياها مما يشكل اكبر تحد للقوات المشتركة
العراقية الاميركية ولكل الخطط الامنية المزمع تنفيذها في المستقبل.
ويعتقد بعض القوى العسكرية ان الخطة التي تهوي بفعل الضربات المتلاحقة
لها لا بد ان تحمل في متنها مؤشرات لنوعية المصاعب التي تواجهها.
اذ ليس امام القوات المشتركة سوى المزيد من بذل الجهد المضني الذي
لم يوصل الى نتيجة، وعلى تلك القوات ان لا تستسلم برأي قادة عراقيين
عسكريين، بل عليها ان تستفيد من الفشل في اكتشاف العناصر الناقصة
في تلك الخطة ان لناحية الاماكن او للقوة المعلنة للخصوم الكثر..
لم يصدر حتى الآن اي تعليق من البيت الابيض على الخطة التي اعتقد
الرئيس بوش ان نجاحها سيؤدي الى تعبيد الطريق امام خطوات سياسية
ممكنة، اضافة الى اطلاق يده في مناطق اخرى مثل لبنان وافغانستان
والصومال وغيرها. وباعتقاد الرئيس بوش ان الخطة الامنية لبغداد هي
اللعبة الذكية التي تؤدي الى اكتشاف معاقل المطلوبين مع امكانية
ان يؤدي نجاحها الى نقلة اخرى.
لكن الحسابات "الذكية" لم تتحقق، وبات امام القوات المشتركة
تلك من اعادة النظر بسلم الاولويات .. فما يقام على السياسة قدره
ان ينمو ويعيش، اما استعمال القوة دون تفاهمات سياسية فهو ساقط لا
محالة مهما كانت القوة الجاهزة له. واغلب الظن كما يقول محللون عسكريون
فإنه مهما زيد في حجم تلك القوات فلن تصل الى مبتغاها كما لن تحقق
اهدافها في عاصمة للآخرين نفوذ كبير في الذهاب بلعبة المفاجآت حتى
النهاية.
سوف نتعرف في الايام المقبلة على انتقال تلك القوات الى اطار امني
جديد، لكن المنفذ اليوم والبارحة وما قبله يختصر اهم الحسابات الامنية
التي كثر الظن انها ستغير معالم الواقع العراقي، لأن السيطرة على
العاصمة هو وضع اليد على قلب البلاد وبالتالي سهولة ضبط الاطراف
في اوقات لاحقة .
ستبقى بغداد وكل العراق على انين جراحها اذا لم يبادر الاميركي الى
عقلنة وجوده في العراق بإعادة النظر في ما كانت لجنة بيكر ـ هاملتون
قد اقترحته واعتبرته ذات فائدة قصوى اذا ما نفذ الرئيس بوش حيثياتها
.. لكن ما العمل اذا كان هذا الرئيس على غطرسة سوف تأخذ بيده الى
الندم ولكن بعد فوات الاوان.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

نافذة من موسكو
الدب الروسي يستيقظ
ينظر الكثير من المراقبين الروس إلى تصريحات
الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمر الأمن بميونيخ مؤخرا التي انتقد
فيها سياسة الولايات المتحدة الأميركية على أنها الأقوى منذ تولي
بوتين الحكم في روسيا في مارس 2000. ولنذكر القارئ العزيز بهذه التصريحات.
فقد قال بوتين منتقدا سياسة واشنطن الأحادية: نحن نشعر بالقلق من
تمادي الولايات المتحدة في استخدام القوة حيث لا يجوز استخدام القوة
إلا عندما تقرر ذلك منظمة الأمم المتحدة". وقال الرئيس الروسي
أيضا: "لقد تخطت الولايات المتحدة الأميركية حدودها الوطنية
في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، وتفرض نفسها
على الدول الأخرى". وانتقل بوتين بعد ذلك إلى انتقاد نشر الولايات
المتحدة لعناصر نظامها الدفاعي المضاد للصواريخ في شرق أوروبا، قائلا:
إن ذلك يمكن أن يؤدي إلى جولة جديدة من سباق التسلح". وأضاف:
"إن توسع حلف شمال الأطلسي باتجاه روسيا ينتهك الثقة المتبادلة".
وفي هذا السياق أكد بوتين أن روسيا التي يعود تاريخها إلى أكثر من
ألف سنة (مقارنة بتاريخ الولايات المتحدة) انتهجت دائما سياسة خارجية
مستقلة ولا تنوي تغيير هذا التقليد. وأضاف: "نرغب في بناء نظام
عالمي عادل وديمقراطي نضمن فيه الأمن والازدهار للجميع وليس لأطراف
مختارة فقط". هذه التصريحات جاءت عشية الاختراق الذي قام به
الرئيس الروسي بجولته في السعودية وقطر والأردن، وهي الدول التي
تصفها وسائل الإعلام الروسية بأنها تتحالف تقليديا مع الولايات المتحدة.
كما أن تصريحات الرئيس الروسي جاءت كرد على تصريحات لوزير الدفاع
الأميركي قبل مؤتمر ميونيخ بأيام قليلة أشار فيها إلى أنه ينبغي
على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة للحرب مع روسيا. وقد قامت وزارة
الخارجية الروسية بطلب إيضاحات رسمية من واشنطن بسبب هذه التصريحات.
الولايات المتحدة اعتادت خلال السنوات الأخيرة على توجيه الانتقادات
لحكم بوتين، فمن عدم الالتزام بالمعايير الديمقراطية الغربية، مرورا
بخنق وسائل الإعلام، وحتى استخدام موارد الطاقة للابتزاز السياسي.
وعلى ما يبدو أن الكيل قد طفح بالكرملين الذي يؤكد على الدوام أنه
لا يسعى إلى المواجهة مع أي دولة بما فيها الولايات المتحدة. واللافت
في تصريحات بوتين ليس فقط وصف سياسة الولايات المتحدة بأنها جعلت
العالم غير آمن وغير مستقر، بل تشديده على أن روسيا تصر على انتهاج
سياسة خارجية (وداخلية بالطبع) مستقلة. وأعتقد أن هذا ما يزعج الولايات
المتحدة أكثر من غيره من انتقادات وجهها بوتين إليها. فواشنطن لا
تروق لها الدول التي تنتهج سياسات مستقلة. ويعتبر الكثير من الخبراء
الروس أن تصريحات بوتين تدل على أن الأمور تسير إلى حرب باردة جديدة
بين موسكو وواشنطن. إلا أن البعض من السياسيين الروس لا يعتقد في
ذلك. فسيرغي ميرونوف، رئيس مجلس الشيوخ الروسي يرى أن خطاب الرئيس
بوتين في ميونيخ لم يتضمن أي دعوة للعودة إلى الحرب الباردة بل على
العكس تضمن دعوة إلى الأسرة الدولية للتعاون. أما سيرغي روغوف، رئيس
معهد الدراسات الأميركية بموسكو، فيعتقد أنه من المبكر الحديث عن
بدء الحرب الباردة، ولكنه لا يستبعد أن يحدث هذا إذا استمر الحال
على هذا المنوال. ويقول ميخائيل مارغيلوف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية
في مجلس الشيوخ الروسي: "إنه من السذاجة الظن أن روسيا ستلتزم
الصمت عندما يكون هناك ما لا يروق لها". ويربط إيفان سافرانتشوك،
رئيس معهد الأمن الدولي في موسكو بين تصريحات بوتين واحتمال شن الولايات
المتحدة الحرب على إيران حيث يتوقع أن تصر الولايات المتحدة وإسرائيل
على استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يفرض عقوبات أشد على
طهران. ولا يستبعد سافرانتشوك أن يكون القرار الجديد بمثابة البداية
للعمليات العسكرية ضد إيران. وكانت مصادر بوزارة الدفاع الروسية
أشارت مؤخرا إلى أن حشد المزيد من السفن الأميركية العسكرية في الخليج
يدل على أن الأميركيين يعدون عدتهم لضرب إيران. وتتوقع هذه المصادر
بدء العمليات العسكرية في الربيع المقبل بقصف إيران بصواريخ "توماهوك"
المنطلقة من الغواصات في محاولة لإسكات مضادات الطائرات وتدمير البنية
الاساسية الإيرانية توطئة لإبطال مفعول محطة بوشهر النووية. وهكذا
يمكن قراءة تصريحات بوتين في ميونيخ قراءات متعددة، ولكنها تصب كلها
في خانة استيقاظ الدب الروسي الذي لا يسعى بالفعل للمواجهة مع الولايات
المتحدة، وإن كانت هذه المواجهة قد ُتفرض عليه.
هاني شادي
hanshadi@mtu-net.ru
أعلى
الفتنة تفتح أبواب الهزيمة العربية فاتقوها
لو فتحنا كتاب التاريخ العربي منذ عهد الفتنة
الكبرى الى اليوم لتأكد لدينا بما لا ريب فيه بأن أبواب الهزيمة
والحرب الأهلية والتخلف وانتصاب الاستعمار وفقدان الفتوحات كانت
جميعها بدون استثناء ثمرة مرة مسمومة من ثمار الطائفية والفتنة.
فأي جبار مارد نحرره هذه الأيام من القمقم لينطلق بلا رحمة يسفك
دماءنا ويستحل أمننا ويشرد أطفالنا حين يدب شيطان الفرقة والشقاق
بين المرء وأخيه والعربي وذويه وينسى الناس بأنهم يدينون بالله الواحد
وبأنهم أبناء وطن واحد وبأن مصيرهم واحد، وبالتالي فإن العدو المتربص
بهم واحد وأن اللهب الذي سيحرقهم واحد! بلى ان المخططات الجهنمية
الامبريالية والصهيونية وراء اذكاء الفتنة، لكن ذلك لا ينفي مسؤولية
العرب فيما يقع بينهم.
لقد بدأنا نرى بصيص النور في آخر النفق في الملف الفلسطيني، وبارك
الله في جهد خادم الحرمين الشريفين على ما قدمه من عمل صالح لشعب
فلسطين حين جلس الاخوة واتفقوا على الخروج من النفق المظلم، ولعل
تخطيط سلطات الاحتلال الاسرائيلية لتهديم جزء من الأقصى الشريف ساعد
على الصحوة ودفع باتجاه اليقظة وجمع الصف وتوحيد الكلمة، لكن الذي
جرى من أحداث مؤلمة خلال الأسابيع الأخيرة وهدر الدم الفلسطيني لا
بد أن يكون مبعث اعتبار وأن لا يتكرر أبدا.
فالتجويع الذي فرضه الغرب على فلسطين بنية التركيع له الدور الحاسم
في بذر بذور الاحتراب بين الاخوة حاملي القضية الواحدة ولكن من الذي
فتح الباب بيديه للغازي المتربص ومن ساعده في الليل على اقتحام البيت
الفلسطيني؟ هم أبناء الفصائل التي اعتقد كل فصيل منها أنه يحتكر
الشرعية ويتكلم باسم الشعب ويستطيع أن يهزم الأحزاب وحده. هم أيضا
أولئك المؤتمنون على مصير الناس الطيبين في غزة والخليل ونابلس ورام
الله الذين ركبوا رؤوسهم قبل أن يركبوا المصفحات واستهدفوا المنافس
الوطني وأداروا نحوه السلاح الذي يحرم استعماله سوى للدفاع عن الأرض
والعرض واستعادة الوطن السليب. هم كذلك العائدون من تونس ومن بيروت
ومن دمشق وعمَّان ومن المنافي لاعمار فلسطين وبناء دولتها بالصبر
والحكمة والنضال. ونحن نأمل كالعرب والمسلمين جميعا أن يكون اللقاء
المكي على مسافة قريبة من الحرم المقدس قد أعاد الرشد وأرجع البصيرة
ووضع أمام الاخوة في الدين والوطن جدول الأولويات الحقيقي وعلى رأسها
الوفاق ونبذ الشقاق واستعادة العافية رغم الأزمة المؤلمة وسوء الحال
الأمني والاقتصادي وقلة السند وضيق العيش، فإن معادن الرجال تقاس
على محك المحن وتجرب في الطرقات الوعرة.
وفي العراق لا بد من تجاوز التقسيم الطائفي مهما حاول الدخلاء اذكاءه
لأن بغداد بذاتها تحمل رسالة التاريخ العربي والاسلامي في أزهى عصوره
العباسية حيث كانت منارة العالم كله بالأمجاد العربية والترجمة الاغريقية
والعلوم الاسلامية وكانت ملتقى ما نسميه اليوم بحوار الحضارات وتلاقح
الثقافات وكعبة العلماء ومورد الحكماء، الى أن غزاها المغول في فبراير
1258 بقيادة هولاكو وقتلوا آخر خلفاء الدولة العباسية المستعصم بالله
وابنيه الاثنين حينما تهاوى الصرح الشامخ بالانقسامات وعمت العراق
بوادر البغضاء والشحناء بين أبناء الوطن والمؤتمنين على الخلافة
كما ذكر الطقطقي في كتابه (الفخري للآداب) عن هذه المأساة التي لم
نستخلص عبرها ولم نفد من دروسها، حيث نسينا بأن الدرس القاسي لذلك
الحدث الجلل هو أن المغول حين استولوا على بغداد واصلوا طريقهم نحو
الشام فدخلوا غزاة محتلين الى دمشق في مارس من سنة 1260 بقيادة (قايتبعا)
بعد أن استباحوا مدينة حلب في يناير من نفس العام، وعم البلاء كما
قال الطقطقي حتى وصل للمغرب الاسلامي حين أمر حاكم تونس المستنصر
بالله بقتل العالم الجليل والمؤرخ الكبير ابن الأبار صاحب كتاب الحلة
السيراء وبحرق جثمانه وكتبه، وهو ما فتح أبواب الصراع المرير الدموي
بين أصحاب الأمر وأصحاب الفكر، ذلك الصراع الذي نرى له اليوم امتدادات
غريبة في قتل العلماء وأساتذة الجامعات العراقيين.
ان الأمة على مفترق طرقات عسيرة، ولا بد أن نقرأ تاريخها لنهيئ مستقبلها،
فالعالم لا يسمع المتفرقين ولا يقيم وزنا للمتناحرين، بل ان العالم
أنشأ الرباعية ما بين مختلفين ليواجه أزماتنا العربية، لأن الرباعية
تضم في استراتيجيتها كلا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي
وروسيا ومنظمة الأمم المتحدة، ولا شيء يجمع بين هؤلاء الشركاء في
الواقع لكنهم اذا ما أرادوا حل مشاكلنا والتصدي لمأساتنا فإنهم يتحدون
ويصبحون باتحادهم قوة أمام ضعفنا ويتحولون الى جبهة أمام شتاتنا.
ألم تدق ساعة الحقيقة فنتجاوز الطائفية المقيتة ونعلن للعالم بأننا
أمة فتعاملنا كذلك.
د.أحمد القديدي
alqadidi@hotmail.com
أعلى
"باراك أوباما" .. تذكروا هذا الاسم جيدا !!
لا تخلو المواسم الانتخابية الأميركية بمستوياتها
المختلفة ما بين تشريعية ورئاسية من الإثارة والمتعة، وكل مرة تجري
فيها الانتخابات يفاجئ الشعب الأميركي بمشهد جديد ومثير يتم من خلاله
بناء الانطباعات وتشكيل الاتجاهات بشأن المرشحين المختلفين.
الأمر المثير هذه المرة هو الصراع المحتدم على الترشح للانتخابات
الرئاسية الأميركية المزمع إجراؤها في نوفمبر من العام المقبل، ليس
بين الحزبين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي) فحسب، وإنما داخل كل
حزب. وقد بدأت المعركة الانتخابية قبل إجراء الانتخابات بما يقرب
من واحد وعشرين شهراً، وهي فترة طويلة بكل المقاييس. فعلى مستوى
الحزب الديمقراطي بدأ التنافس مبكراً بين عدد من المرشحين في مقدمتهم
هيلاري كلينتون زوجة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، والتي
أعلنت قبل أسبوعين عن نيتها خوض السباق الرئاسي كمرشحة للحزب الديمقراطي.
ومساء الأحد الماضي أعلن الوافد الجديد لعالم السياسة "باراك
أوباما" نيته الترشح لانتخابات الرئاسة عن الحزب الديمقراطي
أيضا، وهو ما أشعل الصراع مع هيلاري كلينتون مبكراً.
وإذا كان الجميع يعرف قسطاً وافراً من المعلومات عن هيلاري كلينتون،
خصوصاً وأنها سياسية مخضرمة قضت ثماني سنوات داخل مجلس الشيوخ الأميركي،
وتتمتع بقدرة هائلة على جمع التبرعات والأموال لحملات الحزب الانتخابية،
فإن اسم "أوباما" ليس معروفاً للجميع حتى داخل الولايات
المتحدة، فما قصة هذا الشاب حديث السن؟ وما طموحاته؟ وما فرص فوزه
في الترشح للانتخابات الرئاسية؟
"مبارك حسين أوباما" هذا هو الاسم الحقيقي لباراك أوباما،
والذي ينتمي في أصله إلى أب مسلم كان يعمل راعياً للأغنام على سواحل
كينيا الغربية والتي تتمتع بوجود عربي كثيف منذ أن دخلها الإسلام
قبل عدة قرون، وقد جاءته منحة للدراسة بالولايات المتحدة فسافر إليها،
وقرر الزواج من امرأة أميركية بيضاء، وكان ثمرة الزواج هي "باراك
أوباما"، وما لبث أن انفصل الزوجان بعد عامين فقط من الارتباط،
ليستقر الطفل الصغير مع أمه التي تزوجت من شاب اندونيسي لاحقاً.
وقد ترعرع الطفل أوباما في كنف جده لأمه، وانقطعت علاقته بأبيه،
وما لبث أن بدأ في الذهاب إلى الكنيسة لتعلم المبادئ المسيحية وهو
في العاشرة من عمره.
تخرج أوباما من جامعة كولومبيا عام 1982 بعد أن درس العلوم السياسية
بها، وبعد عشرة أعوام درس القانون في جامعة هارفارد، ولم يرد بخلده
يوماً أن يدخل عالم السياسة، ولكن شاء القدر أن يكون أحد المسؤولين
عن تنظيم الحملات الانتخابية للحزب الديمقراطي في ولاية إلينوي،
وهو ما زاد تعلقه بعالم السياسة والشهرة، فترشح لانتخابات مجلس الشيوخ
على مستوى الولاية وفاز بالمقعد المحلي، وهو ما دفعه للترشح لانتخابات
الكونغرس على المستوى الفيدرالي عام 2004 وقد فاز أيضا، وكان بذلك
أول شخص أسود يصل لمجلس الشيوخ الأميركي في تاريخ الولايات المتحدة.
قبل عدة شهور لم يكن أوباما يفكر في الترشح للانتخابات الرئاسية،
وكان كثيراً ما يهرب من الإجابة على أي سؤال قد يوجه إليه في هذا
الشأن، ولكن فجأة وبدون مقدمات أعلن الشاب "الإفريقي"
عزمه خوض السباق الرئاسي كمرشح عن الحزب الديمقراطي.
ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: ما الأوراق التي يملكها أوباما
للترشح لانتخابات الرئاسة الأميركية؟ والإجابة قد ترد من رحم السؤال
ذاته، ولكن بسؤال آخر: وما الذي سيخسره هذا الشاب إذا ترشح؟
بيد أن أوباما بالفعل يمتلك بعض السمات والخصائص التي تجعله منافساً
قوياً لهيلاري كلينتون فهو شخصية تتمتع بالكاريزما والحضور الجماهيري،
كما يمتلك حسا بلاغيا وخطابيا مرهفا للغاية، وكم كان ذكياً حين أعلن
عزمه خوض السباق الرئاسي من نفس المكان الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي
الأسبق إبراهام لنكولن محاربته للعنصرية ضد الأفارقة في مدينة سبيرنجغفيلد
بولاية إلينوي وكان ذلك في القرن الثامن عشر. والأكثر من ذلك أنه
اعترف صراحة بأنه قد لا يمتلك الخبرة السياسية الكافية، ولكنه أشار
إلى أن من حقه أن يجرب حظه كأميركي له حرية الترشح لأي منصب في البلاد.
يمتلك أوباما أيضا قدرا من الحصافة في مخاطبة الآخرين، ويجيد الكر
والفر في الميدان السياسي، ويكفي أنه ألهب حماس هيلاري كلينتون ودفعها
لبدء حملتها الانتخابية مبكراً من أجل السيطرة على الوضع ومنع حدوث
أية مفاجآت في السباق الانتخابي داخل الحزب الديمقراطي.
أما بالنسبة لمواقف أوباما السياسية فقد كان دائما ضد الحرب على
العراق، ويطالب الآن بضرورة رحيل القوات الأميركية من هناك في أقرب
وقت ممكن، كما أنه ضد فكرة فرض الحرية والديمقراطية من خلال القوة
العسكرية، ويحبذ وجود دور إقليمي في حل المعضلة العراقية. وهي مواقف
تعبر عن حس سياسي يسعى للاستفادة من ورطة الجمهوريين في العراق،
وكذلك الضغط على هيلاري كلينتون التي كانت قد صوتت على قرار الحرب
ضد العراق عام 2002.
وإذا كان أوباما يمتلك مؤهلات الفوز كمرشح للحزب الديمقراطي، سيبقى
السؤال الأكثر تعقيداً هو: هل يقبل الشعب الأميركي أن يحكمه رجل
أسود؟ أعتقد أن الإجابة صعبة، ولا يمكن لأحد التكهن بها، وفي كل
الأحوال علينا أن نتذكر هذا الاسم جيداً إنه "باراك حسين أوباما".
خليل العناني
كاتب مصري
kalanany@yahoo.com
أعلى
سبيل للخروج من ورطة كوسوفو
تظل مشاكل البلدان القائمة فعليا بحكم الواقع
(سواء على أساس شرعي أو غير شرعي) في الاتحاد اليوغسلافي السابق
والاتحاد السوفيتي السابق ذات أولوية في الأجندة الدولية.
ولكن من الواضح تماما أن "تقرير المصير النهائي" لكوسوفو
لن يكون سريعا ومظفرا.
لقد اثبتت الانتخابات البرلمانية في صربيا حقيقة أن الإجراءات الديمقراطية
لا تضمن تلقائيا إحراز تقدم في عملية حفظ السلام. فقد صوتت تقريبا
كل القوى البارزة في صربيا (وهي الحزب الراديكالي، وديمقراطيو بوريس
تاديتش وديمقراطيو فويسلاف كوستونيتشا) لصالح تكامل وعدم تجزئة الأراضي.
وكان الاستثناء الوحيد هو الكتلة التي قادت الحزب الليبرالي الديمقراطي
الذي يتزعمه سيدومير يوفانوفيتش. ومع ذلك، فهناك حوالي 40% من الناخبين
الصرب اختاروا القوى التي احتكمت ـ بدرجة أكبر أو أقل ـ إلى القومية
العرقية.
واليوم، صربيا في دائرة الضوء وكذلك النخب السياسية في رابطة كومنولث
الدول السوفيتية السابقة. وسيكون نجاح كوسوفو في تقرير المصير، والذي
تدعمه المؤسسات الدولية، سابقة مفادها أن قادة دول حكم الواقع في
الاتحاد السوفيتي السابق سيكونون قادرين على الإحالة إليها في المستقبل.
ولا يهم أن محاولاتهم سيغفلها على نحو يتسم بالسخط القادة الأميركيون
والأوروبيون. وسابقة كوسوفو لها بالفعل قوانينها الخاصة كشعار ورمز
سياسي. وفي الواقع، فإن قادة "ناغورنو كاراباخ" و"أبخازيا"
و"أوسيتيا الجنوبية" و" ترانسدنيستر" لا يعبأون
بما إذا كانت مشاكلهم لها أي علاقة أو صلة مشتركة بالصراعات السابقة
بين الصرب والألبان والمزاعم السياسية المطالبة بالحكم الذاتي السابق
لصربيا. وظاهرة تقرير المصير العرقي (التي تدعمها القوة والقدرة
حتى هذه اللحظة) مناسبة لهم. وفي الوقت نفسه، فإن سلوك الساسة الصرب،
وقدرتهم أو عدم قدرتهم على إيجاد تسوية أو حل وسط لحماية القضية
الوطنية سيتم فحصها واختبارها بعناية في جورجيا ومولدوفا وأذربيجان.
لا النخبة الصربية ولا النخب الأذربيجانية أو الجورجية لها موارد
لإدماج وتكامل الأقاليم المتنازع عليها. ففي كوسوفو، مع وجود سكانها
الألبان الذين يشكلون نسبة 90% من السكان، سيتم رفض أي ترجمة للفكرة
الصربية من قبل أغلبية الناخبين. والشيء نفسه يمكن أن يرى في إقليم
ناغورنو كاراباخ المتجانس عرقيا. وجورجيا ليس لديها إمكانية سياسية
حقيقية لإدماج وتكامل أبخازيا أيضا. أما فيما يتعلق بأوسيتيا الجنوبية،
فإن تبليسي لديها مؤيدون في أوساط الأوستيين، ولكنها ليس لديها تأييد
ودعم جماهيري من الشعب. وبناء عليه، فإن إمكانية التكامل والاندماج
محدودة. وفي مولدوفا، فإن العقبة الرئيسة لإدماج وتكامل إقليم "ترانسدنيستر"
هي الضعف الاقتصادي "للأرض الأم".
على أن الجانب الآخر من المشكلة هو أن السابقة الكوسوفية لا تؤذي
صربيا أو تساعد روسيا على تأمين موطئ قدم لها في رابطة كومنولث الدول
السوفيتية السابقة. وهي تعمل ضد التكامل والاندماج الأوروبي ولصالح
تقرير المصير العرقي. وفي هذا الصدد، من الصعب تجنب التحيز في الاعتراف
بحق البعض في تقرير المصير وإنكار ذلك على البعض الآخر. ومن هنا
تأتي الحاجة إلى إعمال قواعد عامة ومعايير للاعتراف بكيان ما. ونحن
يمكننا أن نرسم خطا مميزا لنادي النخبة (والمجتمع الدولي هو نادي
نخبة)، وللانضمام إليه، على المرء أن يلبي متطلبات معينة.
المعيار الأول للاعتراف بالكيانات المطالبة بحقوقها والمؤكدة لذاتها
يمكن أن يكون صلاحيتها كدولة. فلماذا لا يندفع المجتمع الدولي للاعتراف
بكوسوفو؟ السبب براغماتي تماما. وليس بسبب الصرب الأورثوذوكس، ولكن
لأن حكم الدولة هناك قد تم استبداله ليحل محله نظام العشيرة.
والمعيار الثاني يمكن أن يكون قدرة الدولة الأم على السيطرة على
إقليم منفصل بوسيلة غير الترحيل وعمليات التطهير العرقي. وماذا،
بخلاف خطابية "الحكم الذاتي الموسع"، يمكن أن تقدمها جورجيا
لأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ويمكن أن تقدمها أذربيجان لناغورنو
كاراباخ؟ على أي حال، إذا تم إعادة تكامل ودمج هذه الأقاليم، فإن
أذربيجان ستحصل على أرمن كمواطين جدد لها بينما ستستقبل جورجيا أوسيتيين
وأبخازا وأرمن وروسا. وبعبارة أخرى، فإن إعادة التكامل والدمج سيفترض
أنها مستحيلة إذا أمكن أن تؤدي إلى صراع عسكري.
والمعيار الثالث يمكن أن يكون وجود إجراءات ديمقراطية في الدول المؤكدة
لذاتها.
والمعيار الرابع ـ ضمانات حقيقية (ليست على غرار كوسوفو) لحقوق الأقليات
العرقية، التي يؤمنها القانون وتكون في واقع الحياة.
والمعيار الخامس يمكن أن يكون إرساء علاقات ثنائية اقتصادية ودبلوماسية
وغيرها بين الدولة الأم والإقليم المنفصل عنها.
وفقط بوضع معايير واضحة للاعتراف بالأقاليم المؤكدة لذاتها وحقوقها
سيكون المجتمع الدولي قادرا على كسر ورطة كوسوفو ومنع (أو على الأقل
الحد من) إمكانية ظهور سوابق مماثلة في مكان ما آخر في أوروبا أو
آسيا.
سيرغي ماركيدونوف
خبير بـ"معهد التحليل السياسي والعسكري"، وقد كتب هذا
المقال لوكالة الأنباء الروسية "نوفوستي".
خدمة "إم سي تي" خاص بـ"الوطن"
أعلى
زيادة القوات الأميركية في العراق لا تكفي
في الوقت الذي يتجادل فيه الساسة الأميركيون
عما إذا كان مزيد من القوات يجب إرساله إلى العراق، هناك أمر مهم
آخر وهو كيف سيتم استخدام تلك القوات. ففي "حرب بوير"،
ساعد تدفق الجنود. أما في حرب فيتنام، فلم يساعد. والفرق هو أن البريطانيين
كان لديهم استراتيجية أكثر وضوحا.
وفي صياغة الاستراتيجية الصحيحة، ليس هناك دليل أفضل من مجلد صغير
صدر في عام 1964 بعنوان "حرب مكافحة التمرد: النظرية والتطبيق".
ومؤلفه كان ضابطا فرنسيا يدعى دافيد غالولا، والذي حضر الخدمة العسكرية
ليس فقط في الحرب العالمية الثانية ولكن أيضا في الصين ما بعد الحرب
واليونان وهونغ كونغ والجزائر.
وعلى الرغم من أن الكثير قد تغير في العقود الأخيرة، فإن معظم نصائحه
ما زالت تستخدم وتطبق، وهو السبب في أن كثيرا جدا منها يتردد صداه
في كتيب محاربة التمرد الجديد والمعطى لقوات "المارينز"
والقوات البرية الأميركية. لقد أبلت القوات الأميركية بلاء حسنا
في هذا النوع من الحرب في العراق، ولكن حتى الآن ما زالت تخفق، غالبا
ليس من خلال عيب فيها، في تنفيذ الكثير من مبادئ غالولا الرئيسة:
"أي جانب يعطي أفضل حماية، وأي أحد يهدد أكثر، وأي أحد أكثر
احتمالا للفوز، هذه هي المعايير الحاكمة لموقف السكان ... على أن
الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، والتي يكون
كثير منها مطلوبا ومحبوبا شعبيا، تكون غير فعالة عندما تقدم وتعرض
في الوقت الذي لا يزال فيه المتمردون يسيطرون على السكان".
وكثيرا جدا ما فشلت الولايات المتحدة برغم بذل الجهد في بناء البنية
الأساسية وإجراء انتخابات وتنفيذ إصلاحات مدنية أخرى في بيئة غير
آمنة. فالمشروعات المكلفة، مثل محطات الكهرباء ومعالجة المياه قد
تم تخريبها. وأي نية حسنة مكتسبة كانت سريعة الزوال.
وقمة أولويتنا يجب أن تكون إرساء قدر معقول من الأمن. وعندها فقد
يمكن أن تمضي عملية إعادة الإعمار قدما.
"وإذا استفاد المسلحون، برغم تحديد هويتهم واعتقالهم من قبل
الشرطة، من كثير من الضمانات الطبيعية المرساة في النظام القضائي
وتم الإفراج عنهم، فإن الشرطة لا يمكن أن تفعل إلا القليل".
إن المسلحين العراقين المقبوض عليهم يعرفون أنهم يمكنهم أن يبقوا
صامتين وأنهم على الأرجح لن يدانوا أبدا لأن الشهود والقضاة يمكن
شراؤهم أو تخويفهم.
لقد كتب المحللان العسكريان بينغ ويست وإليوت كوهين ما يلي: "إن
ثمانية من بين كل عشرة محتجزين يتم إطلاق سراحهم .. إن أميركيا واحدا
من بين كل 75 أميركيا ذكرا في السجن، مقارنة بعراقي واحد من بين
كل 450 عراقيا ذكرا". وحيث إن العراق ـ كما أشارا ـ "ليس
أكثر أمنا بمعدل ست مرات من الولايات المتحدة"، فإن التفاوت
والتباين بسبب العيوب والأخطاء المتعلقة بالنظام القانوني التي تحتاج
إلى أن يتم إصلاحها ـ ربما بفرض القانون العرفي. إن العراق لن يصبح
أكثر أمنا حتى يتم وضع مزيد من المسلحين وراء القضبان، ولكنهم لن
يدانوا أبدا في ظل قواعد الأدلة وقت السلم.
"بوضوح، يجب أن تحترم محاربة التمرد ـ أكثر من أي نوع آخر من
الحرب ـ مبدأ اتجاه واحد. فرأس واحد يجب أن يوجه ويدير العمليات
من البداية إلى النهاية.
وليس هناك رأس واحد في العراق. فعلى الجانب الأميركي، كانت المسؤولية
مقسمة بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين، واللتين لم تعملا
دائما بتناغم وتجانس معا. وعلى الجانب العراقي، فإن الشقاق والانقسام
بين وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين، وبين الشرطة العراقية والجيش
العراقي. والوضع مستفحل خصوصا في بغداد لأن الرئيس بوش قد وعد بأن
العراقيين "سيقودون" العمليات هناك. وهذا ما يجعل مهمة
الجنرال ديفيد بيترايوس أكثر صعوبة بكثير. وأولى مهامه بوصفه أعلى
قائد أميركي في العراق ستكون ببساطة تشكيل وتحديد العلاقات بين القيادة.
"يجب أن تحظر الإنشاءات المكلفة الباهظة لإيواء الجنود.. فإذا
لم يكن مسموحا بأي إنشاء غير ما هو ضروري ولازم بشكل صارم، فإن القوات
المحاربة للتمرد ستضطر إلى العيش مع السكان، في أكواخ عند الضرورة،
وهذا سيساعد في إيجاد روابط مشتركة".
لقد أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات لبناء شبكة من القواعد
العاملة المتقدمة في العراق حيث يعزل فيها الجنود تماما. وجزء رئيس
من خطة تأمين بغداد يجب أن يكون جعل هناك قوات في مواقع متقدمة أصغر
حيث يمكنها أن تتفاعل مع السكان المحليين، وتجمع المعلومات الاستخباراتية
وتوفر الأمن. وهذا قد يزيد الخسائر في المدى القصير، ولكنه سينقذ
حياة أميركيين وعراقيين في المدى الطويل.
"إن السيطرة على السكان تبدأ بوضوح بإحصاء وتعداد دقيق. فكل
ساكن لا بد أن يتم تسجيله وإعطاؤه بطاقة هوية مضمونة".
ومما يدعو للدهشة بما فيه الكفاية هو أن الحكومتين العراقية والأميركية
لم تصدرا بطاقات هوية بيومترية (بيولوجية إحصائية) ـ شيء مثل رخص
سائقينا، مع تضمين بصمة الأصابع ـ إلى السكان كما لم تزودا قوات
الأمن بوصلات حواسيب محمولة مرتبطة بقاعدة بيانات مركزية.
إن انعدام أو نقص مثل تلك الإعدادات ـ والتي تستخدمها كل إدارة شرطة
أميركية ـ تجعل من الصعب معرفة ما إذا كان شخص ما قد تم توقيفه عند
نقطة تفتيش ما هو إرهابي مطلوب.
وهذه ليست مشاكل لا تذلل. ولكنها تحتاج إلى أن يتم مواجهتها إذا
أريد للتعزيزات في القوات المرسلة للعراق أن يكون لها أي أمل في
النجاح.
ماكس بوت
زميل بـ"مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي
خدمة "لوس أنجلوس تايمز" ـ خاص بـ"الوطن"
أعلى
الكونغرس يجب أن يتدخل لسحب القوات الأميركية من العراق
فكر في آخر مرة حضرت فيها حدثاً رياضياً أو
مسيرة أو حفلة موسيقية مع أكثر من ألف شخص. والآن تخيل مقتل كل هؤلاء
الأفراد. وإذا أردنا أن نستشهد بعدد قتلى قوات الجيش الأميركي في
العراق خلال السنوات الأخيرة، فسوف تبدو لنا الطريقة التي يمكن أن
يموت بها عدد كبير من هؤلاء الجنود في المدن العراقية خلال السنوات
المقبلة إذا لم يتصرف الكونغرس بسرعة ويسحب القوات الأميركية من
أتون الحرب الأهلية العراقية.
والآن تخيلوا ان أكثر من 5 آلاف جندي اميركي اضافي يمكن أن يصابوا
بجروح صعبة قد تؤدي بهم الى الاعاقة إذا لم ينجز الكونغرس مسئولياته
بسحب الجنود الشبان والشابات من منطقة الحرب في العراق.
وفي كل سنة من السنوات الثلاث الماضية، قتل أكثر من 820 جنديا اميركيا
في الحرب.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار تزايد أحداث العنف في العراق خلال العام
الحالي، يمكن أن يخسر الجيش الاميركي أكثر من ألف جندي اضافي. وقد
أصيب أكثر من 23 ألف جندي اميركي بجروح منذ بدء الحرب بمعدل اصابة
قدره 6 آلاف شخص كل عام. وقد حان الوقت للإعلان بوضوح عن ضرورة عودة
القوات الأميركية المنتشرة في العراق الى الوطن.
وقد ذكر القادة العسكريون في العراق ولجنة بيكر ـ هاميلتون والشعب
الأميركي أن الوضع الحالي وضع خاطئ. وعلاوة على ذلك، أعلن اقرب الخبراء
العسكريين المقربين للرئيس بوش وخبراء الاستخبارات أن التقديرات
الاستخباراتية الوطنية الأخيرة تشير الى أن العراق يمر بمخاض الحرب
الأهلية وأن قدرة القوات الاميركية على تغيير هذا الاتجاه محدودة
جداً. وسوف تنتهي هذه الحرب بحل سياسي فقط وليس بالحل العسكري.
ويتوجب على أعضاء الكونغرس التزام دستوي وأخلاقي لممارسة سلطاتهم
من أجل وقف تمويل سياسة الرئيس بوش الفاشلة في العراق الآن وليس
غداً.
وقد ساهمت حرب العراق وسوء إدارة الرئيس بوش لمواردنا العسكرية في
تعريض الأمن القومي الأميركي للخطر واستنزاف القوات المسلحة ووحدات
الحرس الوطني الأميركي. وبكل المقاييس، تعرض الأمن الداخلي للولايات
المتحدة للضعف والوهن بسبب سياسات الرئيس بوش الفاشلة وغياب بصيرة
الكونغرس.
وقد قيل ان كل العمليات التي قامت بها القوات الاميركية في العراق
كانت سيئة، ولكن بعضاً منها كان أسوأ من الآخر. وأسوأ سيناريو هو
ترك القوات الاميركية في منطقة الخطر مع الاعتراف بأنها تمتلك القليل
لكي تنجزه. ويمتلك الكونغرس القدرة على سحب الألوية المقاتلة من
المناطق التي تتزايد فيها أحداث العنف مع الاحتفاظ بوجود عسكري استراتيجي
في شمال العراق واعادة باقي القوات الأميركية الى الوطن في الوقت
الحالي. ومنذ عام تقريبا، ذهبت الى العراق للاطلاع عن كثب على الأوضاع
العسكرية هناك من القوات الأميركية والقادة العسكريين. وهذا ما سمعته
من القادة العسكريين: اذا لم تتمكن الحكومة العراقية من توفير الأمن
لشعبها خلال الشهور الستة المقبلة، يجب على القوات الاميركية المنتشرة
في وسط وجنوب العراق مغادرة هذه البلاد. وقد ذهب هذا التوقيت منذ
فترة طويلة، وذهب معه العديد من الجنود الأميركيين الذين سقطوا ضحية
لسياسة بوش الفاشلة في العراق.
ومن سوء الحظ أن هذه الادارة ترفض الاستماع الى قادتنا العسكريين
وعامة الشعب الأميركي. وعليه فإن السؤال هو: ماذا سيفعل الكونغرس؟
يمتلك الكونغرس الصلاحيات الدستورية والمسئولية الاخلاقية لتمرير
قانون يقضي بوقف تمويل ودعم الوضع الراهن وضمان تسليح الجنود الأميركيين
ومدهم بالذخيرة والمدرعات.
ويجب أن تنتشر قوة محدودة لحفظ السلام بشكل مؤقت في شمال العراق
من أجل حماية المدنيين ضد أحداث العنف الطائفية، ومنع ايران من الاغارة
على الحدود العراقية والمساعدة في الحفاظ على الاستقرار الاقليمي،
بدون تعريض حياة الجنود الأميركيين للخطر.
وعندما كنت حاكماً لولاية أيوا، استدعيت 43 أسرة بعد مقتل بعض من
أبنائهم وأحبابهم في العراق وافغانستان. وقد قدم هؤلاء الجنود وأسرهم
تضحيات هائلة لحماية أمن الولايات المتحدة وحريتها. ومن المؤكد أن
الجنود الأميركيين قد أدوا العمل الذي طلبنا منهم فعله بشكل جيد،
وقدم عدد كبير من هؤلاء الجنود الوطنيين تضحيات هائلة.
ان تأييد مقترح زيادة القوات الأميركية في العراق هو مجرد تأييد
لمواصلة سياسة فاشلة. والقرار النيابي الواهي لن يجدي نفعاً. وسوف
يؤدي تأخر الكونغرس في العمل الى مقتل المزيد من الجنود الأميركيين.
ويمكن للأشخاص الذين صوتوا في صالح قرار شن الحرب والذين صوتوا لاستمرار
تأييد الحرب والذين صوتوا في صالح استمرار دعم الحرب بكل تأكيد ان
يصوتوا في صالح وقف هذه الحرب واتخاذ خطوات صحيحة في صالح الولايات
المتحدة والجيش الاميركي الآن وليس في العام المقبل أو عام 2009.
توم فيلساك
حاكم سابق لولاية أيوا، ومرشح ديمقراطي لمنصب الرئاسة.
خدمة (واشنطن بوست) خاص بـ(الوطن)
أعلى
جنودنا ليسوا بيادق
في لعبة سياسية هزلية
اعتاد السياسيون تقبيل الأطفال إلا انه وفي
أيامنا هذه حيث الارهاب والحرب فقد خرج الأطفال من تلك الدائرة بعد
أن بات النموذج المتبع الآن هو تحويل أفراد قواتنا العسكرية العاملين
في الخدمة ليقوموا بهذا الدور نيابة عن الأطفال.
وقد لا يكون الأمر فعليا مناسبا ان يقوم السياسيون بتقبيل الجنود
ولكن ما نشاهده هو ان السياسيين من كلا الحزبين وكذا المرشحين وغيرهم
متحمسون للقيام بأفضل خطوة تالية وهي: الاصرار بشكل مستمر على بذلهم
كل الولاء والإخلاص لقواتنا.
ومع الموقف العسير لمجلس الشيوخ حول القرارات المختلفة بالنسبة للعراق
شاهدنا الكثير من النماذج التي تجسد هذا التوجه. فقبل أيام على سبيل
المثال دعا جو ليبرمان زملاءه الى التصويت لصالح قراره بدعم خطة
الإدارة الأميركية لزيادة أعداد القوات لأن ـ على حد قوله ـ "
موقفنا هو دعم قواتنا".
ورد عليه جون وارنر بدعوة اعضاء مجلس الشيوخ للتصويت على قراره بمعارضة
الخطة وقال "اعتقد أن هذا القرار سيكون لدعم قواتنا" ..
فيا لها من مضيعة للوقت!
وفي مثل تلك الاجواء المشحونة بالخلاف أجد نفسي غير متأكدة ما إذا
كان ممكنا ان نذهب أبعد من تلك الخطب الرنانة الجوفاء وأن ننتقل
الى مناقشة جادة غير سياسية لتحديد المعنى الدقيق لدعم قواتنا. ولكن
لم لا نحاول؟
ولتكن البداية بإقرار أن جميع الأفراد الجادين من مختلف الأطياف
يدعمون قواتنا على الأقل باعتبارهم ان أفراد القوات العسكرية هم
بشر ونحن جميعنا نهتم بحياتهم.
فهل هناك في بلدنا أناس يكرهون بالفعل قواتنا العسكرية ويتمنون أن
يقع لهم المكروه؟ ربما. إلا انه من المؤكد أن هناك أيضا في هذا البلد
من يسرقون النساء ويتحرشون بالأطفال ويؤيدون خطف الأجانب.
فهناك البعض من اليسار يعتقدون ان دعم القوات هو توفير الحماية لهم
وإبعادهم عن الأخطار وذلك بضمان توفير خدمات الدعم التي يحتاجونها
بوجه عام وعدم ارسالهم الى أماكن ربما يلحق بهم الضرر فيها مثل العراق.
إلا ان العسكرية ليست برنامجا للرفاهية الاجتماعية والجنود ليسوا
أطفالا. فالأميركيون في زيهم العسكري قد اختاروا تلك الخدمة بمحض
ارادتهم وربما يكون هناك دوافع أخرى تتعلق بالمقابل المادي والتعليم
قد لعبت دورا مؤثرا إلا انه من المغالاة القول بأن أفراد القوات
العسكرية قد تم خداعهم والزج بهم في وظائف خطرة. فإذا كنا ندعم قواتنا
فنحن بحاجة الى أن نحترم ارادتهم ورغبتهم في تضحيتهم بأرواحهم بالنيابة
عنا جميعا.
وهذا يعني ان حماية جنودنا يجب ألا يكون هو الهدف الأكبر الذي نسعى
وراءه إلا أننا يجب ألا نرسلهم دون داع او ضرورة الى طريق الأذى
والضرر كما أن علينا ان نوفر لهم الموارد التي يحتاجونها. وعندما
تكون القوة أمرا لازما ـ وهو ما يكون أحيانا ـ علينا ألا نتقاعس
عن دعوة قواتنا الى القيام بالمهام الخطرة التي يتطوعون للقيام بها.
إلا أن هناك آخرين من اليمين يعتقدون ان دعم قواتنا قد اصبح مرادفا
لدعم سياسات إدارة بوش في العراق. بيد انه يجب عدم الخلط والربط
بين دعم القوات ودعم الحرب. وكثيرون من الوطنيين الجادين ـ وهناك
البعض منهم في الجيش الأميركي ـ يعتقدون أن سياسات الإدارة الأميركية
في العراق تلحق الضرر بمصالح أمننا القومي. فإرسال قوات اميركية
للتضحية بحياتها في سبيل سياسات خرقاء لا يعد بحال دعما لها كما
أن تغيير مجرى الأمور قد لا يجعل حياة هؤلاء القتلى قد ذهبت سدى.
ولكثير من الأميركيين الذين لا يدركون بوضوح معنى دعم القوات فهو
مصطلح غالبا ما ينتهي الى أن علينا أن نفعل ما تعتقد تلك القوات
أن علينا القيام به. إلا ان ذلك أيضا يعد ضربا من العبث لسبب بسيط
أن قواتنا ورؤاها تتباين فيما بينهم على نحو شاسع، كما أن ارتداء
الزي العسكري لا ينقل الشباب الأميركي على نحو سحري ويحولهم الى
خبراء في الجيوسياسة او الامن القومي.
وبصرف النظر عن رؤيتنا للموقف في العراق هناك التزام واحد على جميع
الأفراد المدنيين تجاه هؤلاء الذين يخدمون في القوات العسكرية. فهؤلاء
الجنود ليسوا هم الوحيدين الذين يخاطرون بحياتهم في الخدمة العامة
إلا ان الفرق يبرز في أن ضباط الشرطة والإطفائيين مثلا ـ ومنهم من
لا يتفق على الاولويات الاستراتيجية التي تضعها الأقسام التابعين
لها ـ يمكنهم الاستقالة وترك وظائفهم في حين ان الجنود الذين يتركون
خدمتهم تنتظرهم عقوبة السجن.
وأفراد القوات الأميركية لا تخدم بلدنا وحسب ولكنهم ملتزمون بتعاقدات
إلزامية للعمل في تلك الخدمة. وفي ظل الديمقراطية يعطي الناخبون
أصواتهم لتأييد ودعم القانون الذي يلزم أفراد القوات العسكرية.
وهذا هو السبب ان المدنيين عليهم التزام بدعم القوات بواحد من أهم
أوجه الدعم وهو عدم الموافقة او السماح بأن تصبح هذه القوات بيادق
في لعبة سياسية هزلية سخيفة.
روزا بروك
أستاذة بمركز القانون بجامعة جورج تاون
خدمة (لوس انجلوس تايمز) و(واشنطن بوست) خاص بـ(الوطن)
أعلى