|
دور أركان الاسلام في
نبذ الفكر الإقصائي
|
دور أركان الاسلام في نبذ الفكر الإقصائي
ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب الاسلامية
د. مبارك بن عبدالله الراشدي
تقديم
كان من رحمة الله عز وجل وفضله ان شرع لنا من الدين ما يكفل سعادتنا
في الدينا والآخرة على لسان رسول منا ليطهر نفوسنا ويزكيها ، وأنزل
علينا كتابا منه بواسطة هذا الرسول الكريم ، قال سبحانه: (لقد من الله
على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم
ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين) .
وقال أيضا : (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين)
وان التشريع الاسلامي برمته جاء ليسعد الناس في الدنيا والآخرة ويلم
شملهم لا ليمزقهم ، ففي كل اوامره ونواهيه يرمي إلى ان يكون المسلمون
يدا واحدة سواء بين الاقارب منهم في القربى او الأباعد على مستوى الامة
، وهذا مما لا يختلف عليه بين المسلمين العارفين بغايات التشريع.
وإذا نظرنا إلى كلمة التوحيد الجامعة وإلى تشريع اركان الاسلام الاربعة
: الصلاة والزكاة والصوم والحج يجد ان هذه الصورة واضحة للعيان ، ولهذا
فان الدين الاسلامي هدفه ان يجتمع الناس على كلمة واحدة تحت راية الاسلام
ومظلته الواسعة. وقد قسمت هذه الورقة إلى جزأين :
الجزء الاول : مقصد الترابط والالفة في تشريع اركان الاسلام الخمسة
والثاني في دلالتها على نبذ اقصاء الآخر .
والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل
مقصد الترابط والالفة في تشريع اركان الاسلام الخمسة :
اولا : كلمة الشهادتين :
الاسلام دين التوحيد الذي جاءت به الانبياء جميعها ، وقد دلت على ذلك
آيات كثيرة في القرآن الكريم تحكي كلام الانبياء والمرسلين والمؤمنين
السابقين انهم افردوا المعبود بالعبادة ودعوا الناس إلى اعتقاد هذه
الوحدانية لله سبحانه وتعالى .
وقد كانت الدعوة إلى التدين بدين الله تعالى الداعي إلى توحيده سبحانه
من أهم ما دعا إليه القرآن الكريم الذي نزل على سيدنا محمد عليه الصلاة
والسلام ولهذا كانت دعوته عامة للناس جميعا ، حيث يقول سبحانه:
(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) الخ الآية .
ومن المعلوم من الامر والذي لا يختلف عليه اثنان ان النطق بهاتين الشهادتين
هو الفيصل في اخراج البشر من ملة إلى ملة ، ومن مجتمع إلى مجتمع ومن
حكم إلى آخر ، فهي التي تعصم الدم والمال والعرض وهي التي تحمي البشرية
من التوجه إلى آلهة متفرقة وتقودهم إلى إله واحد تحت راية تقوى الخالق
الواحد الاحد بحيث يكونون امة واحدة يسعى بذمتهم ادناهم وهم يد على
من سواهم ، يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : المسلمون تتكافأ
دماؤهم يسعى بذمتهم ادناهم ، الخ الحديث.
وقد اخبرنا المولى عز وجل بأن بني آدم كلهم قد جعلهم اجناسا مختلفين
لاجل ان يتعارفوا ويتعاونوا فيما بينهم ، لا لأجل ان يتقاتلوا ويتدابروا
فيما بينهم قال سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر
وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم)
فقد حكم عز وجل على الجميع بأن الازكى لديه من كان اتقى له .
كما اقتضت حكمته سبحانه ان يكون الناس مختلفين في اجناسهم وألسنتهم
وألوانهم وأعرافهم ومداركهم وتصوراتهم .
والله جل شأنه جعل من حكمته أن يكون اختلافهم في ألوانهم وألسنتهم
مدعاة إلى التفاهم والوئام ، لا مدعاة إلى النزاع والشقاق والنبز بالالقاب
، إذا كان هذا هو المفهوم في الآية بين بني البشر كلهم فكيف بالمسلمين
بعضهم بعضا.
ذلك لان الآية الكريمة السابقة تلفت نظر الناس جميعا إلى حقيقة ثابتة
، فضلا عن الاجناس والالوان وبالتالي اختلافهم في الواقع يقول سبحانه
: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم
ربك ولذلك خلقهم).
فالعلة في الاختلاف التعارف والتعاون وإذا كانت هذه هي الحكمة في خلق
البشر على اختلاف اصنافهم فمن الاولى ان يكون ذلك شأن الامة المسلمة
التي يجب عيلها ان تضع ذلك في اول اولوياتها حيث اراد الله لها ان
تكون امة واحة قال تعالى: (ان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون)
قال : (وان هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) وذكر سبحانه عن
معتنقي الايمان به عز وجل أنهم اخوة وعبر عن ذلك بأداة الحصر التي
لا ينبغي ان تنفك عنها حيث قال : (انما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين
اخويكم) قد امتن الله على المسلمين عامة في معرض كلامه بإنقاذ الناس
من هلكة الخلاف ودخولهم تحت راية التوحيد وهي الشهادة في قوله عز من
قائل: (واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فاصبحتم
بنعمته اخوانا).
فقال : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) كما أمرهم عند النزاع
المؤدي إلى التفرق بالاحتكام إلى الله ورسوله وان يخضعوا لامرهما وإلى
القرآن الكريم والسنة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال :
(فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وقال : (وما اختلفتم
فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه انيب) اننا
لا نجد شيئا جامعا للامة مثل كلمة التوحيد الجامعة المانعة التي دعا
بها المرسلون اقوامهم وتمسك بها النبيون والمؤمنون فعرفوا كنهها وقدروها
حق قدرها قبل هذه الامة ثم جاء نبينا (صلى الله عليه وسلم) بهذه الكلمة
ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله ويهديهم إلى الصراط المستقيم
وعلى الجادة الواضحة التي ليلها كنهارها والتي نعت بسببها الجاهلية
نفسها وجمعت ثيابها ونفضت العقول عنها غبار التقليد والتبعية إلى الذاتية
المعصومة بنور الله سبحانه ، فأخرجت الامة من أمة مرذولة إلى أمة قائمة
بأمر الله تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فكانت خير امة اخرجت للناس
على مر العصور
والكلام يطول في شرح هذا الموضوع
ثانيا : الصلاة :
فرض الله تعالى الصلاة علينا كما أمر بها الرسل الكرام والنبيون
العظام ، فيالها من نعمة ، قال تعالى في معرض ذكر الرسل : (وجعلناهم
أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وإيتاء
الزكاة وكانوا لنا عابدين) ، ولكن مما هو معلوم من الدين بالضرورة
انها فرضت علينا قبل الزكاة وبعد الشهادتين ، وهي ركن من اركان الاسلام
التي يقوم عليها الدين لله .
ان الصلاة الخاشعة هي ميراث النبوة وعادة السلف الصالح من هذه الامة
والتي يرى اثرها على فاعلها ، والتي تكون ثمرتها التقوى والبعد عن
الفحشاء والمنكر.
ونحن إذا نظرنا إلى فرضية الصلاة وجدناها تجمع بين الروح والجسد
والحب والخشوع والتضرع والمناجاة ، والانسلاخ من الانفة والكبرياء
، وهي قمة التقرب إلى الله عز وجل بالسجود المطلق ، والذي يكون العبد
فيه اقرب شيء إلى ربه.
ومن حيث الظاهر في ادائها : ففي الاذان جمع بين الشهادتين والنداء
إليها جهرا بعد تكبير الله عز وجل ، لا ينادى لها بالنواقيس وبالصراخ
، وانما بذكر الله وذكر رسوله ، وبصورة جماعية للمسلمين.
وفي الإقامة كذلك ، ثم افتتاحيتها بالتوجيه تسبيحا لله وتحميدا وتعظيما
وافرادا بالالوهية ، وفي التوجه إلى الكعبة المشرفة لمن في الارض
جميعا دليل على صدق التوجه ووحدة الهدف إلى مكان خال من الرجس والاوثان
جامع المسلمين في اقطار الارض (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)
كما ان افتتاحها بتكبيرة الاحرام دليل على ان العزة والكبرياء لله
لا لغيره وفي تلاوة الفاتحة التي هي السبع المثاني ما يدل على توجيه
الحمد لله وحده وعبادته وحده وطلب الاستعانة به والهداية منه وحده
لجميع الناس من قريب او بعيد او صغير او كبير، ذكر أو انثى وآمن
وخائف بل وصحيح ومريض وفرح وحزين.
وفي القعود للتحيات لله وكلماتها الآتية بصيغة الجمع في السلام علينا
وعلى امثالنا ان شاء الله من الصالحين ، وفي الصلاة الابراهيمية
عليه وعلى آله الكرام ما يدل على وحدتنا وكذلك في الدعاء الأخير
في الصلاة والذي هو دعاء من سبقنا من المؤمنين (ربنا آتنا في الدنيا
حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ما يدل على الاشتراك مع المؤمنين
جميعا في نفس السبيل ، ثم ان التسليم للخروج منها مع اشتراك المؤمنين
والملائكة المقربين ما يدل على اجتماعهم جميعا على عبادة الخالق
سبحانه وتعالى وإذا نظرت إلى الخطاب الالهي للمسلمين بأداء الصلاة
تجده عاما في معظم الآيات القرآنية كما ان وصف المؤمنين بها وصف
عام إلا ما ورد في مخاطبة النبي عليه الصلاة والسلام بها من قبل
الخالق في توقيت الصلاة أو في صلاة النفل أو في ذكر افراد من المرسلين
مادحا اياهم بأدائها وإلا فالخطاب بها عام مما يشعر ان الاتيان بها
يجب ان يكون عاما وذلك بأدائها جماعة.
يقول تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)
وتكرار قوله : (واقيموا الصلاة) في عدة مواضع وكذلك جاء في اوصاف
المؤمنين ، قال تعالى : (قد افلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم
خاشعون) وقال : (هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة
ومما رزقناهم ينفقون) وقال : (انما المؤمنون الذين إذا ذكر الله
وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون
* الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) وقال (هدى وبشرى للمؤمنين
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة يوقنون) وقال: (هدى
ورحمة للمحسنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة يوقنون).
وقد وصف المولى سبحانه ايضا في كتابه العزيز المتخلفين عن ادائها
بلفظ الجماعة ايضا في مثل قوله : (فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة)
الخ الآية وقوله ( قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين)
وقوله (فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون) ولا ادل على اهمية
الصلاة من تكرارها كل يوم خمس مرات ، ووجوبها حضرا وسفرا على الصحيح
والمريض ، وعلى جميع الناس بمختلف اصنافهم وفي امنهم وخوفهم ، وإذا
سقطت فرضية ادائها بكيفيتها فانها يستعاض عنها بالتكبير ، فهي عبادة
بدنية عامة وشاملة لجميع الناس .
كما انك إذا امعنت النظر في ادائها جماعة على المستوى الخاص الذي
لا يعذر منه أحد إلا بعذر مشروع ، وفي ادائها في الاجتماع العام
كصلاة الجمعة والعيدين بل إذا نظرت إلى حق الميت المسلم ان يصلي
عليه من قبل افراد من الناس على الاقل ، ايقنت ان الصلاة واجب مقدس
بل هي أهم الواجبات في الاسلام .
كما ان اجتماع الناس عليها ينبئك عن شموليتها واهمية اجتماع المسلمين
في مساجدهم ومصلياتهم وعلى أمواتهم عليها وذلك الاجتماع سمة أخرى
جامعة للمسلمين.
ثالثا الزكاة:
فرض المولى عز وجل على من ملك النصاب زكاة في أصناف محددة لفقراء
المسلمين، والمحتاجين منهم والعاملين على جبايتها ولعز الاسلام ودولته،
وقرن فرضيتها بالصلاة في كثير من الآيات القرآنية، منها قوله تعالى:(واقيموا
الصلاة وءاتوا الزكاة وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله
ان الله بما تعملون بصير) وقوله:(فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واعتصموا
بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).
وقال سبحانه:(ءأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا
وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة واطيعوا الله ورسوله
والله خبير بما تعملون) وقال:(واقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأقرضوا
الله قرضا حسنا وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا
واعظم اجرا واستغفروا الله ان الله غفور رحيم).
وامر نبيه عليه الصلاة والسلام بأخذها من الاغنياء لتوزيعها على
مستحقيها، وهكذا يأخذها الحكام لتوزيعها فرارا من امتنان الاغنياء
بها تطهيرا للمال والنفوس، قال تعال: (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم
وتزكيهم بها) وامتدح المؤمنين المزكين قال تعالى:( والذين هم للزكاة
فاعلون) وقال:(والذين في اموالهم حق معلوم للسائل والمحروم).
ولم يجعل المولى عز وجل اداء الزكاة اختياريا وانما هو ركن من اركان
الاسلام وحق من الحقوق الواجبة المعلومة من الدين بالضرورة وحددت
اصنافها ومقاديرها ومواضع انفاذها بالتشريع فلا ترجع لهوى الشخص
ان شاء اعطى وان شاء منع، فكان حقا على القائم بأمر المسلمين ان
يجمعها ويوزعها على اصحابها بالعدل.
(ولهذا كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يجمع الزكاة ويأمر امراءه
كذلك بجمعها من الاغنياء ليردها على الفقراء ثم بعد وفاته ومبايعة
أبي بكر الصديق بالخلافة حدث ان اعلن بعض العرب منع الزكاة وقد ظنوا
ان الخليفة لا يستجيز مقاتلهم ولكن ابا بكر جمع سراة الصحابة وتشاور
واياهم ثم أجمعوا على قتال مانعي الزكاة فاعدوا العدة وخرجوا الى
مانعي الزكاة وضربوهم ضربة حاسمة ارجعت إلى المجتمع الاسلامي وحدته
وثبتت تعاليمه السامية التي جاء بها القرآن).
ومن اجل ان الزكاة واجب ديني واجتماعي واقتصادي هام وركن من اركان
الاسلام التي تقوم عليها دعائمه فإن المسلم لا تكون له اخوة في الدين
الا بأدائها عندما تجب، فحكمها حكم الصلاة ولو انه تلفظ بالشهادتين
ذلك لأنه هدم ركنا قويا من اركان الدين بحرمان المجتمع من هذا المورد
الذي تقوم عليه افراده ومن هنا فهم الصحابة رضوان الله عليهم وعلى
رأسهم ابو بكر الخليفة الصديق، ان من فرق بين الصلاة والزكاة فقد
خرج من ربقة الدين، ولعلهم استدلوا بقوله تعالى:(فإن تابوا واقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) وبما ورد في آيات اخرى واحاديث
اخرى من الانذار والوعيد الشديد على عدم دفعها كقوله تعالى:(ولا
يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر
لهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة) وقوله:(وويل للمشركين الذين
لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون).
وبما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام مثل قوله:(وما منع قوم الزكاة
الا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) واحاديث الوعيد
في منع الزكاة والمماطلة في ادائها كثيرة لا تتسع هذه العجالة لذكرها،
ونحن لسنا بصدد الحديث عن فرضيتها والوعيد على تركها وانما بصدد
ذكر عالميتها وقوامها لفقراء المجتمع وعز دولته، بحيث يتكافل الاغنياء
والفقراء بما فضل الله به بعضهم على بعض. ولم يفرضها المولى عز وجل
على لسان نبيه في كل ما يملك ولكن في الاموال النامية، وفي اصناف
محددة تكفلت بذكرها كتب التفسير والحديث والفقه.
وعلى هذا فالزكاة من اهم اركان الدين التي يقوم عليها بنيانه، ومن
اهم ما يقيم المجتمع الاسلامي من ناحية العيش الكريم للفقراء وسد
حاجة المعوزين بلا منة ولا امتهان بل هو حق لهم في المال، حتى قال
الفقهاء: ان من مات ولم يؤد زكاة ماله فهي شريك في ذلك المال ولا
يقسم الا بعد ادائها، لما دل على وجوبها من الادلة الشرعية، وعلى
الوعيد على تركها كذلك، ولا يكون الوعيد الا على فعل كبيرة من كبائر
الذنوب.
رابعا الصيام:
فرض الله تعالى الصوم على هذه الامة زكاة لابدانها وتقوى لأرواحها
وسرا بينها وبينه فهو عبادة بدنية خالصة عالمية، ليس فيها اداء مال
واجب كالصلاة عدا ما ورد من الترغيب في الصدقة طوال الشهر.
والدليل على فرضيته على جميع المكلفين قوله تعالى:(يا أيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون
اياما معدودات فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام أخر وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وان تصوموا
خير لكم ان كنتم تعلمون) (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس
وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا
او على سفر فعدة من ايام اخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
وقد بين المولى عز وجل للمسلمين ان تشريع الصوم ليس جديدا في الشرائع
السماوية وانما هو تشريع قديم قد فرض على الامم السابقة ايضا، فكان
ذكره عن تلك الامم في هذه الآية نظير ذكره الصلاة والزكاة في شأن
المرسلين الذين اجتباهم سبحانه وكلفهم قال تعالى: (واوحينا اليهم
فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين).
فإذا كانت الصلاة والزكاة من سمات المرسلين فكذلك الصيام، لأنه من
جملة العبادات القديمة التي يتقرب بها إلى الله عز وجل كما في الآيات
السابقة.
وذكر الله سبحانه وتعالى ان الغاية من الصيام التقوى (أي تتخذون
من الصيام وقاية تحول بينكم وبين الميول المرذولة والمنكرات، والصوم
يقي الشخص في مفرده والمجتمع في مجموعه فهو يقي الشخص ان يكون حيوانا
يعمل بشريعة الغاب، ويقي المجتمع بتهيئة الفرد الصالح العامل على
خيره فيكون انسانا مع إنسان لا حيوانا ضاريا مع انسان، ولهذا يقول
النبي صلى الله عليه وسلم:(الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث
ولا يجهل وان امرؤ قاتله او شاتمه فليقل: إني صائم إني صائم).
ان اعظم شيء في الصوم ترويض النفس عن الشهوات امتثالا لامر الله
سبحانه فكلما اغرتها الملذات والشهوات وشعرت بأن الله رقيب عليها
ارتدعت عن فعل ما نهى الله عنه في نهار الصيام وليله، فإذا تكرر
هذا الحال على الصائم شهرا كاملا كان حقيقا ان تحصل عنده ملكة مراقبة
الله وخشيته، كما يتولد لديه الحياء من الله ان يراه حيث نهاه، كما
تؤهله هذه الخصلة قدرة التحكم على فعل أنواع الخير والبعد عن ابواب
الشر، وتؤهله لقوة الارادة والصبر في حال النوائب والشدائد.
اما مجرد الامساك عن الطعام والشراب مع عدم مراقبة الله تعالى مما
يسهل عليه ارتكاب الآثام فليس هو الصيام المطلوب الذي فرضه الله
على المؤمنين، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :(من لم يدع
قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه).
وان من يتدبر قول النبي عليه الصلاة والسلام (من صام رمضان إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) يعلم ان روح الصيام وحكمته توجيه
اليه واحتساب الثواب منه عز وجل.
وهناك حكم اخرى للصيام منها: العطف على المساكين الجائعين، لأن من
يصوم يؤثر فيه الجوع فيتذكر من هذا حاله طول الأوقات، فيتذكر المساكين
فيسدي إليهم المعروف والصدقة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم:
أجود من الريح المرسلة وكان أجود شيء في رمضان.
ومن حكمته انه يساوي بين الاغنياء والفقراء فهو نظام عملي اجباري
من اقوى الانظمة الصحيحة التي تعود على التساوي مع الغير في الوجدان
والألم الناتج عن كبح جماح النفس والشهوات الداعية الى الشبع او
فعل القبائح، فكل الناس صيامهم بطريقة واحدة سواء منهم الغني او
الفقير او السيد او المسود او الرجل او المرأة او الصغير او الكبير
فضلا عن مختلف الشعوب في شهر واحد ويصومون ويفطرون يوميا في وقت
واحد.
ولهذا من حكمته ايضا الخروج عن المألوف في اختلاف الناس في عادة
وقت الأكل، ولا يقدرون على مقاومة نفوسهم لو تأخروا كلهم عن عادته،
فإذا تعودوا الصيام مع غيرهم خرجوا عن هذه العادات غير المحمودة،
وربوا انفسهم على الصبر والتحمل، فهو يربي الإرادة عند الصائمين،
ويعدهم لتحمل الشدائد، ولهذا كانت كبرى المعارك في زمن النبي صلى
الله عليه وسلم في رمضان كفتح مكة وغزوة بدر وغيرها.
وهناك حكم اخرى تظهر في الصيام كالنواحي الصحية، والروحية التي يتساوى
فيها العبد مع ملائكة الله الذين لا يأكلون ولا يشربون ويعبدون الله
ويسبحونه ولا يفترون.
ولا تتحقق ثمرة الصوم التي ارادها الله منه الا اذا صدقت النية وقويت
العزيمة وصام المسلم ايمانا بالله واحتسابا للثواب منه سبحانه برغبة
صادقة ونفس طيبة بالصوم من غير استثقال له ولا كره فيه وانما كان
صومه طلبا لمرضاة ربه، فإذا حصلت هذه الرغبة وهذه النية اشرقت روحه
نورا وصفت نفسه وتحققت حكمة الصيام بالتقوى ووصلت الى رضوان الله
عز وجل وسينال فضائل الصيام وتتحقق له حكمه، اما اذا كان بخلاف ذلك
فلن يصل الى ثمرة الصيام البتة.
ذلك لأن رضوان الله لا ينال بالتمني ولكن بإيمان عميق وعمل دؤوب
وبقلب مخلص ونية صادقة (ليس الايمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب
وصدقه العمل).
خامسا: الحج
الحج هو الركن الخامس من اركان الاسلام التي بنيت عليها دعائمه،
وهو عبادة بدنية مالية روحية اجتماعية، تجب في العمر مرة واحدة على
القادر المستطيع، واول من نادى لهذه العبادة ابونا ابراهيم عليه
السلام الذي ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكنه اب مسلم اسوة للمسلمين
وهو الذي سماهم بهذا الاسم من قبل.
قال تعالى حاكيا على خليله ابراهيم حين امره ان يرفع صوته بالدعوة
الى الحج في جبل ابي قبيس: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى
كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله
في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها واطعموا
البائس الفقير).
وان من يتذكر شعائر الله ابتداء من الكعبة المشرفة وانتهاء برمي
الجمار في الحج يتذكر أبا الانبياء ابراهيم عليه السلام فالحج له
قصة الاقتداء التاريخية، فعلها النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق
الوحي في حجة الوداع ثم قال: خذوا عني مناسككم.
اما هذه الشعائر وحكمتها: فإن الله قد اختار امورا ظاهرة محسوسة
اختصت به ونسبت اليه، حيث سماها شعائر الله فتجلت عليها رحمته، وارتبط
بها ذكره فإذا رؤيت ذكر الله وارتبط بها وقائع واحوال وحوادث تذكر
بأيام الله والآئه وحسن بلائه لأنبيائه وسماها شعائر الله فجعل تعظيمها
تقوى لله فقال: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).
كما جعل التقصير فيها تقصيرا في حقه، وجعل تلك الأماكن حرما آمنا
يلوذ اليه العائذون به حيث قال سبحانه: (أولم نمكن لهم حرما آمنا
يجبى اليه ثمرات كل شيء). وسمح للناس ان يقضوا بها حنينهم الكامن
في نفوسهم ورغبتهم الصادقة في التقرب اليه والاستغفار والدعاء وتعظيم
حرماته فقال: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه).
ولكل من اعمال الحج حكمته البالغة وهدفه الاسمى وكلها في مجموعها
خروج عن المألوف الى ما يخرج من الدنيا ونعيمها الى الدار الاخرة
واهوالها.
كما ان المسلم في حاجة الى لقاء أبناء جنسه من المسلمين في مؤتمر
عام من اصقاع الدنيا ومن كل فج عميق جاءوا ليشهدوا منافع لهم اجتماعيا
واقتصاديا وروحيا، فيتدارسون شئونهم العامة والخاصة ويخططون لمستقبلهم
بعيد الأمد بما ينير لهم السبيل.
كما انهم في حاجة بعد هذه الصلوات التي يصليها كل يوم وبعد شهر رمضان
الذي يصومه كل عام وبعد اداء زكاة ماله الذي وجب فيه النصاب الى
ان يشاهد البيت الحرام الذي اضافه الله الى نفسه (بيت الله) فيقضي
موسما هو ربيع الحنان والحب بالنسبة اليه، وملتقى المحبين والمخلصين
ومشهد العشاق والهائمين.
يقول الشيخ ابو الحسن الندوي في الحج (والحج بمناسكه وأركانه وأعماله
كله تمرين وتمثيل للإطاعة المطلقة، وامتثال للأمر المجرد وسعي وراء
الأمر وتلبية وإجابة للطلب، فالحاج يتقلب بين مكة ومنى وعرفات والمزدلفة،
ثم منى ومكة يقيم ويرحل ويمكث وينتقل ويخيم ويقلع، انما هو طوع اشارة
ورهين امر، ليست له ارادة ولا حكم وليس له اختيار ولا حرية،..وهكذا
كانت حياة ابراهيم وحياة الانبياء وحياة العشاق والمؤمنين والمحبين
والمتيمين نزول وارتحال ومكث وانتقال وعقد وحل ونقض وإبرام ووصل
وهجر ولا خضوع لعادة ولا إجابة لشهوة ولا اندفاع للهوى).
ومما نقله الشيخ الندوي عن الامام حجة الاسلام الغزالي في اهمية
الحج وبيان مقاصده قوله (ووضعه (اي البيت) على مثال حضرة الملوك
يقصده الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق شعثا غبرا متواضعين
لرب البيت ومستكينين له خضوعا لجلاله، واستكانة لعزته مع الاعتراف
بتنزيهه عن ان يحويه بيت ، او يكتنفه بلد، ليكون ذلك ابلغ في رقهم
وعبوديتهم وأتم في اذعانهم وانقيادهم).
ولذلك وظف عليهم فيها اعمالا، لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي الى
معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة
على سبيل التكرار، وبمثل هذه الاعمال يظهر كمال الرق والعبودية،
فإن الزكاة ارفاق، ووجهه مفهوم وللعقل اليه ميل والصوم كسر للشهوة
التي هي آلة عدو الله، والتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل، والركوع
والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال، هي هيئة التواضع للنفوس
انس بتعظيم الله عز وجل، اما ترددات السعي ورمي الجمار وامثال هذه
الاعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس للطبع فيها ولا اهتداء للعقل الى
معانيها، فلا يكون للإقدام عليها باعث الا الامر المجرد، وقصد الامتثال
للأمر من حيث انه امر واجب الاتباع فقط..
ثم قال (واقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون
أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد، كان ما لا يهتدي
الى معانيه ابلغ انواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى
الطباع والاخلاق الى مقتضى الاسترقاق، واذا تفطنت الى هذا فهمت ان
تعجب النفوس من هذه الافعال العجيبة، مصدره الذهول عن اسرار التعبدات،
وهذا القدر كاف في تفهم اصل الحج ان شاء الله تعالى).
وبعد: فهذا بعض مما ذكره فقهاء المسلمين عن مناسك الحج ومقاصده وهذه
العجالة لا يمكن ان تحوي جميع ما قيل فيه، وإلا فعبادة الحج لها
مدلولها الإلهي وحكمتها البالغة وعالميتها العظيمة، التي لا تشبهها
عالمية في اجتماع اممي ليؤدوا عبادة واحدة في وقت واحد وفي مكان
واحد.
اما القسم الثاني من ورقة العمل هذه :
فتتعلق بعالمية أركان الاسلام الخمسة ونبذ ظاهرة الإقصاء فنقول:
نستطيع ان نقسم العبادات الى ثلاثة اقسام:
القسم الاول: يتعلق بعالمية النطق والدخول في حظيرة الاعتراف والتوجه
الى المعترف بربوبيته وهو الله عز وجل والى صدق رسالة المرسل وهو
محمد صلى الله عليه وسلم ليحصل الانقياد والتعبد لإله واحد والتمسك
بشرع واحد وهذا هو الاصل الاصيل لقسمة الناس الى قسمين: مسلم موحد
وكافر بالله وبرسوله.
فالاسلام ملة والكفر كله ملة لانه ضد الاول ولهذا يحمي الموحد دمه
وماله وعرضه بهذه الشهادة، التي هي الفيصل بين النور والظلام وبين
الحق والباطل، وهي السبب في قيامة الجاهلية كلها على النبي صلى الله
عليه وسلم عندما دعى الناس اليها يصف الشيخ ابو الحسن الندوي هذا
الحال في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين بقوله (ما أخطأ
المجتمع الجاهلي فهم هذه الدعوة ومراميها وما غم على اهله امرها،
وادركوا عندما قرع اسماعهم صوت النبي صلى الله عليه وسلم ان دعوته
الى الايمان بالله وحده، سهم سدد الى كبد الجاهلية ونعي لها، فقامت
قيامة الجاهلية ودافعت عن تراثها دفاعها الاخير، وقاتلت في سبيل
الاحتفاظ به قتالها المستميت، واجلبت على الداعي صلى الله عليه وسلم
بخيلها ورجلها، وجاءت بحدها وحديدها قال تعالى (وانطلق الملأ منهم
ان امشوا واصبروا على آلهتكم ان هذا لشيء يراد).
ووجد كل ركن من هذه الحياة ومن أثافي الجاهلية نفسه مهددا وحياته
منذرة) ذلك لان الامر اقتضى تغير الحياة من وضع الى وضع ومن تبعية
الى اخرى لا تؤمن بالعبودية لغير الله الواحد الأحد، ولا بشريعة
غير شريعته ولا بوحي وإلهام وطقوس غير وحيه، الذي نزل على لسان جبريل
عليه السلام.
القسم الثاني
ما هو عبادة بدنية خالصة كالصلاة والصيام وهما عالميتان بمعنى الكلمة
ولا يعذر منها احد الا غير المستطيع على ادائها، مع ان البدل عنها
لازم ما عدا الحائض والنفساء في عذرهما عن بدل الصلاة لأجل تكرار
حدوث ذلك، فاذا امعنا النظر في الصلاة من حيث رباطها الاجتماعي في
صلاة الجماعة والجمعة وتسوية الصفوف والمناكب والاقدام حيثما امرت
به السنة النبوية الشريفة، واتباع المأمومين للامام في تكبيرهم وقيامهم
وركوعهم وسجودهم وجلوسهم وتسليمهم اولا بأول وركنا بركن وكذلك النهي
عن سبق الامام لهم في انتظار الضعفة والمرضى وعدم التأني كثيرا لئلا
يضر بأصحاب الحوائج والعجالى ونهي المأمومين عن سبق الامام او التأخر
عنه كثيرا، وصلاة التراويح في رمضان والنهي عن التخلف عن صلاة الجماعة
نهيا شديدا من النبي صلى الله عليه وسلم الى حد انه هم بتحريق البيوت
على المتخلفين وفيها الذرية والنساء، ويتكرر ذلك يوميا، واسبوعيا
في صلاة الجمعة.
وفي التكبير لصلاة العيد وفي الثلاثة الايام بعدها في عيد الاضحى
والنهي عن الاضحية قبل ذبح الامام الأعظم او إمام الصلاة، وفي الترغيب
في خروج النساء والاطفال مرتين كل عام.
كما ان الصلاة المعهودة للأحياء واجبة على العموم وواجبة وجوبا كفائيا
على الاموات بلا سجود لئلا يفهم منه السجود والانحناء للميت مما
يدل على اهمية الصلاة ومكانتها في الاسلام، بحيث لا تترك في اي حال
من احوال الناس في صحتهم ومرضهم وأمنهم وحريتهم وحياتهم وموتهم،
وفي هذا كله ما يدل على ان الاسلام يسعى الى جمع الناس على صعيد
واحد في حياتهم حتى في عبادتهم لله وحده، وينهى عن التفرق المؤدي
الى التمزق ويبغض الإقصاء المؤدي الى الشتات.
اما اذا نظرنا الى دلالة الصوم على وجوب التوحد في الأمة المسلمة
نجد فيه الشيء الكثير فمن ذلك وجوبه بالهلال او اكمال العدة على
الجميع وخروجه كذلك، ووجوب الامساك فيه موحد بطلوع الفجر ووجوب الفطر
بغروب الشمس في كل انحاء الدنيا او بالتقدير لغروبها في وقت الغيم،
وكما ان التوقيت عام لفترة ما بين الفطر والصوم في اليوم الواحد
واجب فكذلك لا يجوز التخلف عن هذا الواجب فلا يجوز الصيام بالليل
والنهار، حتى ولو كان الوقت صيفا هذا من حيث التوقيت والشكل.
اما من الناحية الاجتماعية: فإنه يتساوى فيه المالك والمملوك والرجل
والمرأة والكبير والصغير وسواء صوم الفرض وصوم النفل والبدل والكفارات،
كما ان الاسلام رغب الأغنياء في إسداء الصدقات والمعروف والإفطار
للفقراء والمحتاجين في رمضان وحثهم حثا عظيما على بذل فضول اموال
الأموال فيه وتوزيع الزكاة من اجل مضاعفة الثواب فيه.
كما أمر بصدقة الفطر للمحتاجين من اجل اغنائهم عن تكفف الناس او
مباشرة الاعمال يوم العيد لأنهم في حال فرح وتواصل بين بعضهم البعض.
فإننا نجد كذلك ان المساواة بين الناس واجبة وان التعصب والانغلاق
والتفرق منهي عنه بالأولى كما أمر بالوحدة.
اما القسم الثالث:
وهو ما يشترك الجانب البدني مع الجانب المالي وهو الزكاة والحج فأما
الزكاة فهي رباط اجتماعي متين يربط الفقير بالغني بل يربط الحاكم
بالمحكوم والعكس، ذلك لأن الزكاة مورد مالي مهم للمجتمع بأسره ولا
ادل على اهميته في الاسلام من انه ركن يقوم عليه بناء الاسلام وصرحه
الشامخ فلو عطلت الزكاة لشلت يد المجتمع وحرم من اهم مورد اقتصادي
واجب ليس فيه صفة الضرائب في الجباية ولا صفة الذل والامتهان في
الأخذ فضلا عن انها عبادة يقصد بها وجه الله سبحانه وتعالى وامتثال
امره، فلا تصح الا بالنية وإلا انقلبت الى هبة.
ولا تسقط عن المكلف الذي تجب عليه إلا بأدائها، وتبقى شريكة في المالك
كالدين فيما لو مات من وجبت عليه ولم يخرجها، ولو اسقطت الزكاة بهذا
السبب او بغيره كالامتناع عن ادائها، او الاستغناء عنها بالمصادر
المالية الاخرى لفقد ركن من اركان الاسلام الذي هو مجاور للصلاة
ولتزلزل المجتمع ولنقضت عرى الاسلام عروة عروة، وستزول اركان الاسلام
ركنا بعد ركن بسبب التحضر والمدنية فلا يبقى من الاسلام الا اسمه.
ومن هنا نعلم ان قتال ابي بكر والصحابة عنهم جميعا لمانعي الزكاة
كان حقا ونورا من الله سبحانه وتعالى ألقاه في قلوبهم وعقولهم، وما
احسن ما قاله بعض المفكرين المسلمين في تلك الوقائع: (لقد كانت حربا
اهلية لإنصاف الطبقة الفقيرة، ولن تجد في جميع الحروب الاهلية التي
قامت لانصاف الطبقة الفقيرة في اوروبا وما يعادلها إخلاصا ونزاهة،
ذلك لأن الذين حاربوا لانصاف الطبقة في اوروبا هم الطبقة الفقيرة
نفسها حاربوا تحت تأثير الحاجة، اما الذين حاربوا في زمن الخليفة
ابي بكر فهم سراة الصحابة ورجال الحل والعقد (وحملة القرآن) وعلى
رأسهم الخليفة نفسه الذي قال في هذه الحادثة: (والله لو منعوني عناقا
كانوا يؤدونها الى رسول الله صلى عليه وسلم لقاتلتهم على منعها).
أما الحج :
فإنه إذا كانت العبادات يؤديها المسلمون كل في بلده أو في خاصة نفسه،
ولا يلتقون في أدائها إلا في بلدانهم بل في مساجدهم أو مصلياتهم
أو في مجتمعهم الصغير، ومنها ما هو خاص في أدائه بالشخص نفسه كالصوم.
فإن الحج يؤدى بصورة جماعية على صعيد واحد، وفي وقت واحد وفي مكان
واحد، واراد الله عز وجل للمسلمين أن يجتمعوا في الحج ملبين نداء
أبيهم ابراهيم قائلين: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك.
وانظر الى إجابة النداء فإنها ليست لابراهيم وإنما لرب ابراهيم ولكن
في المكان الذي أدى فيه ابراهيم وبنوه وأتباعه الحج وهي الشعائر
التي أراد الله تشريفها لتكون حرما آمنا وبقاعا طاهرة وشعائر مقدسة،
ومن عظمها فقد عظم الله وأثمرت التقوى في قلبه ونال الخير والقرب
من ربه (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) والحج لله
سبحانه أي لرب البيت لا للبيت ولرب المشاعر لا للمشاعر ولرب الأنعام
التي تذبح اقتداء بأبينا ابراهيم لا لابراهيم والتقرب بها لله سبحانه
من أجل اتقاء سخطه لا لأن دماءها تصل الى الله عز وجل وإنما الذي
يتقبله طاعة العباد فقط، (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله
التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
ولا شك في ان الحج له غايات ومقاصد كبرى مرتبطة بأبينا ابراهيم ومن
جاء بعده الى نبينا صلى الله عليه وسلم الذي علمنا المناسك وأمرنا
بأدائها كما أداها هو ثم أداها صحابته وتابعوه عنه، ومن جملة هذه
الغايات والمقاصد اجتماع المسلمين لأداء هذه الشعيرة على صعيد واحد
ويؤدون اعمالا موحدة، فالمالك والمملوك والرجل والمرأة والأبيض والأسود
حجهم واحد ومكانهم واحد، فما أروع هذا التوحد وهذا الاجتماع.
وانظر الى ما قاله الشيخ الندوي في هذا الجانب بما نصه: (وما دام
الحج، والحج فريضة باقية الى يوم القيامة، ومؤسسة خالدة خلود هذه
الامة، فالمسلمين لا تبتلعهم القوميات كما ابتلعت أمما كثيرة ولا
يصبحون ضحيتها، ولا تكون بلادهم التي يحبونها بسائق الفطرة والعاطفة
والعصبية قبلة يتوجهون إليها وكعبة يحجون إليها، إنما هي قبلة واحدة
يتوجه إليها الشرقي والغربي والعجمي والعربي، وإنما هي كعبة واحدة
يحج إليها الهندي والأفغاني والمسلم الاوروبي والاميركي، (وإذ جعلنا
البيت مثابة للناس وأمنا، واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى).
ويحن إليها المسلم في أقصى الارض، وينذر لهذه الرحلة النذور، ويسعى
إليها على الرأس والعين، ويعتبر ذلك غاية الأوطار وأقصى الأماني
وأعظم السعادات).
نبذ ظاهرة الإقصاء:
إذا كان كل ما ذكرناه من حكم بالغة في تشريع أركان الاسلام الخمسة
موجودا بما فيها من اشتراك في التوجه الى الخالق سبحانه وتعالى وفي
التوقيت بأوقات محددة وفي إخلاص النية وفي اشتراك الناس جميعا في
التوجه الى الكعبة البيت الحرام الذي بناه أبونا ابراهيم عليه السلام
وابنه إسماعيل وموطن نزول الوحي بالتشريع السماوي وفي الاجتماع في
أداء شعائر الصلاة والصوم والحج وفي المساواة بين الناس جميعا في
التكليف بهذه العبادات البدني والمالي منها فإنما يدل ذلك على أن
المسلمين جميعا مطالبون بأن يكونوا يدا واحدة وصفا واحدا في المبدأ
والمصير.
ولا شك ان تشريع العبادات بهذه الكيفية فيه ما يكفل وحدة المسلمين
وعدم التشتت والنزاع فيما بينهم، وقد عبر المولى سبحانه عن المؤمنين
بأنهم أخوة في الدين حيث قال سبحانه: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا
بين أخويكم).
فعندما يقع نزاع بين طائفتين من المؤمنين يجب ان نقوم بإصلاح ذات
البين لأنهما أخوان لنا في الدين، مما يدل على أنه لا ينبغي ان نقف
مكتوفي الأيدي عن الإصلاح ورأب الصدع الذي قام بين ذينك الفريقين.
إذا كان هذا أمر الله لنا في حال حصول النزاع والاقتتال، وإذا كان
هذا تشريعه لأركان الاسلام بالصفة التي رأيناها جامعة لشمل الأمة
فلماذا تكون هناك ظاهرة إقصاء الطرف الآخر الذي نراه بين الفينة
والأخرى، إن أمة فيها مثل هذا التشريع الذي يربط بين أفرادها لحرية
بأن لا يكون بينهم تمزق أو تفرق أو إقصاء، فإذا كان الأمر المؤدي
الى الاقصاء يتعلق بنص محكم فإنه لا جدال بأنه يجب ان يؤخذ بالمحكم،
أما المتشابه فإنه يجب ان يرد الى المحكم، أما مسائل التشريع العملية
المحتملة للخلاف فإن للنظر فيها مجال وللاجتهاد فيها نصيب ولا يجوز
ان نقطع بخطأ من خالفنا في الرأي لأن مجال الاجتهاد في الفرعيات
واسع.
نعم ان هذه الأمة لحرية ان تضم تحت جناحها مختلف الشعوب التي تدين
بالاسلام على بعد ديارهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم، لأن
الهدف واحد والمصير كذلك.
إنها تعبد ربا واحد ولها قرآن واحد غير مختلف فيه، وقبلتها واحدة
يتوجه إليها المسلمون بالعبادة أينما كانوا في أصقاع الارض، ويحجون
الى هذه القبلة في وقت واحد ويصومون شهرا واحدا وبطريقة واحدة، كما
ان أساسيات شريعتهم واحدة فلماذا التميز والاقصاء.
أليس الاقصاء مخالفا لمقاصد التشريع الاسلامي الذي يدعو الى ان يكون
المسلمون يدا واحدة على من سواهم ولهذا اهتم النبي صلى الله عليه
وسلم بهذا المبدأ وهو الوحدة اول ما وصل المدينة بعد الهجرة، حيث
ربط المؤمنين بعضهم ببعض قولا وفعلا فآخى بين المهاجرين والأنصار
وذابت الفوارق فيما بينهم، وكتب تلك المعاهدة المشهورة في التاريخ.
كما أنه عليه الصلاة والسلام حث المؤمنين على الترابط والتعاون والتلاحم
فيما بينهم، روى عبدالله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم: (وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه
ولا يخذله ولا يسلمه). وقال في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه:
(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
إن ظاهرة الاقصاء تتنافى ومقاصد التشريع وتختلف مع ما ترشد إليه
الآيات القرآنية والسنة النبوية قولا وفعلا فهي لا تليق بالمسلمين
فيما بينهم، وإنما شرعها الله ضد غيرهم أما المسلمون فيما بينهم
فتجب النصيحة للحاكم والرعية ويجب ان يبذل المسلم تجاه مجتمعه كل
ما يمكنه لاشاعة المودة والتقارب بين المسلمين لا ان يستعمل ظاهرة
الاقصاء.
ان المولى عز وجل أمر ان لا نتنازع كي لا يدب فينا الفشل والتمزق
يقول تعالى: (واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
واصبروا ان الله مع الصابرين).
وقد نعى على الأمم السابقة التي أتاها شرع الله فاختلفت فيه وتنازعت
فتفرقت قال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في
شيء إنما أمرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون).
وقال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات،
وأولئك لهم عذاب عظيم). فانظر الى هذا الوعيد الشديد على التفرق
والاختلاف المؤدي الى التمزق.
وقال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق
بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
وقد نهانا المولى عز وجل عن التنابز بالألقاب وإساءة الظن بالطرف
الآخر يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى
ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا
تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان
ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون).
فالمولى عز وجل حكم على المتنابزين بالألقاب بالظلم وأوجب عليهم
التوبة والرجوع عن مثل هذه الأفعال التي تسبب إقصاء الآخرين، وذلك
كله من أجل نبذ كل ما يثير الأحقاد والضغائن من أجل الحفاظ على التعاون
والتلاحم بين المسلمين.
إن ظاهرة إقصاء الآخرين تنم عن عصبية وضيق أفق، فإذا كان كتاب الله
بيننا قائما وسنة رسوله كذلك، واللغة التشريعية واحدة وعباداتنا
واحدة وقبلتنا واحدة ومناسك حجنا واحدة فلماذا تكون ظاهرة إقصاء
الآخرين افليس من الجدير بنا ونحن في مثل هذا العصر الذي يحارب فيه
الاسلام وبنوه من كل جانب ويرمون بالألقاب المؤدية الى إهلاكهم وتعقبهم
بحق أو باطل ان نكون صفا واحدا ويدا واحدة على من سوانا لنحافظ على
اسلامنا وقيمنا الأصيلة، التي بنيت على حق واضح وشريعة إلهية بينة
المعالم، قد تبين الرشد من الغي، يا أهل الايمان أفلا نكون من المنصفين
؟ نعم إن تمسكنا بأهداب ديننا والعض عليه بالنواجذ، ونبذ الأحقاد
والضغائن عنا وإزالة التعصب والانغلاق فيما بيننا، كفيل بأن يعيد
لنا كرامتنا وعزتنا فنحن في زمان أحوج ما نكون فيه الى ان نكون يدا
واحدة على عدونا الذي لا يبالي بنا وأن ننبذ الفرقة والخلاف، وندعو
الى ذلك كي تسمو روح الأمة وتتسامى عن هذه الهنات، وتهتم بما هو
أهم من أجل المحافظة على البقاء على هذه الارض فنعبد الله على يقين
وندعو إليه على بصيرة ولا ننقص حق الآخرين.
ونحن نرى ان الدول الاوروبية سعت الى وحدتها، وواصلت العمل بلا ملل
ولا كلل مع اختلاف لغاتها ومكونات ثقافاتها ومصادر ثرواتها وعناصر
شعوبها حتى وصلت الى اتحاد كامل وأصدرت عملتها الموحدة، وسارت على
هدف واحد ضد من تسميهم الأعداء على الرغم من خوضها حربين عالميتين.
فكيف بنا ونحن نملك أساسيات التفاهم ومقومات الوحدة الدائمة للوصول
الى الهدف المنشود.
ان الله سبحانه أمرنا ان ندعو المخالفين لنا في الدين من المشركين
بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن حيث قال تعالى: (ادع
الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
وقال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). ولا شك
ان الموافقين لنا في الاسلام أولى بهذه المعاملة الكريمة عند الخلاف
فلماذا ظاهرة الاقصاء.
لقد كان من شرف الاسلام أنه لم يجعل الخلاف في الدين سببا للقطيعة
إذا لم يقاتلوا ولم يتسببوا في إخراج المسلمين من مكة، وإنما يكون
القتال والقطيعة والبغض لمن عمل شيئا من ذلك قال تعالى: (لا ينهاكم
الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم
وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). وذلك من باب المعاملة بالمثل،
ولكن المسلمين يجب ان لا يعاملوا بعضهم بعضا بالمثل بل بالصفح والصلح
والمراجعة كي يسود التفاهم والمودة والإخاء لا أن تسود القطيعة والنبذ
والاقصاء.
وأختم هذه الورقة بأبيات قالها شاعرنا العلامة أبو مسلم ناصر بن
سالم بن عديم الرواحي العماني من علماء القرن الرابع عشر الهجري
ونصها:
لقد مكن الأعداء منا انخداعنا
وسورة بعض فوق بعض وحملة
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب
وما الدين إلا واحد والذي ترى
وما ترك المختار ألف ديانة
فياليت أهل الدين لم يتفرقوا
لو التزموا من عزة الدين شرطها
وما ذبح الاسلام إلا سيوفنا
ـــــــ
وقد لاح آل في المهامه لامع
لزيد على عمرو وما ثم رادع
له شيع فيما ادعاه تشايع
ضلالات أتباع الهوى تتقارع
ولا جاء في القرآن هذا التنازع
وليت نظام الدين للكل جامع
لما اتضعت منها الرعان الفوارع
وقد جعلت في نفسها تتقارع .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* كلية الحقوق ـ جامعة السلطان قابوس
أعلى
|
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|