في
الموضوع
يجب تفويت الفرصة
اختار الغربيون يوم 14 فبراير ليكون "عيد
الحب"، ولأنهم يعيشون حالة من الحضارة المادية، أصبح ذلك اليوم
مناسبة للترويج لمنتجات استهلاكية معينة، تشمل الهدايا التي يقدمها
الأحباء من الرجال والنساء لمحبوبيهم، لتأكيد مشاعرهم تجاه من يحبون،
بينما الحياة تسير في شكلها العادي، وكأن الناس نجحوا في اختراع
مناسبة إضافية لكسر رتابة الحياة، وإدخال نوع من البهجة على قلوب
بعضهم البعض، إضافة إلى هدف الترويج لبطاقات التهنئة والملابس والهدايا
الأخرى، لتشجيع المبيعات منها في تلك المناسبة. ولم يكن غريبا أن
تنتقل تلك العادة إلى بلاد شعوب أخرى، من بينها الشعوب العربية،
وكأنها ـ في ظروف حياتها الصعبة على كافة الأصعدة ـ تبحث عن مناسبة
تتهرب فيها من "كآبة" الحياة، وليس فقط من "رتابتها".
لكن قدر البلاد العربية الصعب بدا وكأنه لا يتركها تشعر بالفرحة
في أي مناسبة، فاختار بعض المجرمين ذلك اليوم قبل عامين، لاقتراف
جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وفي تلك
المناسبة لم يستهدفوا حياة الحريري فقط، ويقطعوا مسيرتها التي كانت
غنية بالأحداث، رغم أنها كانت ـ مثل أي دور مهم في الحياة العامة
ـ موضع خلاف بين الناس. فأصبح ذلك التاريخ، في لبنان على الأقل،
يشوبه طابع جو مأساوي من ناحية، ونذير خطر على أمن وسلامة ذلك البلد
من ناحية أخرى، إلى جانب أنه فتح الأبواب على مصراعيها للتدخل الأجنبي
في الشؤون اللبنانية، وكان من آثاره الواضحة صدور قرار مجلس الأمن
رقم 1559، وخروج قوات "الردع العربي"، السورية، من هناك،
بكل ما يحمله ذلك من آثار، تشمل تأليب قوى سياسية لبنانية ضد أخرى،
وتشديد الضغط على لبنان لجره إلى سلام منفرد مع إسرائيل، بعد فصم
العلاقة بينه وبين سوريا. وكذلك محاصرة سوريا وتوجيه مختلف الاتهامات
إليها.
ما جرى في لبنان ذلك اليوم لم يكن بسيطا، لأن عملية اغتيال رفيق
الحريري جرت بتدبير وصل درجة الإتقان من ناحية، وتم تنفيذها باستخدام
متفجرات متطورة، لا يمكن لمنظمة "ارهابية" عادية الحصول
عليها من ناحية أخرى، ولذلك اتجهت أصابع الاتهام إلى أجهزة مخابرات
دول معينة، وهنا حاول كل طرف استخدام ما جرى لمصلحته الخاصة من الناحية
السياسية، فاتهم خصوم الوجود السوري في لبنان دمشق بالمسؤولية عن
الجريمة، ونجحوا ـ بتأييد أميركي ـ من استصدار القرار 1559 لإخراج
قواتها من لبنان، في حين وجه آخرون اتهاماتهم إلى إسرائيل، بصفتها
المستفيد الأكبر من خروج القوات السورية من لبنان، وكذلك إلى الولايات
المتحدة الأميركية التي تستفيد من محاصرة الموقف السوري من تسهيل
مهمة قواتها في العراق، وظلت كافة الملفات مفتوحة منذ ذلك الحين.
ومع استمرار الملفات مفتوحة، جرت انتخابات للمجلس النيابي بعد جلاء
القوات السورية، وظهر انقسام سياسي جديد على خطوط مختلفة، ووصلت
الشروخ السياسية إلى أعماق التركيبة الطائفية التقليدية، ومن ثم
تواصل الجدل والمواجهات بين الحكومة اللبنانية والمعارضة، وتفاقم
الموقف بصورة متزايدة في أعقاب حرب الصيف الماضي، فقد حملت الأكثرية
الحاكمة مسؤوليتها لحزب الله، رغم التقارير التي أكدت أن الأميركيين
كانوا يدبرون لتلك الحملة العدوانية، وأن الصهاينة كانوا مجرد أداة
للتنفيذ بتسهيل ودعم أميركيين، حيث أتاحت تلك الحملة الفرصة للضغط
من أجل نزع سلاح حزب الله، بعد أن اتهم بـ"عدم المسؤولية"
على الأقل، وبأنه استفز إسرائيل وأعطاها الفرصة لتخريب البنية الأساسية
في لبنان. دون التطرق إلى مسؤولية المجرم الصهيوني عن جريمته، أو
إلى مسؤولية "حليفه الاستيراتيجي" الأميركي في تزويده
بالسلاح، عبر بريطانيا، والمماطلة في العمل لوقف إطلاق النار.
ومع حلول الذكرى السنوية الثانية للجريمة، وفي ظروف احتدام الجدل
بين الفرقاء اللبنانيين بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية من ناحية، وإقرار
اتفاق تأسيس المحكمة الدولية للتحقيق في الجريمة والجرائم الأخرى
التي تبعتها ـ على مدى العامين الماضيين ـ بدا وكأن ضغط أطراف معينة
لتفجير الوضع اللبناني من الداخل ما زال على أشده، فأقدمت على اقتراف
جريمة جديدة صباح الاثنين الماضي، تمثلت في تفجير حافلتين لركاب
مدنيين، راح ضحية لها 3 قتلى وحوالي 25 جريحا، كان معظمهم في حالة
خطرة. وسبب التخوف من آثار هذه الجريمة الأخيرة، هو أنها الأولى
من نوعها التي تستهدف مدنيين أبرياء عاديين، ليسوا من رجال السياسة
أو أصحاب مواقف معينة في الخصومة السياسية الجارية، كما أنها أعادت
إلى الأذهان ذكرى جريمة أخرى مماثلة، كانت سببا في تفجير الحرب الأهلية
اللبنانية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكأن أولئك الذين لا
يريدون للبنان خيرا، لم يرضوا عن ضبط النفس الذي التزمته المعارضة
والحكومة خلال الفترة الأخيرة، بعد وقف اعتصام أنصار المعارضة والعصيان
المدني الذي نفذوه، وأرادوا إثارة الأزمة من جديد.
وفي مثل هذه الظروف، يتعين على كافة اللبنانيين ـ خاصة القيادات
السياسية ـ التزام الحذر البالغ، لأن أيا منهم لا يستطيع السيطرة
على ما يجري على أرض بلاده، التي ظلت ـ على مدى تاريخها الحديث منذ
الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي ـ ساحة مفتوحة أمام العديد من أجهزة
المخابرات الأجنبية، يعيث معظمهم فيها فسادا من أجل مصالحه الخاصة،
دون أدنى اعتبار لمصلحة لبنان ذاته. وفي ظروف التوتر هذه، يبدو أن
أولئك الذين لا يريدون بلبنان خيرا، يحاولون استعداء كل طرف من الفرقاء
ضد الآخر، بينما تقتضي الحكمة أن يعرف اللبنانيون أن الراحل رفيق
الحريري وكافة ضحايا الاغتيالات الآخرين، فقدوا حياتهم شهداء من
أجل لبنان، والسبيل الوحيد لإحياء ذكراهم وتمجيد تضحياتهم، هو الحفاظ
على وحدة لبنان وتركيبته الإنسانية الفريدة، وتحويل مظاهر ضعف هذا
البلد العربي الصغير إلى مصادر قوة، تستطيع الحيلولة بين العدو الصهيوني
وتحقيق مخططاته. لكي يكون يوم 14 فبراير "يوم حب لبنان"،
وليس يوما للاتجار بلبنان والتربح من كوارث تحيق به، لتحقيق مصالح
فئوية وطائفية ضيقة.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى
كل
يوم
عولمة الحب ..!
ليس عيد الحب ولا يوم العشاق أو ما يسمى بـ"فالنتاين"
من تقاليدنا ولا من أعيادنا أو أيامنا الدينية أو مناسباتنا الاجتماعية،
في الوطن العربي. ولكنه ظاهرة من ظواهر العولمة غزتنا في العقدين
الأخيرين من القرن الماضي، على الأكثر، وأصبحت مما اعتاده كثيرون
وكثيرات من أبنائنا وبناتنا وشغلوا به أنفسهم وأسرهم.
أصبح عيد العشاق، وعيد الحب، أو الفالنتاين مناسبة نحتفي بها، وتزدان
أسواقنا وغرف نومنا، وصالوناتنا بالألوان الحمراء والورود الحمراء،
والبالونات الحمراء .. والبطاقات الحمراء، احتفالا بها! إنها مناسبة
من مناسبات عديدة لم تكن معروفة، قبلا، في مجتمعاتنا.
لهذا نعذر بعض العلماء والمشايخ الذين ذهبوا الى حد القطع بتحريمها،
ولا نعترض على أولئك الذين يدينونها ويستنكرون الاحتفال بها، أو
إحياءها كل عام، بوصفها تقليدا غربيا، ومناسبة اجتماعية أوروبية
ارتبطت بأحد القديسين في العصر الروماني الذي ضحى بحياته من أجل
الحب والزواج المقدس اللذين منعهما الإمبراطور، فكان يوم الحب، في
14 شباط "فبراير" من كل عام إحياء لذكرى تلك التضحية!
يصطبغ كل شيء بالأحمر في بلادنا هذه الأيام، بسبب المجازر والدماء
التي تسيل أنهارا في مدننا وقرانا في العراق وفلسطين ولبنان والصومال
والسودان والجزائر .. جراء العنف والإرهاب من جهة، والاحتلال الأجنبي
الجائر من جهة ثانية، وفرق الموت والتعذيب التي تملأ الأرض جورا
وظلما، بعد أن ملئت عدلا وأمنا.
لسنا إذن، في حاجة الى هذا الأحمر القاني لنحتفل
بعيد الحب. فقد غادرتنا هذه المفردة منذ زمن طويل، بسبب هذه التداعيات
الأليمة والأحداث الدامية، وأصبح شغلنا الشاغل أن نخفف من آلام شعبنا
ومعاناته هنا .. وهناك .. وهنالك، وأن نغسل بالماء الطهور آثار الدم
المسفوح، وبقايا أشلاء الضحايا والمعذبين في الأرض.
لسنا في حاجة الى اللون الأحمر القاني، ولكننا بحاجة ماسة الى ما
يرمز إليه أعني الحب والمودة والاحترام المتبادل.
وهذا ما يجعلنا ندعو الى الاحتفال بعيد الحب ويوم العشق، لكنه حب
الأهل والإخوة والأشقاء المواطنين، من أبناء الوطن كله، وليس حب
المرأة الانثى وحدها، على أهمية هذا الحب الأخير وضرورته، اعني أو
يحب بعضنا بعضا، وأن يصافح بعضنا بعضا، وأن ننأى عن الخلافات ونبحث
عن القواسم المشتركة. ونعزز الصلات الاجتماعية في ما بيننا دون تفكير
في فوارق الجنس أو اللغة أو العقيدة أو المذهب الديني أو الطائفة.
الحب بمعناه الأوسع الذي يعني التآلف والتكاتف والتسامح ويعني الايثار
والتضحية، والولاء والوفاء والإخلاص للوطن والشعب والأمة.
يوم الحب وعيد العشاق مناسبة عززتها العولمة لتصبح عالمية، وهذا
من ثمار العولمة التي منها المر ومنها الحلو، ومنها ما هو بين بين
.. ولكننا مدعوون جميعا الى أن نجعل منها عيدا حقيقيا لصلات أوثق
وتعاون أفضل بين جميع مكونات أبناء الوطن والأمة .. فهل نحن فاعلون
؟!
وأختتم بقول نزار قباني:
الحب في الأرض بعض من تخيلنا
لو لم نجده عليها لاخترعناه
د. محمد ناجي عمايرة
mohamayreh@hotmail.com
أعلى
(الدب) الروسي..يندفع قوياً!
الدبلوماسية الروسية وفي حركة سياسية منظمة
، تنادي وعن رغبة حقيقية ، بشراكة استراتيجية مع اوروبا في الطاقة
، وطبيعية الطرح الروسي لهذه المسألة تتلخص في مفاضلة اوروبا في
احتياجاتها للطاقة بين روسيا الجاهزة لامدادها بها ، وبين الولايات
المتحدة الغارقة في الوحلين العراقي والافغاني واحتمال غوصها من
جديد في ايران ! والتي تضرب عرض الحائط بمصالح حليفاتها من الدول
الاوروبية ، والتي ترى فيها تابعا ، ليس إلا ! .
د.فايز رشيد*
بداية، فإن كلمة (الدب) لا تعني الاساءة، بل ارتبطت بروسيا وسيبريا،
والقطب المتجمد الشمالي، والصقيع .... والروس يتندرون على أنفسهم
باستعمالها ... وأذكر مرّةً، وفي نقاش مع زميل روسي، وكان ذلك في
أوج الحرب الباردة في السبعينيات، وفي موسكو، أنه قال لي: تصوّر
فإن الدعاية الغربية تدّعي أن الدببة الروسية تتمختر في شارع غوركي!
(اشهر شارع في العاصمة موسكو).
وما كان مني إلا ضحكت وبملء فمي ، فزميلي الروسي الساذج لم يستوعب
وقتها أن المقصودين، هم الروس! وفسّرت له الأمر!
الجولة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المنطقة،
والتي تضمنت زيارة ثلاث دول عربية: السعودية وقطر والاردن، إضافة
إلى لقائه بالرئيس الفلسطيني في العاصمة الاردنية، تحمل أهمية كبيرة،
نظراً للتوقيت الذي جاءت فيه، وما سيترتب عليها من تداعيات، وبخاصة
أنها جاءت بعد خطاب بوتين في ميونيخ على هامش (منتدى دافوس للأمن)،
والذي هاجم فيه بشدة الولايات المتحدة، وتفردها في السياسة الدولية،
وطالب فيه بالعودة إلى التحرك المتعدد، القائم على الشراكة بين الدول.
زيارة بوتين إلى ثلاث دول عربية، وإضافة إلى فوائدها المباشرة للجانبين
من حيث المشاريع الاقتصادية المشتركة، وبرامج التعاون الطموحة في
المجالات المختلفة، فإنها تأتي في وقت بالغ الدقة تمر به المنطقة
، فمن الحرب الدائرة في العراق، والأخرى المشابهة لها في افغانستان
المجاورة لما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، والتي كانت سبباً من عوامل
كثيرة في انهيار القطب الثاني الاعظم في الساحة الدولية، الى التهديدات
الاميركية بتوجيه ضربة عسكرية مباشرة إلى ايران، والى الوضع في فلسطين.
والاحتمالات المتعددة لمسيرة الاحداث في الساحة اللبنانية، وغيرها
من الاحداث الساخنة.
زيارة بوتين إلى المنطقة العربية في خضّم هذه الأحداث هي عودة قوية
لروسيا بعد انقطاع طويل على التواجد في المياه الدافئة، وهي إشارة
ايضا (استمرارا لإشارات متعددة) إلى ان وريث الاتحاد السوفييتي سوف
يلعب دوراً مهماً في القادم من الأحداث على صعيد المنطقة، يعتبرها
مجالاً حيوياً له ولوجوده.
لم يكن صدفةً تصريح الرئيس بوتين في ميونيخ عن العراق من خلال قوله
(إن العمليات احادية الجانب وغير المشروعة لم تتمكن من تسوية المشكلات،
بل زادت من خطورة المآسي البشرية). كما لم تكن صدفةً دعوة وفد من
حركة حماس إلى موسكو، إثر الانتخابات التشريعية الفلسطينية منذ ما
يقارب العام وسط مقاطعة اسرائيلية واميركية غربية لحماس .. أنها
ايضا رسالة للولايات المتحدة وللدول الغربية عموماً، بأن لروسيا
سياستها المستقلة! وأن روسيا بوتين هي غير روسيا يلتسين، الذي قدّم
تنازلات جوهرية للغرب، إضافة إلى سياساته الداخلية، التي أسفرت عن
ازدياد حجم الجريمة المنظمة، وهيمنة عصابات المافيا، وتفكك المؤسسات
الأمنية والعسكرية، وبيع القطاع العام ونهبه تحت شعارات الخصخصة،
والتي أدت أيضا إلى تمرد غالبية الجمهوريات (السوفييتية) والتي بقيت
حليفاً قوياً لروسيا بعد الانهيار!
زيارة بوتين إلى المنطقة هي جزء من منظومة سياسية اندفاعية روسية
على الساحة الدولية ، وكانت ابرزها في اوروبا وآسيا (اضافة إلى الشرق
الاوسط) الدبلوماسية الروسية وفي حركة سياسية منظمة ، تنادي وعن
رغبة حقيقية ، بشراكة استراتيجية مع اوروبا في الطاقة ، وطبيعية
الطرح الروسي لهذه المسألة تتلخص في مفاضلة اوروبا في احتياجاتها
للطاقة بين روسيا الجاهزة لامدادها بها ، وبين الولايات المتحدة
الغارقة في الوحلين العراقي والافغاني واحتمال غوصها من جديد في
ايران ! والتي تضرب عرض الحائط بمصالح حليفاتها من الدول الاوروبية
، والتي ترى فيها تابعا ، ليس إلا ! .
الدبلوماسية الروسية ، النشطة ، والتي ازداد فعلها مؤخرا ، مرت من
قبل في محطات هامة في كل من الهند وايران والجزائر وسوريا .. فقبل
اشهر ، عمل بوتين على ترميم العلاقة التي كانت متطورة ابان الحقبة
السوفييتية بين القطب الثاني في العالم والبعض من هذه الدول . لقد
تم عقد صفقات تسلح عسكرية ضخمة مع كل من الجزائر والهند ، ومن بينها
صفقات نووية مع الاخيرة ، وتشير مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين
إلى اربعة مفاعلات نووية ستبنيها روسيا للهند ، وامكانية المشاركة
الهندية للاستثمار في مشروع ( ساخالين 3) الخاص باستكشاف حقول جديدة
للنفط والغاز في اقصى الشرق الروسي ، الامر الذي وصفه رئيس الوزراء
الهندي مانوهان سينغ (بان وضع روسيا بوصفها رائدا عالميا في مسائل
الطاقة ، امر معترف به على نطاق واسع) . اما بالنسبة لسوريا ، فقد
تم تزويدها بصواريخ جديدة مضادة للطيران ، الامر الذي أثار غضب واشنطن
وتل أبيب (باعتباره هذه الصواريخ تشكل تهديدا لاسرائيل) اما بالنسبة
للعلاقات الايرانية ـ الروسية ، فاضافة إلى ما زودت به موسكو طهران
من منظمومة صواريخ مضادة للصواريخ ، فان لروسيا موقفا متمايزا ان
بالنسبة لاستمرار التعاون النووي مع ايران في المجالات السلمية ،
او في الموقف في مجلس الامن ، والداعي إلى حل الخلافات مع طهران
بالطرق الدبلوماسية ، موسكو ، المندفعة بقوة كبيرة هذه المرة ، وبخطوات
مدروسة ومحسوبة بدقة في حركتها الدبلوماسية تستهدف العودة بقوة إلى
الساحة الدولية ، بما يذكر بالحقبة السوفيتية ، ولكن بعيدا عن الايديولوجيا
والالتزام بما تفرضه من تقييدات ، تحد بالطبع من حرية الحركة السياسية
، مما يشي بامكانية تأزم حقيقي في العلاقات الروسية ـ الاميركية
، على ضوء مطالبة روسيا للولايات المتحدة بتغيير استراتيجيتها في
السياسة الدولية ، الامر ، الذي يؤدي إما إلى قبول واشنطن للشراكة
مع روسيا ومراعاة امنها ومصالحها ، او ازدياد حدة المواجهة بين الجانبين
، وهذا الاحتمال هو المرجع ، فواشنطن وفي حقبة يلتسين ، تعودت على
نمطية سياسية في التعامل مع موسكو ، تتمثل في اعطاء الاخيرة مساعدات
اقتصادية كبيرة مقابل ابتزازها سياسيا ، وهذا الاسلوب ، يرفضه بوتين
، القادم من أروقة (الكي . جي . بي) .
يبقى القول ، ان تأثير روسيا في السياسة الدولية سيزداد على المدى
المنظور بما في ذلك التداعيات على المنطقة العربية .. هذا التأثير
الذي قد يعمل على ارساء ولو حد أدنى بسيط من التوازنات الدولية .
* كاتب فلسطيني
أعلى
"اتِّفاق مكَّة" يؤسِّس لنظام فلسطيني جديد!
لم يبقَ من فَرْق سياسي نوعي بين جناحي السلطة
التنفيذية الفلسطينية، أي "الرئاسة"، و"حكومة الوحدة
القومية" المقبلة، في الموقف من مسألة "الاعتراف (الفلسطيني)
بإسرائيل" إلا ما يَعْدِل الفَرْق في "المعنى السياسي
والقانوني (النظري والعملي)" بين كلمتي "التزام"
و"احترام"، فلو سُئِل الرئيس محمود عباس، بصفة كونه رئيسا
لـ"السلطة"، و"المنظمة"، و"فتح"،
"هل يحترم أم يلتزم قرارات الشرعيتين الدولية والعربية في شأن
النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل وسُبُل حلِّه، والاتفاقات التي
وقَّعتها منظمة التحرير الفلسطينية باسم الشعب الفلسطيني مع إسرائيل؟"،
لأجاب على البديهة قائلا: "الْتَزِم، واحْتَرِم بالتالي".
أمَّا لو سُئِل إسماعيل هنية السؤال ذاته لجاء جوابه جوابين، فبصفة
كونه المُكلَّف رسميا (أي الذي كلَّفه الرئيس عباس) تأليف "حكومة
الوحدة القومية" الجديدة، سيُجيب قائلا "أحْترِم (مع حكومتي)
ولا ألْتَزِم"؛ أمَّا بصفة كونه القيادي الثاني في "حماس"
بعد رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، فسيُجيب قائلا "لا ألْتَزِم،
ولا حتى أحْتَرِم".
"حماس الحكومية"، أي أعضاؤها في الحكومة الفلسطينية المقبلة،
ستَلْتَزم، قولا وعملا، "البرنامج السياسي الموحَّد" لتلك
الحكومة، والذي ننتظر، ومعنا إدارة الرئيس بوش، وآخرين، معرفة تفاصيله،
بما يؤكِّد "الاحترام"، ويُظْهِر ويوضِّح معناه. وأعضاء
"فتح" في الحكومة المقبلة، والذين يفهمون "الاحترام"
على أنَّه جزء لا يتجزأ من معنى "الالتزام" الذي يتبنون،
ينبغي لهم مزاولة عملهم الحكومي وفق قاعدة "الاحترام".
وبما يقي "حماس الحكومية" شرور "الالتزام"،
ويبقيها بمنأى عن "شُبْهة الاعتراف"، أخذت "الحركة"،
أي "حماس"، من الوزارات ما لا يحتاج عملها إلى تنسيق أو
تعاون مع الإسرائيليين. أمَّا "الوزارات السيادية"، أي
الداخلية والخارجية والمالية، فقد تقاسمتها مع "فتح" عبر
"مستقلين"، أي عبر فلسطينيين ليسوا بأعضاء في "حماس"
أو "فتح"؛ فوزير الداخلية لن يكون "جسدا" من
"حماس"، وإنما "روحا". ووزيرا الخارجية والمالية
لن يكونا "جسدا" من "فتح"، وإنما "روحا".
وفي هذا الجانب من "اتِّفاق (أو إعلان) مكة"، ينتظر الفلسطينيون
أولا دمج "القوة التنفيذية" التابعة لـ"حماس"
في الأجهزة والقوى الأمنية الفلسطينية"، وينتظرون، من ثم، إنشاء
وتطوير "قوة أمنية وعسكرية واحدة موحَّدة لا مكان للحزبية في
عضويتها". وبين هذا وذاك، ينتظرون تأليف قيادة أمنية عليا (مجلس
أمن قومي) تتجسَّد فيها معاني "الشراكة السياسية"، و"حكومة
الوحدة القومية". السلاح الفلسطيني، مع حامليه، يجب أن يُنَظَّم
بما يسمح بإنشاء وتطوير تلك القوة الأمنية والعسكرية (الرسمية والشرعية)
وباحتفاظ الفلسطينيين بقدرتهم على المقاومة العسكرية المنظَّمة والمجدية.
هل استوفى "اتفاق مكة" شروط تأليف حكومة فلسطينية تستوفي،
في برنامجها السياسي، شروط ومطالب "اللجنة الرباعية الدولية"
لإنهاء "الحصار"؟ هذا الاتفاق ينبغي لنا أن نقف على أهميته
السياسية بالنسبة إلى ثلاثة أمور: "الاقتتال"، "الحصار"،
"التفاوض السياسي" مع إسرائيل. في الأمر الأول، والأهم،
نقول إنَّ هذا الاتفاق يمكنه وينبغي له أن يؤسِّس لنظام سياسي فلسطيني
جديد، يملك من الخواص، والقوى التي لها مصلحة في قيامه والحفاظ عليه،
ما يدرأ عن الفلسطينيين مخاطر الاقتتال والحرب الأهلية، أي ما يجعل
خلافهم السياسي، من الآن وصاعدا، بمنأى عن خطر التحوُّل إلى صراع
بالحديد والنار، وبمنأى عن تأثير أولئك الذين لهم مصلحة في الاصطياد
في الماء العكر، وبذر بذور الاقتتال.
إنَّ "الوحدة القومية الفلسطينية"، التي بما يعزِّزها
يمكن ويجب أن يختلف الفلسطينيون وأن يتَّفقوا سياسيا، والتي هي حرب
دائمة على الحرب الأهلية وذوي المصلحة في إشعال فتيلها، هي وحدها،
ودائما، الطريق إلى إنهاء "الحصار"، وإلى جعل خياري "التفاوض
السياسي" و"المقاومة العسكرية" واقعيين ومثمرين.
وأحسب أنَّ "الوحدة القومية الفلسطينية"، التي أسَّس لها
"اتفاق مكة"، هي المساهمة الفلسطينية الكبرى في الجهود
والمساعي المبذولة لإنهاء "الحصار".
شروط ومطالب "اللجنة الرباعية الدولية" ليست بشروط ومطالب
"دولية" لاستئناف التفاوض السياسي بين الفلسطينيين وإسرائيل.
ويكفي دليلا على ذلك اللقاء الثلاثي (رايس ـ عباس ـ اولمرت) الذي
تقرر عقده قبل التوصُّل إلى "اتفاق مكة"، والذي يُصوَّر
على أنه اللقاء الذي يمكن ويجب أن يفضي إلى تفاوض سياسي جديد بين
الفلسطينيين وإسرائيل هو الأهم منذ ست سنوات، فإذا كان هذا الأمر
ممكنا ولا بد منه حتى في حال بقاء حكومة فلسطينية غير ملبِّية لشروط
ومطالب "اللجنة الرباعية الدولية"، فلا يحق للولايات المتحدة
وإسرائيل أن تقولا الآن إنَّ تأليف حكومة فلسطينية جديدة لا تلبي،
في برنامجها السياسي، تلك الشروط والمطالب تلبية لا لبس فيها يُعَدُّ
عقبة كبرى في الطريق المؤدية إلى استئناف التفاوض السياسي بين إسرائيل
والفلسطينيين. وعليهما، أي على الولايات المتحدة وإسرائيل، ألا تضربا
صفحا عن حقيقة أنَّ البرنامج السياسي لحكومة الوحدة القومية الفلسطينية
لن يتضمَّن إلا ما يؤكِّد أنَّ أمر هذا التفاوض ليس من اختصاص تلك
الحكومة وإنَّما من اختصاص رئاسة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير
الفلسطينية، قبل وبعد إعادة بنائها، وتطويرها، وإصلاح أحوالها، بما
يتَّفِق، نصا وروحا، مع "الشراكة السياسية الجديدة" بين
"فتح" و"حماس".
إذا كانت إدارة الرئيس بوش قد قالت وعملت، مُذْ شرعت تُعِد العدَّة
لاستراتيجيتها الجديدة في العراق، تخطيطا وتنفيذا، بما يؤكِّد أنَّ
التوصُّل إلى حلٍّ عبر التفاوض السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين
هو أمر ممكن واقعيا حتى قبل، أو من دون، تلبية الحكومة الفلسطينية
لشروط ومطالب "اللجنة الرباعية الدولية"، وإذا كانت تلك
الإدارة صادقة في زعمها أنَّ الحرب الأهلية الفلسطينية "غير
مفيدة سياسيا"، فلماذا تبقي على "الحصار المالي"،
وتدفع آخرين إلى الإبقاء عليه؟!
بعد تأليف "حكومة الوحدة القومية الفلسطينية"، وإعلان
برنامجها السياسي، لا بد لـ"اللجنة الرباعية الدولية"،
عندما تجتمع، أن تحذف من بياناتها السياسية كل ما يمكن أن يُفْهَم
منه أنَّ "الحصار" سيستمر؛ لأنَّ شروط رفعه لم تُستوفَ
بعد، وبما يرضي "اللجنة"، وأنَّ "الآلية المؤقَّتة"
ستبقى، وتُطوَّر. على أنَّ الأهم من ذلك أن تبدأ السعودية، ومعها
الدول العربية والإسلامية، وكل من أيَّد "اتفاق مكة" من
قوى دولية، كسر "الحصار".
"اتفاق مكة" انطوى على مبادئ مهمة للنظام السياسي الفلسطيني
الجديد، أهمها، أوَّلا، أنَّ من حق أي تنظيم فلسطيني أن يظل على
رفضه الاعتراف بإسرائيل، وأنَّ هذا الرفض لا يحول بينه وبين تمتُّعه
بالشرعية الفلسطينية، أو بينه وبين المشاركة في الحكومة الفلسطينية؛
وأهمها، ثانيا، أنَّ "الاحترام من غير التزام" يصلح قاعدة
لتأليف وعمل الحكومات الفلسطينية حتى التوصُّل إلى حل نهائي للمشكلة
القومية للشعب الفلسطيني؛ وأهمها، ثالثا، أن أمر التفاوض السياسي
مع إسرائيل ليس من اختصاص الحكومة الفلسطينية وإنما من اختصاص "الرئاسة"،
و"المنظمة" اليوم وغدا.
ولو أردتُ التعبير عن "اتفاق مكة" في تحوُّله إلى حقائق
واقعة، بلغة هيجلية لقلت: لقد نجح الفلسطينيون أخيرا في تقويم التناقض
بين "فتح" و"حماس"، والاحتفاظ به في الوقت نفسه،
في مُرَكَّب سياسي جديد، تخطُّوا فيه "تطرُّف السلطة"
لدى "فتح" و"حماس"، أي حكومتي "فتح"
و"حماس"، مؤسِّسين لسلطة "فتحماس".
جواد البشيتي*
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
أعلى
اتفاق بكين خطوة في طريق حل الأزمة الكورية
يتنفس الاميركيون والآسيويون على حد سواء الصعداء
بعد ان تم التوصل الى اتفاق بشأن البرنامج النووي لكوريا الشمالية
في الجولة الاخيرة من المحادثات السداسية. والاتفاق بالتأكيد افضل
من بدائل صياغة اتفاق او المواجهة. ومع ذلك فعلى ضوء تعقب سجل كوريا
الشمالية فإن تصفيقنا يجب ان يتم وقفه ولو مؤقتا.
بموجب الاتفاق الجديد تعد بيونغ يانغ بإغلاق مفاعل يونغبيون خلال
60 يوما مقابل 50 ألف طن من زيت الوقود. وخلال فترة الـ60 يوما هذه
يتعين على كوريا الشمالية ان تسمح بعودة المفتشين الدوليين الذين
طردتهم في 2002 وتنطلق المحادثات بين واشنطن وبيونغ يانغ بشأن تطبيع
العلاقات الدبلوماسية.
وتردد الفقرة الاخيرة اتفاقية الاطار في 1994 التي تضمنت وعودا بمثل
هذه المحادثات لكنها لم تؤد الى مفاوضات جادة. وهذا الاتفاق هو افضل
قليلا من اتفاقية الاطار التي جمدت برنامج كوريا الشمالية النووي
من خلال غلق مفاعلها في يونغبيون مقابل معونة طاقة من الولايات المتحدة
وحلفائها. لكن كوريا الشمالية لم تلتزم تماما في المرة الاخيرة وتم
التخلي عن الاتفاق من كلا الطرفين في اواخر 2002.
اذا اوقفت كوريا الشمالية ـ بعد اغلاق مفاعل يونغبيون ـ برنامجها
النووي بشكل دائم فإن معونة اضافية يمكن ان تعقب ذلك وثمة اشارات
وان كانت ليست كثيرة بشأن تنازلات اقتصادية اميركية اضافية. والهدف
النهائي هو وقف طموحات كوريا الشمالية النووية. واذا تم ذلك فإننا
سوف نتحرك الى ما وراء اتفاقية الاطار بشكل كبير والتي كانت بيونغ
يانغ قد وافقت فيها فقط على تجميد وليس انهاء برنامج البلوتونيوم
فيها.
بيد ان الشيطان يكمن في التفاصيل ويمكن اختراق الاتفاق بسهولة في
عدد كبير من القضايا في الاشهر المقبلة. ولا يزال عدد من القضايا
غامضا بشكل كبير.
على الرغم من ان بيونغ يانغ ملزمة بحساب البلوتونيوم الذي استخرجته
من مفاعل يونغبيون منذ 2002 إلا ان الاتفاق لا يحدد ماذا بشأن اي
من الاسلحة النووية التي ربما تكون كوريا الشمالية قد انتجتها بالفعل.
ليس هذا بالامر التافه لأن هناك دليلا على ان بيونغ يانغ ربما تمتلك
من 12 الى 13 سلاحا نوويا. وبالتأكيد فإننا لا نريد الوضع الذي توافق
فيه كوريا الشمالية فقط على غلق برنامج نووي (وان يتم مكافأتها بسخاء
على فعل ذلك) لانها بالفعل لديها ترسانة اسلحة جديرة بالتصديق.
كما ان هناك قضية اخرى غير واضحة وهي برنامج كوريا الشمالية بتخصيب
اليورانيوم حسب الادعاء، حيث كان قد تم اكتشاف ذلك البرنامج من قبل
وكالات الاستخبارات الاميركية وهو ما ادى الى فسخ اتفاقية الاطار
في 2002. ولم تعترف بيونغ يانغ رسميا بوجود مثل هذا البرنامج وان
كانت بشكل شبه مؤكد تعمل على هذا الاساس. ولن يكون لاي اتفاق بشأن
البرنامج النووي قيمة تذكر اذا لم يتم التعاطي بشكل واضح مع قضية
تخصيب اليورانيوم.
ولعل الاكثر واقعية من كل ذلك انه يتعين علينا ان نتذكر ان كوريا
الشمالية انتهكت كل الاتفاقيات التي وقعت عليها فيما يتعلق بالبرنامج
النووي. فعلى الرغم من انها كانت منضمة الى معاهدة منع الانتشار
النووي فإنها انتهكت الاتفاقية في مناسبتين ـ في مطلع التسعينيات
ومرة اخرى في بداية الازمة الحالية في 2002 ـ قبل ان تنسحب كلية
من المعاهدة.
ووقعت كوريا الشمالية على اتفاقية التفتيش مع الوكالة الدولية للطاقة
الذرية لتنفيذ التزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي لكنها
منعت المفتشين بشكل غير قانوني في 1993 ومرة اخرى في 2002. واصدرت
بيونغ يانغ اعلانا مشتركا مع سيئول لابقاء شبه الجزيرة الكورية خالية
من الاسلحة النووية فقط لتنتهك هذا الاعلان في 2003. وبالطبع فإن
كوريا الشمالية تخلت عن اتفاقية الاطار لعام 1994.
ومع التسليم بهذا السجل يكون من السذاجة الكبيرة الابتهاج كثيرا
بشأن الاتفاق الجديد. لانه لا يخرج عن كونه خطوة اولى مشجعة لكن
لا يزال الطريق طويلا امامنا للقول ان الازمة النووية لكوريا الشمالية
قد انحلت.
*نائب رئيس دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو ومؤلف
عدد من الكتب في القضايا الدولية من بينها كتاب يتناول علاقات اميركا
بالكوريتين. خدمة (ام سي تي) خاص بـ(الوطن).
تيد غالين كاربينتر*
أعلى
روسيا يجب أن تجدد ترسانتها النووية
كما يعرف كل امرئ، فإن مستوى المعدات الفنية
تحدد جاهزية الجيش للقتال. وحتى الآن، منعت موارد روسيا المحدودة
من إصلاح وتجديد معداتها العسكرية، ومعظمها تم تطويرها منذ أكثر
من 20 سنة مضت .
ومع ذلك، فإن الوضع يتحسن تدريجيا، كما ذلل الإنفاق الدفاعي المتزايد،
ذلل إلى حد كبير جهود موسكو لإمداد قواتها المسلحة بأسلحة ومعدات
حديثة.
لقد قال مؤخرا مايكلمابلس، مدير وكالة استخبارات الدفاع التابعة
للبنتاغون، إن قتالية الجيش الروسي وتدريبه على مستوى العمليات هو
الآن في أعلاه منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. والولايات المتحدة قلقة
إلى حد ما لأن وزارة الدفاع الروسية تركز الآن على إعادة التسلح،
وتحديث الأسلحة المتوفرة والجهود للنهوض بصناعة الدفاع. وهذا وحده
يثبت أن القوات المسلحة الروسية قد بدأت الآن التحسين .
وفي السابع من فبراير الجاري، خاطب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع
الروسي سيرغي إيفانوف مجلس الدوما وقال إن وزارته ستتلقى مبلغ 30.98
مليار دولار في عام 2007. وهذا تحسن عظيم، ففي عام 2001، كانت ميزانية
وزارة الدفاع الروسية تبلغ أكثر من 8.08 مليار دولار.
وما زال إنفاق الدفاع الروسي يبلغ 3% من إجمالي الدخل القومي الروسي.
وتنفق القوات المسلحة الروسية أكثر على التطوير، وهذا الاتجاه سيستمر
في المستقبل. ومثل تلك المخصصات، التي بلغ إجماليها 44% من ميزانية
الدفاع في عام 2006، ستزداد إلى 50% بحلول عام 2011. ومعظم هذا المال
سيستخدم لشراء أكوام كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية .
إن طلبية الدفاع الرسمية لعام 2007 تنص على مبلغ 11.32 سينفق منه
أكثر من 5.43 مليار على حيازة أسلحة جديدة .
فعلى سبيل المثال فإن القوات المسلحة الروسية ستشتري 17 صاروخا باليستيا
عابرا للقارات وأربع طائرات وأربع مركبات إطلاق. وهناك خطط لإعادة
تجهيز سرب تابع للقيادة الجوية الاستراتيجية، وستة أسراب تابعة للقوات
الجوية وطائرات مروحية، فضلا عن دبابات وبنادق آلية .
وهناك أيضا مخصصات كبيرة لشراء وإصلاح وتطوير الاتصالات وأنظمة التحكم،
وقطع المدفعية والصواريخ الموجهة المضادة للدبابات، والمركبات القتالية
المجوقلة وغيرها .
وبالنسبة للتوقعات طويلة المدى، فإن برنامج التسلح الرسمي للأعوام
2007ـ2015، والذي من المقرر أن يتلقى حوالي 188.68 مليار دولار،
ينص على إعادة تجهيز كاملة للقوى النووية الاستراتيجية الروسية.
وتخطط وزارة الدفاع الروسية لطلب 34 منصة إطلاق صواريخ، ومراكز قيادة،
وأنظمة متحركة، فضلا عن زيادة عدد قاذفات القنابل الاستراتيجية.
ومن المقرر أن تشغل "القيادة الجوية الاستراتيجية" 50
حاملة صواريخ طراز "تيوبوليف تو160 بلاك جاك" وطراز "تيو
ـ95 بير".
وهناك خطط لتصنيع أكثر من ثماني غواصات إطلاق صواريخ استراتيجية
طراز "إم كيه 955/955 ايه"، ولتطوير نظام الاستطلاع القائم
في الفضاء، والاتصالات، ونشر المعلومات ورسم الخرائط والمسح وأنظمة
الإنذار المبكر وأنظمة التحكم.
وبالإضافة إلى ذلك، سيتم شراء 116.000 مركبة عسكرية للجيش. ومن المقرر
أن تتلقى البحرية الروسية 31 سفينة حربية جديدة .
وإجمالا، فإن حوالي 45% من معدات القوات البرية والمعدات العسكرية
للبحرية سيتم إحلالها واستبدالها بموجب برنامج التسلح الجديد.
لقد ناقش وزير الدفاع الروسي سيرغي إيفانوف التطوير العسكري وتوقعاته،
والجهود المبذولة لتحسين نظام التدريب القتالي، ولتعزيز الضمان الاجتماعي
لأفراد القوات المسلحة وعائلاتهم. كما تحدث عن تفاعل وزارة الدفاع
مع منظمات عامة روسية مختلفة.
ومن الواضح أن المعارضين المفترضين لروسيا قلقون من قدرتها الدفاعية
المعززة، ولكن هذا إنما يؤكد حقيقة أن تصريحات إيفانوف ليست مجرد
توكيد فحسب .
وفي الوقت نفسه، تجب ملاحظة أن روسيا تنفق الكثير على أسلحة الدفاع
والمعدات بما يتمشى مع عقيدتها العسكرية. وبناء عليه، فإن الغرب
يجب ألا يخشى من الإمكانيات الدفاعية المتطورة لروسيا لأن هذا، وليس
العودة إلى الحرب الباردة، يقابل ويوائم مصالح أمنية مشتركة.
ولكن الخبرة العملية تظهر أن بعض الساسة الغربيين يودون رؤية روسيا
كمنافس وخصم مفترض، وليس كشريك استراتيجي .
ألكسندر بوغاتيريوف *
* معلق عسكري في وكالة الأنباء الروسية "نوفوستي "
* خدمة "إم سي تي" ـ خاص بـ"الوطن "
أعلى
الأفضل تجنب أزمة خليجية أخرى
مع غوصها بالفعل في المستنقع في العراق
وافغانستان ربما يكون من الحماقة الكبيرة بالنسبة للولايات المتحدة
ان تقوم بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الايرانية، حيث ان مثل هذا
التحرك يمكن ان يفجر صراعا ممتدا ويكون له عواقب عكسية لا حصر لها
من عدم الاستقرار في الخليج العربي والعراق الى قفز اسعار النفط
العالمية بشكل كبير.
وبلا شك لا تزال الادارة الاميركية تفكر مليا في عمل عسكري استباقي
ضد المنشآت النووية الايرانية بغية التأكد من عدم وصول طهران الى
انتاج اسلحة نووية. وفي الواقع فإن تسريبات في يناير الماضي والتي
تظهر ان اسرائيل كانت تدرس استخدام اسلحة نووية ضد اهداف نووية ايرانية
ربما تعني ممارسة ضغط على واشنطن بغية جر هذا الثور من قرونه عسكريا.
بلا شك فإن التحركات الاميركية الاخيرة مثل نشر مجموعة ثانية من
حاملات الطائرات في الخليج ترمي الى تخويف ايران على امل تقليل او
تحجيم تدخلها في العراق في الوقت الذي يتم فيه زيادة القوات الاميركية
هناك وربما ايضا للشروع في وضع العناصر المطلوبة لحملة قوية من القصف
الجوي لايران.
ربما لا يدرك بعض المراقبين ادراكا كاملا انه اذا تم القيام بعمل
عسكري مرتبط بالمنشآت النووية الايرانية فإنه لن يكون هناك شيء جراحي
بشأن مثل هذا العمل، حيث ان الضربات الجوية المرتبطة بتخطيط احتمالي
او طارئ تظهر انه بالاضافة الى ضرب عدد من الاهداف المرتبطة بالبرنامج
النووي المنتشرة على نطاق واسع فإن كثيرا من الدفاعات الجوية الايرانية
قد يكون من المحتم جرها الى الطرق الواضحة نحو الاهداف.
وبالاضافة الى شل قدرة ايران على الثأر في الخليج فإنه من المحتمل
ان يتم توجيه الغارات ضد العدد الهائل من الصواريخ المضادة للسفن
بالقرب من مضيق هرمز والغواصات كيلو ـ كلاس الايرانية وربما ايضا
قدرات الصواريخ الباليستية والمتوسطة المدى لايران.
مثل هذه الحملة الجوية الطموحة يمكن ان تستمر ما يقرب من اسبوع وتتضمن
اكثر من ألف هجمة للطائرات المقاتلة ومئات من هجمات صواريخ كروز.
وخلال هذه الفترة يمكن ان ترد ايران بكل ما لديها من قدرات عسكرية
تكون قد نجت من التدمير في سياق الضربات الاولية.
وفي الواقع فإن ايران الجريحة بشكل غائر من المرجح لها ان تقوم بكل
ما تقدر عليه من اجل الانتقام مثل مهاجمة عناصر الاساطيل الاميركية
والسفن التجارية بأي صواريخ مضادة للسفن تنجو من موجات الغارات الجوية
الاولى. كما انها يمكن ايضا ان تشن ما تقدر عليه من صواريخ باليستية
ومتوسطة المدى تنجو من الهجوم الاميركي على اهداف مختلفة في منطقة
الخليج وعلى البلدان التي يمكن ان تنظر إليها طهران على انها متورطة
في هذا الهجوم عليها. كما ان لايران قدرات اخرى ايضا مثل انواع مختلفة
من الالغام البحرية وخيارات انتقامية عسكرية لا مثيل لها بما في
ذلك اسطول من الزوارق البخارية السريعة للحرس الثوري المدربة على
اغراق السفن التجارية او حتى السفن القتالية المعادية.
والاسوأ من ذلك واضافة الى قدرتها الكبيرة على الهجوم المضاد في
الخليج فإن الفوضى العارمة في العراق يمكن ان تعد بلا شك فكرة مغرية
جديرة بالاعتبار بوصفها ساحة مثالية للرد على الهجوم الاميركي. ويمكن
ان يتم تنفيذ ذلك من قبل حلفاء ايران من الميليشيات الشيعية المختلفة
(وهي العناصر التي يمكن ان يغضبها بشكل كبير مثل هذا الهجوم الاميركي
على ايران بأي حال) او حتى من خلال دس مئات من القوات الايرانية
لتنفيذ هجمات على القوات الاميركية. وفي مثل هذا المشهد فإن الوضع
غير المستقر بشكل خطير بالفعل في العراق يمكن ان يصبح اسوأ من ذلك
بكثير.
ربما يأمل البعض في واشنطن انه في خضم او في اعقاب مثل هذه الهجمات
القوية يمكن ان ينقلب الايرانيون على النظام الديني الحاكم الذي
لا يحظى بتأييد شعبي في عدد من المناطق. ومع ذلك فلو كان التاريخ
مرشدا فإن الايرانيين اصحاب الحماسة الوطنية القوية من كل الاطياف
السياسية من المحتمل لهم ان يحتشدوا من اجل الدفاع عن بلدهم بل وربما
يعملون على تعزيز قوة النظام الحالي.
لعل يكون المظهر الاكثر خطورة في كل ذلك ربما يكون في غياب نهاية
للعبة او المرحلة النهائية الحاسمة، حيث ان آخر هجوم عسكري كبير
كان تم شنه على ايران كان هو ذلك الذي قام به صدام حسين في 1980،
حيث هاجم النظام البعثي في بغداد وشعورا بالتهديد من قبل الثورة
الايرانية، ايران عسكريا بشكل مفاجئ مفترضا ان ايران غير المستعدة
يمكن ان تستسلم في المعركة لتلعق جراحها ويمكن بشكل كبير ان تنهار
حكومتها الثورية بشكل مخز. وبدلا من ذلك فإن الايرانيين من كل ألوان
الطيف السياسي صمدوا بعزيمة لا تلين واوقعوا العراق في شرك حرب استمرت
ثماني سنوات كبدت العراقيين في النهاية اكثر من 150 ألف قتيل. ويتعين
على الاميركيين الذين من المفارقة ايضا انهم الآن في العراق ان يضعوا
في عقولهم هذا الخطأ الفاضح الكبير الذي ارتكبه صدام من قبل ولا
يقوموا هم بتكراره.
وايني وايت*
*استاذ مساعد في معهد الشرق الاوسط. ونائب مدير سابق لمكتب الاستخبارات
والابحاث في وزارة الخارجية الاميركية الذي يركز على قضايا الشرق
الاوسط لا سيما العراق وايران. خدمة (ام سي تي) خاص بـ(الوطن).
أعلى