الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
كتاب الوطن1
كتاب الوطن2

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 


كلمة ونصف
الأسماك أكلة الأغنياء فقط !!
أضواء كاشفة ..
أميركا الأولى ولكن ..
اصداف
فرض الأمن أم قبوله
باختصار
" كتاب الخوف "
في الموضوع
فقدان الهيبة
رأي
المتسللون من خلف الخطوط الحمراء
رأي
دور الإدارة الأميركية المفترض لدعم اتفاق مكة
رأي
الدبلوماسية واللغة الأجنبية المثقلة






كلمة ونصف
الأسماك أكلة الأغنياء فقط !!

لم تعد الأسماك بأنواعها وأشكالها مأكولات الفقراء ، كما يحكى سابقا، أن الفقير لا يجد ما يسد به رمقه إلا السمك من البحر والتمر من النخيل والحليب من الأبقار والأغنام في حظيرته، في حين الأغنياء تمتلئ موائدهم بأشهى انواع اللحوم وبأحلى مذاقاتها، والذين يستطيعون شراءه بأغلى الأثمان، في حين الفقراء وعامة الناس أصبح السمك من أكلات الأحلام التي يتمنى أن تكون على المائدة ولو مرة واحدة في الأسبوع على الأقل.
هذا واقع أصبح المواطن العماني يعايشه يوميا، فمنذ عدة سنوات وهو لا ينعم بسمك البحر الذي بجواره، وكأنه يعيش في أحد أحياء طوكيو أو سيئول الذين يشترون السمك بالغرام الواحد لارتفاع أسعاره ولو مرة في الأسبوع بالكثير .
إن المواطن العماني الذي كان يملأ مائدته بالأنواع اللذيذة من الأسماك، وبكميات غير محدودة، أصبح اليوم يسأل والحسرة تعتصره عن سعر كيلو الكنعد والجيذر والهامور والشعري كأنه يسأل عن سعر غرام الذهب ، مسترجعا الأيام الخوالي التي لم يكن يعبأ فيها بالأسعار التي كانت الأقل على الإطلاق.
البعض يحسد السلطنة على البحار المحيطة بها، وطول الشواطئ التي تمتد على جوانبها، والثروة السمكية، التي تذخر بها، ولا يعرف مدى معاناة المواطن العماني في هذه الأيام من أسعار الأسماك والمغالاة التي تشهدها، والتي أصبحت تتسابق مع أسعار الذهب وغيره من المعادن في الأسواق العالمية .
إن هذا الواقع المؤلم يرهق المواطن العماني ويتجرعه يوما بعد الآخر، فالأسماك ثروة وطنية الأحق بها أصحابها لا أن تستحوذها القلة وتنعم بها بالطرق التي يرغبونها وتصدرها للخارج وتجني من ورائها الثروات وفي المقابل ندعي الندرة في الأسماك تارة، والظروف الطبيعية تارة أخرى، في حين لا تعدو هذه المبررات إلا أن تكون للاستهلاك المحلي فقط.
فدعواتنا جميعا أن تعود أسعار الأسماك إلى سابق عهدها ليفرح الجميع بهذه الثروة ولينعم بها كغيرها من الثروات التي حبا بها الله عمان ونحافظ عليها من الصيد الجائر الذي يجرف الصغير والكبير، والأخضر واليابس غير مبالين بالغد وتداعياته.

علي بن راشد المطاعني

أعلى





أضواء كاشفة ..
أميركا الأولى ولكن ..

على الرغم من أن الولايات المتحدة تتصدر دول العالم عسكريا واقتصاديا إلا أنها بدأت تفقد بعض مواقع الصدارة في بعض جوانب الاقتصاد لصالح الصين وألمانيا وفرنسا.
إن الولايات المتحدة لا تشكل سوى 5% من سكان العالم ومع ذلك تتصدر قوائم الحائزين على جائزة نوبل ولديها أكبر عدد من المليارديرات كما ان لديها أكبر عدد من الميداليات التي حصدت خلال آخر دورة أوليمبية وتتصدر أكبر عدد من براءات الاختراع في العالم وتنتج أكبر كميات من الطاقة والكهرباء وتأتي على رأس قائمة دول العالم في استخدام الانترنت وتمتلك أكبر عدد من المطارات ومن خطوط السكك الحديدية.. وبالرغم من ان الهند والصين يمتلكان جيوشا تزيد في حجمها عن حجم الجيش الاميركي الا ان لدى اميركا أكبر عدد من القوات المنتشرة في الخارج كما ان الجيش الاميركي هو الأحدث تسليحا في العالم ويعادل إنفاق الولايات المتحدة على الجيش ما ينفقه العالم كله مجتمعا على جيوشه وتمتلك العدد الأكبر من الأسلحة النووية وتحقق أكبر عائدات بين الدول المصدرة للسلاح وبالرغم من ذلك فإن معدل إنفاق اميركا على الجندي الواحد في الجيش يأتي في المرتبة الثالثة بعد اسرائيل وسنغافورة.
أما بالنسبة للتجارة فإن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الاولى عالميا بين الدول المستوردة وتتصدر دول العالم في استهلاك النفط حيث تلتهم ربع انتاج العالم سنويا.. وكذلك بالنسبة للاقتصاد فالولايات المتحدة لديها أكبر ناتج قومي في العالم كما أنها تمتلك أكبر احتياطي من الذهب والغريب أنها تعاني من أكبر دين محلي في العالم وأكبر عجز تجاري وأكبر دين خارجي.. كما أنها تأتي أيضا في الترتيب الأول بين الدول المنتج للطاقة النووية والحرارية إلا أنها تراجعت إلى الترتيب الثالث في انتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وفي المجال الصحي فهي الاولى فيما يتعلق بتوافر المياه والمرافق الصحية والطريف أنها تأتي في المرتبة الاولى بين أكثر الشعوب بدانة والسبب يرجع الى ان الاميركيين يستهلكون سعرات حرارية أكبر مما تستهلكه عشرات الامم الاخرى.
الغريب ان الولايات المتحدة تقترب من قاع الترتيب فيما يتعلق بالمشاركة في التصويت على الانتخابات وإقبال المواطنين ممن لهم الحق في الانتخاب على التصويت أما الأمر الذي لا يستعجب له أحد أنها الاولى من حيث عدد السجناء.
وفي رأيي ان اميركا تحتل المرتبة الاولى وبجدارة في التدخل في شئون الآخرين وفرض السلطة والهيمنة على الدول كذلك في الكيل بمكيالين خاصة في القضايا التي تكون اسرائيل طرفا فيها بالاضافة الى سياستها في جميع أنحاء المنطقة سواء فيما يتعلق بما تراه يخص أمنها أو بمصالحها الشخصية.
* الاتحاد الأوروبي ودوره المفقود !!
بالرغم من ثقل الاتحاد الاوروبي وبالرغم من اهميته على الصعيد الدولي سياسيا واقتصاديا الا انه يلعب دورا هامشيا على الساحة العربية والاسلامية.
اكتفى الاتحاد الاوروبي بالفرجة فقط على ما يحدث في قضية صراع الشرق الاوسط واعطى الحبل على غاربه للولايات المتحدة لتقوم بدور الفارس الاوحد في الميدان.
المانيا على سبيل المثال تقف بجوار اسرائيل وتمدها بالمساعدات الاقتصادية تكفيرا عما ارتكبه النازيون في حق يهود اوروبا.
بريطانيا هي الاخرى تتحالف مع اميركا ضد المصالح العربية ولا ننسى انها السبب في انزراع اسرائيل كشوكة في الشرق الاوسط فهي التي اصدرت وعد بلفور المشئوم عام 1948 ومنحت جزءا من فلسطين لتقوم عليه دولة اسرائيل وهيأت لليهود كل السبل لإقامة دولتهم على جثث الابرياء من الشعب الفلسطيني كما اوجدت للعالم العربي مشكلة مزمنة استنزفت موارد دوله الاقتصادية وقضت على خيرة شبابها دفاعا عن الحقوق العربية او استرداد ما تم اغتصابه منها.
تتناسى الدول الاوروبية للاسف الشديد مصالحها الاقتصادية مع العالم العربي الذي له دور فاعل ومؤثر في انعاش السوق الاوروبية كما تتناسى ايضا ما يترتب عليه من آثار سلبية لو حدثت ازمة او فجوة بين العالمين العربي والاوروبي.
الدول الاوروبية مطالبة الان في ظل المصالح التي تربطها بالعالم العربي بلعب دور قوي في تحريك عملية السلام في الشرق الاوسط ولا يجب ان تكتفي بدور المتفرج فقط على التحركات الاميركية لحل المشكلة او بارسال مبعوثين من وقت لآخر لتقصي الحقائق ثم بعد ذلك تعود حليمة لعادتها القديمة.
لابد ان تستخدم ادواتها السياسية والاقتصادية والعسكرية في اجبار اسرائيل على التفاوض للتوصل الى حل عادل وشامل لقضية السلام.
اوروبا قادرة على ان تلعب سياسة العصا والجزرة مع اسرائيل لكنها لا تفعل خشية ان تصطدم سياستها مع سياسة الولايات المتحدة الاميركية.
يجب ان يتذكر صناع القرار في اوروبا ان العالم العربي اقرب الى اوروبا من حبل الوريد كما انه على مرمى حجر منها ويعني هذا ان الاتحاد الاوروبي سوف يتأثر باي اضطرابات تحدث في دوله وما شبح الارهاب ببعيد.
هل آن الاوان لالمانيا ان تقوم بدور منصف ومعتدل في قضية الشرق الاوسط خاصة وانها رئيسة الاتحاد الاوروبي خلال الاشهر الستة القادمة فهي الان قبل وقت مضى عليها العبء الاكبر في تنشيط الدور الاوروبي وبلورة اقتراحات محددة وعرضها على اطراف النزاع للتفاوض حولها في مؤتمر دولي يرعاه الاتحاد بهدف التوصل الى السلام المنشود الذي يقضي باقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية والانسحاب الاسرائيلي من هضبة الجولان السورية وما تبقى من مزارع شبعا اللبنانية.
لن تتقدم عملية السلام في الشرق الاوسط ولن يقوم لها قائمة ما دام الاتحاد الاوروبي قد اكتفى بدور المتفرج على معطيات الاحداث في العالم العربي.. وان هذا الموقف لو طال امده سوف يفجر ازمات تستعصي على الحلول وسوف يتواصل مسلسل سفك الدماء ليس في فلسطين وحدها بل ايضا في العراق ولبنان كما ان الارهاب سوف يترعرع وتتسع دائرته وساعتها لن تكتوي اميركا وحدها بنار الارهاب الموقدة بل ستمتد لتشمل كل دول اوروبا دونما استثناء.
من يوقف هجمات اسرائيل ؟!
ليست هي المرة الوحيدة التي تحاول اسرائيل فيها هدم المسجد الاقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي الكريم.
لكن وفي كل المرات يحلو للعرب والمسلمين ان يتقوقعوا وراء الشعار الذى ادمنوه (لا ارى ـ لا اسمع ـ لا اتكلم).
المسجد الاقصى ليس امانة في عنق فلسطين وحدها بل في كل رقاب الدول العربية الممتدة من المحيط الى الخليج وفي رقاب الدول الاسلامية المنتشرة في كل مكان المسئولون في فلسطين يجأرون بشكواهم ازاء ما ترتكبه اسرائيل من ممارسات قمعية في المسجد الاقصى ولكن لا حياة لمن تنادي.
لو تعلم اسرائيل ان هناك غضبة عارمة من المسلمين تنفجر في وقتها المناسب لما أقدمت على هذا العمل الذي يتنافى مع الاعراف والمواثيق الدولية والمشاعر الاسلامية والعربية .
لا يملك العرب والمسلمون في اياديهم سوى اساليب الشجب والتنديد والاستنكار التي مللنا منها عبر اعوام طويلة لانها لا تسمن ولا تغني من جوع .
لابد من مواجهة هذه الجريمة بعنف لان الامر يمس ديننا وعقيدتنا وان إشعال الضوء الاحمر امام اسرائيل سوف يخفف من طغيانها ويحد من هيمنتها وغطرستها التي تجاوزت كل الحدود .
العالم العربي والاسلامي يعيش حالة صمت غريبة فالعرب والمسلمون الآن مشغولون بخلافاتهم الهامشية التي تضعف قواهم وتخلخل عقيدتهم ونسوا او تناسوا همهم الاكبر في الحفاظ على مقدساتهم الدينية والذود عن حياض اوطانهم .
بلغ عدد العالم الاسلامي اكثر من مليار ونصف اي انه يزيد على خمس قوة العالم اجمع لكن اين هذا العدد الكبير إزاء هذه الجرائم الاسرائيلية التي يتسع خرقها عاما بعد عام بل يوما بعد يوم .
في ظل هذه الجرائم الاسرائيلية الشنعاء ينبغي على الفلسطينين ان ينأوا بخلافاتهم جانبا فليس من المعقول ان تتصارع حماس وفتح على السلطة واسرائيل في الجانب المقابل تعبث في المسجد الاقصى .. وليس من المعقول ايضا ان تنشغل معظم الفضائيات العربية بإبراز الخلاف بين الشيعة والسنة على مسائل فرعية والعالم الاسلامي في المقابل يئن تحت وطأة المستعمر ويرزح تحت نير الظلم والطمع .
منظمات العالم الاسلامي وهيئاته لم تحرك ساكنا تجاه هذا الحدث الاليم ولم تكلف نفسها بنقل هذه الصورة البشعة الى الامم المتحدة او مجلس الامن .. حتى جامعة الدول العربية تقف هي الاخرى مكتوفة الايدي وكأن الامر لا يعنيها من قريب او بعيد .
العالم العربي مشغول كعادته بأعياد الحب ومهرجانات الاغاني ومسابقات الجمال وفي ظل هذا التوهان نسي ان يوجه غضبه الشديد من اجل اقصاه ومر يوم الغضب بلا غضب .
لا ننكر ان الشعب الفلسطيني قدم اقصى ما لديه في الدفاع عن الاقصى ولكن ليس في الامكان ابدع مما كان ولذا كان على الشعوب العربية والاسلامية ان تقف موقف الابطال الاشاوش في الدفاع عن المسجد الاقصى .
واذا لم يتخندق المسلمون والفلسطينيون في خندق واحد ويواجهوا هذا الموقف بقلب رجل واحد فلسوف يأتي اليوم المشئوم الذي يضيع فيه المسجد الاقصى وتضيع فيه القدس الشريف وتذوب فيه الهوية العربية والاسلامية .
حروف جريئة
حذر المرشد الاعلى اية الله خامنئي اميركا من الاقدام على هجوم ضد ايران
بعد هذا التحذير اصدر البيت الابيض تصريحا يؤكد ان اميركا ليس لديها اي نية لمهاجمة ايران كما صدر تصريح مماثل من ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي .
فعلا ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ولا يفل الحديد الى الحديد
امين عام جامعة الدول العربية السابق شكك في امتلاك اسرائيل السلاح النووي في حوار صحفي نشر له مؤخرا.
الغريب ان اميننا يشكك في هذا الموضوع وايهود اولمرت يعترف بل ويؤكد ان بلاده تمتلك هذا السلاح .
هل نصدق الامين العام السابق للجامعة ام رئيس وزراء اسرائيل الحالي
قالت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيب ليفني ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس ضعيف ولكنه معتدل .
لا ادري هل هذا مدح يشبه الذم ام ذم يشبه المدح ؟!
قرأت خبرا ان دولا عربية تقدم مساعدات اقتصادية الى اميركا انه شيء لا يصدقه عقل فهل اصبحت الدول العربية على ما يرام ولم يعد يوجد امامها سوى اميركا التى هي في حاجة ماسة الى مساعداتها.
مسك الختَام
( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار).

ناصر اليحمدي

أعلى





اصداف
فرض الأمن أم قبوله

بين قبول الأمن من قبل افراد المجتمع، وفرضه بالقوة العسكرية من قبل الاجهزة الحكومية الامنية، ثمة مساحة لابد من التوقف في مداخلها ومخارجها، والتعرف على جوهر القبول والاماد التي يتحرك في عوالمها، ومسألة الفرض وما يدور في فلكه.
في هذا الاطار، نقرأ عنوان خطة امن بغداد، ويقول هذا العنوان، ان هدف الاعمال العسكرية الواسعة، التي تجري في بغداد، هو فرض القانون، واذا كان الوصول الى هدف اجتماعي من خلال الفعل العسكري، يستدعي كل هذا الحشد من العسكر المدججين بمختلف انواع الاسلحة، وتقدم لهم الحماية مئات الطائرات الاميركية المقاتلة والمروحيات، التي تجوب سماء بغداد، فإن التنافر سيبرز بقوة بين عملية الفرض، التي لا يراد منها البدء بالأمن، وانما هي محاولة للوصول الى هذه النقطة، من خلال الشروع بفرض القانون.
من الواضح، ان ثمة حالة من التأرجح بين المفاهيم، فالقانون ليس حالة طارئة، تتحرك هنا وتبرز بقوة في هذا المحيط او في تلك الرقعة الجغرافية، ثم تختفي، لتعاود الظهور بذات الصورة أو بأشكال مختلفة في اماكن اخرى، وهذا الظهور والاختفاء، يصنع منها ظاهرة ضبابية، لايمكن وصفها بالحالة الثابتة، التي تحتاج الى صيغة واضحة وعلمية في التعامل معها.
لذلك فإن الفرضية الاساسية، التي تعتمد على قناعة ثابتة عند القائمين على هذه العملية العسكرية الامنية، تنطلق من ارضية راسخة، تقول بأن الفوضى وصلت الى اعلى درجاتها، وهذه حقيقة واضحة في العراق، ولا تحتاج الى المزيد من النقاش والجدال. لكن الم يكن الأجدر بمن وضعوا المقدمات التي تنطلق من مبدأ فرض القانون، كما يقولون، ان يتدارسوا الاسباب التي اوصلت الاحوال بالعراق، الى هذه الدرجة من العنف والفوضى والغليان.
فاذا كان الهدف من فرض القانون، الوصول الى نتائج ايجابية، لابد من الوقوف عند العمق الذي انطلقت منه اولى الثغرات المؤذية للمجتمع العراقي، ومعرفة الادوات التي ساهمت في اشغال هذا الجو من السخط والفوضى، وهذا هو الاساس في الوصول الى المقدمات التي تتساوق والنتائج المرجوة.
ان الفوضى التي نراها في العراق اليوم، لا تمت بأية صلة للثقافة العراقية، ولم يشهد العراق، مثل هذا الانفلات وبالطريقة التي يراها العالم، لكن الحديث يجري عن اهوال الاحداث والوقائع، وبسبب سخونة الاجواء وحالة الرعب والهلع الذي تتركه في نفوس من يراقب هذا المشهد، تجعل مؤشر التفكير، يترك جوهر البحث في المأزق، ويتحول الى مراقب سلبي، لمعرفة ما الذي ستؤول اليه الامور.
لذلك فإن الغالبية العظمى من الذين يعيشون الاحداث ويتابعون مسلسلها الدموي المخيف، ينغمسون في محاولة تفكيك الصورة الغامضة القادمة، ولا يتأملون تفاصيل المشهد ومتابعة المراحل التي مر بها والتطورات المدمرة التي تسارعت، لدرجة ان قبول فرض القانون اصبح يشبه احترام القانون، وشتان بين الاثنين.

وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب
(جدار بغداد)


أعلى





باختصار
" كتاب الخوف "

احد المؤلفين الاصدقاء اصدر كتابا سماه " كتاب الخوف " ليقول بان العمل السياسي بحاجة الى صبر بالدرجة الاولى والى عزيمة بالدرجة الثانية والى فكر ثاقب وتجربة متمرسة يزينها سقف واحد هو الشجاعة الدبلوماسية. لكنه يميز في كتابه بين الدول التي لا تتقن فن الخوف وهي الولايات المتحدة على وجه التحديد ، لكن تلك الدولة العظمى برأيه تشتغل على سياستها الخارجية بدقة ومهارة فيها شيء من الحذر. لكنه يذكر ان الجزء الهام ممن يتم ارسالهم الى المناطق الساخنة في العالم من بعض السفراء والعسكريين هم اشخاص لقطاء غير معروفي الآباء ويعطي مثلا على ذلك الانفجار الذي قتل مائتين وستين جنديا من المارينز قرب مطار بيروت عام 1983 وتم نقل جثثهم الى بلادهم لم يستقبل احدهم على المطار باستثناء قلة قليلة كانت تقف ودموعها في عيونها.
الخوف برأيه مظهر الدول الضعيفة، لكن اسرائيل على سبيل المثال تظهر رباطة جأش في قضاياها السياسية لكنها مع كل قوتها العسكرية بمقاييس المنطقة فهي ما زالت تحمل عقدة الخوف من المستقبل وتسعى قدر الامكان للتخلص من " العدو العربي " بطريقة تصهر فيه قوته الجمعية. ويسعى الاسرائيليون برأيه الى هذه النظرية بتخويف الشعب الاسرائيلي عبر محاصرته بالعدوان العربي عليه في اية لحظة، لذلك لا نجد جيشا في العالم متأهبا كما هو الجيش الاسرائيلي وشعبا متوترا كما هو الشعب الاسرائيلي. وبرأي الكاتب فإن عقدة الخوف هي التي تدفع العقول الاسرائيلية الى ايجاد عوامل تفتت مصادرها لتجعل من دولة اسرائيل في موقع الامان على الدوام، وليست برأيه نظريات تفتيت العالم العربي خيالا من نشيد صنّاع معارضة السياسة الاسرائيلية بل هي حقيقة اذا ما قرأنا نتائجها بالتحليل المنطقي فلسوف نصل الى ان اضعاف محيط اسرائيل ضرورة لبقاء هذه الدولة على قيد الحياة متمتعة بالقوة الظاهرة وقادرة على قيادة هذا المحيط بما تيسر له من افكار وعلاجات.
ويرى الكاتب انه على رغم قيام الوحدة الاوروبية فما تزال السياسة الاوروبية تابعة بشكل او بآخر للسياسة الاميركية القوية. ان عنصر الخوف الاوروبي ما زال يربك السياسيين الاوروبيين ويضعهم امام مواقف التأمل لمسيرة اميركا السياسية في العالم ولمعنى مصالحها، وهؤلاء الاوروبيون يعانون حتى من اتخاذ قرارات داخلية تخصهم اذا كانت تلك القرارات تزعج الاميركي وقد تدفعه الى الضغط المباشر خصوصا وان الجيش الاميركي ما زال يزنر اوروبا في اكثر من مكان وموقع ويهدد بالتالي المصالح الوطنية حتى للوحدة الاوروبية التي يجب ان تبقى مجرد عامل جمع لتلك القارة وليست قوة منافسة للولايات المتحدة.
اما الروس، فبرأيه، ما زالت خطواتهم السياسية في العالم مصحوبة بقراءة ردات الفعل الاميركية عليها. تريد السياسة الروسية ان تعود الى سابق عهدها لكنها ما زالت مثقلة بمناخات الوضع الداخلي المحكوم بجزء منه لترتيب البيت الداخلي. اما الصين التي تعيش فورة اقتصادية فلا يبدو انها قادرة على منافسة الولايات المتحدة بل هي لا تسعى الى هذا الامر تحت اي شرط كان، خصوصا ان حاجتها للنفط هي الاعلى في العالم وان هذه المادة تتسمر يوما بعد يوم بأيدي الاميركيين ، كما يضيف الكاتب.
الحوف اذن حقيقة السياسات القائمة في العالم اتجاه سياسة قوة كبرى لم ترهن نفسها ولو للحظة الى هذا العامل. وسيبقى الامر على ما هو عليه الى الوقت الذي يبرز فيه محور او تكتل او دولة يمكن لها ان تقول للولايات المتحدة، كفى !

زهير ماجد

أعلى





في الموضوع
فقدان الهيبة

ظهرت أخيرا أدلة جديدة على أن إدارة الرئيس جورج بوش في الولايات المتحدة الأميركية فقدت الكثير من هيبتها، ولم يتضح ذلك فقط في نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وحكام الولايات، وإنما تمثل في القرار الذي اتخذه مجلس النواب أخيرا بأغلبية كبيرة، يعترض فيه على "الاستراتيجية الجديدة" للرئيس في العراق، وزيادة عدد القوات الأميركية هناك. فرغم أن ذلك القرار غير ملزم للإدارة، لأن الإشراف على إدارة الحرب من الاختصاصات الدستورية للرئيس، إلا أن مجلس النواب قرر إحالة قراره إلى مجلس الشيوخ للمصادقة عليه. وفي ضوء الأغلبية التي يتمتع بها الديمقراطيون في مجلسي الكونغرس، تعتبر المصادقة على القرار ممكنة، فضلا عن احتمال انشقاق عدد من الشيوخ الجمهوريين عن الرئيس وتأييدهم القرار ـ على نفس النحو الذي حدث في مجلس النواب ـ مما سيعتبر مهانة إضافية لبوش وسياسته، ويضيف إلى عملية الحشد الشعبي الجارية في أوساط الرأي العام الأميركي ضد الحزب الجمهوري، ويقضي على فرصة مرشحه في الفوز بانتخابات الرئاسة القادمة، لينقضي بذلك عهد المحافظين الجدد في السلطة. النقطة المهمة في هذا الشأن، هي أن مايجري في واشنطن يشير إلى وجود رؤية مختلفة للسياسة الخارجية، عن تلك العدوانية التي تتبعها لإدارة بوش، وتسميها "استباقية دفاعية". وكان الكونغرس الجديد قد أعرب عن اعتزامه رفض طلب الرئيس تخصيص اعتمادات إضافية للإنفاق على العمليات العسكرية في العراق. ومعروف أن الموقف الداخلي في دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية، يترك أثره على السياسات بشكل كبير، لأن التوجهات الشعبية تكون موضع اهتمام الأحزاب السياسية، خاصة إذا كانت في المعارضة، وتريد الاستفادة من ذلك في الوصول إلى السلطة. وفي الوقت نفسه، فإنه يمثل تحذيرا للحزب الذي يتولى السلطة، وإذا لم يحقق التحذير هدفه، فإنه يتحول إلى تهديد قابل للتنفيذ في أول فرصة انتخابية، ويترتب عليه تغيير في الحزب الحاكم.
وفي حقيقة الأمر، فإن هناك درجة كبيرة من عدم الرضا عن أداء إدارة بوش، سواء كان ذلك من خلال توريطها القوات المسلحة الأميركية في الحرب بالعراق، أو بسبب التخوف من آثار احتمالات شن هجوم على إيران - بسبب الرفض الأميركي لتبنيها برنامجا نوويا، حتى وإن كان لتوليد الطاقة في الحدود السلمية - وتظهر خطورة هذا التخوف، من الإفاقة على حقيقة أن النجاح في غزو العراق، لم يعن استتباب الأمر للاحتلال بعد ذلك. فرغم أن خسائر القوات الأميركية في العمليات العسكرية لم تزد عن مئة جندي خلال أيام عمليات الغزو، فقدت أكثر من 3 آلاف ومئتي جندي على مدى قرابة أربع سنوات، بمعدل يصل إلى خمسة جنود قتلى في اليوم الواحد. ويعرف الجميع أن هناك عشرة مصابين على الأقل، مقابل كل قتيل واحد، مما يعني أن هناك حوالي 30 ألف مصاب بتشويهات جسمانية، إضافة إلى أعداد أكبر من المصابين بأعراض نفسية مختلفة في حدتها. والقضية هنا، هي أن المصابين جسمانيا يعيشون في المجتمع شواهد على الخسائر الناجمة عن الحرب، فضلا عن أن كثيرين منهم يتحولون إلى معارضين لها. كما أن المشوهين نفسيا يتحول بعضهم - بنقمة على المحيطين به - إلى الجريمة. ويصبح الجميع عبئا على ميزانية الدولة، لحاجتهم إلى الرعاية الصحية وإعادة التأهيل بأساليب متفاوتة.
ولا يفوت أحد ملاحظة الآثار السلبية في أوساط الرأي العام، من الإجراءات الحكومية للتضييق على الحريات العامة، وتبرير ذلك بأنه ضروري في إطار الحملة الدولية ضد الإرهاب. فهناك أنباء تشير إلى حالة من نفاذ الصبر لدى أميركيين، كانوا ضمن نسبة كبيرة من المواطنين، قبلوا مبدأ مقايضة البعض من حرياتهم، مقابل توفير الأمن لأنفسهم ومجتمعهم، لكنهم اكتشفوا أن الأمر لم يكن سوى خدعة كبيرة، لتبرير المزيد من التدخل الحكومي فيما يعتبر- تقليديا - حريات فردية خاصة، يضمنها الدستور ويحميها. وتبين لهؤلاء المواطنين أن الديمقراطية في بلادهم تتعرض لخطر التحول إلى الشمولية، فضلا عن اكتشاف أن أجهزة الحكومة تجمع - من خلال تطبيق الإجراءات الأمنية - معلومات خاصة، تستخدمها في أغراض تجارية، لشركات كبرى معروفة، لبعض ألشخصيات الرئيسية في إدارة بوش علاقات مصالح معها. ويضيف ذلك اتهامات بالفساد، إلى الاتهام بالديكتاتورية الشمولية، وكلاهما خرق صريح لمبادئ الدستور. وإلى جانب أن ذلك يؤدي إلى حشد المعرضة للحكومة داخل بلادها، تلعب أصداء ما يجري في الخارج أثرها في دعم مثل هذه التوجهات. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك ماجرى أخيرا في إيطاليا، من توجيه اتهامات إلى 26 مسؤولا أميركيا - بعضهم من العاملين في جهاز المخابرات المركزية "سي. آي. إيه." - بالتورط في أعمال خرق للقانون الإيطالي، من خلال المشاركة في تدبير وتنفيذ عمليات ملاحقة أصوليين إسلاميين في إيطاليا، كما في عواصم دول أوروبية أخرى، واختطافهم وترحيلهم سرا إلى دول ثالثة، حيث تم استجوابهم تحت التعذيب. وجدير بالذكر أن أحداث اختطاف الأصوليين وتهريبهم إلى دول أخرى تخضع للنفوذ الأميركي، كانت موضع تحقيق في البرلمان والمفوضية الأوروبيين، وعاد ذلك على واشنطن بالإدانة والتنديد. لكن النقطة الأكثر أهمية، هي أن السلطات الإيطالية أكدت عزمها على ملاحقة الذين وجهت إليهم الاتهامات ومحاكمتهم. وفي ضوء حقيقة أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، رفضت التوقيع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، انطلاقا من موقف يتمسك بعدم مثول أميركيين في ساحة أي محكمة غير أميركية، رغم الانتقادات الشديدة - في السنوات الأخيرة - لعملية تسييس القضاء الأميركي، وعدم توفر متطلبات تنفيذ العدالة للمتهمين، خاصة إذا كان التورط في الإرهاب من التهم الموجهة إليهم.
ولأن إيطاليا تعتبر من الدول الغربية الديمقراطية - الحليفة للولايات المتحدة الأميركية - والقضاء فيها لديه خبرة في محاكمة كبار مسؤولي الدولة، تتوقع دوائر عديدة نشوب معركة قانونية بين روما وواشنطن، بشأن الاتهامات واختصاص المحاكم الإيطالية بنظر القضية. وهناك حذر أميركي مما يمكن أن تسفر عنه هذه المواجهة التي لم تكن متوقعة. غير أن هناك أثرا آخر لم يكن متوقعا أيضا، وهو تحرك الرأي العام الإيطالي ضد القواعد العسكرية الأميركية على أرض بلاده، بعد أن تكشف أنها تستخدم في خرق القانون الإيطالي، وتتسبب في تعريض أمن إيطاليا للتهديد. وهكذا لا يكسب جورج بوش لبلاده إلا خصوما في الداخل

عبد الله حموده


أعلى





المتسللون من خلف الخطوط الحمراء

منذ سقوط العملاق السوفيتي مع بداية تسعينات القرن الماضي, وبروز الولايات المتحدة الاميركية كامبراطورية وحيدة ودون منافس, وسيطرتها على كل شيء , بداية من الجو الذي غزته هذه الامبراطورية فلم تترك فيه أي مساحة تستطيع الوصول إليها, إلا ووضعت فيها عين من عيونها الاصطناعية , إلى البر والبحر الذي تسيدته الأيقونات العسكرية والاقتصادية والسياسية الاميركية بكل معنى الكلمة, فلم يعد هناك من مكان على كرتنا الأرضية يخلو من بصمتها ونكهتها المميزة, لتتجاوز بذلك المكانة الطبيعية لأي امبراطورية وجدت في يوم من الأيام , وليس هذا بكل تأكيد نوعا من التهويل او التعملق لقزم من الأقزام, وإنما حالة استثنائية لمارد التهم كل ما يمكن الوصول إليه في العالم بأسره, وحسبما قالت الايكونوميست ( فإن الولايات المتحدة الاميركية تتخطى العالم كتمثال هائل, فهي تسيطر على الأعمال والتجارة والاتصالات, واقتصادها هو الانجح في العالم, وجبروتها العسكري لا يطاوله احد).
ومنذ ذلك الوقت والعالم يسير وفق سيناريو معدود سلف, جعل من هذا العملاق الضخم الجديد نقطة الجاذبية لكل ما يمكن أن ينجذب إلى فلك الهيمنة الاميركية , وليس ذلك فقط في نطاق القوة الصلبة, وإنما تعداه إلى طراز الحياة واللغة والمنتجات الثقافية والشعبية الكبرى والعلوم والتكنولوجيا التي أغرقت العالم, وبمعنى آخر فإن (الموقع الراجح الذي شغلته الولايات المتحدة الاميركية في العقد الأخير من القرن العشرين جعلها المكون الذي لا غنى عنه للاستقرار الدولي) في مختلف جوانب الحياة, كما يرى ذلك احد ابرز المخططين الاستراتيجيين الأميركيين وهو هنري كيسنغر, بحيث لا يمكن للعالم أن يستغني عن هذه الامبراطورية في يوم من الأيام, وهذا ما دفع العديد من الدارسين والمحللين السياسيين والعسكريين في مختلف دول العالم, كي يطرحوا سؤال مشروع نرى أن إجابته قد بدأت بالظهور على السطح, أكان ذلك من خلال مؤشرات التراجع التي بدأت تظهر على تلك القوة والهيمنة الاميركية في بعض النقاط الساخنة في العالم , أم من خلال بروز بعض المنافسين الدوليين الساخطين على ذلك التفرد الاميركي.
وهذا السؤال هو إلى متى ستستمر قدرة الولايات المتحدة الاميركية على الجذب الطري, واحتواء القوى العالمية النامية الأخرى من جهة, والسيطرة على محاولات الدول الكبرى اختراق ذلك النفوذ الاميركي المتزايد من جهة أخرى؟ , وذلك من خلال العديد من الخطط والاستراتيجيات السياسية التي وضعتها ولازالت , من اجل فرض وجودها الدولي على بقية أرجاء العالم, وإطالة أمد بقائها وتفردها فيه؟ وهل سيكون هناك خروج عن النص الاميركي المألوف, خلال الأيام او السنوات القادمة لعالم تتسيده نظريات الإرهاب والقوانين الأميركية وحروب الأزرار والريموت كنترول , والتي لا تحتاج إلى شجاعة او فروسية ؟ وهي اللعبة التي يجيدها ويتقنها بكل براعة المارد الأميركي, وتسيطر عليه العولمة الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تؤكد الولايات المتحدة الاميركية كل يوم مركزيتها عليها ؟
وحيث إننا نعلم بأن الجواب سيكون صعبا للغاية , وذلك بدرجة صعوبة التنبؤ بصعود الأمم وسقوطها, فأولا يلزم ذلك معرفة درجة الانهيار الذي وصلت إليه الامبراطورية الاميركية في مختلف الجوانب المؤثرة في درجة الجذب, والتأكد من عدم وجود البدائل التي يمكن أن تغطى ذلك الفشل, وخصوصا في ظل مصادر اميركية لا متناهية لقوة توالدت مع تراجع عوامل التوازن الاستراتيجي مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين , وباختصار ( فان عالمية ثقافة بلد ما, وقدرته على إرساء مجموعة من القيم والمؤسسات المفضلة التي تحكم مجالات من النشاط الدولي, هي كلها من المصادر الهامة للقوة , - وفي هذا السياق يرى الصحافي الألماني جوزيف جوف - إن قوة أميركا الناعمة الطرية تلوح اكبر حتى من أرصدتها العسكرية والاقتصادية, فالثقافة الاميركية سواء الضحل منها أم الرفيع المستوى, تشع إلى الخارج بشدة لم يشاهد مثلها من قبل, إلا في أيام الامبراطورية الرومانية, ولكن مع انعطاف جديد , فقد كانت ثقافة روما, وثقافة روسيا السوفيتية تتوقف سطوتها بالضبط عند الحدود العسكرية لكل منها , غير أن قوة أميركا الطرية الناعمة تحكم امبراطورية لا تغيب عنها الشمس). ومع تلك الرؤية السابقة للبعض, والذين يراهنون على استمرار القوة والنفوذ الاميركي لسنوات طويلة قادمة أخرى, من خلال تلك العوامل سابقة الذكر , فإن آخرين يراهنون على تراجع ذلك النفوذ والسطوة الأميركية على العالم خلال الأعوام القادمة, وذلك وفق نفس معايير الجذب والقوة والتمدد الاستعماري الزائد عن اللازم, والذي يفضى إلى ظهور عدد من الحانقين والساخطين على تلك الهيمنة, وخصوصا في حالة إحساس تلك القوى العظمى بالتهميش, وهو قانون طبيعي في السياسة الدولية يقضيبأنه عندما تصبح إحدى الأمم أقوى من اللازم , فإن الآخرين سوف يتكتلون لموازنة قوتها, فالقرن الحادي والعشرين يجب أن يكون متعدد الأقطاب كما يرى ذلك الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز, وهي نفس الرؤية التي أظهرتها عدد من استطلاعات الرأي لعدد من الجمهور الاميركي, الذي أكد أن بلدهم آخذة بالتقلص في قوتها ونفوذها العالمي, وعليه فإن ذلك الاتجاه يؤكد على أن (عالم القوة العظمى الوحيدة لن يستمر, ففي غضون العقدين المقبلين يكاد يكون من المؤكد أن الصين, بسكانها الذين يصل عددهم إلى مليار ونصف المليار نسمة, واقتصادها المتنامي بقوة, وعاجلا أم آجلا سيقوم رجال أقوياء وشرفاء بلملمة روسيا وتعزيزها, فتعود إلى الظهور كمنافس على النفوذ العالمي).
وهي الحقيقة الغائبة التي ربما تغافل عنها العديد من واضعي الاستراتيجيات والخطط والقرارات السياسة الخارجية الاميركية, او أهملت بسبب الغطرسة والتمادي في تصور ديمومة القوة الأميركية, والتي نستشفها من خلال بعض المعطيات الدولية على ذلك الاتجاه , أكان ذلك على مستوى الظهور الفردي لبعض القوى العالمية النامية منها كالهند او الكبرى منها كالصين وروسيا , او الجماعي من خلال بروز بعض التكتلات الدولية , كالاتحاد الأوروبي ودول أميركا الجنوبية المناوئة للولايات المتحدة الاميركية, فعلى سبيل المثال أظهرت الصين ومن خلال إطلاقها نوعا من الصواريخ القادرة على إصابة الأقمار الصناعية نوعا من التحدي للجبروت الاميركي في هذا الاتجاه, ورغم المعارضة العالمية بشكل عام والاميركية بشكل خاص, إلا أن الصين لم تبال بذلك, وأظهرت براعة فائقة في لعب أوراق البوكر الدولية في هذا الوقت.
وها هي روسيا ومن خلال رئيسها فلاديمير بوتين تكشر عن أنياب حادة لدب غاب طويلا عن الساحة الدولية, وها هو الزعيم الروسي ينبش الرماد بهدف إذابة ذلك الجليد الذي جثم طويلا على صدر الامبراطورية الروسية, وذلك من خلال تصريحات نارية انتقد فيها سعي الامبراطورية الأميركية للهيمنة على العالم, كذلك من خلال عدد من التحركات المكوكية التي استشفت منها النخبة السياسية والعسكرية الاميركية خروج روسي عن الفلك الاميركي, ومحاولة لتقويض الهيمنة الاميركية على مصادر قوتها في العالم, وهو ما أعلنه صراحة وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس, حيث قال في هذا الإطار:( نتساءل حول بعض السياسات الروسية التي تعمل من خلالها, حيث تبدو أنها ضد الاستقرار الدولي مثل نقل الأسلحة والرغبة في استخدام مصادر الطاقة كوسيلة للإجبار السياسي , وتحريض إيران على المضي في تخصيب اليورانيوم , وعدم التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة , كما رفض غيتس حسب ما تناقلته وسائل الإعلام , مخاوف بوتين حول منظومة الدرع الصاروخي الدفاعي وقال : إنها ليست موجهة ضد روسيا .. إنها ليست موجهة لتقويض نظام الردع لديهم كما اتهم روسيا بالسعي لمزاحمة بلاده إلى جانب إيران في منطقة الخليج والشرق الأوسط ).
لذلك ومن خلال قراءة ختامية لفكرة التسلل من خلف خطوط الحمراء, كالقطط في عتمة الليل, فإنه بات من المؤكد وخلال هذا القرن ظهور عدد من التحالفات والتكتلات العالمية الجديدة والمتجددة , أكان ذلك على مستوى الدول النامية في أسيا او إفريقيا على وجه الخصوص وربط ذلك التحالف بمثيلاتها من دول العالم , ووفق عوامل مشتركة للتوحد والتقارب, كالتوحد وفق منظومات دولية تجمعها موارد الطاقة أو الإحساس بالظلم والتهميش والتقزم , أم من خلال تحالفات دولية تجمع بين الدول الكبرى كالصين وروسيا على سبيل المثال, وذلك لمواجهة العملاق الاميركي, وهاتان الأخيرتان تدركان بأنهما منفردتين لن تقدرا خلال السنوات العشر القادمة على اقل تقدير من منافسة الولايات المتحدة الاميركية بشكل يمكن أن نطلق عليه بروز توازن استراتيجي لسياسة القطب الواحد, فروسيا تعج بالمشاكل الاقتصادية والسياسية التي تجعلها ضعيفة أمام السيل الاميركي الجارف الذي تشكل من خلال أقوى اقتصادات العالم, ومن خلال منظومة عسكرية لا حدود لها, وعوامل أخرى كثيرة لا قدرة لروسيا من مواجهتها وحيدا ودون حلفاء.
ورغم أن الصين (وحتى العام 2020 لا يتوقع لها , في أفضل الأحوال, أن تصل مرحلة التنافس في الأبعاد الرئيسية للقوة العالمية, إلا أن الصين في طريقها إلى أن تصبح القوة الإقليمية البارزة في شرق آسيا, فهي حاليا, القوة المهيمنة جيوبوليتيكيا على المساحة البرية, ولها قوة عسكرية واقتصادية تجعل جاراتها المباشرات, باستثناء الهند, يظهران أمامها بمظهر الأقزام, ولهذا فإن من الطبيعي أن توالي الصين فرض وجودها إقليميا انسجاما مع ما يمليه تاريخها, وجغرافيتها , واقتادها) , وهكذا فإنه من المتوقع أن يفضي التقارب والتحالف الصيني الروسي وخلال السنوات القادمة وعلى أساس الرغبة في احتواء النفوذ الاميركي, والابتعاد عن المنافسة الفردية التي لن تؤتي ثمارها في القريب العاجل أمام الولايات المتحدة الاميركية, إلى بلورة قوة ايجابية فعالة على مختلف الأصعدة والجوانب, رغم أنها لن تكون بذلك التأثير الذي قد يؤدي سريعا إلى تقويض واحتواء النفوذ الاميركي, الذي يتوقع له أن يستمر لفترة زمنية ليست بالقصيرة وفق العوامل ومعايير القوة والأوراق الرابحة التي تملكها الامبراطورية الأميركية.

محمد بن سعيد الفطيسي
كاتب وباحث عماني

أعلى





دور الإدارة الأميركية المفترض لدعم اتفاق مكة

إذا أرادت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن تقدم مساهمة حقيقية في دعم الإمكانيات المستقبلية لعملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية، يجب عليها ألا تمضي وقتها بالمنطقة في مناقشة القضايا السياسية المتعلقة بالنزاع على الحدود مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس. وبعد سنوات طويلة من الإهمال الأميركي، تحولت هذه القضايا الى لوحات تجريدية باهتة مقارنة بالاحتياجات المطلوبة.
ويجب أن تركز وزيرة الخارجية الأميركية جهدها على دعم اتفاق مكة والضغط على اسرائيل من اجل انهاء حصارها وتضييقها على الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني. ويعد الاتفاق الذي وقع في مكة بين حركتي فتح وحماس برعاية العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز تطوراً مهماً يجب على الولايات المتحدة دعمه بسرعة حتى ولو بشكل مشروط. وهذا لم يحدث. وقد أوضحت الولايات المتحدة عدم رضاها عن التحضيرات لاتفاق مكة عندما أعلنت عن أملها في فوز فتح في الصراع الداخلي الفلسطيني.
ويمكن أن يتعرض اتفاق مكة للنقد من قبل البعض، ولكن الشيء الذي لا يمكن انكاره هو أن هذا الاتفاق حقق ما كان يمكن تحقيقه عبر ادراك الحقائق الهامة. وأولا وقبل كل شيء، هناك اعتراف بأن توازن القوى والفرقة السياسية موجودة في فلسطين. وبينما فازت حماس بالانتخابات، لم تحتفظ فتح بمنصب الرئاسة فحسب، ولكنها احتفظت بدورها الهام في المجتمع الفلسطيني. وعلى سبيل المثال، أسفر الحصار الإسرائيلي الأميركي على الاقتصاد الفلسطيني في تقويض دعائم هذا الاقتصاد وعدم تمكين السلطة الفلسطينية من دفع رواتب أكثر من 150 ألف عامل من عمالها، من المهم أن نذكر أن الفئات التي تأثرت بهذا القرار كانت في معظمها من أنصار حركة فتح. وكانت النتيجة أن دفع الفلسطينيين بوجه وليس أنصار حماس الثمن بمفردهم.
وقد أدت الضغوط المتصاعدة على الطرفين المتصارعين الى اندلاع اشتباكات دامية استمرت لشهور طويلة بين الطرفين. ولكن كلا الطرفين أدركا في النهاية أنهما ليس بمقدورهما فرض سيطرتهما الكاملة على الحكومة الفلسطينية. وإذا لم تتحرك النخب العربية لاحتواء هذه الأزمة، لتسبب العنف في حدوث صدوع وانقسامات دائمة لا تخدم أي جهة.
ومع توسع اسرائيل في بناء جدار الفصل العنصري والمستعمرات في الضفة الغربية ومواصلة حصارها الاقتصادي للضفة الغربية وقطاع غزة، ومع تواصل سلبية الولايات المتحدة أمام هذه الضغوط وفرضها لعقوبات على السلطة الفلسطينية، وفي ضوء تزايد أحداث العنف بين الفصائل الفلسطينية المتنازعة، تحولت الأوضاع إلى أزمة مأساوية يصعب السيطرة عليها. وتدخلت المملكة العربية السعودية لحل هذه الأزمة مستخدمة ثقلها السياسي والاقتصادي والديني لتشجيع الفصائل الفلسطينية على التفاوض والمصالحة.
والصيغة السياسية الملخصة في اتفاق مكة واضحة ومميزة، حيث يقضي الاتفاق باحتفاظ حركة حماس بمنصب رئاسة الوزراء بعد فوز الحركة في الانتخابات البرلمانية الماضية. ولكن الحركة أصبحت تشكل اقلية في مجلس الوزراء الجديد بسبب حصولها على تسعة مقاعد وزارية فقط في المجلس الجديد من أصل 23 مقعدا. وسوف تحصل فتح والأحزاب الفلسطينية الصغرى على 10 مقاعد وزارية، بينما تذهب أربعة من أكثر المقاعد الوزارية حساسية مثل وزارة الشئون الخارجية والمالية والداخلية الى قادة مستقلين يحظون بقبول من كلا الطرفين.
وفي نفس الوقت، تم التأكيد على دور الرئاسة الفلسطينية في التفاوض مع اسرائيل والذي يعترف به كل الأطراف. وعلى الرغم من استمرار رئاسة حماس للحكومة الفلسطينية، فسوف تلتزم الحكومة الجديدة باحترام القرارات العربية والدولية والاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية من قبل.
وعلى الرغم من أن هذه الخطوات لا تتوافق بشكل كامل مع المطالب الاسرائيلية والأميركية، يجب أن تعترف الولايات المتحدة بالخطوات الايجابية التي تم اتخاذها. وبتوقيعها على اتفاق مكة، تكون حماس قد تبنت الخيار السياسي وتنازلت عن القيادة الدبلوماسية للرئيس عباس. والأهم من ذلك هو اتفاق فتح وحماس على العمل تحت مظلة المملكة العربية السعودية من اجل تكوين حكومة وحدة وطنية، ليزيحوا بهذه الخطوة ايران من المشهد الفلسطيني.
واذا كانت الولايات المتحدة جادة في خطواتها من اجل التوصل الى حل الدولتين، يتعين عليها ان تستغل هذه الفرصة وتتعاون مع المملكة العربية السعودية من أجل البناء على انجازات اتفاق مكة والضغط على الأطراف الفلسطينية الفاعلة من أجل الوفاء بالتزاماتها وتطبيق بنود هذه الاتفاقية.
وفي نفس الوقت، يجب على الولايات المتحدة أن تضغط على اسرائيل من أجل الوفاء بالتزاماتها وتعهداتها باحترام اتفاقية تسهيل الدخول والخروج من غزة، ووقف بناء المستعمرات في قطاع غزة والضفة الغربية، ووقف بناء جدار الفصل العنصري والخطوات الوقائية الأخرى التي تفرض مصاعب لا تحتمل على الفلسطينيين الى جانب اغلاق نقاط التفتيش الداخلية وتحرير التجارة الفلسطينية والاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
وبدون اتخاذ خطوات مثل هذه، يمكن أن نفقد التقدم المتواضع الذي حققه اتفاق مكة. وما نحتاجه في الوقت الحالي هو القيادة التي يمكنها حل المشاكل الحقيقية، وتدعيم وتعزيز الخطوات المتخذة في طريق تحديث وتقوية دور الرئاسة الفلسطينية الى جانب اعادة الأوضاع الى سابق عهدها بين الفصائل الفلسطينية من أجل ضمان التقدم في المستقبل. ولم يتأخر الوقت بعد أمام الولايات المتحدة للعب دور بناء وتجنيب المنطقة المزيد من أحداث العنف وسفك الدماء. وأنا لا أتوقع حدوث ذلك، ولكنني آمل في حدوث المفاجأة.

جيمس زغبي
رئيس المعهد العربي الأميركي.


أعلى





الدبلوماسية واللغة الأجنبية المثقلة

إذا كان العمل الفردي الدؤوب قد دفعني لقراءات طويلة عريضة في طبيعة العمل الدبلوماسي وفي السجايا أو المؤهلات المطلوبة من المرشح لمثل هذا العمل، فإن أهم الخلاصات التي توصلت إليها في خضم هذا البحث تجسدت في خلاصة أن الدبلوماسية، في جوهرها، هي "وسيلة اتصال"، في حين لا يختلف علماء الألسنية واللغة Linguists في تعريف اللغة كوسيلة اتصال means of communication. لذا اضطررت لقراءة أهم معاجم المصطلحات الدبلوماسية ومصطلحات المؤتمرات، مركزاً على ما نشره مجمع اللغة العربية في القاهرة في هذا الموضوع، وعلى ترجمة المصطلحات الانكليزية الصادرة في كتاب متخصص عن دار السفير بهولندا 1976، زيادة على معجم مصطلحات المؤتمرات الذي اصدرته اليونسكو عام 1974 ثم اعادت نشره عام 1980، من بين سواها من الكتب المتخصصة بهذا الحقل.
وبالرغم من أن اللغة ليست وسيلة الاتصال الوحيدة، فإن هناك وسائل اتصال عديدة ومتنوعة، إذ يجري الحديث عن لغة "العيون" ولغة "تعابير الوجه" facial expression ولغة "الجسد" body language، وهي طرائق تعبير ضمنية لا تتطلب أنواعاً من الأساليب الفنية لفك شفراتها غير المعقدة. كما يتحدث علماء تاريخ اللغة وتطورها عن وسائل اتصال من أنماط أخرى، كتلك التي توظفها بعض القبائل البدائية في الأصقاع الإفريقية أو في جزر جنوب المحيط الهادي، حيث يستعمل القرع على الطبول لإيصال رسائل بين أشخاص متباعدين، فتعطي كل نغمة أو سلسلة دقات drum beats تعبيراً عن رسالة معينة يريد القارع إطلاقها، كأن تكون الرسالة تحذيراً من قدوم عدو، أو تطميناً من وجود صديق على الطريق إلى مركز سكني القبيلة. أما الهنود الحمر من سكان أميركا الأصليين، فقد ابتكروا طرائق أخرى كقنوات للاتصال، من اشهرها إشعال النار بخشب الغابات المتيبس ثم إطفاؤها من أجل تشكيل عمود دخان متصاعد، إذ تتم تغطيته بقطعة نسيج مبللة من أجل الحصول على تشكيلات متقطعة من "حلقات الدخان" المتصاعدة ليراها أفراد القبيلة البعيدون ثم يفهمون مغزاها. هذه جميعاً وسائل اتصال، بيد أنها غير عملية في عصرنا نظراً لاستبدالها بأفضل وسائل الاتصال على الإطلاق، وهي اللغة المتشكلة من اصوات معقدة لتكوين الألفاظ، بينما تترتب الألفاظ عبر تكوينات نحوية لتشكيل جمل، والجمل تتزايد لتكون فقرات، وإلى نهاية هذا التعقيد الذي يبرهن على أن اللغة هي أعظم ما تملك البشرية. فبدون اللغة لا توجد تجمعات ولا مجتمعات ولا اتصالات ولا تعاون، بطبيعة الحال.
في هذه النقطة تتطابق اللغة مع الدبلوماسية، فكلاهما من وسائل اتصال: فبينما تكون اللغة وسيلة اتصال الفرد بالفرد أو الجماعة بالجماعة، تبدو الدبلوماسية هي وسيلة الاتصال الأمثل بين الكيانات السياسية أو الدول. هذا التطابق الوظيفي هو سر أهمية اللغة كأداة جوهرية في هذا النوع من العمل. لذا تعمد الدول المتطورة إلى العناية باللغات وبتعليم اللغات الأجنبية لأبنائها، الأمر الذي يبرر وجود مناهج "لغة أجنبية" أو حتى "لغة ثانية" في جميع الأنظمة التربوية المتقدمة في العالم، زد على ذلك تعمد هذه الدول تأسيس كليات للغات الأجنبية أو الألسن، لتجهز الدوائر المختصة في هذه الدول بالكوادر القادرة على التعاطي باللغات الأجنبية، ليس فقط من أجل نقل ثقافات الأمم الأخرى إلى لغة معينة (اللغة الأم)، بل كذلك لتيسير الاتصال والتفاهم وفتح القنوات. بل برزت، على نحو أكثر ضرورية، أهمية إتقان "لغة العدو" عبر تواريخ الخصومات السياسية والنزاعات الإقليمية، نظراً لأهمية إتقان هذه اللغة كأداة حرب وكوسيلة للحرب النفسية والدعائية والاستخبارية. لهذا السبب نلاحظ اهتمام حكومات بعض الدول بلغات الدول المتخاصمة معها؛ ولهذا السبب، كذلك اصبح من دواعي التندر أن لا ندرس وندرب عدداً من شبيبتنا على اللغة العبرية، مثلاً، باعتبارها لغة غير مهمة ولغة لا يتكلمها سوى "حفنة" من اليهود. وقد تنبه رأس الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي إلى أهمية اللغة والترجمة من علوم ومعارف الآخرين قبل غيره من الملوك والأباطرة عندما أقام أول مؤسسة في تاريخ العالم للترجمة والتعريب تحت اسم "بيت الحكمة" البغدادي.
لا بد للمرء وهو يرصد هذا الموضوع أن يلاحظ أن العمل الدبلوماسي لا يتطلب إتقان اللغة الأجنبية، كالانكليزية أو الفرنسية فقط، بل هو يتطلب درجة أعلى من هذا الإتقان، وهي درجة إتقان اللغة "الخاصة" بالعمل الدبلوماسي. ويرد سبب ذلك إلى أن هذا النوع من العمل قد بلور، عبر الحقبات التاريخية، مصطلحاً دبلوماسياً معيناً شديد التخصصية، لا يمكن أن يكتفي حياله بإتقان هذه اللغة أو تلك. لذا ظهرت "لغة جديدة"، هي اللغة المعتمدة في المؤتمرات والمحافل الدبلوماسية. وهي لا تبتعد كثيراً عن لغة الإعلام من ناحية، ولا تبتعد كثيراً عن ظاهرة الإعارات والاستعارات من أنواع اللغات الأوروبية، من الناحية الثانية. فاللغة الانكليزية التي تعد الأكثر قبولاً وشيوعاً في العمل الدبلوماسي تزخر بأعداد كبيرة من الكلمات والتعابير المستدانة loan words أو loan expressions من اللغات الأوروبية الأخرى كالفرنسية أو اللاتينية أو الاسبانية، الأمر الذي يبرر الحاجة القصوى في معاهد تدريب الكوادر الدبلوماسية إلى ما يسمى باللغة الانكليزية للأغراض الخاصة ESP أو English for Special Purposes. هذه لغة تختلف في تعابيرها ومصطلحاتها الخاصة عن اللغة الانكليزية اليومية الاعتيادية. وللمرء أن يستذكر أبسط الأمثلة وهو تعبير "الأمين العام": فمتكلم اللغة الانكليزية لا بد وأن يترجم هاتين الكلمتين كما يلي General Secretary باعتبار قواعد اللغة الانكليزية المعروفة، بينما هو سيصدم عندما يكتشف أن التعبير المعتمد دولياً هو Secretary General، بتقديم الموصوف على الصفة. فإذا ما تم استخدام التعبير الأول، الصحيح نحوياً والخاطئ تقليداً ودبلوماسياً، فإنه سيقع في ورطة أمام المحفل الدبلوماسي الذي سيخصه بنظرة دونية نظراً لعدم المعرفة أو الجهل.
ما سبق ينطوي على أننا لو نجحنا في انتقاء الخريجين الأوائل من قسم اللغة الانكليزية من جامعة ما، بعد التأكد من سلامتهم الشكلية ولياقتهم البدنية، للعمل في السلك الدبلوماسي، فإنه يتوجب علينا تعليمهم "لغة أخرى"، هي "الانكليزية الدبلوماسية" المزودة بالتعابير والألفاظ الخاصة. لنلاحظ أن هذا الخريج، مهما كان متكلماً كفوءاً للانكليزية، ينبغي أن يعرف تنوعات انكليزية معينة لكلمة "مؤتمر"، على سبيل المثال، تنوعات من نوع: convention و conference و congress، كما أن عليه أن يدرك أن كلمة "محكمة" التي يعرف مرادفها وهو court إنما يتغير إلى tribunal في الانكليزية "الأميركية". في الانكليزية "البريطانية" تقول: I waive my right to speak بمعنى أتنازل عن دوري في الكلام، بينما في الانكليزية "الأميركية" ينبغي أن تلجأ للتعبير I yield to.... وهكذا فإن تعقيد اللغة الموظفة في العمل الدبلوماسي لا يمكن تجاوزه من خلال "دورة" قصيرة متخصصة يتم خلالها ضخ المصطلحات الدبلوماسية لمجموعة من الخريجين المتفوقين من أقسام اللغة الانكليزية، ذلك أن الأمر يتطلب، زيادة على هذه الدورة "الابتدائية" أو التعريفية الذهاب إلى السفارات خارج البلاد، على أن يتعهد هذا المرشح المتدرب واحد من الدبلوماسيين المخضرمين والكفوئين عبر اصطحاب الشاب المتدرب معه إلى المحافل الدبلوماسية للمراقبة والمتابعة، زيادة على تكليفه بقراءة وتعريب العديد من الوثائق الدبلوماسية ووثائق المؤتمرات والاجتماعات على سبيل الإحاطة بـ"لغة" الدبلوماسية.
وإذا كان العديد من شباننا وشاباتنا في البلدان العربية يبدون تحمساً وتشبثاً قوياً بالعمل في السلك الدبلوماسي، فإن هذا الحماس يرد إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي تتجاوز صعوبات التدريب على اللغة الدبلوماسية الخاصة، زيادة على سواها من الصعوبات. أغلب هؤلاء الشبان يعتقدون، خاطئين، أن حياة الدبلوماسي لا تزيد عن حياة مرفهة، فالتة من أزمات التضخم ومليئة بحفلات الاستقبال وبالمعارض والمهرجانات الفنية وبالتسوق، بعيداً عن ضجيج الأزمات في بلاد المنشأ. إن عملية تقديم دبلوماسي كفوء لوزارة الخارجية إنما يتطلب تدريباً رفيعاً شاقاً يمتد من طرائق تناول الحساء إلى طرائق الجلوس والحديث وارتداء الملابس، ناهيك عن تعقيد اللغة. هذه حقائق تتجاوزها العديد من وزارات الخارجية في بلدان العالم الثالث، حيث يكون التعيين في السلك الدبلوماسي نوعاً من "المكافأة" التي تعتمد اعتبارات غير مهنية، الأمر الذي يؤدي إلى تندر الدبلوماسيين الغربيين ببعض "الدبلوماسيين" المبتعثين من مثل هذه البلدان، بغض النظر عن التمكن من لغة أوروبية رئيسية على أقل تقدير. وهذا هو واحد من أهم مسببات الإخفاق الدبلوماسي، حيث تقدم المعايير غير المهنية في عملية انتقاء الدبلوماسي على المعايير الدبلوماسية المعقدة.
لنلاحظ، ثانية، أن التأهيل اللغوي يمر بمرحلتين كما سبق وأن اشرنا: (1) إتقان اللغة الأجنبية عبر الدراسة الجامعية؛ (2) إتقان لغة المصطلح الدبلوماسي الخاصة. ولكن هذا لا يكفي، لأنه لا يؤهل الدبلوماسي الجيد للخوض في مباحثات دبلوماسية عالية المستوى أو مشوبة بالتعقيد والحساسية أمام أنداد من الخبراء المتمرسين في الحوارات والمباحثات، فهذه المهمة تتطلب مرحلة ثالثة أعلى في التأهيل اللغوي، وهي مرحلة التمكن مما يسمى بـ"اللغة المثقلة" loaded language، خاصة عندما يتعامل دبلوماسي عربي مثلاً، مع "ثعالب" الدبلوماسية العالمية، من هؤلاء القادرين على حرف المعنى والتلاعب بالألفاظ وحتى بحروف الجر بطرائق تفضي إلى معانٍ "فوق نصية" يمكن أن تضع الدولة التي يمثلها الدبلوماسي العربي في حال لا تحسد عليها. وهناك من الشواهد التاريخية على التلاعب الفني بالمعنى، خاصة عبر الترجمة، مما يكفي لإبراز أهمية اللغة المثقلة وخطورة دلالاتها. واحدة من هذه الشواهد التاريخية الشهيرة تجسدت في تلاعب المستشار الروسي المحنك بسمارك ببرقية، وردت إليه من باريس، بطريقة أدت إلى حرف معناها (عن تعمد) كي تبدو وكأنها إهانة موجهة لحكومته، فتأبطها بسمارك لإعلان الحرب على فرنسا من أجل احتلال مقاطعتي الألزاس واللورين. لقد كان بسمارك يفهم المعنى الطبيعي للبرقية المذكورة، ولكنه تعمد تحريف معناها عن طريق الترجمة كي يحقق حلمه بالوحدة الألمانية عبر سلسلة حروب مع دول الجوار. وكنموذج ثان، لم يزل بعض المهتمين بهذا الموضوع يستذكرون أخطاء الترجمة غير الدقيقة في الكلمة التي القاها الرئيس العراقي السابق، عبد الرحمن محمد عارف، أمام الرئيس الفرنسي، شارل ديغول، لدى زيارة الأول باريس في ستينيات القرن الماضي، حيث كانت الترجمة بدرجة من "الحرفية" إن كلمة "رجولة" التي وصف بها الرئيس العراقي نظيره الفرنسي تحولت إلى "ذكورية"، الأمر الذي جعل الرئيس الفرنسي الشائخ يبقى "يفر بأذنيه" لإدراك المقصود من امتداح الرئيس العراقي لـ"ذكورية" الرئيس الفرنسي التي فقدها منذ سنين بسبب تطاول السنوات والاستجابة الطبيعية لمرور الزمن!
وللمرء أن يرتجع كذلك لنموذج الاستدلال على المعنى الذي احتج عليه ممثل جمهورية "تشيكوسلوفاكيا" الشيوعية آنذاك، إذ تحدث ممثل إحدى الدول الغربية الرأسمالية عن الـ"سلاف" Slavs، وهم من المكونات الإثنية الرئيسة في تلك الجمهورية، بطريقة لفظت بها الكلمة بكسر الألف، فسُمعت وكأنها Slaves، بمعنى "عبيد"، الأمر الذي حدا بالدبلوماسي التشيكوسلوفاكي إلى الانتفاض والاحتجاج على هذا التلفظ الذي عده مقصوداً للاستهانة بالسلافيين.

أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير

 

 

 

حركة القمر والكواكب السيارة خلال شهر يناير 2007 م




.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept