كلمة ونصف
الحي التجاري في مسقط ...
ناقش المجلس البلدي موضوع إنشاء الحي التجاري
( Down Town ) وذلك لافتقار مسقط لمثل هذه الأحياء، كالعديد من المدن
في العالم، التي تشيد أحياؤها التجارية المتميزة ، بشوارعها الفسيحة،
لتكون مزارا للسياح والزوار ومتنفسا للمواطنين والمقيمين في هذه
الدول، والسلطنة ومسقط بالتحديد تفتقر لمثل هذه الأحياء الجميلة،
التي تعد علامة بارزة للمدن الحديثة والمتطورة، والمدن المتهيئة
للعصر الحديث وتطوراته ومستجداته.
والأحياء التجارية أصبحت ميزة من المزايا التي تتميز بها المدن الحية
، ومناقشة هذا الجانب في مسقط ذو أهمية كبيرة، ويتطلب أن يحظى بأهمية
كبيرة ، إلا أننا يبدو كأننا دائما نلعب في الوقت الضائع، بعد غياب
الفرص وكما يقال : (بعد انتهاء العرس جاء الشايب يرقص) ، وبعد انتهاء
المخططات وتحويلها إلى قطع سكنية وأحياء خاصة، وتحويل الميادين العامة
إلى أملاك.
ويبدو أن عدم التخطيط المسبق والمنظم يعد مشكلة نعاني منها، وذلك
لعدم اتضاح الرؤية للمتطلبات الاستراتيجية ، التي يتطلب أن تكون
عليها المدن والعواصم بالتحديد، ونترك الأمور تسير على البركة بدون
أن ندرك انعكاساتها وتأثيراتها السلبية على مستقبل مدننا وعواصمنا
للأسف.
إن مناقشة الأحياء التجارية في مسقط، كان يتطلب أن يكون قبل فترة
زمنية ليست بقصيرة، وبتخطيط مستقبلي لمدينة مسقط عاصمة البلاد، ومزار
الزوار والسياح كغيرها من المدن، التي تتميز بالميادين والأحياء
التجارية الراقية، لا أن نأتي اليوم ونناقش إنشاء أحياء تجارية،
ومع ذلك فإن مناقشة الموضوع الآن أفضل من مناقشته غدا، والتنفيذ
غدا أفضل من عدم التنفيذ أو تأجيل التنفيذ الى بعد غد، ونتمنى أن
تكلل الجهود بالتوفيق واختيار الأماكن المناسبة لإقامة الأحياء التجارية
الراقية عليها.
علي بن راشد المطاعني
Ali.matani@omantel.om
أعلى

اقول لكم
ضحك
دراسة علمية حديثة أعادت اكتشاف علاج قديم
للقلق والتوتر والاحباط، من شأنه ان يضرب مبيعات شركات الادوية متعددة
الجنسيات من عقاقير الطب النفسي، وهذا العلاج الذي لا يكلف شيئا
يتلخص في كلمة واحدة: اضحك، فالضحك ـ كما تقول الدراسة ـ افضل علاج
لمجموعة من الامراض النفسية اضافة الى تسكين اوجاع البطن وتحسين
اداء القلب والرئتين والعضلات، فضلا عن زيادة افراز هرمون الأندروفين
في الدماغ بما يؤدي الى الشعور بالراحة والاسترخاء..اما العلاج طويل
المدى بالضحك، فإنه يرفع مناعة الجسم بدرجة كبيرة تجعله قادرا على
مواجهة أمراض خطيرة مثل الأورام السرطانية!.
والذين اتخذوا الضحك منهج حياة لخصوا موقفهم في قول: أنا اضحك إذن
أنا موجود، والكاتب التشيكي ميلان كونديرا يرى ان الضحك هو المفتاح
الوحيد لولوج أبواب السعادة، وفي قصة (المهرجّ) يقدم الكاتب البريطاني
جاك ألسوب وصية احد كبار الضاحكين تم تلاوتها اثناء الافطار الجنائزي
بعد دفنه، وهي تقديم كل ثروته جائزة لمن يطلق افضل نكتة تثير ضحك
أكبر عدد من مشيعيه، وهكذا حوّل هذا الضاحك الكبير موته الى جنازة
ضاحكة، لكن الضحك قد ينقلب فجأة الى بكاء كما يقول الكاتب المصري
المعروف فكري أباظة في كتابه: الضاحك الباكي!.
ونجيب الريحاني هو افضل من كان يستطيع انتزاع ضحكات صافية من قلبي
حتى في احلك المواقف، وتحتفظ لنا السينما العربية بمشهد معروف له
وهو يضحك ويبكي معا في فيلم (غزل البنات)..ونجوم الكوميديا الذين
خلفوه لا أدين لهم كثيرا في تعاطي علاج الضحك، ذلك الذي اصبح نادرا
مثل عملة أثرية، لهذا فإنني اكتفي بمشاهد من الكوميديا السوداء المعاصرة،
مثل حديث الرئيس جورج بوش عن حقوق الانسان، وتقوّس حاجبي توني بلير
وهو يتحدث عن الديمقراطية واحاول أن أضحك!.
شوقي حافظ
shawkyhafez2001@yahoo.com
أعلى

اصداف
أمن خارج الحدود
استمعت الى احد المسؤولين عن الامن في العراق،
وهو يتحدث عن ضرورة تضافر جهود دول جوار العراق، لإنجاح خطة امن
بغداد، وخلال حديث طويل ، شهد الكثير من الاستطرادات، خلص الى نتيجة
تحتوي بين طياتها تهديدات لدول الجوار، او لنقل بعض هذه الدول، وتدور
هذه التهديدات في الاطار، الذي يقول ان فشل هذه الخطة، سيفضي الى
انهيار الاوضاع الامنية في العاصمة العراقية، وعندها ستشب النار
في مختلف ارجاء المنطقة. وستتحمل هذه الدولة او تلك نتائج ما يحصل
في العراق.
ان القراءة العميقة لمثل هكذا خطاب، تكشف عن مسألة في غاية الاهمية
والخطورة، اهميتها تنبع من جهل الكثيرين من الذين يجلسون على كراسي
السلطة، بخطورة الكلمة التي يتفوهون بها، وخطورتها تنبع من كون هؤلاء،
لا يفرقون بين خطاب السلام ولغة العداء للاخرين.
انا لا أفهم ماذا تعني مثل هذه الرسائل، التي اعتاد الكثير من ساسة
العراق الحاليين الحديث عنها، والنظر اليها، على اساس انها العصا
القوية، التي لابد من التلويح بها امام جميع دول المنطقة، باستثناء
من يحب هذا الطرف او يرتبط معه لمصلحة قديمة او اجندة حالية، وعدم
الفهم لا ينبع من جهل بطبيعة المفردات، التي تتم صياغتها، وطريقة
استخدامها، ولا تخرج عن اطار فهم الوضع المرتبك في ضوء المعرفة الدقيقة،
لكل ما يجري في الدهاليز والاقبية، وما تتم صياغته على عجل وبارتباك،
وسط حالة القلق المستشرية على اوسع نطاق.
ان الحديث والاجراءات والتحركات العسكرية الاميركية والحكومية العراقية،
تجري في اوصال مدينة بغداد، فما علاقة دول الجوار بذلك.
اذا كانوا يقصدون ان خراب بغداد سيصل الى الكثير من الدول والمجتمعات،
فإن الذي صاغ اليه هذا الخراب، هم الذين يجلسون على كراسي السلطة
في بغداد.
واذا كانوا يقصدون ان الخراب سيأتي لأن هناك الكثير من البذور الطائفية
والعرقية، التي جرى زرعها وبثها في الثقافة اليومية الحالية في العراق،
فإن هؤلاء هم الذين شجعوا على ذلك وبذلوا المستحيل لزراعة تلك الرايات
الملعونة والسيئة في العراق اما اذا قصد هؤلاء ان هذه الدول ستقع
تحت سطوة الاحتلال الاميركي، الذي رسم في مخططه قبل غزو العراق برنامجا
لاحتلال الكثير من الدول بعد العراق، فإن هذا التصور خرج من دائرة
الواقعية السياسية، لأن الادارة الاميركية، تحاول جاهدة الخروج بما
تبقى من ماء الوجه، بعد ان فقدت بريقها وهيبتها، على ايدي رجال المقاومة
العراقية، الذين افشلوا مشروعهم الكوني، وابعدوا الشر عن الكثير
من الدول والشعوب. اما اذا انطلق مثل هذا الخطاب من جهل بما يحصل
في العراق، فإنه يدلل على حجم الكوارث التي جاءت الى العراق بسبب
ذلك الجهل الشامل.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي مؤلف كتاب
(جدار بغداد)
wzbidy@yahoo.com
أعلى

باختصار
على أعتاب القمة
مع ان الوقت ما زال مبكرا للحديث عن القمة
العربية المقبلة التي ستعقد في السعودية الا ان ما يجري في المنطقة
اليوم يمهد الطريق او يعبدها امام المهمات الصعبة لتلك القمة ولما
تحتويه من عناوين ..
واذ يجتهد امين عام جامعة الدول العربية في التحرك على ايقاع الضرورات
التي تحتمها القمة، فإن اثار الاضرار الناتجة عن بعض الوضع العربي
السيئ تطبع استنفار موسى لتجعله امام ضرورة التصريح بما يواجهه.
فأولا هنالك الملف الفلسطيني الذي حمل توقيع اتفاق مكة ويقاد اليوم
بدفع المملكة العربية السعودية وبالانفاس الطيبة للطرفين في حركتي
فتح وحماس اللذين يسعيان لانضاج التشكيلة الوزارية المتفق عليها،
مع كل الوضوح الاميركي الاسرائيلي غير المحبب لذلك الاتفاق. وثانيا،
هنالك الوضع اللبناني الذي يتأرجح على قاعدة الضغوطات الداخلية من
بعض النافذين السياسيين اللبنانيين لأية مبادرة لا تحمل توقيعا مطابقا
لمشروعهم السياسي. واذ استعجل موسى في وقت سابق اقتحام الساحة اللبنانية،
فقد اتعبته نبرة البعض حين اشعره بان المشكلة في لبنان خارج قواه
وامكانياته مطالبا موسى بأن يفهم عن قرب ان القضية اللبنانية هي
تقاطعات خارجية يستحيل بالتالي التفاهم مع القوى الداخلية دون حل
اللغز الخارجي. ولهذا السبب لم يأت امين عام الجامعة الى لبنان مع
انه كان مقررا له المجيء قبل الايام العشرة الاوائل من هذا الشهر،
الا ان معرفته الوثيقة بالاطار العام للازمة جعله يذهب باتجاه الريح
المحركة لها. وهو لهذا السبب لن يأتي الا اذا تحقق الشرط الخارجي
للازمة، وهو الشرط الذي يجعل من قوى الداخل مجرد قوى تنفيذية لها
لااكثر ولا اقل. وثالثا، هناك الازمة العراقية بكل تعقيداتها. ولقد
كشف ان الرهان على انضاج الحالة الامنية في كل العراق لابد ان يبدأ
في بغداد التي حشد فيها اكثر من ثمانين الف جندي، ومع ذلك ما يزال
عشرات القتلى يسقطون يوميا وما زالت بغداد تهتز على وقع تلك الانفجارات
مما عطل حتى الآن تمدد العملية الامنية الى خارج العاصمة. ومن الواضح
ان الاميركي يسعى للتجربة الامنية البغدادية كي يوقظ في العراقيين
استحالة التعايش تحت سقف واحد. تبدو تلك الخطة وكأنها الامل المنشود
الذي يرفع من مقام القوات العراقية المشتركة مع الاميركي كما يدعم
التحالف العسكري الاميركي مع القوات العراقية ، انه اشبه بعملية
تدريب تخاض هذه المرة باللحم الحي دون ان يعني حتى الان امكانية
نجاحها.
هذه القضايا الكبرى والتي هي صورة الحوار القادم والاهتمام الكلي
في القمة العربية، جرى ترتيب مخارج لها قبل البدء بأعمال القمة.
فالمطلوب من لبنان ان يكون بعض الحل له قد وقع قبل منتصف مارس القادم،
كما المطلوب من الفلسطينيين ان ينفذوا تفاصيل اتفاق مكة خلال هذا
التوقيت اللبناني، اما العراق فلا يبدو ان الوضع الامني قابل لانتقاله
الى الحوار السياسي، وسيكون صعبا بالتالي الذهاب الى السياسة التي
ستبقى معطلة ومحكومة بمنغصات عربية واقليمية. حتى الآن فإن اجواء
القمة غير مشجعة الا اذا تحققت شروط السلامة لها والتي يجب ان تقوم
على اعادة الحوارات العربية العربية وتنشيط ما توقف منها. ان أي
تأخير في ذلك الامر سيكون معطلا لأعمال القمة وللحضور العربي المطلوب
على قاعدة التفاهم المسبق.
زهير ماجد
zouhairmd@yahoo.com
أعلى

في الموضوع
خطة ... وخطة
كما تكشفت أنباء تدبير "مؤامرة"
خطة ضرب لبنان الصيف الماضي، لإحراج موقف حزب الله والضغط عليه لتسليم
سلاحه، والانسحاب من المنطقة الحدودية الجنوبية، وكانت في انتظار
المبرر لتنفيذها، تتكشف الآن أنباء أخرى صادرة من العاصمة الأميركية
واشنطن، عن مؤامرة أخرى لتوجيه ضربة عسكرية أميركية - ربما تكون
بيد إسرائيلية - ضد إيران، لوقف برنامجها النووي. لكن هناك جدلا
حول ما إذا كانت إسرائيل هي التي يمكن أن تضطلع بهذه المهمة، لأنها
يمكن أن تكون هدفا لضربة صاروخية إيرانية عقابية، ومن ثم فإن القوات
الأميركية في العراق والخليج تبدو هي المرشحة لشن هذا الهجوم. وترى
دوائر غربية عديدة أن خطة هذا الهجوم جاهزة للتنفيذ حاليا، وتنتظر
الفرصة المناسبة وإشارة الأمر في الوقت المناسب. في هذا السياق تحدث
أحد المراقبين لتطورات الأحداث في العراق، وما يجري من نقاشات علنية
- في واشنطن - بشأن خيارات التعامل مع "التهديد" النووي
الإيراني، فأوضح أن ما تفعله الولايات المتحدة الأميركية في العراق
حاليا، يرتبط بخطة الهجوم على إيران. ويدخل في ذلك توجيه اتهام صريح
إلى الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، بمسؤولية "جيش المهدي"
التابع له عن أعمال العنف ضد المدنيين في بغداد، ثم الترويج - بعد
بدء تنفيذ خطة أمن بغداد الجديدة - لقصة هروبه من مدينة النجف إلى
العاصمة الإيرانية طهران. وينطلق ذلك المراقب من رصد هذه التطورات
على الأرض، للقول أن قرار زيادة عدد القوات الأميركية - لتنفيذ خطة
أمن بغداد - هدفه الحقيقي هو شن حملة ضد معاقل "جيش المهدي"
في منطقة بغداد أولا ، ثم تحرير وحدات من القوات الأميركية في العراق،
لتكون احتياطيا لمواجهة أي احتمالات تنشأ، في أعقاب شن ضربة جوية
أو صاروخية ضد أهداف إيرانية. وفي إطار هذه المؤامرة أيضا، جرى تحريك
مجموعة قتال بحرية، بقيادة حاملة طائرات إضافية إلى الخليج.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس جورج بوش، عن أن "كافة الخيارات
متاحة للتعامل مع إيران، بشأن ملفها النووي، فإنه لا يمكن استبعاد
خيار استعمال القوة العسكرية"، قال وزير الخارجية الأسبق هنري
كيسنغر، أحد كبار مهندسي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين،
إنه "يشعر بقلق كبير تجاه البرنامج النووي الإيراني، بأكثر
من القلق الذي يستشعره تجاه البرنامج النووي لكوريا الشمالية".
وأشار - في مقابلة مع مجلة "فورين أفيرز" التي يصدرها
مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن - "لا أوصي بخيار استخدام
القوة ضد إيران، لكن التسامح مع إيران سيكون خطيرا، لأنه سيعني تعدد
مراكز السلاح النووي في العالم، دون قدرة على ضبط استخدامه، ولذلك
فإنني لا أستبعد اللجوء لذلك الخيار". وعلى الجانب الآخر، أوضح
المستشار الأسبق للرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي زبيغنيو بريجينيسكي
- الذي شغل المنصب في عهد الرئيس جيمي كارتر - أن إدارة جورج بوش
الحالية "عاقدة العزم على شن عمليات عسكرية ضد إيران".
وقال بريجينيسكي - في جلسة استماع عقدها الكونغرس الأميركي حديثا
- إن "هناك سيناريو معد بالفعل للتصعيد ضد إيران، يتضمن توجيه
اللوم بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع في العراق إلى طهران، والضغط
عليها بسبب برنامجها النووي، وتأليب الدول المجاورة عليها لعزلها
إقليميا، تمهيدا لشن هذا الهجوم عليها". وأشار بريجينيسكي إلى
أن "الفشل الأميركي في العراق لاعلاقة له بإيران، وإن كانت
طهران مستفيدة منه ، لأنه يحد من خطر القدرة الأميركية في تهديدها،
فإنه يسبب لها قلقا بسبب عدم الاستقرار في جوارها الغربي، بما يلقيه
ذلك عليها من مسؤولية دعم الشيعة في الجنوب، والإعداد لاستيعاب أي
نازحين منهم يلجأون إلى أراضيها، بسبب ظروف الحياة الصعبة وغياب
الأمن والاستقرار هناك".
وإلى جانب ذلك كله، فإن الرفض الأميركي للتفاوض مباشرة مع إيران
بشأن برنامجها النووي، وترك هذه المهمة لحلفائها الأوروبيين الغربيين،
في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، في الوقت الذي شارك ممثل عنها في مفاوضات
مماثلة مع كوريا الشمالية، وأدت تلك المفاوضات إلى موافقة بيونغ
يانغ على وقف برنامجها النووي، مقابل اتفاق على توريد الوقود النووي
إليها، وحصولها على معونات اقتصادية من الولايات المتحدة الأميركية
والأطراف المفاوضة الأخرى ، يشير إلى أن واشنطن لا تريد الاتصالات
المباشرة مع طهران، وتفضل الوقوف بعيدا تطلق التهديدات، حتى تكون
لها الحرية في اللجوء إلى الخيار العسكري، إذا ما تهيأت ظروف ومبررات
مناسبة لذلك. وفي حين يقول مراقبون إن الولايات المتحدة الأميركية
تركت مهمة التفاوض للحلفاء الغربيين، حتى يسهل عليها حشد تأييدهم
إلى جانبها، في حال فشل عملية التفاوض، بافتراض أنه ستكون هناك حجة
قوية لذلك، بسبب البرنامج النووي الإيراني، بعد الجدل حول مبررات
شن حرب غزو العراق، فإن هناك انتقادات للموقف الأميركي الرافض للتفاوض
مع إيران، يقول إن الأميركيين لا يريدون لهذه المفاوضات أن تنجح،
ويعملون على استفزاز إيران لكي لا توافق على أي صيغة اتفاق تعرض
عليها، حتى يصبح الموقف الأميركي المتشدد مثل "النبوءة التي
تحقق نفسها".
عند هذه النقطة، يطرح سؤال مهم نفسه، بشأن الرؤية الروسية لما يجري،
وما إذا كان القلق الذي تبديه موسكو حاليا، وعبر عنه الرئيس فلاديمير
بوتين في انتقاداته للسياسة الأميركية، بأنها تعيد إلى الأذهان "روح
مواجهات الحرب الباردة"، في ضوء توجهات واشنطن لتوسيع نطاق
النفوذ الغربي شرقا. ولا ينصرف ذلك القلق إلى بناء درع صاروخي في
وسط أوروبا وشرقها فقط، على أرض دول كانت من أقرب حلفاء روسيا في
السابق، وإنما لمحاصرة النفوذ الروسي المتمثل في إقامة علاقات وثيقة
مع دول شرق أوسطية مثل إيران، مما يسهم في إقامة محور تحالف جديد
بين مصدري النفط في العالم، بعد نجاح الدول الغربية في إضعاف دور
منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" في حماية مصالح منتجيه.
وجدير بالذكر أن روسيا تعرضت لانتقادات غربية شديدة، عندما حدت حجم
صادراتها ورفعت أسعار صادرات نفطها وغازها، إلى الدول التي استقلت
عن الاتحاد السوفييتي، واختارت التحالف مع الغرب تحت المظلة الأميركية.
يتبقى بعد ذلك انتظار ما يمكن أن تسفر عنه المعارضة الروسية (والصينية)
لشن عمليات عسكرية ضد إيران، لأن روسيا تزود إيران بالتقنية النووية
في حدود ضوابط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا ترى في ذلك الخطر
الذي يحذر منه الغربيون.
عبد الله حموده
abdallah.homouda@btinternet.com
أعلى

3 أبعاد
لغز قوة القدس
اللغز الذي تحاول الحكومة الأميركية ان تفهمه
اليوم هو قوة القدس. هذه القوة تتهمها الولايات المتحدة بأنها وراء
اعمال العنف والتفجيرات في العراق. انتهى تركيز الأميركيين على القاعدة
والبعثيين، وبدأ التركيز على هذه القوة التي هي جزء من الحرس الثوري
الإيراني. تقول الحكومة الأميركية انها قوة تقوم بعمليات خارج ايران،
برعاية مؤسسة الحرس الثوري الإيراني، ولكنها وحدات يكتنفها الغموض
حتى للمطلعين على الأمور داخل ايران. والسبب في الاهتمام الأميركي
بقوة القدس هو الاشتباه في انها تزود المسلحين داخل العراق بمتفجرات
متقدمة تستخدم ضد القوات الأميركية. من بين الإيرانيين الذين اعتقلتهم
القوات الأميركية في العراق في الأسابيع القليلة الماضية عدد يقول
الجيش الأميركي انهم من رجال قوة القدس، ومنهم دبلوماسي يقال انه
الرجل رقم 2 في هذه القوة. ولكن المخابرات الأميركية لا تعرف ما
فيه الكفاية عن هذه القوة.
وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس قال قبل ايام إن الأميركيين يعلمون
ان قوة القدس نشطة في عمليات داخل العراق، وانها قوة شبه عسكرية
وجزء من مؤسسة الحرس الثوري الإيراني، ولكن وزير الدفاع سلم بأنه
لا يعرف من اين تتلقى القوة اوامرها. وقال انه يفترض ان قيادة الحرس
الثوري على علم بنشاط القوة في العراق، ولكن ليس هناك ما يؤكد ان
الزعامة السياسية الإيرانية على علم بدور القوة في العراق، او أن
هذه الزعامة هى التي تعطي الأوامر للقوة.
يقول خبراء ان الافتراض المنطقي هو ان ايران ارسلت عددا كبيرا من
رجال مخابراتها الى العراق فور الإطاحة بصدام حسين عام 2003. ومن
المعروف ان عددا كبيرا من العراقيين عاشوا في المنفى في ايران وبرعاية
ايرانية اثناء عهد صدام حسين. ومن المعروف ايضا ان قوة القدس كان
لها دور عسكري واستخباراتي في نزاعات سابقة في مناطق اخرى مثل البوسنة
ولبنان. وقامت القوة بوصفها الذراع الطويل للحرس الثوري بعمليات
تدريب لعناصر معينة في تلك المناطق. يقول عباس ميلاني استاذ الشئون
الإيرانية في جامعة ستانفورد الأميركية ان رجال قوة القدس يجري انتقاؤهم
من بين صفوة رجال الحرس الثوري. وعلى الرغم من ان الحرس الثوري الإيراني
يتبع المرشد الديني الأعلى في ايران وليس الرئيس الإيراني او الحكومة،
فإن الغموض يكتنف عملا وتشكيلا وقيادة هذه القوة التي تحيط بها السرية
حتى داخل ايران. دليل هذا الغموض ان قوام القوة غير معروف على وجه
التحديد، والبعض يقول ان القوة تتألف من ثلاثة الاف فرد بينما يقول
آخرون ان العدد يزيد على خمسين الفا. هذه المعلومات لا يعرفها حتى
اعضاء البرلمان الإيراني. بل ان بعض الخبراء الأميركيين والإيرانيين
يشككون في وجود القوة فعليا كجزء من الحرس الثوري. يقول فالي نصر
الاستاذ في الأكاديمية البحرية الأميركية ان كل من له دور استخباراتي
في الحرس الثوري يوصف بكونه جزءا من قوة القدس بدون ان يكون للقوة
وجود فعلي. لقد قام رجال الاستخبارات من الحرس الثوري بتدريب المجاهدين
في افغانستان اثناء الاحتلال السوفييتي في الثمانينات كما قاموا
بتدريب افراد حزب الله في لبنان في الفترة الزمنية نفسها. وتعتقد
الحكومة الأميركية ايضا ان الحرس الثوري او قوة القدس كان لها دور
في تفجير مجمع الخبر في المملكة العربية السعودية عام 1996 والذي
اسفر عن قتل 19 اميركيا. ولكن هناك ادلة ودلائل على ان سلوك الحرس
الثوري او قوة القدس لا يرتبط بتعليمات الحكومة الإيرانية الرسمية.
فهل يعمل مستقلا عن الحكومة ؟ وهل هو الجهاز الاستخباراتي الوحيد
في العالم الذي يعمل مستقلا عن الحكومة؟
اليست تصرفات ال سي آي ايه في بعض الأحيان مستقلة عن الحكومة الأميركية؟
هذه اسئلة سنبحثها في مقال آخر.
عاطف عبدالجواد
agawad@aol.com
أعلى
تحليل الوطن السياسي
قمة الفشل المكوكي
كتب ـ المحرر السياسي:بعد قرن من الزمان على
قضية أدمت قلوب العالم وشهدت من الظلم والتآمر على حقوق الشعب الفلسطيني
ما شهدت يأتي من يقول ان هناك قمة في القدس ستحسم القضية، وبالنظر
في التفاصيل وجدنا ان جدول أعمالها كان مجرد (استكشاف) آفاق السلام.
ولا ندري أي آفاق كان يمكن استكشافها عبر لقاء القدس الثلاثي بين
اولمرت وعباس ورايس، وقد كان الكتاب مفتوحا على مصراعيه ليقرأ من
يستطيع القراءة (السياسية) في غياب العلم الفلسطيني عن القمة او
استمرار فرض الشروط الاسرائيلية وخروج رايس بمفردها لتخاطب الصحافة
حول قمتها (الفاشلة) التي آثرت ان تعلن فشلها حتى قبل ان تبدأ، يقرأ
القارئ ببساطة بين السطور ان القضية برمتها متروكة لحفنة من المعاصرين
في دهاليز السياسة الاسرائيلية والاميركية يقررون فيها ما يريدون
ويصبح الساسة المتحركون هذه الحركة (المكوكية) مثل رايس مجرد (دمى)
تتحكم فيها خيوط مشدودة الى اصابع اولئك المغامرين المختبئين خلف
المسرح.
وكان من الطبيعي والحالة هذه ان يتم وصف هذه (القمة) بالفاشلة و(قمة
مضيعة الوقت) و(قمة الكآبة) الى نحو ذلك من اوصاف يستحقها كل من
حضرها ونظمها الا الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي راح اليها ويعرف
مصيرها لكنه كان لابد ان يذهب اليها حتى يسحب بساط الذرائع من تحت
ألسنة الذرائعيين في كل من واشنطن وتل ابيب.
لقد اصبحت السطور واضحة في ظل المطالب الاسرائيلية الاستباقية بضرورة
اخراج حماس من اللعبة السياسية لتظل محصورة للأبد في دائرة (الإرهاب)
لكن عباس نجح في اتفاق مكة ان يعطى حماس فرصة لإثبات قدرتها على
اللعب بأوراق السياسة.
واستجابت حماس للفرصة واعلنت وقوفها خلف عباس في مواجهة (الضغوط
الخارجية) وبهذا التضافر بين الفصيلين الرئيسيين في مسيرة النضال
الفلسطيني انكشفت معالم وجه الذرائعيين الذين يخلصون اسرائيل في
كل مرة من المأزق الذي تبدو فيه معزولة وغير رغبة في السلام.
لكن الواقع ان موقف السياسيين الاميركيين من امثال رايس اصبح يستحق
الرثاء وهم جلوس صموت في انتظار ان يتحدث الاسرائيليون حتى يجد امثال
رايس و(وولش) ما يتحدثون عنه ويرددونه امام وسائل الاعلام (التنويمي)
المصاحب لتفاصيل البحث عن حلول للصراع العربي الاسرائيلي.
عقب الفشل السابق قالت رايس انها ستعود الى المنطقة (للاستكشاف)
وهذه المرة لم تجد سوى ان تقول انها ستعود (لمواصلة الاستكشاف) وفي
المرة القادمة لن تجد سوى ترديد ما قالته سابقا وآنفا بعد (قمة القدس)
المنهارة، مسكينة هذه الوزيرة المحاصرة في قوالب يتم تجهيزها في
اسرائيل ولا تملك رايس الا ان تصب كلامها وتحركها في هذه القوالب
حتى لا تلقى مصير سلفها (كولن باول) الذي آثر الانزواء في الظل خيرا
له من السير تحت اضواء موكب النفاق الاميركي المشين والعاجز عن اتخاذ
اي موقف خارج عن إرادة المتطرفين الذين يصرون على احراق الشرق الأوسط
كسبيل لـ(الحل).
لا بأس..سينتظر العرب الوزيرة رايس في عودتها القادمة وهم يعلمون
من الآن شكل القالب المعد لها في أروقة الحكومة الاسرائيلية لعلها
في المرة القادمة تكون مسلحة بآليات وادوات استكشاف اكثر قوة من
تلك الادوات الفاسدة التي يزودها بها الإيباك وغيره من جماعات الضغط
الصهيونية في كل مرة تأتي فيها الى المنطقة للبحث عن السلام المفقود،
مع نصيحة بان تسمى لقاءها القادم (اجتماعا) وليس (قمة) فمصطلح (القمة)
لم يكن يصلح لوصف ما حدث في (قمة القدس) الاخيرة.
أعلى
غياب الرؤية العربية الصادقة .. والبكاء على الأطلال
لم يعهد المشهد السياسي العربي الرسمي استقالة
موظف منه، احتجاجا او صحوة او تنبيها لما بعد اداء وظيفته وتحسبا
للتاريخ والضمير والمهمة الموكولة له، او اي امر اخر يمكن وضعه في
سلة الاسباب والاعتراضات التي يمكن مناقشتها او هي موضوع مناقشة
اصلا، مثلما حصل مع رئيس بعثة جامعة الدول العربية (... اين؟) ببغداد،
عاصمة دولة العراق، المؤسسة للجامعة. وقد يكون هذا الامر ذريعة،
ولكن جامعة الدول العربية، الشاهد الاخرس، اعلنت انها استلمت الرسالة
وستعين موظفا اخر، فهي مصرة على استمرار بعثتها ببغداد المحتلة،
ونامت في غفوة اخرى لتمر الايام والاسباب وتتركها لفضيلة النسيان
التي وُهب بها الانسان، خاصة العربي والرسمي منه عموما. هل جرى توقف
جدي عندها او بحث وتقص لاسبابها؟، خاصة بعد تسريبها للنشر العلني،
وتحدث كاتبها مجيبا على اسئلة مقابلات اعلامية غير قليلة، بما احتوت
او بمجريات اشبه بنصها وحولها، مستثمرا ذلك في توضيح خطابه وتجربته
مستنكرا ان يصبح شاهد زور عربيا، بصفته الرسمية، على الدم العراقي،
فلماذا مرت هكذا؟ وهل يجوز ذلك؟ ومن المسئول عما حدث وحصل وسيحصل
بعدها؟ وهل تنفع سياسات النعامة دولا عربية او جامعة لها، كما يحلو
لها ان تكون وتعمر كل هذه العقود، دون ان تشعر بحرج المقارنة، او
المقاربة اذا رغب المسئولون فيها او عنها، مع غيرها من المنظمات
الاقليمية التي ولدت بفترتها او بعدها، وكيف واين صارت؟.
كتب السفير مختار لماني في رسالة استقالته، حسب وسائل الاعلام التي
نقلتها، نقاطا عديدة منها ما يتعلق بالوضع الداخلي العراقي وعلاقات
قواه وصلاته بها ورأيه بمستوياتها الرسمية والشخصية والشعبية، وفي
النقطة المتعلقة بوظيفته وتكليفه كتب ما يلي:( اتخذ العرب في قمتهم
الأخيرة في الخرطوم يوم 29مارس 2006 قرارا نصت أحد(!) فقراته (الفقرة
الثامنة) على التنفيذ الفوري لقرار فتح بعثة لجامعة الدول العربية
في بغداد وذلك تفعيلا ً للدول (ر) العربي في العراق .... وفتحت البعثة
بدون أي إمكانيات مادية أو أمنية، لا داعي للدخول في سرد تفاصيلها
والصعاب والمخاطر التي رافقتها وفتحت البعثة خارج المنطقة الخضراء
المحصنة لضمان وتسهيل تواصلها مع كافة العراقيين وصممت هذه البعثة
خلال هذه السنة لأن عراقيين كثيرين (هكذا وردت) هم من ساعدوها بمؤازرتهم
ودعمهم نتيجة علاقات بنيت على الثقة وبهدف واحد هو مساعدة العراق
للوقوف من جديد كمنارة إشعاع حضاري. وهؤلاء العراقيون منهم الكردي
والعربي والتركماني ومنهم المسيحي والمسلم الشيعي والسني والصابئي
والأزيدي والشبكي والقائمة قد تطول.)
وهنا لابد من التساؤل عن مشروعية تسميتها وطبيعتها القانونية ولماذا
والعراق بلد عربي من مؤسسي الجامعة؟، وهو الان محتل واقعيا، واي
اشتراك رسمي بهذه الصفة، يضيف على الجامعة تبعات كثيرة، قانونية
واخلاقية وقومية، ام انها ارادت بذلك كما فسر الموقف للمساعدة والتعويض
عن الاعتراف العربي الرسمي بالاحتلال وتبعاته على بلد عربي، شاركت
بعض دولها في مأساته، ومهما صنعت بارسال بعثة الى دولة عضو مؤسسة،
وتسميتها بهذا الاسم، وكأنها دولة اجنبية او صديقة للجامعة، او موهت
المهمة المطلوبة منها اصلا واساسا، فلا عذر لها بالنتائج الكارثية
الحاصلة على ارضه اليوم، او بعد اربع سنوات من فقدان الرؤية والضمير!،
حيث ستبقى تداعياتها وآثارها شاخصة وناطقة ومحملة المسئولية لكل
من سببها واشترك بها، علنا او سرا، تواطؤا او مغامرة، بحساب او مجازفة،
انتقاما او تبعية، تفرجا او رغم ارادته.
ويضيف السفير بفقرة اخرى، او يصرخ بطريقة دبلوماسية ويلعن وظيفته،
كما قرأت بين سطور الاسطر التالية: (في غياب تام لأي رؤيا عربية
متماسكة وجادة في معالجة الموضوع بل انعدام حتى الوعي بضرورة تواجد
هذه الرؤيا بأبعادها السياسية والأمنية وإعادة البناء والاكتفاء
لدى البعض أحياناً بالإنجرار إلى مواقف ترقيعية ومن منطلقات ضيقة
لا تضع بالأساس ولا بالضرورة المصلحة العليا للشعب العراقي وإنهاء
محنته بمساعدة أهله بتحصين بلدهم بتلاحمه الوطني وضمان ربط مستقبلهم
بماضيه المجيد والعريق ولقناعتي أن الثقة والمصداقية وحدهما لم ولن
يمكنا من مساعدات أهل العراق بل ولدا في أعماقي شعور قوي (!) بالإحباط
والقهر أمام المعاناة التي كنت شاهداً عليها طيلة هذه السنة وكذلك
أحاسيس متناقضة بين ما يمكن للمرء ما يتمناه للعراق وما يراه فعلياً
على أرض الواقع. والشعب العراقي وأقصد المواطن العراقي أصبح في موقع
لا يحتاج فيه إلى المؤتمرات (!) تصدر بيانات مهذبة وجميلة، سياسية
كانت أم دينية، هي في نهاية المطاف عبارة عن مبادئ أخلاقية عامة
ومتسامحة لا يختلف عليها اثنان لكنها وللأسف بدون أي أثر يذكر على
الواقع اليومي الأمني والمعيشي لهذا المواطن والذي يزداد سوءاً ورعباً).
هل يمكن ان تمر هذه الاسطر او الرسالة كلها مرور سحاب؟، دون تساؤلات
مشروعة واعتبارات متعددة لها، ومطالبات بمعالجات موضوعية واعادة
نظر فعلية بمهمات الرؤية العربية الرسمية، وبجامعة الدول العربية
نفسها ودورها وعملها وتسميتها، والى متى تبقى الامور ضبابية، وهي
اوضح من قرص الشمس في رابعة النهار؟ والى اين تقود مثل هذه الاعمال،
و"المنجزات" التاريخية للنظام العربي الرسمي وجامعته،
لاسيما وهو مقبل على مؤتمر قمة دوري، وكيف سيعالج هذه القضية؟. وسبق
وان حدد سلفا عبر الزيارات المكوكية جدول الاعمال والافاق منه ،
فهل سيجرؤ ويكسر المألوف ويضع النقاط على الحروف؟ ام يستمر ممثلوه
على شاشات الفضائيات وباقي وسائل الاعلام بترديد ممل لكلمات لا تخرج
عن اللف والدوران حولها.
لقد تشرد من الشعب العراقي بعد الاحتلال، داخل بلده وخارجه، اكثر
من خمسة ملايين مواطن، وقتل وجرح اكثر من مليون، وتسرق ثرواته علنا
في قوانين وقرارات ومؤتمرات رسمية وتصفيق سياسي فاضح، وتبدد امواله
صراحة، حتى بات الكونغرس الاميركي منشغلا في الامر بدعوى شفافيته
المخادعة، ولم تتدخل الجامعة او من يدافع عنها من النظام العربي
الرسمي وغيره في حفظ ماء الوجه العربي الرسمي، اذا بقي منه بعد احتلال
العراق شيئا!.
هل اعتبرت الحكومات العربية من خسارة العراق بعد ان ضيعت فلسطين،
والى متى تقدم الضحايا للمذابح المتتالية؟، وماذا ستحقق الجامعة
العربية وبعثاتها من منجزات اخرى غير البكاء على الاطلال؟. بلا شك،
لا ينفع الندب على وقائع صارخة على الارض بدون موقف حاسم برؤية واضحة،
وارادة حازمة بتضامن شعبي كامل يعلّم المعتدين درسا لا يختلف عن
تجارب اخرى نتذكرها ولا نفعّلها.
كاظم الموسوي
كاتب وصحفي عربي ـ لندن
k_almousawi@hotmail.com
أعلى

مؤامرة الصمت
حين سمعت كلمة الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمر
ميونيخ لشؤون سياسة الأمن تساءلت ما الذي يفتقر إليه عالمنا اليوم؟!
نحن نرى حكاماً طغاة يشنّون الحروب، وينتهكون الشرائع، ويرتكبون
جرائم القتل الجماعي، وتهجير الملايين، ويستخدمون جيوشهم ومخابراتهم
وإعلامهم لنشر الظلم، وقهر الإنسان وسحق كرامته دون أن يرفع أحدٌ
صوته بالاحتجاج، وإذا احتجّ مليون أميركي على الحرب فهناك كواتم
صوت إعلامية تنهي الأمر خلال ثوانٍ في نشرة إخبارية واحدة. ولكنّ
تصريحات الرئيس الروسي بوتين خرقت هذا النمط السائد في العالم حالياً.
الرئيس بوتين ردّ على وزير الدفاع الايطالي الذي قال في كلمته أمام
مؤتمر الأمن في أوروبا "إنّ استخدام القوة يكون مشروعاً إذا
اتخذ القرار من قبل الناتو أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة"
فأجاب بوتين في كلمته معترضاً بأنّ "استخدام القوة يكون مشروعاً
فقط إذا أجازته الأمم المتحدة" وعلينا ألا نجعل من الناتو والاتحاد
الأوروبي بديلاً عن الأمم المتحدة، مضيفاً: "حين تجمع الأمم
المتحدة فعلاً القوة الدولية وتستطيع فعلاً أن تستجيب للأحداث في
بلدان مختلفة، وحين نتخلّى عن ازدراء القانون الدولي، حينذاك فقط
يمكن للوضع أن يتغيّر". كما استشهد بوتين بقول الرئيس الأميركي
روزفلت " بأن أمن كلّ واحد يعني أمن الجميع وأنه حين يُنتهك
السلام في أي مكان فإنّ السلام في جميع البلدان وفي كل مكان يصبح
في خطر."
جوهر الفكرة هنا هي محاولة العودة للمساواة الإنسانية بدلاً من تقسيم
العالم إلى خير وشرّ وإلى حاكم ومحكوم. وقد كان لافتاً أن يشير بوتين
إلى تركة الحرب الباردة والتي ما زالت مستخدمة لدى البعض من التنميط
الايديولوجي إلى النفاق السياسي وعناصر أخرى كانت تشكل الأوجه الحقيقية
للتفكير إبان الحرب الباردة. وبالفعل حين رأينا الرئيس بوش يلقي
خطابه لحالة الاتحاد ورغم الامتعاض المرسوم على أوجه الكثيرين من
نواب الكونغرس مما يقوله، كان مشهد وقوفهم جميعاً، المتكرّر أكثر
من ستين مرة، ليقاطعوه بالتصفيق مسرحية استعراضية كان الغرب يصفها
أيام الحرب الباردة بأنّها أحد مظاهر الخنوع وعبادة الشخصية للحكام
الشموليين والديكتاتوريين في العالم الشيوعي السابق! كما كان إرث
الحرب الباردة واضحاً في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس بوش حيث
تجاهل الصحفيون آراء 63% من الشعب الأميركي بالحرب على العراق وركزوا
أسئلتهم على التشكيك بنوايا الرئيس بوتين، وبنوايا القيادة الإيرانية،
وراحوا يقدّمون المساعدة لبوش في إعطاء المبررات لكل ما يقوم به
في الشرق الأوسط. وساد جوّ من الودّ بين الرئيس بوش والصحفيين حيث
يناديهم بأسمائهم الأولى، والظاهر هو أنه يعلم ماذا سيسأل كلّ منهم.
وحين سأله بيتر عن سكوتر ليبي وشخصين آخرين في الإدارة سرّبا هوية
فاليري بالم إلى الصحافة وأنهما لم يتعرضا للتحقيق أجابه الرئيس
بوش أنه لن يتحدث عن هذا الموضوع وتحوّل الجواب إلى نكتة لأن الرئيس
مستعد لأن يعطيه فرصة لسؤال آخر وهذه دلالة على "لطف الرئيس"،
ولكنّي وجدت في هذه دلالة قاطعة على لطف ما يسمّى "الإعلام
الحرّ" الذي أصبح حرّاً بألا يزعج من تُنزل قراراته المآسي
بالملايين من البشر، وتُمثّل سياسته تهديداً للسلم والأمن الدوليين
تماماً كما قال الرئيس بوتين.
ولا تتوقف عقلية وأساليب الحرب الباردة هنا بل تمتد إلى أوروبا حيث
صمتت الدول الأوروبية عن 1245 رحلة سرية نفذتها طائرات تابعة للمخابرات
المركزية "السي آي إيه" لنقل عدد من "المشتبه"
في علاقتهم بالإرهاب عبر الأجواء والمطارات الأوروبية بالإضافة إلى
العشرات من حالات الاختطاف والتعذيب والقتل لأشخاص "يشتبه"
في علاقاتهم بالإرهاب. لا يُعرف منهم أحد، ولن يُعرف! وخلال الحرب
الباردة أصبح جدار برلين رمزاً للاستبداد، وبعد هدمه تبني إسرائيل
جداراً عنصرياً لا ينتقده أحد كما تطالب الولايات المتحدة الدول
العربية ببناء جدران بينها وتمزيق نسيجها وتحويلها إلى سجون صغيرة
لسكانها في تكرار فاضح لما كان الغرب يقف بقوّة ضدّه إبّان الحرب
الباردة.
وخلاصة كلّ ما تقدّم هو أن العالم اليوم يواجه قراراتٍ خطيرةً تصدر
عن حكام في أنظمة أحادية ترتكز على القوة العسكرية الغاشمة وتأخذ
من مسألة مكافحة الإرهاب ذريعة لانتهاك القوانين المحليّة والدولية
من أجل فرض الهيمنة على العالم والسيطرة على مقدراته ونهب ثرواته
وقتل أبنائه وتفتيت بنيانه، ويتمّ استخدام الإعلام بشكل مكثّف لكتم
أيّ أصوات تحمّل كلّ مسؤول عن الانتهاكات والقتل والحروب مسؤوليته
وفق القوانين والاتفاقات الدولية. والأخطر من ذلك هو التواطؤ الدولي
مع هذه الانتهاكات الخطيرة بدلاً من التصدّي لها في عملية تجاهل
سافرة للقانون والأخلاق الدوليين بذريعة تحقيق أهداف سامية من مكافحة
الإرهاب، إلى نشر الديمقراطية والحرية "ففي زمن كان حرياً فيه
بالاتحاد الأوروبي أن يتولى الزعامة إثر الانتهاكات الأميركية كانت
الحكومات الأوروبية تتواطأ سراً مع حكومة الرئيس جورج بوش حول الاعتقالات
السرية" وأفاد تقرير المجموعة اليسارية الموحدة في البرلمان
الأوروبي "أن معظم دول الاتحاد كانت على علم بالرحلات السرية
التي أشرفت عليها وكالة الاستخبارات الأميركية لنقل عدد من "المشتبه"
في علاقتهم بالإرهاب، من خلال الأجواء والمطارات الأوروبية، وأيضاً
بالسجون السرية التي أقامتها الوكالة على أراض أوروبية لاستجواب
هؤلاء الأشخاص". إذا ما قورنت نتائج كل ما تقدّم بحقيقة أنّ
معلومات المخابرات الأميركية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية برهنت
أن لا أساس لها من الصحة وأن الحرب على العراق التي شُنّت بذرائع
عديدة لم يكن لها أيّ مبرر، وأنها انتهت إلى تدمير العراق، وسلبه
نفطه وخيراته وخبراته وتدمير قدراته المستقبلية ندرك خطورة مؤامرة
الصمت عمّا حدث ويحدث. إنّ الوتر نفسه يعاد عزفه الآن بالنسبة لبلدان
عديدة مستهدفة من قبل نظام يعتمد على المخابرات والحروب وإفساد السياسيين
والإعلاميين لتنفيذ سياسته وتحقيق أهدافه ولا بدّ أن نتساءل لمصلحة
من كانت كلّ تلك الأحداث إذا كان المسلمون المتهمون بها هم ضحاياها
الحقيقيون والمتضرّرون الأُوَلْ من تلك الأحداث؟ وأخيراً إذا أضفنا
إلى كلّ هذا حقيقةَ أصبحت معروفة للجميع وهي أن إسرائيل تمكنت في
السنوات الأخيرة، مع أشدّ المروجين لها من المحافظين الجدد، من تشكيل
سياسات إدارة بوش كما كشفت دراسات كثيرة، وإنّ إسرائيل التي دفعت
الولايات المتحدة إلى الحرب على العراق تدفع الآن جورج بوش لتوجيه
ضربة إلى إيران، وزعزعة استقرار لبنان، وتفتيت السودان، واحتلال
الصومال، يصبح من الأسهل علينا أن نفهم حقيقة ما يجري في هذه البلدان
والدافع الأساسي وراء الترويج للفتنة فيها الطائفية منها، والسياسية
سبيلاً وحيداً إلى تدمير مستقبلها السياسي كي يحقق الاحتلال الإسرائيلي
للأراضي العربية استمراره وغايته. لقد كان الرئيس بوتين محقاً أنّ
"الجميع خائف اليوم من وحدانية القوة للولايات المتحدة ومن
الخطر التي باتت تشكله على السلم والأمن الدوليين" ولكن بدايات
الحلّ هي بأيدي شرفاء العالم الذين يدركون أبعاد وأخطار كلّ ما يجري،
علماً أنّ الخطر لن يستثني أحداً عاجلاً أم آجلاً.
أما بالنسبة للمنطقة العربية، فهناك مظهر يتكرّر في السياسة الخارجية
الأميركية، فنرى مرةً تصاعد دعم الولايات المتحدة لهذا الرئيس أو
ذاك الحاكم، ثمّ تتخلّى عنه دون اكتراث، وهو مظهر يتكرّر جوهره،
لا صديق للولايات المتحدة، فالمهمّ هو من يخدم مصالحها ومتى وإلى
أيّ حدّ، وبالنسبة للعرب فإنّ خدمة المخطط الإسرائيلي الهادف لفرض
الاستسلام على العرب هو جوهر السياسة الأميركية، ولكنّ هذه السياسة
ستطول في النهاية واضعوها ومنفذوها أنفسهم. لقد اكتشف العراقيون
أن الصواريخ التي تسقط على، ما أصرّت على تسميته أجهزة الإعلام،
بأنها مناطق شيعية وسنيّة، تنطلق من مكان واحد قرب قواعد الاحتلال
فكم سيتغير المناخ السياسي والمستقبل السياسي للعرب لو آمنوا جميعاً
أن الاستهداف لهم جميعاً دون استثناء، وأنّ مصدره واحد ألا وهو أعداء
وحدتهم وقوتهم ومستقبلهم. أوَرأيتم إلام يفتقر العرب والعالم اليوم؟
إلى الرؤية الواضحة بوحدة الأسرة الإنسانية، وأنّها تبحر في قارب
واحد وأنّ الاحتلال الأجنبي لا يميّز بين بلد وآخر، وبين نظام وآخر،
وأنّ السجون السرّية لم تميّز بين المغربي والأردني والعراقي وأن
التعذيب مورس على الجميع، وأنّ نفط الجميع مُهدّد بالنهب. إنّ الأخطار
التي تحيق بالمنطقة تجعل مما يجري في العراق مقدّمة فقط لمرحلة أصعب
وأقسى وأخطر على الجميع في المنطقة وخارجها، فهل لنا أن نشدّ على
يدي الرئيس بوتين وعلى كلّ الصادقين والشجعان من القادة والحريصين
فعلاً على أمن العالم وسلامة أبنائه في كل مكان. وليتذكر الجميع
أن من يدعم الحق يدعمه الحقّ، ومن يُضعِفُ الحقَّ يضعفَه الحقُّ،
والوقوف ضد من يشكل الخطر الحقيقي على حياة الناس وأمنهم لا يزيد
الإنسان إلاّ قوّة واحتراماً ومصداقية، وهؤلاء المعنيون والحريصون
هم الوحيدون الذين يجدون مكاناً في كتب التاريخ المستقبلية، أما
المتواطئون على حياة ومستقبل البشر، فينتظرهم شرّ مصير مهما أبدوا
اليوم من قوّة وتجبّر.
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى

الكتابة على الحائط
ربما يحتاج العرب اليوم إلى كاتب مثل الياباني
"اهيرو كوساكي" الذي نشر كتابا في الستينات من القرن الماضي
بعنوان "سقوط القناع الياباني" صارح فيه أهل بيته بنقائصهم
السياسية والاجتماعية فمستقبل العرب مكتوب على الحائط لمن يريد أن
يقرأ، وهو مستقبل مظلم، يعود بهم بسرعة شديدة إلى "الهويات
الصُغرى" ويفرقهم إلى مجموعات عشوائية.
حدثني زائر عراقي بقوله إن القتل في العراق أصبح بسبب الاسم فقط
، فقد قتل قبل فترة اثنا عشر شخصا لأن أسماءهم تبدأ بعثمان! كما
نقل لي صديق قبل ذلك بفترة قصيرة أن طلب منه برجاء حار أن يحاول
تخليص ابنان لأحد أصدقائه الخلص، خُطفا لان اسميهما بالصدفة علي
وحسين. تلك حقائق على الأرض تفسر جملة الصراعات التي يدخلها عالمنا
العربي. الذي يفرق أبناؤه بعضهم بعضا بسبب الهوية والانتماء الضيق
ليس في العراق فقط، بل وفي لبنان وفي السودان وحتى في فلسطين، فأنت
تستطيع أن تفرق بين الفتحاوي والحمساوي ببساطة عندما تنظر إلى أيهما
يلبس الكرافتة أو الآخر يترك ياقة قميصه مفتوحة!! إنها هويات متصادمة،
وإن لم تكن موجودة فإنها تخلق، إما من خلال تعميق الهويات القائمة
أو من خلال استنبات جديدة، كالاكتشاف فجأة أن هناك "أكثر من
إسلام" وفرق "ناجية" وأخرى "مدانة"
قبل خمسين عاما بالمقارنة نشر المفكر والفيلسوف البريطاني ارنولد
توينبي كتابا كان بمثابة الكتاب الأهم لجيلنا، والكتاب بعنوان "من
النيجر إلى النيل" أهمية الكتاب وقتها أن توينبي، وبعد عدد
من المقارنات، وهو المؤرخ الأشهر، تنبأ بالتالي فقال "(إذا
أنجز العرب وحدتهم بنفس معدل انجاز الوحدات الأوروبية ، التي حدثت
في القرن التاسع عشر، فسوف تتحقق الوحدة العربية عام 1974 ) فات
على ذلك التاريخ أكثر من ثلاثة عقود اليوم، ولم يتحقق حتى جزء مما
تنبأ به ذلك المؤرخ، بل إن ما كان وقت نشر كتابه موحدا، تفتت إلى
أجزاء.
الغريب أن ما قال به توينبي كان معتمدا على دراسات قياسا على الوحدتين
الألمانية والايطالية التي تحققت في القرن التاسع عشر، ولو بقي المؤرخ
حيا إلى اليوم ربما فوجئ بالوحدة الأوروبية التي انتشرت من الغرب
إلى الشرق.
لقد انتقل الرجاء العربي من الوحدة إلى طلب متواضع هو التنسيق وحتى
وحدة العمل، وحتى ذلك غير موجود، وأصبح العربي عدوا للعربي الآخر
في موطنه الواحد، يعد له العدة ويحمل ضده السلاح.
جزء من المعضلة أن الذات العربية التراثية والحضارية طمست واهيل
عليها الكثير من التراب، وقد استعصى علينا حتى الآن الانخراط في
الإيقاع الحضاري والثقافي المعاصر، فوجدنا أنفسنا نبحث عن الجزئيات
في تاريخنا ونعظم الخلافات ونتجاوز المشترك، ولم تعد "الوحدة"
الشاملة مشروعا غير محتمل الحدوث، بل وأصبحت الوحدة الوطنية هدفا
بعيد المنال في بعض دولنا.
إن الدعوة لإعادة تفسير التراث طبقا لمنطوق العصر وحاجاته هي الدعوة
الصحيحة، فكيف يقاتل بعضنا بعضا بسبب أحداث مضى عليها أكثر من ألف
عام ؟ ولم تعد "الدولة الإسلامية" على كثرة المنادين بها
هدفا عقلانيا يمكن أن يتحقق، بل أصبح لزاما على الجميع الحديث عن
المواطنة، وهي الشكل المقبول عالميا وممكن تحقيقه على الأرض. أما
تقسيم المواطنة إلى هويات مختلفة تحت ذرائع مختلفة ما هو إلا محاولة
لتدوير المربعات، عبثية وغير ممكنة. فلا احد يرى غير الفلسطيني يمكن
أن يتحمل تبعات تحرير بعض أرضه، مهما قدم له الآخر من الكلمات المعسولة
والوعود، ولعل التوجه لحكومة "وحدة وطنية" فلسطينية هي
عين العقل، وكان يجب أن تأتي باكرا وليس لاحقا. ولا احتفاظ جزء من
الشعب اللبناني بقوة سلاح ضاربة تحت أية ذريعة سوف ينجي لبنان من
المصائب، بل النجاة هي في الوحدة الوطنية، وحدة الهدف ووحدة السلاح.
تحت مظلة الدولة، كما أن قتل العراقي للعراقي سوف لن يأتي بالسمن
والعسل لأهل العراق، فلا مناص أن يعيشوا معا تحت سقف الدولة الواحدة.
أليس حرب الهويات المتنافرة في الوطن الواحد عملية عبثية وفارغة
من المحتوى؟ إذا لماذا يتشبث بها البعض إلى حد الموت ؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من إذكاء روح العراك بين الفكر ونفسه،
فالعيش على أفكار تأخذ العامة إلى مواقع التهلكة وتعطل ملكة العقل
وتستهلك الطاقات وتحديات العصر تضربنا بقوة هو إضعاف ما بعده إضعاف
للدولة العربية الحديثة. فلم يعد هناك بديل ثالث بين الانحطاط والانقراض
من جهة وبين النهضة من جهة أخرى إلا العودة إلى العقل. إن الإعاقة
التي تفرضها حرب الهويات على بلداننا من السودان حتى العراق مرورا
بكل ما يحدث في منطقتنا العربية من اليمن حتى الجزائر، هذه الإعاقة
هي اخطر من إعاقة المستعمر التي مرت بنا في القرن الماضي، واخطر
من كل الأمراض التي ضربت امة العرب.
الحروب العربية الأهلية التي تنخر جسم شعوب عربية عديدة اليوم ليست
بعيدة عن الجميع، فهي احد حقائق العيش العربي، ولأنها كذلك فإن من
الخطأ التغاضي عن نتائجها وشرورها، وفي الاجتماع القادم للقمة العربية
قريبا والتي ستعقد في الرياض من الواجب طرح الأمر على الجميع، كما
يتطلب تساند الجميع لوضع حلول عقلانية لهذه الحروب الأهلية الدائرة،
أو التي تلوح في الأفق.
فهل يقرأ الجميع ما هو مكتوب بحروف كبيرة على الحوائط؟
د. محمد الرميحي
كاتب وباحث أكاديمي كويتي
أعلى

تجانس الفشل والنجاح
وقع العديد من المحللين السياسيين تحت وطأة
ثنائية النجاح أو الفشل بشأن خطة الرئيس الأميركي جورج بوش إزاء
العراق، وراحوا يقدمون وصفات جاهزة لأسباب الفشل وعوامل النجاح بدون
أن يأخذوا بالاعتبار الاحتمالات الأخرى، وبذلك وقعوا في مطب أريد
لهم أن يدوروا في فلكه، بتعميم تلك الثنائية الساذجة، وبذلك جاءت
تحليلاتهم متطابقة على وفق رؤية الطرفين المروجين للنجاح أو أولئك
الذين شككوا بجدواها بعد أن سوقوا انطباعات يومية توحي كأن الرئيس
بوش وقع في الزاوية الضيقة بسبب الأكثرية التي يمثلها (الديمقراطيون)
في الكونغرس، ثم جاءت الواقعة التي تنسف ذلك من الأساس عندما لم
يستطع الرافضون لخطة بوش من الحصول على الأغلبية البسيطة لمجرد مناقشة
هذا الموضوع في الكونغرس وهو الحادث الذي دفع هؤلاء المحللين إلى
التفتيش عن قناعات أخرى يعلنونها لمعالجة الإحباط الذي أصيبوا به،
فذهبوا في تعليقاتهم إلى اجتهادات أخرى بدأت ضعيفة في قراءتها لما
يجري وكانت على عجالة أصلاً.
والحال أن أخذ الأمر بهذه البساطة من حيث الفشل والنجاح بشأن خطة
بوش لا تنطبق على خطة من هذا النوع هي أصلاً بأبعاد معقدة كما أعدت،
وكان الأحرى بهم أن يعتقدوا أولاً أن ليس من المعقول أن يرفع بوش
الراية البيضاء لمجرد أن هناك معارضة من (الديمقراطيين) له في سياسته
الخارجية، كما ليس من المعقول أيضاً أن تعلن الولايات المتحدة الأميركية
هزيمتها بهذه السهولة وتفرج عن نفسها تحت طائلة المأزق الذي هي فيه،
ومن يتابع رؤية عدد من منظري السياسة الأميركية يستطيع أن يتلمس
جذور هذه الفخاخ الإعلامية والسياسية الأميركية، فعلى سبيل المثال
لا الحصر يرى هنري كيسنغر وزير الخارجية الأسبق أن من الخطأ الاعتقاد
أن السياسة الأميركية يمكن أن ترهن مؤسساتها ضمن حدود الفشل والنجاح
بمفهوميها الماديين المعروفين، مشيراً إلى أن الفشل والنجاح هما
ضمن السياسة الأميركية يمثلان خليطاً متجانساً في أكثر الأحوال وليس
العكس.
ولعل ما صرح به وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس يؤكد هذا
التشخيص عندما قال إن الخطة الأميركية إزاء العراق ليست مجردة عن
بدائل أخرى ممكن استخدامها على وفق ما تفرضه الظروف السياسية والعسكرية،
وبمعنى تفصيلي لهذا التصريح أن الرئيس بوش قد يتخلى عن خطته الجديدة
حتى مع حصول مكاسب مهمة منها على الصعيد الأمني الأميركي لأن الخطة
أصلاً بقدر محدوديتها من حيث الرقعة الجغرافية التي يمثلها العراق
فإنها ترتبط بعوامل سياسية وجغرافية لها مواقعها بعيداً عن العراق.
لقد أراد الرئيس بوش بما طرحه أن يضيف بعداً آخر لاحتلال العراق
يرتبط بقضايا إقليمية ودولية وإلا كان الأسهل لإدارته أن تأخذ بالتوصيات
التي عرضتها لجنة بيكر- هاملتون خاصةً وأنها توصيات جاءت بعد مراجعة
ميدانية واسعة للوضع العراقي والإقليمي لا أن تتجاهل تلك التوصيات
مع الإشادة بها من قبل الطاقم السياسي للرئيس بوش.
والتصور الذي يجدر إضافته هنا أن الرئيس بوش جر العديد من السياسيين
العراقيين إلى تنظيم توقيتاتهم السياسية على إيقاع ساعته السياسية
خاصةً وأنه قال أكثر من مرة إن أمر سحب القوات الأميركية ليس في
جدول أعماله الحالي، وبذلك نجح في تأجيل الضغط باتجاه وضع جدول زمني
لانسحاب القوات الأميركية من العراق على الأقل قبل المدى الزمني
الذي وضعه وزير الدفاع روبرت غيتس وهو سقف شهر نوفمبر المقبل كحد
أدنى للحكم على فشل الخطة.
وهكذا أيضاً فإن من الحتمي أن تتنفس الخطة الأميركية المرسومة للعراق
بصورة ما من المتغيرات التي حصلت في الساحة الفلسطينية لصالح الاقتراب
من التسوية السلمية خاصةً في إطار الموقف الجديد الذي قدمته حركة
حماس وأكدت فيه التزامها بالاتفاقيات التي عقدت بين السلطة الفلسطينية
والإسرائيليين.
بل ليس بعيداً هم ذلك أيضاً أن "الطبخة العراقية" التي
أعدتها الإدارة الأميركية مرهونة بحجم التجاذب السياسي الكبير بينها
وبين إيران والارتباطات المعروفة بين قوى عراقية فاعلة وبعض دول
الجوار العراقي مع العلم أنه لن تخلو الساحة العراقية على مدى السنتين
المقبلتين من وجود أصابع تأثير لهذه الدول بدون استثناء، ومتى ما
وجدت أن مصالحها جميعاً أو حتى ثنائياً تقتضي الاقتراب من بعضها
البعض فإنها ستكون مستعدة لهذه المتغيرات بالمزيد من الحركة ولذلك
يجب أن لا نستغرب أن تشهد الفترة المقبلة توجهات متسارعة من هذا
النوع على الرغم من ضجيج التجاذبات الحالية.
ثم إن للخطة التي أعدتها الإدارة الأميركية مجسات ذات اختصاص معروف
في تحقيق احتواء متعدد الأطراف ونستطيع أن نؤشر ذلك في المدى الزمني
الجاري من التعامل مع التركيبة السياسية التي تدير الحكم العراقي
في حين يدفع المواطن العراقي البريء ضريبة الاحتلال والاستقطاب الطائفي
والعرقي.
إن الاشتغال الوطني العراقي الحقيقي لا يجوز أن يعلق آماله على فشل
أو نجاح رؤية الإدارة الأميركية إزاء العراق، وإنما على حقيقة تكوين
حصانات وطنية في مواجهة التشرذم والتطاحن المذهبي والعرقي، فهذه
هي الخطوة التي يخشاها الاحتلال وهي الخطوة الوحيدة التي تعيد الاعتبار
لمفهوم الوحدة الوطنية العراقية المقاومة التي هي جسر الخلاص العراقي
من الاحتلال ومن وباء الطائفية والشخوص المذهبية.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى